Haidar
2011-05-07, 11:02 AM
اقلام واراء{nl}67{nl} الاستبداد الذي يجعل الاستعمار بطلاً أحمد كالو {nl} البعث ... نهاية حزب انتهى منذ 40 عاماً صالح القلاب {nl} الانتفاضـة الشعبية مدخل إلى الديموقراطيـة وليست كل الطريق إليها احمد بعلبكي{nl} ضربة قاصمة لأصحاب الانقسام د.تحسين الاسطل{nl} أوباما والسيكوباتية السياسية: سورية نموذجاً محمد حسين أبو العلا {nl}الاستبداد الذي يجعل الاستعمار بطلاً{nl}أحمد كالو {nl}ثمة تشرير مطلق للغريب والأجنبي «العلج» في الثقافة العربية القومية المعاصرة. التشرير قديم، لكنه ازداد مع الدولة القومية العربية، بل إنه يمتد احياناً إلى إثنيات وطنية وأقليات إسلامية ومسيحية ممتدة الجذور في ارض الوطن، ويسمون عادة بالمندسين والطابور الخامس والمتآمرين والخونة. {nl}هرب ليبيون منكوبون ومقصوفون بالنار من مدن ليبية ليصرحوا بأنّ إسرائيل لم تفعل ما فعله معمر القذافي بشعبه! واعترف جنرال إسرائيلي بأنّ الاحتلال المقنّع أفضل من الاحتلال المباشر، وصرّح بأنه قبل التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، كان الجندي الإسرائيلي يلاقي الأمرّين من اقتحام المساجد، بينما الآن يمكن أن يقتحمها «معاونوهم» من رجال السلطة الوطنية تحت اسم مكافحة الإرهاب. فالمجرم الوطني ليس مدنساً مثل المجرم الكافر والأجنبي! ويمكن أن ندرج اعترافاً لعارف دليلة الذي قضى ردحاً من الزمن في السجن بسبب رأيه، وهو أنّ إسرائيل سمحت لأحمد ياسين أن يخرج من سجنه وأن يقوم بدفن أمه المرحومة، فيما لم تسمح له حكومته «الوطنية» بذلك. وقال مستدركاً أن ليس معنى هذا انه يزكّي الاستعمار، لكن ليقول إن العدو يستعمل السياسة والعقل بينما يلجأ الاستبداد إلى العنف الصافي. وكان «رأي» القرضاوي، وربما فتواه، في الاستعانة بالأجنبي في الثورة الليبية أنّها ضرورة. فأيهما أرحم: الاستعمار أم الاستبداد؟ {nl}يمكن الاستناد إلى عبارة اللورد اكتون الشهيرة والتي تنص على أنّ «الاستبداد المطلق مفسدة مطلقة»، واعتبارها قانوناً في علم الاجتماع والسياسة يشبه قانون نيوتن في الفيزياء، وفي حدّ علمي ليس من عبارة مشابهة تخصّ الاستعمار، بل إنّ مؤرخين وعلماء اجتماع يذكرون محاسن للاستعمار أهمها احتكاك الحضارات وتلاقحها، فالحضارة الأوروبية تدين بانطلاق نهضتها للفتح الإسلامي. وغير بعيد من هذا وذاك، احتفال عدد غير قليل من مثقفين مصريين قبل عقد أو أكثر بمرور مئتي عام على الحملة الفرنسية على مصر.{nl}مفاسد الاستبداد بشعة وهائلة تبدأ من جعل الصدق جريمة والكذب غنيمة، ولا تنتهي بقانون «البقاء للأسوأ» والأكثر صياحاً وهتافاً بحياة المستبد. الاستبداد يدمّر الإنسان ويجعله كائناً اقرب إلى حيوان بافلوف، ليس همّه سوى الطعام، انه كائن يعيش ليهتف. تتمركز الحياة في أنظمة الاستبداد حول الزعيم، فتهمل جميع مناحي الحياة الأخرى، ويصبح كلامه وخطابه دستوراً فوق الدستور. كنا نقرأ في كتب التاريخ في المراحل الدراسية الابتدائية، أنّ الاستعمار عندما يحتل بلداً، يبدأ أولاً بسياسة كمّ الأفواه، وفرض الضرائب وتطبيق الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، وهو شبه كبير بين الاستبداد والاستعمار، حتى انّ كثيراً من الباحثين يجعلونهما وجهين لعملة واحدة.{nl}لكنّ ثمة من يرجّح كفة الاستعمار على الاستبداد إيجاباً، ويستشهدون بفضائل الحملة الفرنسية على مصر والمطابع التي لم تكن مصر تعرفها، وإن كان ثمة من يدحض هذه «الفضائل» للحملة الفرنسية ويفنّدها، ويدلل على أنّ محمد علي هو الذي بدأ بجلب المطبعة، وأن كشف حجر رشيد إنما تم بالمصادفة. مهما يكن، فإنّ ما لا يمكن دحضه هو أنّ الاستعمار يحدث الصدمة ويوقظ الشعوب من النوم، أما الاستبداد فيجبر الشعوب على الخنوع والذل الصافيين. الاستعمار تلاقح بين ثقافتين متضادتين ومتباينتين، فيما الاستبداد عقيم وعاقر ووثني يجعل المجتمع خاوياً ومسلوباً.