المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقلام وآراء 32



Haidar
2011-03-28, 10:12 AM
اقلام واراء{nl}(32){nl} سذاجة «الحماية»: التدخل في ليبيا بين «الشرعية الأخلاقية» و«القانونية»{nl} أخيراً... العرب يعودون إلى التاريخ{nl} أن تزرع ثورة لا يعني أن تحصد ديمقراطية!{nl} صعود قوة المجتمعات أمام السلطات الحاكمة{nl}سذاجة «الحماية»: التدخل في ليبيا بين «الشرعية الأخلاقية» و«القانونية»{nl}السفير{nl}مايك ل دويل{nl}في اللغة التقليدية لمجلس الأمن الدولي، يجيز القرار 1973 الذي تم إقراره في 17 آذار العام 2011 للدول الأعضاء «اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية... لحماية المدنيين والمناطق المدنية المأهولة» في ليبيا، من خلال فرض منطقة حظر جوي على نظام الرئيس الليبي معمر القذافي.{nl}وبفضل هذا القرار، أصبح لمبدأ «مسؤولية الحماية» أنياب ومخالب. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنّت هذا المبدأ بقرار اقترحته منظمات غير حكومية، والأمين العام آنذاك كوفي أنان، بالإضافة إلى فريق من الخبراء تابع له، خلال القمة العالمية في العام 2005.{nl}وتضمّنت الوثيقة الأصلية تعريفا لهذا المبدأ على أنه «مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الشعوب من المذابح الجماعية وجرائم الحرب والتصفية العرقية والجرائم ضد الإنسانية»، وبالتالي فقد تمّ تحديد الأسس الأربعة التي تسمح بالتدخل بالارتكاز على هذا المبدأ.{nl}ويعد تدخل المجتمع الدولي في ليبيا الحالة الثالثة تاريخياً من حيث تطبيق هذا المبدأ. وكانت الثانية قبل أسابيع، حين استهدف قرار مجلس الأمن هجوم القذافي على الثوار من خلال فرض عقوبات مالية وحظر إمداده بالسلاح. غير أن القرار 1973، هو الأول من نوعه من حيث موافقة مجلس الأمن على استخدام القوة تحت مبدأ «مسؤولية الحماية».{nl}وبموافقته على هذا المبدأ، يكون مجلس الأمن قد تخطى اللغط القائم بين «المشروع» (أي المبرّر أخلاقياً) و«القانون» (أي المجاز بالقانون). وكانت «لجنة كوسوفو»، وهي مجموعة من الحقوقيين المستقلين برئاسة القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون، أول من أشار إلى هذا اللغط في العام 1999 عندما حققت في مسألة تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو. واعتبرت اللجنة وقتها أن هذا التدخل «مشروع لكنه غير قانوني»، على اعتبار أن الدول الغربية أنقذت الكوسوفيين الذين عانوا من التصفية العرقية خلال حكم الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش، لكنها قامت بذلك من دون أي تفويض قانوني من مجلس الأمن (نتيجة الفيتو الروسي والصيني).{nl}أما في الحالة الليبية، فقد نجحت الدول الغربية في تأمين قانونية التدخل بعشرة أصوات مؤيدة، وخمسة ممتنعة عن التصويت، ومن دون أي فيتو.{nl}وعبر الارتكاز على مبدأ «مسؤولية الحماية» للتدخل في ليبيا، يعيد مجلس الأمن تسليط الضوء على المغالطة بين «المشروع» و«القانون». غير أنه، وفي كلتا الحالتين، تبقى النتيجة الممكن تحقّيقها من العملية العسكرية على هذين الصعيدين ضبابية وبعيدة المنال.{nl}ويمكن فهم عقدة مجلس الأمن في التعامل مع القذافي عبر التدقيق في ميثاق الأمم المتحدة نفسه. فهذا الميثاق يؤكد أنه ليس هناك «ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما». ويأتي الاستثناء الأوحد على هذا المبدأ في الفصل السابع من الشرعة، الذي يجيز لمجلس الأمن التدخل في ما يتم اعتباره «تهديداً للأمن والسلم العالمي»، أو في وجه أي فعل «عدوان»، أو «لإعادة الأمن والسلم الدولي». ولا تعتبر خروق الدول الداخلية – وبما فيها قتل المدنيين ـ «تهديداً عالمياً».