المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقلام وآراء 86



Haidar
2011-05-20, 11:02 AM
اقلام واراء{nl}86{nl}مقالات من الصحف العربية:{nl}العناوين:{nl} جامعة العرب تواجه التحديات رغيد الصلح - الخليـــــــج{nl} أصداء صرخة حق العودة راكان المجالي - الدستور {nl} بعض السمات العامّة التي تحكم انتفاضات منطقتنا صادق العظم – دار الحياة{nl} حين تسبق 'الثورة المضادة' الحدث الثوري: سورية والبحرين والجذور الحقيقية لازمة الديمقراطية العربية{nl}د.عبد الوهاب الافندي – القدس العربي{nl}جامعة العرب تواجه التحديات{nl}الخليـــــــج رغيد الصلح{nl}استقبل تعيين الدكتور نبيل العربي في منصب الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية بترحاب واسع في الأوساط العربية . عبر وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي عن نظرة هذه الأوساط عندما أشاد بتجربة الأمين العام “الجديد الدبلوماسية والقانونية الكبيرة” و”أخلاقه الطيبة والتوازن في تصرفاته”، وعندما توقع له القيام بالنجاح في امتياز في منصبه الجديد . وتتسم هذه الشهادة بالأهمية لأنها تأتي من بلد لطالما اشتكى من العرف القاضي بتعيين الأمين العام من دولة المقر . ولا ريب أن الجامعة هي اليوم في أمسّ الحاجة إلى شخص في مكانة د . العربي، فهي الآن ترزح تحت وطأة تركة مثقلة بالأعباء، وهي تواجه مستقبلاً قلقاً ومصاعب كثيرة يمكن تلخيصها بالتحديات التالية:{nl}* أولاً، تحدي الاستمرار:{nl}لقد كانت الجامعة تواجه دوماً مثل هذا التحدي، إذ إنها كانت تفتقر إلى المساندة والدعم . جاءت الجامعة تلبية لنداء التوحد والتعاون والتكامل بين الدول العربية . من هذه الناحية كانت تثير قلق المتمسكين بالدول العربية القائمة . ولكنها كانت في الوقت نفسه تلقى معارضة بين المتحمسين لمشروعات الوحدة العربية، إذ اعتبروها محاولة لإجهاض هذه المشروعات . هكذا كانت الجامعة في قلب الجدل حول العلاقات بين الدول العربية، وكان التحدي الرئيسي الذي واجهته الجامعة ولم تنجح فيه هو إقناع الحكومات العربية بأهمية التعاون وبضرورة رفع مستوى التنسيق والتكامل والتساند في ما بينها .{nl}اليوم لم تعد فكرة التعاون الإقليمي التي نشأت عليها الجامعة موضع جدل . لقد أصبح انضمام الدول إلى تكتلات إقليمية عنواناً من عناوين سيادتها وأهميتها على الصعيد الدولي . وتضاعف عدد التكتلات الإقليمية خلال التسعينات عشرات المرات تقريباً . وأصبح ثلث التجارة العالمية حالياً محصوراً في إطار هذه التكتلات . ولم تتطور التكتلات الإقليمية من حيث عددها فحسب، وإنما أيضاً من حيث النوع والفاعلية، بعد أن أزيحت العقبات الجمركية وغير الجمركية التي كانت تعرقل التجارة بين دولها .{nl}إذاً، لم يعد تحدي الاستمرار ناجماً عن مقاومة الدولة العربية لمشروعات التعاون الإقليمي العربي، ولكنه بات اليوم على العكس من الأمس ناجماً عن إقبال الدول العربية على مشروعات التعاون الإقليمي ولكن غير العربية . وهذه المشروعات هي على نوعين: الأول احتوائي، يرمي في أكثر الأحيان إلى إضفاء مشروعات التعاون والتكامل العربية في إطار تكتلات واسعة فضفاضة بحيث تبطل القدرة على تحقيق تعاون فعال بين اعضائها . النوع الثاني، تكتلات فرعية تعمل على تعميق العلاقات في ما بينها، بينما تبقى العلاقات بين دول الجامعة في أدنى المستويات .