{nl}ويمضي هذا الرأي إلى أن الاستعمار الذي يحتل البلد يعمد إلى تحديثها لنهب خيراتها، بينما يضعف الاستبداد المجتمع ويجعله شيعاً وطوائف – وهو قانون استبدادي منذ فرعون موسى - ليسرق الثروات ويودعها بنوك الغرب. ولا تزال العمارات والشوارع المستقيمة التي نظمها الاحتلال الفرنسي والانكليزي في أكثر من بلد عربي تعرّض للاحتلال والانتداب محل إعجاب وتقدير، في الوقت الذي أغرقنا الاستبداد بالأحياء العشوائية في معظم البلدان العربية المستبدة. فهل نوافق على مقولة السياسي السوري رياض الترك عند احتلال العراق من جانب الأميركيين عن «الصفر الاستعماري» ونعتبرها قانوناً إذاً؟ فالاستبداد برأي الترك ينزل بكيان الدولة إلى ما تحت الصفر. {nl}لكنْ يختلف احتلال عن آخر، فالاحتلال الفرنسي غير الغزو التتري. {nl}يدافع مفضلو الاستعمار على الاستبداد، بذكر فضائل الاستعمار الغربي قضائياً، ويتذكرون غوانتانامو، وهي جزيرة كوبية مستأجرة، حبست فيها أميركا أعداءها من «الإرهابيين» والمقاتلين غير النظاميين، مغبة أن تتلطخ الأرض الأميركية «الطاهرة» بهذا الظلم، وقد هدد سجّانو غوانتانامو غير مرة، عبر شهادات موثقة، الأسرى في غوانتانامو بإعادتهم إلى بلدانهم! وهو تهديد يشير إلى قسوة «ذوي القربى». كما يمكن تذكر محاكمة عمر المختار وإعدامه، وهو إعدام شريف، تمّ على الملأ، بينما يعدم الاستبداد العشرات من أبناء الشعب من دون محاكمات أو بمحاكمات ميدانية تحت الظلام. ونتذكر مذبحة سجن بو سليم الليبية، التي لم يترك فيها القذافي شاهداً. وهنالك عشرات آلاف من الجثث التي لا يعلم أهالي أصحابها بمكانها في أكثر من دولة عربية. ونذكّر بمحاكمة إبراهيم هنانو الذي بُرّئت ساحته من جانب الاستعمار الفرنسي الذي رفع السلاح بوجهها، وعشرات المحاكمات التي يجريها الاستبداد العربي بتهم عجيبة مثل التآمر والخيانة والاتصال بجهات خارجية. ونتذكر ما رواه التاريخ عن محاولة صلاح الدين الأيوبي الزواج من أخت ريكاردوس قلب الأسد. ويمكن، في المقلب الآخر، أن نعجب ببناء صدام حسين مفاعلاً نووياً سرعان ما ضحّى به، مقابل أسلحة لإخماد ثورة أبناء شعبه من الأكراد. أما القذافي فباع قنبلته الثمينة مجاناً مقابل شهادة حسن سلوك، وتمديد زمن السلطان.{nl}من الجدير ذكره أنّ إسرائيل التي مدحها الليبيون الفارون من بطش حصن باب العزيزية تسرق أعضاء من الجثث الفلسطينية المقتولة لزرعها في أجساد الإسرائيليين، لكنها لا تسرق الجثث كلها! الاستبداد يسرق الجثث الحية برمتها. أسوأ ما في الاستبداد انه يمكن أن يجعل من الاستعمار بطلاً والشاهد الليبي حياً ومباشراً. {nl}* كاتب سوري{nl}البعث ... نهاية حزب انتهى منذ 40 عاماً{nl}صالح القلاب {nl} لم تثر استقالات عدد من أعضاء حزب البعث الحاكم في سوريا أي اهتمام على الصعيد الداخلي، ولم تؤثر هذه الاستقالات على نظام الرئيس بشار الأسد، والمسألة ليست أكثر من مجرد فقاعة إعلامية فقط، فهذا الحزب تحول مع الوقت إلى وسيلة للتوظيف والوصول إلى المواقع، وهو لم يواجه أي امتحان جدي منذ تسلمه الحكم في 8 مارس (آذار) عام 1963 ولا مرة واحدة، كما أنه بقي خلال الـ30 سنة الأخيرة على الهامش من حيث التأثير والفاعلية.{nl}أصبح هذا الحزب هو ثمرة اندماج بين حزب البعث العربي بقيادة مؤسسيه ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وكلاهما درس في فرنسا وتأثر بأفكار رواد القومية الأوروبية، وكلاهما تأثر أيضا بأفكار المناضل «اللوائي»، نسبة إلى لواء الإسكندرون، زكي الأرسوزي، وأخذ فكرة «البعث» منه والحزب الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني وغلبت عليه النزعة اليسارية المتطرفة.{nl}يومها كان العرب قد انتقلوا توا من الحكم العثماني المتخلف، الذي جثم فوق صدورهم لنحو 4 قرون متتالية، وكان حلم استقلالهم في دولة واحدة، تمتد من تطوان في الغرب وحتى رأس الخيمة في الشرق، ومن جبال الأناضول في الشمال وحتى عدن وباب المندب في الجنوب، قد تبخر عندما وجدوا أنفسهم بعد الحرب العالمية الأولى عددا من الدول المستعمرة ونهبا للدول الغربية التي انتصرت في هذه الحرب، وفي مقدمتها فرنسا والمملكة البريطانية المتحدة.{nl}لهذا فقد اتفق المؤسسون على أن يكون شعار هذا الحزب: «أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة»، وأن تكون منطلقاته: «وحدة - حرية - اشتراكية» وأن يتضمن دستوره بندا ينص على أنه حزب انقلابي، ولقد فسر هذا البند لاحقا على أن الانقلاب المقصود هو على الفساد والظلم والطغيان، وحقيقة أن أول انقلاب نفذه «البعث»، وهو انقلاب 8 فبراير (شباط) عام 1963 في العراق، كان انقلابا عسكريا دمويا رد فيه البعثيون (الحرس القومي) بعنف أكثر من العنف {nl}الهمجي الذي مورس عليهم بعد انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 الذي أطاح بالنظام الملكي، والذي إن لم يشارك فيه الشيوعيون العراقيون فعليا فإنهم ركبوا موجته لاحقا واعتبروا نظامه نظامهم.