{nl}غير أن مجلس الأمن، وعلى الصعيد العملي، رفض حصر عبارة «تهديد السلم» بكونها ما يمثل خطرا على «السلام الدولي».{nl}وقد تردّد اعتماد هذا النوع من التفسيرات المبهمة في أكثر من مناسبة بعد الحرب الباردة عبر تمييع متطلبات الفصل السابع حول «التهديد الدولي»، بهدف فرض عقوبات تجارية ومناطق حظر جوي، وحتى التدخل العسكري في وجه حالات الإبادة الجماعية والتصفية العرقية وجرائم الحرب وحالات إنسانية أخرى كما هو الحال في هايتي وكمبوديا والعراق وليبيريا ورواندا والصومال ويوغوسلافيا السابقة.{nl}وأخيراً، تمّت بلورة مبدأ «مسؤولية التدخل» للردّ على هذا اللغط الذي يسببه التدخل العسكري الأجنبي «المشروع» (أحياناً) في شؤون داخلية لدولة ما، لكن بما يتناقض دائماً مع الفصل السابع قانوناً.{nl}وبالرغم من أن التدخل الأخير في ليبيا قد يثبت هذا المبدأ ويوضح ركائزه، إلا أنه لن يحلّ العقدة المتمثلة بالتناقض بين ميثاق الأمم المتحدة، وتوصيات مجلس الأمن عند إقراره. وفي الوقت ذاته، قد يجيز هذا القرار فرض منطقة حظر جوي وحماية {nl}المدنيين، لكنه لا يجيز الإطاحة بالقذافي كما يطالب الرئيس الأميركي باراك أوباما، والذي من شأنه توفير أرضية ملائمة لحل سياسي مطلوب لهذه الأزمة.{nl}بالإضافة إلى ذلك، تشكّل مسألة الحظر الجوي بحدّ ذاتها موضع شكّ من حيث شرعيتها الأخلاقية. فمن يهدف إلى التدخل بهدف حماية الكرامة الإنسانية وخدمةً للديموقراطية وحقوق الإنسان، عليه أن يدرك أن التاريخ والتجربة يثبتان أن هذه المبادئ هي نتيجة مسار تطور جدلي داخلي بحت، وليس قوانين وتشريعات مفروضة من الخارج. ففرض الديموقراطية من الخارج لطالما واجه إحدى هذه العقبات الثلاث:{nl}إما أن تأتي قيادة جديدة لتجد نفسها غير قادرة على الحكم بسبب عدم تمتعها بتأييد داخلي، وبالتالي، كما حدث في العراق، تأتي الفوضى الداخلية بعد اجتياح التحرير. أو تجد القيادة الجديدة نفسها مرتهنة لقوات التحرير ودولها بسبب فقدانها للتأييد الداخلي، فتتكون دولة تابعة ضعيفة. أو يخلف الدكتاتور القديم دكتاتور آخر جديد بشعارات جديدة وإيديولوجية مقنعة أخرى، وبالتالي، لا يكون هذا المحرر مسؤولاً فقط عن الكلفة البشرية والمادية التي خلفتها حربه، وإنما عن حرب أهلية مستعرة أخرى، أو مستبد آخر من صنعه.{nl}ولكن في بعض الأحيان، قد تقتضي الظروف الاستثنائية على الدول المتدخلة التغاضي عن هذه المسلمات، ولاسيما عندما يهدف تدخلها إلى استدراك احتمال وقوع ضحايا نزاع أهلي قائم أصلاً (كما حصل في رواندا في العام 1994).{nl}ويمثل هذا التدخل الإنساني أفضل غطاء قانوني للتدخل الأجنبي الحالي في ليبيا. غير أن هذه التدخلات العسكرية الشرعية يجب أن تتمتع بنوع من التوازن والنسبية، بمعنى أن عدد ضحاياها يجب أن يكون أدنى من العدد الذي يتمّ إنقاذه. ومع أن الحظر الجوي يحمي الثوار وأنصارهم من المدنيين في الوقت الحالي، إلا أنه قد يكون في صدد التأسيس لمرحلة جديدة وطويلة من الحرب الأهلية.{nl}بالإضافة إلى ذلك، يجب عدم القيام بأية أعمال عسكرية إلا في حال المعرفة سلفاً أن بإمكانها تحقيق النتائج المرجوة. وفي الحالة الليبية، لم تتحدد بعد هذه النتائج. فلكان بإمكان القذافي على الأرجح احتلال عاصمة الثوار، أي بنغازي، من خلال عتاد جيشه البري والجوي، غير أن تدخل الحلفاء سيدمر سلاح الجو ويحمي المدنيين من هجوم برّي ضارٍ.