{nl}* ثانياً، التحدي الديمقراطي:{nl}يمكن إعادة هذا التحدي إلى منبعين مهمين، الأول هو الاتجاه المتزايد بين التكتلات الإقليمية في العالم نحو اعتبار التحول الديمقراطي هدفاً أساسياً من أهدافها . الظاهرة الأبرز على هذا الصعيد هي بالطبع السياسة التي درج عليها الاتحاد الأوروبي في سائر مراحله التأسيسية والتكوينية والتطورية . إلا أن الالتزام بالديمقراطية لم يعد محصوراً بالاتحاد الأوروبي وحده، بل انتشر بين غيره من التكتلات والمنظمات الإقليمية . هذا ما يؤكده كتّاب كثيرون مثل أندريه مالاموس في بحث نشره بعنوان {nl}“الديمقراطية من فوق: المنظمات الإقليمية والديمقراطية”، وهيلين غاندوا في بحث بعنوان “المنظمة الإقليمية كفاعل في التحول الديمقراطي، التجربة الإفريقية”، حول الدور الإيجابي الذي اضطلعت به منظمات إقليمية فرعية في التحول الديمقراطي في دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية بعض الدول الإفريقية .{nl}المنبع الثاني، هو الانتفاضات العربية التي تطالب بالإصلاح الديمقراطي . لقد تطرقت القمة العربية في تونس عام 2004 إلى هذه المسألة حيث تعهد الزعماء العرب بالعمل على الدمقرطة، وكان من المستطاع أن ينعكس هذا التعهد على نشاط الجامعة لولا أن القمم التالية تراجعت بصورة منهجية وعلى خط مستقيم عن دعوة الإصلاح .{nl}في ظل هذه المتغيرات سوف يزداد الضغط على الجامعة من أجل اعتماد سياسة ثابتة في مجال دعم التحول الديمقراطي في المنطقة . قد يكون الموقف الذي اتخذته الجامعة تجاه الانتفاضة الليبية مقدمة لهذه السياسة، ولكن حياد الجامعة تجاه الصراع بين الحكم المطلق والإصلاح الديمقراطي سوف يؤدي إلى المزيد في تراجعها وفي فقدانها مشروعيتها .{nl}* ثالثاً، التحدي التنموي:{nl}لقد استبقت الجامعة هذا التحدي، وبمبادرة كويتية، عندما بدأت بالقمة العربية الدورية الاقتصادية والاجتماعية، وعندما أدخلت تعديلاً شددت بموجبه على المضمون التنموي للقمة . وانطلقت فكرة القمة هذه قبل اطلالة الانتفاضات على مسرح السياسية العربية . وكان الحافز وراء هذه القمة رغبة سليمة في الفصل-ما أمكن الفصل-بين الاقتصاد والسياسة بحيث لا تتأثر العلاقات الاقتصادية بالأزمات السياسية التي تطرأ على العلاقات بين الدول العربية، وبحيث يوفر لقضايا التعاون الاقتصادي العربي الاهتمام الكافي وتبقى طرقه ومنافذه سالكة باستمرار ودون تعطيل .{nl}إلا أنه كما يحدث في أكثر القضايا المتعلقة بالتعاون العربي، سرعان ما ترجمت هذه الفكرة السليمة ترجمة ناقصة . ذلك أنه جرى ترحيل قضايا التعاون الاقتصادي برمتها إلى القمة الاقتصادية التي تجتمع مرة واحدة كل سنتين .