{nl}أخذ المؤسسان الأولان لهذا الحزب، ميشيل عفلق وصلاح البيطار، كلمة «البعث» من زكي الأرسوزي اللوائي، الذي لجأ إلى سوريا بعد سلخ لواء الإسكندرون وإلحاقه بدولة مصطفى كمال أتاتورك، التي أنشأها على أنقاض دولة الخلافة العثمانية، والمقصود بهذه الكلمة هو بعث الأمة العربية التي وصلت إلى ذروة تألقها من خلال الرسالة الإسلامية العظيمة التي أُرسل بها محمد، صلوات الله عليه، ومن خلال فتوحات مرحلة الخلفاء الراشدين والخلافتين العباسية والأموية، وحيث احتلت خلال نحو قرنين من الزمن مكانة طليعية بين أمم الأرض.{nl}لهذا، وفي ظلال هذه الشعارات الجميلة «أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة»، فقد انتشر حزب البعث، بالإضافة إلى سوريا، في كل بلاد الشام، انتشار النار في الهشيم، وبخاصة في الأردن ولبنان، ثم انتقل، خلال سنوات قليلة، من خلال طلبة الجامعات، وطلبة الجامعة الأميركية على وجه التحديد، إلى العراق واليمن بشماله وجنوبه، وإلى ليبيا وتونس والسودان، ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا أن بعض الرواد الأوائل من مؤسسي هذا الحزب أرادوه، على غرار حزب المؤتمر الهندي، حزبا اجتماعيا ثقافيا، ووفقا لأفكار زكي الأرسوزي، لكن هذا التوجه ما لبث أن انهار وتلاشى عندما تغلبت التطلعات الانقلابية على هذه النزعات الثقافية وعندما اندفع نحوه الضباط الشباب من الرتب الصغيرة، وبخاصة ضباط الطائفة العلوية أملا في أن يكون طريقهم إلى الحكم والسلطة.{nl}لم يكن حزب البعث قد وصل إلى الحكم بعدُ عندما ذهب إلى الوحدة بين مصر وسوريا واعتبر شريكا للرئيس جمال عبد الناصر في هذه الوحدة، لكنه من خلال ضباطه وتنظيمه العسكري في الجيش السوري كان القوة الرئيسية الفاعلة والمؤثرة، وكان هو الذي دفع الرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي دفعا إلى هذه الوحدة التي لم تعِش طويلا، والتي كان قد اضطر إلى حل نفسه من أجلها والاندماج في الاتحاد القومي «تحت ضغط هذا الرئيس المصري الأسبق» الذي كان معاديا للأحزاب والحزبية.{nl}بعد الانفصال بنحو عام واحد استطاع فرع هذا الحزب في العراق القيام بأول انقلاباته العسكرية؛ حيث أطاح بنظام عبد الكريم قاسم وتسلم الحكم في 8 فبراير عام 1963 ثم بعد شهر واحد قام فرع سوريا بانقلاب مماثل وتسلم الحكم في 8 مارس من العام نفسه، لكن عبد السلام عارف، الذي كان شريكا في الانقلاب الأول، ما لبث أن انقلب على البعثيين العراقيين بعد أن دبت الخلافات بينهم وتحولوا إلى تيارات متصارعة أسست لخلافات سياسية وعقائدية لاحقة أدت إلى انشقاق تنظيمي بعد حركة 23 فبراير عام 1966، فأصبح هناك بعثان: بعث عراقي وبعث سوري، بقيادتين قوميتين وتنظيمين مستقلين دخلا في صراع مرير أدى إلى اللجوء إلى حرب الاغتيالات والتفجيرات المتبادلة.{nl}بعد هذه التطورات المتلاحقة كلها، من الوحدة إلى الانفصال إلى انقلاب فبراير في العراق، الذي خسره البعثيون بعد شهور قليلة، إلى انقلاب مارس الذي بلور كتلة عسكرية مقابل كتلة مدنية في هذا الحزب على مستوى القيادة والقاعدة، جاءت حركة 3 فبراير عام 1966 بمثابة الضربة القاصمة للظهر، فالذين نفذوا أول انقلاب عسكري يقوم به «البعث» على نفسه، ومن بينهم الرئيس السابق حافظ الأسد، ألغوا القيادة القومية السابقة واستبدلوا بها قيادة جديدة، فأصبح الحزب حزبين، أحدهما غدا عراقيا بعد انقلاب عام 1968 في العراق، والآخر سوريا، ولعل ما كان بمثابة الطامة الكبرى أن البعث السوري قد أصدر حكما بالإعدام على «القائد المؤسس» ميشيل عفلق بتهمة الخيانة العظمى لانحيازه إلى البعث العراقي وانتقاله من المنافي في الخارج ليعيش في بغداد، وأن مخابرات نظامه في عهد الحركة التصحيحية هي التي قامت باغتيال صلاح البيطار في باريس في نهايات سبعينات القرن الماضي.