{nl}ولكن في جميع الأحوال، لا يبدو الثوار قادرين على السيطرة على كامل الأراضي الليبية حتى لو تمّت تصفية قوة القذافي الجوية، إلا في حال تزويدهم بالسلاح أو دعمهم بقوات برية، وهي مساعدات لا يجيزها القرار 1973.{nl}ويبدو أن التدخل الأجنبي في ليبيا يخلط مجدّداً بين القانون والمشروعية الأخلاقية. كما أنه يخالف ميثاق الأمم المتحدة حول التدخل. وسيظل هذا القرار بمثابة إشكالية أخلاقية إلا في حالة واحدة: التمكن من المساهمة في إيجاد حل لهذه الأزمة مع تفادي خسارة إضافية في الأرواح.{nl}وستمثل هذه المعضلة العقبة الأساسية بالنسبة لأصحاب القرار والمفاوضين في الأسابيع والأشهر المقبلة، فإن حافظ القذافي على موقعه في السلطة ونجح الثوار في حماية مواقعهم، هل سيشكل الانقسام حلاً عملياً؟ ولو لم يتوصل القذافي والثوار إلى أي اتفاق سياسي، هل يستطيع المجتمع الدولي مواصلة تدخله مع استمرار القتال بين الطرفين بأسلحة خفيفة؟ أم هل يتخطى المتدخلون القرار الدولي ويطيحون بالقذافي، ومعه مصداقية التدخل الشرعي الذي يجيزه مبدأ «مسؤولية التدخل»؟{nl}وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، فمن المؤكد أن الدور العسكري الدولي في ليبيا سيعيد رسم أطر «مسؤولية التدخل» {nl}وكيفية تنفيذها في المستقبل{nl}أخيراً... العرب يعودون إلى التاريخ{nl}دار الحياة{nl}محمد علي مقلد{nl}أطلق شكيب إرسلان في القرن الماضي سؤاله الشهير: لماذا تقدم الغرب وتخلّف المسلمون؟ ولم يأته الجواب إلا من تونس بوعزيزي ومن ميدان التحرير في مصر: الشعب يريد تغيير النظام. قبلهما ظلت الأجوبة في منأى عن بنية النظام، بل هي حامت حوله. محمد علي باشا دخل من باب الاقتصاد وظل هو الباشا، وعبدالناصر دخل إلى السياسة من بابها الخلفي، فحافظ على النظام واكتفى بتغيير السلطة. ذلك أن باب الدخول إلى الحضارة الحديثة، بل إلى التاريخ هو باب الثورة السياسية، لا أية ثورة أخرى ثقافية على طريقة ماوتسي تونغ أو اقتصادية على طريقة لينين. إنها طريقة الثورة الفرنسية بالذات التي ألغت نظام الوراثة وسنت القانون الوضعي الذي أسس للفصل بين السلطات ولتداول السلطة.{nl}قبل الثورة الفرنسية كانت البلدان المنخفضة وإسبانيا وبريطانيا سباقة في ثوراتها الاقتصادية، لكن المجد لم يكتب لغير الثورة الفرنسية لأنها هي التي حققت في السياسية ما يحمي تطوراً هائلاً في الثقافة والاقتصاد كان قد بدأ قبل قرون، حين استلمت أوروبا راية الحضارة من العرب، في ما يشبه سباق البدل بين الحضارات، بعد أن كان العرب قد استلموها قبل ذلك من الفرس والبيزنطيين واليونانيين.{nl}حضارة العرب كانت تطويراً للحضارة أو الحضارات التي سبقتها مباشرة، وكان أهم ما تميزت به أنها جعلت الحاكم حاكماً باسم الله أو ممثلاً لله على الأرض، بعد أن كان الحاكم في الحضارات التي سبقتها، كما في الفرعونية الأولى مثلاً، الله أو يشبهه أو يوازيه. أوروبا أحدثت نقلة جديدة حين جعلت الحاكم ممثلاً للشعب، واستحضرت الديموقراطية بعد أن رفعتها من مساواة بين علية القوم (اليونان القديمة) إلى مساواة بين جميع المواطنين.{nl}باسم هذه الحضارة انطلقت أوروبا إلى العالم، وكانت المنطقة العربية أول من نعم بهذا الاحتكاك حين قدم نابليون إلى مصر. غير أنها أتت مع التباساتها الناجمة من كونها ذات وجهين، وجه الحضارة ووجه الاستعمار، ولم نكن وحدنا من أوقعه الالتباس في الحيرة، غير أننا كنا الأكثر حزماً فرفضنا العرض من اللحظة الأولى، بينما قبله آخرون، مكرهين، كما في الصين، أو طوعاً كما في اليابان.