{nl}في الوقت نفسه انحدرت أهمية هذه القمة الأخيرة في مؤتمرها الثاني خاصة بعد أن حولت حكومة حسني مبارك، الذي غدا شريكاً في رئاسة الاتحاد من أجل المتوسط، جل اهتمامها إلى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي . بالمقابل ابتعدت القمة العربية العادية عن الاهتمام بالقضايا التنموية وبقضايا البطالة والفقر والأمية التي كانت حافزاً إلى ملايين المواطنين والمواطنات للخروج إلى الشارع وللمطالبة بالتغيير، والتي تحظى عادة بالاهتمام الحثيث من قبل زعماء التكتلات الإقليمية الكبرى في العالم (الاتحاد الأوروبي، آسيان، ميركوسور ونافتا) .{nl}إن نجاح الجامعة العربية في الإبحار عبر هذه التحديات يحتاج إلى قبطان ماهر يملك ما للدكتور العربي من خبرة ونظرات سديدة في واقع العلاقات الإقليمية والدولية . لقد انتقد د . العربي في مقال كتبه أخيراً افتقار السياسات العربية إلى المقاربات العقلانية وحاجتها إلى الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل، ومن القرارات العشوائية إلى السياسات الهادفة والحكيمة . لعل الأمين العام لجامعة الدول العربية ينجح في تحقيق مثل هذا الانتقال فيسهم في إصلاح الأوضاع العربية المتردية، وفي الارتقاء بالعمل العربي الجماعي بصورة خاصة .{nl}أصداء صرخة حق العودة{nl}الدستور - راكان المجالي{nl}لازالت فلسطين جمرة الحسرة المتقدة في قلوبنا ولا زال جرحها الواسع هو الجرح الغائر في وجداننا وتفكيرنا . ولازالت هي المثل الأعلى لطموح الأفراد والشعوب العربية الذي يلهب أشواقنا لتحريرها . لا زالت هي القضية التي تسكن فينا بين القلب وغشاء القلب بحميمية في داخلنا. و في الخارج فأن حدود فلسطين هي الكرة الأرضية . وقد جبت كل بقاع الأرض من ابعد مغربها إلى أقصى مشارقها وفي كل مكان على هذه الأرض كان هنالك إنسان عربي أو مسلم يسألك عن فلسطين قبل أن يلقي عليك التحية كزائر. إن حدود فلسطين هي حدود هذا الكون . و في ذكرى نكبة فلسطين لهذا العام وفي ظل الثورة العربية اشتعلت روح الإنسان الفلسطيني وهو ينفذ بروفة الاقتراب من ارض فلسطين لتأكيد العودة لها .... وقد كتبت في هذا الموضوع ووصلني اتصالات هاتفية وكذلك تعليقات على البريد الالكتروني ورسائل مكتوبة واختار اليوم بعض التعليقات المعبرة التي تعكس نبض الإنسان العربي حيال فلسطين و اعتذر لمن لم اختر تعليقاتهم لضيق المجال واكتفي بما يلي :{nl}1-تعليق الدكتورة نرمين احمد الصالح {nl}الثورة العربية تخرق الحدود المحصنة والأسلاك الشائكة والحواجز النفسية مع العدو. الفلسطينيون يشعرون للمرة الأولى إن بإمكانهم أن يتقدموا نحو خطوط المواجهة من دون أن يخشوا طعنة في الظهر. ثمة أشقاء لهم يستعيدون حريتهم وينتزعون حقوقهم، ويعيدون اكتشاف فلسطين وقضيتها وشعبها.{nl}تلك هي محصلة الذكرى الثالثة والستين ليوم النكبة التي كانت حتى الأمس القريب عبئا سياسيا وأخلاقيا ثقيلا على كاهل الفلسطينيين والعرب جميعا، فإذا هي تتحول إلى فرصة لإحداث صدمة في الوعي الإسرائيلي، وشن أول وأهم حرب شعبية عربية تتخطى برموزها ودلالاتها وربما نتائجها جميع الحروب العسكرية التقليدية التي خيضت مع اسرائيل على امتداد عقود الصراع.