{nl}إن هذه هي الضربة الفعلية الأولى التي مزقت هذا الحزب، أما الضربة الثانية التي أنهته عمليا فهي ما يسمى «الحركة التصحيحية»؛ حيث نفذ حافظ الأسد انقلابه العسكري الذي استفرد بعده بالسلطة لـ30 عاما على رفاقه خلال انعقاد المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي الذي لم يؤيده منهم سوى ثلاثة فقط من أصل 83 عضوا، هم، بالإضافة إليه: مصطفى طلاس، الذي غدا وزيرا للدفاع، وعبد الحليم خدام، الذي أصبح لاحقا نائبا لرئيس الجمهورية، أما الرابع فهو المحامي الأردني أحمد النجداوي الذي ما لبث أن انشق والتحق بـ«البعث العراقي».{nl}إن هذه هي مسيرة حزب البعث العسيرة، وهي مسيرة تلخص مرحلة امتدت من عام 1947 وحتى انقلاب فبراير في العراق وانقلاب مارس في سوريا، ثم انقلاب 23 فبراير وانقلاب الحركة التصحيحية الذي قاده حافظ الأسد عام 1970، الذي كان هو نهاية هذا الحزب الذي بقي لاعبا رئيسيا في هذه المنطقة الشرق أوسطية لأكثر من نصف قرن، وبخاصة بعد انقلابه الثاني في العراق عام 1968، الذي باسمه انقلب صدام حسين على رفاقه عام 1979 وأعدم منهم نحو 50 قائدا في «وجبة» واحدة، والآن فإن زوال حكم بشار الأسد سيكون زوالا لاسم حزب كان مؤسسوه يعتقدون أنه سيكون حزب الدولة العربية الواحدة التي حلم بها العرب بعد زوال الإمبراطورية العثمانية، والحقيقة أن زوال هذا الحزب الذي زال فعليا منذ أكثر من 40 عاما بات مؤكدا، أُسقط هذا النظام أو لم يسقط، والمعروف أن الحزب الشيوعي الذي كان عدد أعضائه قرابة 18 مليون عضو لم يستطع أن يفعل شيئا عندما انهار الاتحاد السوفياتي، وذلك لأنه كان مجرد تورم سرطاني مستنزف للدولة بالامتيازات والفساد{nl}الانتفاضـة الشعبية مدخل إلى الديموقراطيـة وليست كل الطريق إليها{nl}احمد بعلبكي{nl}كثيراً ما بررت مراكز الدراسات والقرار في الولايات المتحدة دعم أنظمة الإستبداد وتجددها في بلدان الجنوب كخيار لا بد منه في مواجهة الأنظمة الشيوعية والأصولية، باعتبار أنها أنظمة حليفة وقابلة للإصلاح. ولم تهتم هذه المراكز بالآثار المدمرة لهذه الأنظمة التي يقوم حكمها على آليات لتوزيع الناتج الوطني التي تعزز الفساد من فوق، في قمة حكمها، عبر آليات مشرعنة للاستئثار بموارد الدولة وخفض حصة مداخيل القواعد الشعبية لحكمها من إجمالي الناتج الوطني. وأدى نهج هذه الأنظمة الى تشجيع المقربين من الحكم والمتمولين الوافدين من الخارج على الإستثمار في قطاعات السياحة والبناء والخدمات والصناعة والزراعة، مستفيدين من إقبال أصحاب القرار في الحكم على مشاركتهم، مقابل تمكينهم من تجاوز القوانين والالتزامات المالية. فكانت عاقبة هذا النهج تبرير الفساد من تحت، وترسيخ سلوكيات التواكل والزبائنية لدى مقاولي العصبيات الصغيرة والكبيرة، ممن يتقاسمون المقاولات، او يستفيدون منها مقابل دعم الحكومات وموالاتها. {nl}هذه الحكومات التي تقبلت توجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الداعية إلى انسحابها من مسؤوليات بناء الاقتصاد الوطني المتكامل قطاعياً ومناطقياً ومن مسؤوليات رعاية الأمن الاجتماعي وحماية التعددية، اللتين، كانتا في ظل دولة الرعاية، تفوّتان على مقاولي استثمار الفقر والتهميش فرص تأليب الجماعات الطائفية والإتنية المتآلفة تاريخياً على بعضها البعض وتحويلها الى عصبيات متلاغية وحرف وعيها عن نهب ثرواتها وأسواقها.{nl}لقد تفاقمت التفاوتات الطبقية داخل أنظمة الاستبداد ووصلت إلى زمن جديد، لم يعد إعلام التمويه والتعمية الإيديولوجية الموالي للسلطة، قادراً على مواجهة تكنولوجيا الشفافية للإعلام الرقمي. إنها التكنولوجيا التي تولاها رواد الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي المحركة لأكثر الفئات الشبابية تضرراً نفسياً واجتماعياً في أسواق الرأسمالية الريعية المتفلتة من مسؤوليات الحماية الاجتماعية. ولذلك كان هذا الإعلام هو الأقرب إلى معاناة العوز في العائلات الشعبية أياً كان إيمانها وانتماؤها من إعلام الصحف الموالية. هذه الصحف التي تمول من الحكومات فتسمى صحفاً قومية في مصر أو الممولة من احتكارات الإعلان وأمراء المال الجدد في الطوائف فتسمى تجاوزاً صحفاً ليبرالية في لبـنان.