{nl}إنها الحضارة الرأسمالية التي قدمت نفسها على أنها حضارة العلم والصناعة والديموقراطية، وتوالى الرفض العربي لها من أول الأصوليات الدينية إلى آخر الأصوليات العلمانية، ورحنا نطلق عليها كل الأسماء إلا اسمها الحقيقي: حضارة غربية، حضارة مادية، حضارة مسيحية، الخ... وجعلناها عدواً وصوبنا عليها ورميناها بتهمة الاعتداء على الأصالة والتاريخ، وقاومناها بكل ما أوتينا من تعصب أعمى للجهل والأمية وكل أعراض التخلف، وحاولنا أن نرد عليها بالانغلاق على النفس، بل إننا ابتكرنا في مواجهتها كل ما تفتق عنه العقل من صنوف الاستبداد، قديمه وحديثه، من أقبية التعذيب والسحل والقتل والنفي والسجن والمخابرات وأجهزة الأمن، الخ، الخ... وظل الثابت في كل هذه الصنوف هو التوريث السياسي. من هنا كان الجواب المصري - التونسي الذي يتردد صداه في كل أرجاء الأمة: الشعب يريد تغيير النظام.{nl}من تجربة محمد علي باشا التي لم تكتمل، إلى تجربة الحركة القومية العربية التي انهارت في مواجهة تحديات العصر، حاولنا أن نجيب عن ذلك السؤال التاريخي. أتى الجواب الأول من الأصوليات الإسلامية قبيل وصول نابليون وبعده، ومن السلطنة العثمانية التي اعتمدت سياسة الممانعة، حيث لم يكن التخلف العربي العثماني الإسلامي، في نظر أصحاب الجواب، سوى نتيجة جهل المسلمين بأصول دينهم، ما يعني أن الحل هو في العودة إلى الأصول. لكن الحل تجاهل كل أسس التقدم الغربي الرأسمالي المتكاملة، في الفكر كما في السياسة كما في الاقتصاد. السنوسية كانت أكثر التجارب الأصولية اكتمالاً، فاقتصرت على تغيرات طفيفة في إدارة النظام الاقتصادي السياسي الثقافي القائم، ولم تطمح إلى إحداث نقلة نوعية في أسس هذا النظام، ولا سيما في أساسه السياسي، تماماً مثلما حصل بعد قرنين في التجربة الاشتراكية التي ركزت اهتمامها على توزيع الثروة لا على إنتاجها.{nl}لم تر الأصوليات القومية في الرأسمالية إلا وجهها البشع، الاستعمار، فحاربتها مثلما حاربتها الأصوليات الماركسية لاحقاً وحاولت أن تلغيها من التاريخ وتصنع، على أنقاضها، تاريخاً جديداً يبدأ بالاشتراكية. على أن هذا الرفض الأصولي القاطع، الديني والقومي والماركسي، لم يجمع على شيء إجماعه على رفض الوجه الإيجابي في الحضارة الرأسمالية، أي على رفض الديمقراطية.{nl}ربما يكون ذلك في أساس هذه الظاهرة الفريدة في عالم القرنين العشرين والحادي والعشرين: استمرار أنظمة الحكم الوراثي، في العالم العربي وحده دون سواه من دول العالم، في كل السلطات المتعاقبة بعد مرحلة الخلفاء الراشدين، في دولة الخلافة أو في الدويلات المتفرعة عنها أو في أنظمة الأحزاب والجماعات والقبائل المعارضة حتى لو لم تكن حاكمة. ولم تأت الانقلابات العسكرية في دول الاستقلال إلا لتكرس الموقف ذاته المعادي للديموقراطية وتداول السلطة في العالم العربي، ولتشوّه معنى الثورة.{nl}حوالى قرنين من الزمن إذاً، أي قرنين من معاندة التاريخ، بل من خروج العرب من التاريخ، إلى أن أتت باكورة أحداث كبيرة في تونس ومصر لتعلن نهاية عصر الانقلابات العسكرية والبيان الرقم واحد، ولتعيد الاعتبار الى فكرة الثورة بما هي تغيير جذري في بنية المجتمع والدولة، ولا سيما في بنية النظام السياسي، تغيير يفسح في المجال أمام الانتقال إلى مرحلة الديموقراطية وحكم الشعب، أي إلى بناء دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والعدالة والحرية والفصل بين السلطات، الخ...