{nl}أجل إنه زمن الإعلام الرقمي الذي يخرق رقابة الأجهزة ويأس القانطين من الصابرين ممن آمنوا بأن رزقهم في السماء وما يوعدون. ويبرز الوقائع المصورة لمتخرجي الجامعات والمعاهد المهنية التوانسة المحبطين الذين لم يروا في تجرؤ محمد بوعزيزي على إلهاب جسده عملاً بطولياً قومياً في الجهاد ضد أعداء الأمة الخارجيين، بل رأوا في تجرؤه هذا حرق نفسه فدية تهز وجدان كل إنسان مُهان يومياً في تحصيل كفافه في مدن وأرياف تونس وليس في منطقة سيدي بوزيد والقصرين الريفية المهمشة وحسب. هذه المنطقة التي ترتفع نسبة الأمية فيها إلى 50%، علماً بأن نسبة بطالة الشباب بين 15 و29 سنة تصل في تونس إلى 31,2 %(1). اجل هكذا كان دور الإعلام الرقمي الذي بث على الشاشات في مصر أم الدنيا ما أقدمت عليه شرطة الفساد من قتل للشاب خالد سعيد جهاراً في أحد الشوارع، لأنه تجرأ على تصوير وبث مشهد محدود من مشاهد رشوة الشرطة، جعل القادة الكبار فيها يخافون من بث مشاهد عن أشكال {nl}فسادهم الأكبــر. الا ان ما يجدر الانتباه اليه هو ان دور الاعلام يقتصر على اشهار ظلم حاصل لا دور له في حصوله.{nl}مما لا شك فيه أن تطور تكنولوجيا الإعلام الرقمي الذي مكّن الشباب في مصر على امتداد سنوات، وخاصة منذ أضراب أكتوبر عام 2008 لعمال الغزل والنسيج من التدوين والاتصال بالجماهير ومن التجرؤ النفسي والثقافي على كشف هزال النظام المصري، وكسر مهابة أجهزته، الأمر الذي استدرج المجتمع إلى كسر الخوف والاندفاع في انتفاضات عفوية خلاقة في الأيام الأولى. هذه الانتفاضات التي كانت تنتظرها القوى الليبرالية والديموقراطية وتستعد لاستثمار إيجابياتها في استنهاض صفوفها وفي الحد من سلبيات انهيار الاجهزة الأمنية على الناس فعملت على حماية الأمن في أحياء المدن وحماية المرافق العمومية التي ترمز إلى الثراء في تاريخ الشعب، ومنها خاصة المتحف المصري.{nl}وتمثلت نجاحات القيادات الشبابية الليبرالية والديموقراطية في توحيد الضغوط الشعبية والعمالية في ميادين التحرير والمصانع والإدارات العامة حيث جهدت لإبراز الشعارات الموحدة بالرغم من التعدد والتنافر بين الميول السياسية والثقافية للمجموعات القيادية، وبالرغم من غياب البرنامج السياسي الذي يميز تبلوره حركة الثورة عن الإنتفاضة الشعبية. وفي تقديرنا أن افتقاد البرنامج الثوري المتبلور شكل في الواقع مزيّة للانتفاضة الشعبية لأن وجود مثل هذا البرنامج الذي ينص مسبقاً على الأهداف والأساليب الإجرائية يأتي عادة نتيجة هيمنة حزب أو فريق بين الأفرقاء المحضرين للثورات أو للإنقلابات، ويسوِّغ للفريق المهيمن في بلورة البرنامج المسبق تصفية تعددية الأطراف المشاركة في إدارة إسقاط النظام، وهذا ما حدث في الثورات الجماهيرية الفرنسية والبلشفية والإيرانية.{nl}وفي تقديرنا أن افتقاد البرنامج المهيمن في الانتفاضات الشعبية التونسية والمصرية واليمنية واحترام مبدأ التعددية، وان لحقت به في ظل العفوية الخلاقة بعض من سلبياتها يشكل، في نظرنا، ميزة في النموذج الذي تقدمه هذه الانتفاضات العربية لشعوب بلدان الجنوب في عملياتها الديموقراطية التحررية: وهو نموذج يترك المجال فسيحاً للتعددية واستمرار الاختلاف في المساءلة والاجتهاد. ويصبح تقبل الاختلاف والتعددية داخل قيادات الانتفاضات، ولأول مرة في تاريخ حركات مواجهة الاستبداد، هو معيار ديموقراطية أطرافها في مواجهة التطرف على أنواعه الديني وغير الديني. وهو معيار استمرار العملية الثورية (Process) على مدى الزمن ومعيار ديموقراطية الحكم الذي تفضي إليه الانتفاضات. إنه الحكم الذي لا مكان فيه لتقديس الحاكم الذي تشرعن الانتخابات المفبركة تعاقب ولاياته (حصل بن علي في 5 انتخابات شعبية متعاقبة منذ عام 1989 على النسب التالية من الأصوات: 99,27 % عام 1989 و99,91 % عام 1994 و99,45 % عام 1999 و94,49 % عام 2004 و89,62 % عام 2009 (2). هذا التقديس للحاكم في الدولة كما التقديس لحكم أمراء الطوائف اللبنانية الذي يستحيل أن لا يودي بجماهيرهم إلى التهلكة وإلى تبرير دعوة الأمراء المنافسين لهم في طوائفهم القوى الخارجية لمناصرتهم على حساب سيادة الدولة والأمن الاجتماعي والاقتصادي لسكانها.{nl}وفي المجتمعات الشمولية الأكثر تعددية ثقافية من المجتمعات المصرية والتونسية واليمنية كالمجتمع السوري مثلاً قد تتيح هذه التعددية لقيادة النظام تبرير استمرارها في الحكم بحجة قطع الطريق على وصول الأصولية الإسلامية إلى السلطة والى مخاطر التقاتل الأهلي بين المكونات الطائفية للمجتمع الواحد. إن إعلام التخويف قد ينجح في تعويق فعالية المعارضات الداخلية والدولية للنظام. غير أن أزمات الفساد والبطالة وكبت الحريات تبقي المنافذ مفتوحة دائماً أمام معارضاته الداخلية والخارجية العاملة لتحريك المتضررين من الشباب خاصة لضرب أسسه وشرعية قيادته المتجددة بالمبايعات والبرلمانات المعلبة. لا يمكن أن تعالج مثل هذه الازمات عن طريق إجراءات رمزية تتمثل بإزاحة مسؤولين فاسدين أو بإصدار تشريعات ليبرالية تواصل الأجهزة المخابراتية التحكم بتطبيقها. إن مثل هذه المعالجات المجتزأة المخففة من شمولية النظام تبقى عاجزة عن حل أزمة المصالحة المستعصية لهذا النظام المتردد، بين اضطرار لتوسيع الليبرالية الاقتصادية والأسواق من جهة وبين اضطراره لمحاصرة حرية القول والاجتماع بحجة التخوف من نفاذ أعدائه من جهة اخرى.{nl}يبقى أن نخلص في الختام إلى القول بأن إسقاط جهاز الحكم الشمولي غير التعددي لا يعني بالضرورة تمكين القوى الليبرالية والديموقراطية من إقامة نظام قادر على مواجهة آليات العولمة النيوليبرالية المحاصرة لتطلعات هذه القوى في السيادة والتنمية المستقلة. ونحن نعلم أن فئات عديدة من المتضررين مباشرة أو من غير المستفيدين كما يريدون من الأنظمة المستبدة، تميل عندما تصل إلى السلطة إلى استهوان التفرد في إدارة السلطة والثروة، وتميل إلى اعتماد سياسات اقتصادية ومالية وتعليمية تلائم مصالحها على حساب مصالح الفئات الأخرى. وأن إمكانيات حصول انتفاضات مضادة متسلحة بتكنولوجيا أكثر تطوراً، ستظل تجد دعماً خارجياً لها في زمن انفتاح حدود أسواق المال والإعلام والتجارة والسياسة. ولا يحمي عملية الدمقرطة إلاّ تحصين التعددية عبر تنمية الموارد البشرية والاقتصادية وتمكينها من القوة على المنافسة والمفاوضة المتكافئة في أسواق المنطقة والعالم.{nl}ضربة قاصمة لأصحاب الانقسام{nl}بقلم د.تحسين الاسطل {nl}سدد الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، الضربة القاصمة لأصحاب الانقسام ، والذي أعلن عنها بشكل رسمي "نتنياهو" رئيس وزراء الاحتلال ، عندما قال أن اتفاق المصالحة ، يعتبر ضربة قاصمة للسلام ، ويعلم الجميع أن السلام العادل والشامل ، قضت علية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ زمن طويل ، وان ما يقصد به في حقيقة الأمر هو الانقسام ، الذي دعمته بكل قوة الولايات المتحدة وإسرائيل لأنه يصب في مصلحتها ويحقق أهدافها في تصفية القضية الفلسطينية.{nl}الشعب الفلسطيني الذي شيع الانقسام إلى مثواه الأخير في شوارع غزة ، ورام الله ، وجنين، ونابلس، ومخيمات الشتات ، هو في حقيقة الأمر كان يحمل رسالة واضحة أن مشروع الانقسام مرفوض بكل أشكاله ، حتى وان تمت محاولة تجميله في كيان مقاوم، أو ممانع، أو إصلاحي ، أو حقق النهوض الاقتصادي، فيما كان في حقيقة الأمر ، مهادن ، منافق ، مفسد ، مستسلم ، مفلس، لأنه ببساطة لا يستمد أي شرعية من الشعب الفلسطيني ،الذي رفضه بشكل مطلق، ولم يتعامل معه إلى اضطراريا.{nl}المدن الفلسطينية التي لم تنام ليلة أمس ، احتفالا بإعلان الجميع عن وفاة الانقسام ، ومن ضمنهم إسرائيل الرسمية ، التي قدمت كل التسهيلات الممكنة لضمان استمرارية هذا المشروع المسخ ، كانت تسجل ثورة لا تقل في المعنى والقوة عن الثورات العربية التي تشهدها الساحات العربية ، ونستطيع القول أن الشعب الفلسطيني ، وبمساعدة مصر الثورة ، أسقط أضخم مشروع لتصفية القضية الفلسطينية، عملت عليه الحركة الصهيونية بمساعدة الإدارة الأمريكية ومن لف لفها، ووفرت له كل أركان القوة التي يكفل له الاستمرار لأطول فترة ممكنة.{nl}يحق للاحتلال أن يبكى على سقوط مشروعه ، فإسرائيل عملت بكل طاقتها من اجل أن تحرف أنظار الشعب الفلسطيني عن الوحدة والاستقلال، من خلال مشاريع تصفوية تضع غزة في حضن مصر ، وما تبقى من الضفة الغربية من حضن الأردن، إلا أن الشعب الفلسطيني وشبابه ظلت أفئدته معلقة بالأرض والتراب الفلسطيني ، الذي يعمل على بقائه موحدا تحت راية العلم الفلسطيني.