{nl}جربت المنطقة العربية كل الأجوبة: الإسلام هو الحل، فكان تطبيقه في الجزائر حرباً أهلية وفي السودان تقسيم البلاد وفي إيران وأفغانستان كل صنوف إلغاء الرأي الآخر؛ الوحدة القومية هي الحل، فكانت تجربة الوحدة الطوعية بين مصر وسورية، وتجربة الإلحاق القسري للبنان بسورية أو للكويت بالعراق، حافلة بالمآسي، الاشتراكية هي الحل وقد انهارت التجربة في البلد الأم لتنهار بعده كل التجارب التي استلهمتها. والمشترك الأساسي في كل تلك الحلول هو مجافاة الديموقراطية ووضع بلدان العالم العربي أمام خيارين، الاستبداد أو الحروب الأهلية أو التقسيم. من العراق شرقاً حتى الجزائر، ومن لبنان شمالاً حتى اليمن: المصائر ذاتها: إما تأبيد أنظمة الحكم، حكم الطوائف والقبائل والتوريث وإما الحروب الأهلية، إلى أن جاءنا الجواب الشافي من مصر وتونس: الحل في الديموقراطية.{nl}لم تصنع الثورة الفرنسية سلاماً أهلياً، بل وضعت أسسه. غير أن الحضارة الرأسمالية احتاجت إلى حربين عالميتين على الأقل لتقتنع بأن الديموقراطية ليست صناديق اقتراع فحسب، بل هي قبل ذلك تكافؤ فرص في تحصيل الثروة وفي تحصيل المعرفة، وهي عدالة لا تقوم إلا على الفصل بين السلطات وعلى تداول السلطة، الخ. كل ما نطمح إليه ألا يحتاج العالم العربي إلى ردح طويل من الزمن ولا إلى مآسي حروب أهلية ليقتنع بأن باب الدخول في التاريخ الحديث هو قيام الدولة الديموقراطية.{nl}أن تزرع ثورة لا يعني أن تحصد ديمقراطية!{nl}الشرق الأوسط{nl}يوسف الديني{nl}في زمن الخديعة يصبح قول الحقيقة عملا ثوريا.{nl}جورج أورويل.{nl}لم أكن في يوم ما من أنصار أو مؤيدي نظرية المؤامرة؛ تلك التي عادة ما ترسم سيناريوهات معقدة لما يدور خلف الكواليس في صناعة الأحداث الدولية عبر أجندات خاصة تصور العالم كدمى وعرائس غير قادرة على الفعل تديرها «قوى خفية» تصنع البهجة والأحزان في آن واحد.{nl}ما الذي يحدث إذن؛ هذه الحلقات المتشابهة من مسلسل الثورات الطويل والمثير للدهشة والتساؤل، الذي جعل الكثيرين يلقون بأوراقهم وأفكارهم وتصوراتهم حول عالم القوى والسياسة وصراع السلطات داخل المجتمع الواحد ويتبنون تصورات حالمة عن ما يحدث تلغي الأسباب والنتائج وتتحدث عن «أساطير» جديدة تتصل بعالم التقنية بدءا من الـ«فيس بوك» وانتهاء بغضب الشباب الجامح للتغيير، هذه التصورات تقدم وصفات سحرية لصنع «ثورة» بأقل التكاليف وتغيير واقع معقد دون تدخل خارجي أو مباركة من القوى المهيمنة.{nl}لا أزعم أنني أملك الإجابة، وعلى الضد من ذلك أتخيل أن كل من يقدم تحليلا نهائيا وناجزا لما يحدث يختزل الحقيقة ويشوهها؛ إلا أن عدم امتلاك تصور واضح لا يعني أننا لسنا بإزاء ظواهر جديدة قذف بها المشهد اليوم على سطح الواقع المتكلس بفعل الهوة السحيقة بين طريقة تفكير الأنظمة السياسية الديمقراطية «شكليا» وبين مجموعات فاعلة في المجتمع ظلت لفترة طويلة في صف المعارضة لكنها لم تطور أدواتها السياسية فضلا عن أن تقوم بمراجعات طويلة لبرنامجها على الأرض في حال انتقالها من طور المعارضة إلى السلطة.{nl}من تلك الظواهر التي غفل عنها الطرفان - النظام والمعارضة - عبر تاريخ صدامهما الطويل هو دخول لاعبين جدد للمشهد، ففي السابق كانت القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة تدير شروط اللعبة وفق ثنائية المصلحة الذاتية وقيم الديمقراطية التي تروج لها أحيانا تنحاز لخطاب المصلحة وتارة أخرى تستخدم ورقة القيم للضغط على الدول لإفساح المجال للمعارضة. اللاعبون الجدد كانوا بعيدين عن كل ذلك، حيث خاضت أجيال جديدة، يقودها شبان ناقمون على الأوضاع، تحولات ثقافية، {nl}وبالتالي سياسية واجتماعية هائلة، وكان وقود ذلك التحول هو «قلق الهوية» الذي صنعته حالة الفراغ الثقافي، بسبب انحياز الأطراف المؤثرة على الأرض إلى السياسة