{nl}واستطيع القول أن قادة إسرائيل اليوم ، ربما تلعن كل يوم ق بالأمس الذين احتلوا الضفة الغربية وقطاع غزة ، وجعلوا الشعب الفلسطيني يشعر بقيمة الوحدة وحلاوتها ، وان كانت تحت حراب الاحتلال وقمعه ، فأصبحت اليوم غير قادرة على إعادة الاحتلال من جديد ، أو إعادة الشعب الفلسطيني إلى حالة ما قبل العام 1967م ، والتي تعتبر الأفضل بالنسبة لها مقابل رؤيتها دولة فلسطينية تتفتح عينها على الحياة.{nl}ونحن أمام هذا الانتصار على عدة مستويات للشعب الفلسطيني، وأهمها الانتصار على الذات ، والانتصار على الحزبية والتفرق ، والانتصار على مشاريع تصفية القضية الفلسطينية ، نقول أن الشعب الفلسطيني بكل فئاته وخاصة الشباب ، يجب أن يشكلوا الحماية لهذه الانتصارات بكل سواعدهم ، وان يعملوا بكل طاقاتهم من اجل إنهاء كل أشكال الانقسام والتمزق ، باعتبار أن ما تم هو نتاج ثورتهم التي جاءت انسجام مع ثورات أقرانهم في الدول العربية ، لإفشال المخططات الإسرائيلية ، والتي عبر عنها رئيس جهاز الشباك الإسرائيلي، الذي لم يتوقع إنهاء مشروعه بهده السرعة ، فتمنى أن يستمر ثلاث سنوات أو أربعة، حتى لا يعترف بفشله له ولمؤسساته الأمنية.{nl}ومن هنا على شبابنا الفلسطيني ، في كل أماكن تواجده أن تحافظ على هذا الانتصارات ، وان تبقى يقضه ، وان ما تم هو إعلان عن وفاة الانقسام ، والعمل الحقيقي على الأرض يجب أن يكون فورا ، لإتمام إجراءات دفن الانقسام اللعين، {nl}وتشييعه إلى الجحيم غير مأسوفا عليه ، ولحده جيدا ، لضمان عدم انبعاثه من جديد ، أو انبعاث أصحابه الذين قد يحاولون التحرك ، من اجل الحفاظ على مصالحهم الضيقة ، تجارية كانت أو حزبية ، أو تحرك الراعي الأكبر له اسرئيل ، التي قد تقوم بأعمال يائسة في محاولة لقتل مشروع الوحدة ، الذي تعرف جيدا انه سيقود حتما إلى تجسيد مشروع الدولة واقعا على الأرض.{nl}سنردد القول سنزحف على الانقسام بالملايين ، لتطهير شعبنا منه ، بيت بيت ، دار دار ، زنقة زنقة ، فرد فرد ، ولكن بالحب، والتسامح ، والتعقل ، الاعادة الحقوق وصون الحريات ، التي نتطلع إليها ، وصولا لصندوق الاقتراع ، الذي يمنح شعبنا حرية اختيار القيادة والمشروع المناسبين ، فكل الشعوب التي مرت بتجارب الانقسام والاقتتال الداخلي ، واستطاعت ان تحكم نفسها الى صندوق الاقتراع ، بدأت في مرحلة والأعمار والبناء والتطور والرقي التي تطمح لها كل شعوب الدنيا ، ومن حقنا كشعب ناضل من اجل الحرية ، وقدم التضحيات من اجلها ، وتحرك بكل قواه لصون حريته ووحدته أن نتطلع الى العيش بحرية ورقي كباقي شعوب العالم، وذلك اضعف الإيمان.{nl}أوباما والسيكوباتية السياسية: سورية نموذجاً{nl}محمد حسين أبو العلا {nl}بين الأصفار لا توجد فروق، ولن توجد مهما بلغت محاولات الاستقصاء ودعاوى التمني، لكن بين الأرقام تتعدد المعاني والدلالات رحابة وضيقاً، ولقد دأب الحكام العرب طيلة أمد على خوض معركة الرهانات الخاسرة، التى تبرز عمق الحماقة السياسية على اختلاف أنماطها وصورها، تلك الحماقة التى مثلت أفدح ثمن يمكن أن تدفعه الشعوب من دمائها وكرامتها وتاريخها وشرفها القومي.{nl}والمتأمل في تنويعات البانوراما السياسية العربية، إنما تتلاشى أمامه أي صيغة متفردة للحكم الرشيد، أو أي منهج إستراتيجي أو فلسفة سياسية ذات بنية مُحْكَمَة تستطيع القفز على التحديات مستهدِفة المصالح العليا في الصميم، وهو ما يعبِّر عن نمطية الفكر وتقليديته وتجاهل معطيات الواقع في تحولاته الصادمة لذلك المحيط العربي الذي تتقاذفه الأخطار وتكتنفه الخلافات الحادة الموشكة أن تجعله أثراً بعد عين. ولقد عبثت الإدارة الأميركية عبث الكبار بذلك المد الثوري في أرجاء ذلك المحيط العربي، فلم تُبْدِ سلوكاً رائداً أو تقوم بدور متميز، وإنما قدمت طرحاً باهتاً حتى لذلك الذي حفزت الشعوب العربية نحوه، من تكريس ميثاق عتيد لحقوق الإنسان وسيادة المنظومة الديموقراطية وشيوع مبادئ العدالة والمساواة، وحين هبت هذه الشعوب وأفاقت من غفوتها، لم تجد أميركا نصيراً أو حليفاً لها أو حتى عوناً لذاتها، باعتبارها ممثلة للضمير السياسي والحضاري المعاصر، فلم يختلف موقف أوباما عمن قبله،وإنما ترنح طويلاً في دوائر الفراغ واللامعنى، فها هو مجدداً يندد بالعنف الحادث في سورية، واصفاً أعمال القمع والقهر بأنها مشينة، ذلك رغم أن النظام السوري هو أكثر الأنظمة خصومة وعناداً سافراً في الشرق الأوسط، بل هو أقرب حلفاء إيران والداعم لسلاح حزب الله في لبنان ولحماس في غزة في مواجهة إسرائيل. {nl}لكن هل يمثل ذلك الوجهَ الحقيقي للسياسة الأميركية؟ كلا، لأن الموقف الفعلي إنما انطوى على مهادنة النـظام السوري ضد المتظاهرين والمحتجين الذين لا تتجاوز مطالبهم سوى إرساء نظام ديموقراطي وإطلاق عنان الحريات السياسيـة ووقف أعمال القتل والتعذيب، فبدلاً من إطاحة نظام ديكتاتوري واتخاذ خطوات حاسمة لإضعافه وتقويضه، نرى أوباما يجأر أو يهذي بأن حكومة النظام إنما تسعى لتنفيذ إصلاحات معقولة! ذلك أنها جعلت التعامل مع سورية جزءاً محورياً من سياستها الخرقاء في الشرق الأوسط، والمتشدقة بمعتقداتها الخاطئة المتمثلة في أن الأسد الهصور ربما يكون أهم محاور عملية السلام في الشرق الأوسط، بل إنها لن تقايض الأسد بمستقبل مجهول! لكن خجلاً من أطياف المجتمع الدولي، فرض أوباما عقوبات على الاستخبارات السورية وعقوبات أخرى على بعض أقارب الرئيس السوري، رداً على حملات الإبادة التى يمارسها النظام، لكن من دون أن تطال هذه العقوبات رأس النظام. {nl}ولعل ذلك الموقف الأميركي الذى يتصدره أوباما، إنما يعلن وبشكل فاضح عن تلك السيكوباتية، أو الشخصية المضادة لحركة المجتمعات، والتي تميل سلوكياتها إلى تلك الغرابة ولا تعبأ بالأعراف والقوانين السائدة، فضلاً عن احترامها وتوقيرها، وتكون أقرب إلى انتهاك حقوق الآخرين وتفتقد القدرة على الحكم الصحيح، من ثم فإنها تعايش المشاكل نفسها التي سبق أن تورطت فيها، وهو ما يكشف بالضرورة عن حالات الخلل واللامعيارية.{nl}ومن ذلك، فعلامَ تستند الإدارة الأميركية في مهادنتها النظام السوري، الذي حشد مِن قَبلُ آلاف الجهاديين من مختلف أنحاء العالم لتسفير بعضهم إلى العراق لمهاجمة الجنود الأميركيين؟ بل كيف لها أن تهادنه وهو الذى سعى بقوة لبناء مفاعل نووي سري بدعم من كوريا الشمالية، فضلاً عن احتضانه ورعايته سلسلة من الاغتيالات لخلخلة الحكومة اللبنانية الموالية للغرب؟ وكيف لأميركا أن تشيد بذاتها باعتبارها القوة الأولى في العالم بينما يشير الخطاب السياسي داخلها إلى قيود استعمال قوة واشنطن التي تزداد كل يوم مع تغير موازين القوى لمصلحة أطراف أخرى؟ وكيف لأميركا أيضاً أن تشير إلى ضرورة التركيز بقوة على ديبلوماسية الشعوب أو ضرورة تفهم شعور شعوب الشرق الأوسط تحديداً؟ وكيف لأميركا أن تتجاهل نصائح القطب الإستراتيجي كيسنجر بشأن التعامل مع الثورات العربية، والتي تستوجب إدارة الأزمات يوماً بيوم وبطرق مختلفة مع كل دولة وكل انتفاضة؟ من ثم، لماذا لم تنفلت أميركا من خيوط المنطق الأحادي المعمول به مع الدول، رغم اختلاف خصوصياتها وعلاقاتها وطبيعة شعوبها؟ وكيف لم يحفل أوباما بجماعة كتاب «واشنطن بوست» التى تطرح سخريتها المريرة من الالتزام الأميركي بحقوق الإنسان والتعهد مراراً بدعم التطلعات العربية نحو الحرية بينما تترك الشعب السوري نهباً للدكتاتورية الدموية؟ وما هي القيمة الفعلية لقرارات مجلس حقوق الإنسان بإدانة الإنظمة باستخدام العنف ضد المتظاهرين في سورية أو غيرها؟ وكيف للنظام السوري أن يستعيد المجد الديكتاتوري البائد في قمع المطالبين بالإصلاح الديموقراطي بالأدوات والوسائل والطرق نفسها رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود؟ ألم يستوعب النظام السوري تجربة الثورات العربية في مقدماتها ونتائجها؟ والى أي مدى ستظل ممارساته القمعية مستمرة على هذا النحو أو ذاك، ظناً أن الشعوب هي أرخص قربان أمام زهوة الاحتفاظ بالعروش والتيجان؟{nl}إن الأنظمة العربية المتآكلة، التى تعلي دائماً في لحظات التأزم شعار «أنا أو الفوضى»، حين تنهشها وتفضحها تلك الثورات الجامحة المنطلقة من فضاءات الكبت والإحباط، والتي هي دائماً تُؤْثِر الفوضى على الزعامات الهشة، وتؤثر الفوضى كذلك على الخواء السياسي والفكري، ذلك أن تلك الفوضى وفي أقصى درجات تطرفها يمكن أن يرتجي من ورائها شرور أقل، بل أقل بكثير من الاستمرارية البغيضة لأنظمة باتت فاقدة للشرعية لأنها كانت في المبتدأ فاقدة الأهلية السياسية.{nl}* كاتب مصري<hr>