كمكتسب سلطوي، وفي الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة تطبخ على مهل قرار الاقتراب أو الابتعاد من قوى المعارضة، وهي في مجملها «إسلاموية» وربما إذا كنا لا نريد التعميم بحكم تنويعات المشهد الإقليمي، تنحاز إلى أجندة وخيار «الإخوان المسلمين» الأكثر تنظيما وحضورا وقدرة على إقناع الخارج بأنهم يستحقون «فرصة»، لينتقل الخطاب الأميركي، سياسيين وصحافة ومراكز أبحاث، من مرحلة «الفزاعة» إلى مرحلة «البديل الواقعي» أي الأكثر تمثيلا على الأرض.{nl}هذا التحول كان ماثلا للعيان في حالة الفرح بثورة التحرير التي فاقت في قوة تأييدها وتهميشها للحليف السابق الثورة السابقة «التونسية» واللاحقة. صحيح أن الجميع يدرك ثقل التحول النوعي في بلد كمصر، لكن سلاسة سيناريو أحداث ثورة مصر والمؤثرات البصرية والعاطفية التي رافقتها جعلت الكثيرين يقتربون من نظرية المؤامرة، وأقل من أولئك من تحدث عن صفقة عادلة أدارها الجيش، لكن الأكيد أن أميركا بدت إلى حد ما كضابط لإيقاع الثورات، هذا الإيقاع الذي يتحول إلى صمت وانكفاء فيما يخص مرحلة «ما بعد الثورة»، حيث المخاطر والتخوفات والعمل السياسي الحقيقي، وكأن النهايات الهوليوودية الساذجة بالتخلص من «الشرير» تؤذن بانتهاء العرض.{nl}الحديث عن حالة الـ«ما بعد» أصبح هاجسا لكثير من النخب الثقافية والفكرية، التي لم تنحَز يوما ما لخيار النظام أو تنخرط في عمل المعارضة، إيمانا منها بأنها وجهها الآخر الذي يطابقها في طريقة تفكيرها وآليات عملها على الأرض، ولعل ما حدث في مرحلة الـ«ما بعد» في الثورات الفرنسية والبلشفية والإيرانية يعطينا مؤشرا واضحا على أن حالة القلق يجب أن تتحول إلى مشروع نقدي للثورة.{nl}أهم تلك الحقائق الثورية بالمعنى «الأورويلي» أنه لا يمكن البدء في عملية بناء ديمقراطي على أنقاض نظام مستبد إلا بعد الإفاقة من نشوة الثورة وسكرتها، بسبب تحقق سقف مطالبها بسقوط النظام، فالمهم هنا سقوط كل القيم والمنظومات الثقافية التي كان النظام يستغلها للبقاء، كالطائفية والعشائرية واستغلال الشعارات الدينية، التي عادة ما تخلق أجواء كريهة من الانفلات الأمني والمؤسساتي، وهذا ما لاحظناه في الاستفتاء الأخير على تعديل الدستور في مصر، فالنتائج ليست مهمة، بل لنقل إنها كانت متوقعة وغير مفاجئة، لكن الآليات التي تم فيها تعبئة الجماهير والشعارات التي رفعت وطريقة إدارة المعركة الانتخابية وصولا إلى طريقة التعبير عن الفرح بنتيجة «نعم» التي سماها أحد المشايخ في مقطع مثير على الـ«يوتيوب»، «غزوة الصناديق»، هذا الشيخ - وهو يعبر عن خطاب فكري عريض - لم يكتف بإظهار فرحه بالتكبير الجماعي، كما يحدث عادة في الأعياد الكبرى؛ بل كان يعقد مقارنة بين أهل الحق الذين قالوا «نعم»، وأهل الباطل في الفسطاط الآخر الذين قالوا «لا»، في ظل حماسة واهتياج شديد من الجماهير الحاضرة.{nl}ممارسات كهذه لا تقودنا إلى مخاوف من «ثورات مضادة» على اختطاف ثمار الثورة من قبل القوى الفاعلة على الأرض فحسب، كما أنها يجب أن لا تجعلنا نقلق من أصابع الاتهام التي ترفع عادة في أي نقد صريح لهذه السلوكيات - حيث الثورة كانت على الاستبداد بالدرجة الأولى - لكنها تجعلنا نفكر طويلا في الفرق بين الديمقراطية المستنبتة في أرض لم تحرث جيدا بقيمها وثقافتها حيث تتحول من مجرد أداة إلى غاية، وهنا أعود لأورويل لأختم إذ يقول: إن كان التحرر يعني شيئا فهو الحق في أن تقول للناس ما لا يودون سماعه!{nl}صعود قوة المجتمعات أمام السلطات الحاكمة{nl}المستقبل{nl}محمد سيد رصاص{nl} شئنا أم أبينا، فإن مسار تطور الغرب الأوروبي الحديث كان المنارة للتطور العالمي، حيث كانت انكلترا دائماً تفتتح المراحل اجتماعياً واقتصادياً، وكشكل لنظم الحكم، وعلى صعيد الفكر وإن نافس الألمان الإنكليز (البريطانيين منذ 1707) في هذا المجال.{nl}بدأ المسار الغربي نحو الحداثة في عام 1215 عندما أُجبر الملك الانكليزي، أمام ضغط البارونات الإقطاعيين والكنيسة، على منح الوثيقة الحقوقية، المسماة بـ"الماغنا كارتا"، التي أعطت ضماناً للحقوق وحكم القانون للطيف الاجتماعي، الذي كان الإقطاعيون ورجال الكنيسة أقوى فئاته، عبر مؤسسات مثل البرلمان ومحاكم فيها هيئات محلفين تنتقى أو تنتخب من المجتمع. {nl}وعملياً، خلال مسار ثمانية قرون لاحقة، كانت الحداثة مرتبطة بمدى ما يأخذه الحيز الاجتماعي من حيز السلطة، مع إنشاء توازنات، بينهما، عبر المؤسسات.{nl}في عام 1534، مع تأميم الملك هنري الثامن لممتلكات الكنيسة والأديرة، من مزارع ومناجم وهو ما تزامن مع انفصال كنيسة انكلترا عن روما، بدا أن سلطة الملك قد عادت لتصبح مطلقة مع تحول كل تلك الممتلكات إلى عهدة الملك وهو ما ترافق مع صعود في قوة انكلترا العالمية عندما أصبحت سيدة أعالي البحار بعد هزيمتها للإسبان في 1588 بمعركة الأرمادا. كان اضطرار خلفاء هنري الثامن إلى بيع تلك الممتلكات إلى أغنياء الريف وتجار لندن ومانشستر مؤدياً إلى حرب أهلية لما ثار هؤلاء، من خلال البرلمان، ضد سلطة الملك المطلقة، استغرقت سبع سنوات حتى انتهت بقطع رأس الملك عام 1649 ثم تأسيس الجمهورية برئاسة أوليفر كرومويل، ليعطي هذا قوة دفع كبرى لتطور اقتصادي اجتماعي لم تستطع فترة عودة الملكية، منذ1660، أن تقطع سياق مساره الذي انتهى بثورة 1688 التي أجبرت الملك أن يكون في وضعية "من يملك ولا يحكم" لصالح سلطة البرلمان، الذي زادت تمثيليته للمجتمع بشكل مضطرد حتى تطور 1830 الكبير عبر مرسوم الحقوق الانتخابية، الذي تم {nl}تعميمه خلال تطورات القرن العشرين لكي يشمل كافة المجتمع. من هنا، كان طبيعياً أن تكون بريطانية من خلال الاسكوتلندي دافيد هيوم (1711- 1776) هي صاحب مصطلح (المجتمع المدني)، وهو ما لا يمكن عزله عن فكرة سابقه الانكليزي جون لوك (ت1704) حول (الحكومة المدنية): في فرنسة ما بعد ثورة 1789 كانت ولادة قوة الحيز الاجتماعي أمام حيز السلطة أكثر ايلاماً وعنفاً، لتستغرق أكثر من قرن حتى أعطى فشل حركة الجنرال بولانجيه، المناصرة لعودة الملكية في عام 1889، مساراً مقارباً للمسار الانكليزي مع تأسيس الجمهورية الرابعة عقب التحرير من الاحتلال الألماني (1944- 1959) قبل أن تؤدي التعديلات الدستورية مع الجنرال ديغول إلى جمهورية رئاسية أخذ فيها الرئيس من صلاحيات البرلمان بمجلسيه ولكن من دون سلطة (الحيز الاجتماعي).{nl}كانت نماذج ديكتاتوريات موسوليني وهتلر وفرانكو وسالازار بمثابة محطات أوحت بانقطاع هذا التطور الغربي العام، وهو ما ترافق مع الدولة الشمولية السوفياتية بقيادة جوزيف ستالين: أعطت تطورات ما بعد 1945 مسارات ألمانية وايطالية معاكسة للنازية والفاشية، ثم أتى نموذج اسبانيا ما بعد فرانكو، وقبل هذا بقليل الديموقراطية البرتغالية منذ ثورة 25 نيسان 1974 التي اجتمعت فيها المؤسسة العسكرية مع المجتمع بغالبية فئاته في عملية إسقاط الديكتاتور الفرد، لكي يدللا على تطور ديموقراطي نحو برلمانية تمثيلية كان فيهما التطور الاقتصادي المؤدي إلى تنامي قوة الفئات الوسطى هو القاعدة الاقتصادية - الاجتماعية لقوة (المجتمع المدني) أمام (السلطة). في كوريا الجنوبية1987، التي قادت فيها الديكتاتورية العسكرية منذ عام 1961 نموها الاقتصادي، كان إسقاط الحكم العسكري في ذلك العام لصالح ديموقراطية برلمانية ناتجاً عن تحول سلطة الجنرالات إلى قميص ضيق للقوى الاقتصادية التي نتجت في المجتمع الكوري الجنوبي عن تحوله إلى "نمر اقتصادي". في نماذج (الكتلة السوفياتية) كان الحزب الحاكم في وضعية عسكر سيؤول ولكن أمام قوى اجتماعية أنتجتها الثورة الاقتصادية التقنية - الثقافية التي قادتها منذ العهد الستاليني تلك الأحزاب، لتصبح الأخيرة متجاوزَة من القوى الاجتماعية التي خلقتها، والتي أي تلك القوى - أصبحت ترى في تلك الأحزاب قوى متسلطة سياسية غير تمثيلية لها وعائقاً مؤسسياً أمام انطلاقها الاقتصادي عبر نموذج (اقتصاد السوق). لم تشتعل ثورات خريف 1989 بفعل دينامية داخلية محضة في بلدان الكتلة السوفياتية وإنما رأت تلك القوى الاجتماعية، والاقتصادية الكامنة، في اختلال التوازن الدولي لصالح الولايات المتحدة في عهد غورباتشوف فرصة للانقضاض على السلطات المحلية في بلدانها.{nl}هنا، لم يشهد العالم العربي تطورات كهذه في القرن العشرين: خلال الفترات الليبرالية، في مصر 1923-1952 وسوريا 1946-1958، ونماذج حكم المؤسسة العسكرية التي تكرست مشروعيتها عربياً منذ النموذج المصري لفترة ما بعد 23 تموز 1952، لم نشهد قوةً للحيز الاجتماعي أمام حيز السلطة، وإنما كان الأخير إما مرتهناً ومجيِراً نفسه لزعيم حزب أو لحزب في البرلمان ثم لضابط عسكري أو لمؤسسة عسكرية، ولم تكن هناك قوة اجتماعية تفرض قوتها لتستطيع احتلال مساحة في الحيز السياسي، سواء كان مدنياً أو عسكري الشكل، وإنما كانت علاقة محكومة بالسلبية ورد الفعل أمام الحيز الأخير.{nl}ظهرت ارهاصات معاكسة لهذا أولاً في تونس أمام سلطة بن علي من إسلاميي راشد الغنوشي بين عامي 1987 و1991، ثم بوجه عسكر الجزائر من قبل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) بين 1989 و1992، قبل أن يتم سحقهما: خلال هاتين التجربتين، ثم تجربة مصر حسني مبارك ومواجهته مع الإسلاميين بتنوعاتهم، ظهر الحكم العسكري، المعزز بحزب "حاكم" وأجهزة الأمن، وحيداً من دون أي قوة للمجتمع المكمم الأفواه، متمتعاً بدعم واشنطن في وجه الإسلاميين، ومعززاً بفئة اجتماعية أنتجها العسكر أو تفيَئت بظلهم في البلدان الثلاثة المذكورة، هي (رجال الأعمال). خلال عشرين عاماً، مضت في العقدين السابقين، ظهر {nl}استقرار للأمور سكوني في تونس ومصر، ثم في جزائر بوتفليقة منذ عام 1999مع هزيمة الإسلاميين الأمنية، لم تعكره معاكسِات قوية تضرب مشهديته تلك.{nl}في تونس 17 كانون أول 2010-14 كانون ثاني 2011، ومصر 25 كانون الثاني-11 شباط 2011، انفجرت ثورتان اجتمعت فيهما غالبية القوى الاجتماعية ضد السلطتين هناك، ليثبت عبرهما المجتمع التونسي، وبعده المصري، أن هناك مجتمعاً قد أصبح لأول مرة رقماً صعباً- قوياً أمام حيز السلطة السياسية، ولو أن التوانسة، والمصريون، لم يستطيعوا، كقوة اجتماعية، أن يطيحوا برأس الهرم السياسي إلاعبر اجتماع تلك القوة الاجتماعية مع "الحياد الايجابي" لكل من المؤسسة العسكرية والغرب الأميركي- الأوروبي.{nl}هل يدلل المثال الليبي، ومعه نظيره اليمني، أن المجتمعات العربية، المعقدة التركيب البنيوي، هي عسيرة اللحاق بالمجتمعين التونسي والمصري، حيث توجد بالأخيرين بنية مجتمعية من دون شروخ بنيوية دينية (وهذا يشمل مصر)، أو فئوية طائفية أو قبلية، أو مناطقية مختلطة مع القبائلية (الشرق الليبي) أو مع الفئوية الطائفية (حوثيو اليمن في منطقة شمال صنعاء) أو مع الحزبية السياسية (جنوب اليمن)؟.<hr>