{nl}فجأة، ومن دون إطلاق رصاصة عربية أو فلسطينية واحدة، انزاحت تلك الكلمة الموجعة التي اشتقت للفلسطينيين وصارت علامة فارقة على وجوههم، وتحركت الحدود التي كادت تصبح نهائية ومشروعة، ولا يجري اختراقها إلا نادرا، أو تسللا.. فجأة ضاقت مساحة الدولة اليهودية، التي كانت تمتد إلى حيث يمكن أن يصل الجيش الإسرائيلي بأسلحته المتفوقة.{nl}2- الدكتور مازن عبد الستار{nl}جاء عصر الشعوب. وظهرت هذه الحقيقة في أعظم تجلياتها في ذكرى النكبة وقيام كيان الاغتصاب الصهيوني على أرض فلسطين. ظلت إسرائيل تصطاد الدول العربية بعد استفرادها الواحدة تلو الآخرى، وفي ذروة تسلطها وجبروتها أخذت تصطادها بالجملة، بينما كانت الأنظمة العربية في ذروة ضعفها. لمرة واحدة وبصورة استثنائية تحالف نظامان عربيان في مصر وسوريا للقيام بجهد عسكري منسق على جبهتين فكانت حرب أكتوبر 1973 التي دفعت بقيادة الكيان الصهيوني إلى حافة الجنون النووي! وبعدها جرت مياه كثيرة في النهر تحت جسور الهدنة ثم تحت ظلال معاهدات السلام. وظلت إسرائيل تنام قريرة العين على ثلاث جبهات عربية زمناً طويلاً، ولم ينغص عيشها سوى الحالة على الجبهة الشمالية اللبنانية. وكان ذلك يحدث في ظل الأنظمة التي كانت منشغلة إما بنفسها وإما بغيرها... بينما كانت إسرائيل تسابق زمن الغفلة العربية لتسريع تهويد القدس، وتمهد لتهويد كل فلسطين.{nl}3-دانـــــا جهـــــاد /طالبة جامعية{nl}هاهي الذكرى ( الثالثة والستون ) تمر على تاريخ النكبة ؛ ولا يزال الفلسطينيون والعرب كما هم عاجزين عن فعل أي شيء يذكر حيال ذلك ، ومن يقول غير هذا ؛ فليسمح لي أن أقول له آسفة بأنه يضحك على نفسه !!{nl}فالنصر يا إخوان لا يعد نصرا ، ولا يسمى انتصارا إلا إذا عاد الحق كاملا غير منقوص لصاحبه ، ومن غير مساومات عليه ومن غير تقديم أية تنازلات ، وبدون مفاوضات ومن غير عقد جلسات صلح ولا حوارات.{nl}فالنصر لا يتحقق إلا من خلال الإرادة والعزيمة الصلبة التي لا تلين ، أما إذا لم يكن مؤمنا بذلك ، وانشغل عنه بتوافه الأمور ، وسكنه الرعب ، وعاش به الخوف ، فتعطل عقله عن التفكير ،وعمي بصره عن الحقيقة ، وعجز فكره عن الحيلة ، وأساء حسن استخدام الوسيلة ؛ ورضي بأقل القليل من حقه ، ولجأ إلى المفاوضات وأعجبته فكرة سياحة التفاوضات وأدمن على عقد الاجتماعات ؛ فإنه من الاستحالة عليه بمكان أن يري هذا النصر ؛ حتى ولو كان ذلك النصر حلما بالمنام !!{nl}فالنصر واستعادة الحرية وإرجاع العزة والكرامة لن تأتي لنا من خلال الجعجعات ولا بالمفاوضات ، والحق السليب والأرض المغتصبة لا يمكن أن يرجعها تقديم الشكاوى ولا القيام بالاعتراضات على الاعتداءات والانتهاكات ولا برفع الشعارات ولا بتعليق اليافطات.{nl}بعض السمات العامّة التي تحكم انتفاضات منطقتنا...{nl}دار الحياة صادق جلال العظم{nl}لماذا في هذا الوقت بالذات؟ هو السؤال الكلاسيكي المعهود الذي ترفعه، فوراً وبعصبية ظاهرة، عقليات نظرية المؤامرة وتفسيراتها السوريالية لحظة وقوع أي حدث ملفت، إن كان في العالم العربي أو العالم الإسلامي عموماً. أما الملفت للنظر حقاً في أيام ربيع الانتفاضات الشعبية السلمية والمدنية والمدينية على أنظمة الاستبداد العربية – والتي لم أكن أتوقع بأن أحيا بما فيه الكفاية لأعيش أيامها وأتابعها – فهو أن الطرف الذي هرع بعصبية لا تجارى وبهلع لا تخطئه العين إلى الاحتماء بـ «المؤامرة» وبنظرياتها وتفسيراتها هو أنظمة الاستبداد ذاتها، وليس الأوساط الشعبية الثائرة والتي كنا نقول عنها دوماً إنها هي المغرمة، إلى حد الخبل أحياناً، بالتعليلات المؤامراتية وبسذاجاتها وتبسيطياتها.{nl}هذا، بعد أن كانت أنظمة الاستبداد نفسها ودول الإكراه التابعة لها قد بذلت جهوداً حثيثة في تقديم نفسها على أنها المركز المُرَكَّز للميول الأكثر عقلانية واستنارة وإحاطة ووطنية ومدنية في مجتمعات عربية ما زالت الانقسامات العمودية، الطائفية والمذهبية والإثنية والقبلية والجهوية، تفعل فعلها التفتيتي في شعوبها وفعلها التأخيري التفويتي في مجتمعاتها.{nl}إلا أن المعادلة انقلبت فجأة رأساً على عقب. قلبتها الانتفاضات الشعبية من تونس إلى اليمن مروراً بمصر وسورية والبحرين وليبيا و... وقد شاهدنا الأنظمة العربية إياها وهي تتشبث، في ساعة الحقيقة، تشبثاً ميكانيكياً تكرارياً وعصابياً بأكذوبة «المؤامرة» وتتمسك، كيفما اتفق، بالالتواءات الكافكاوية لمنطقها الهاذي والمتضمن كله في السؤال الأصل: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ جواب الشاعر العربي جاهز: في هذا الوقت بالذات لأن طبائع الاستبداد جعلتهم من أولئك الذين{nl}لا يتّقون الشر حتى يصيبهم{nl}ولا يحسنون الأمر إلا تدبّرا{nl}ولأنهم غدوا «لا يحسنون الأمر إلا تدبرا»، تحولت في نظرهم تلك الجموع الهائلة المنتفضة من شعوب اليمن وليبيا وتونس ومصر وسورية والبحرين إلى لا أكثر من قطاع طرق، ومندسّين مخربين، وعصابات مسلحة، وإرهابيين قتلة، هذا في أحسن الأحوال، وإلى مجرد جرذان وفئران وحشرات وما شابه، في أسوَئِها.{nl}بطبيعة الحال ليس المطلوب كشف أية مؤامرة حقاً ولا أية إجابة جادة أو شبه جادة عن السؤال: «لماذا في هذا الوقت بالذات؟»، بل المطلوب كل المطلوب هو القدح الخبيث في استقلالية الجمهور الكبير الثائر والمطالب والمضحي، والتشكيك الماكر في أهليته وسيادته على نفسه مع التلميح الملتوي إلى قصوره العقلي والسياسي والوطني إضافة إلى الإيحاء بوجود إرادات شريرة خفية ونوايا مؤذية مموَّهة خلف تحركه وانتفاضته، لا تعرف كنهها أو تفهم خطرها على الوطن ووحدته سوى تلك «الأيدي الأمينة» الحافظة للنظام وأمنه ودولته وسلطته ما من شأنه التوحيد بين أمن الاستبداد وتسلطه واستمراره من ناحية، وأمن الشعب والوطن والدولة وديمومتها جميعاً، من ناحية ثانية.{nl}الشعب التونسي حرّ{nl}لكن جموع المحتجين والمعارضين والمنتفضين من أهل الربيع العربي قدمت أجوبة من نوع آخر عن السؤال: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ وما من جواب أكثر بلاغة عن السؤال من تلك الصرخة التي أطلقها ذلك المحامي الشاب، وهو يتلوى فرحاً {nl}ويهتز نشوة في أحد شوارع تونس العاصمة: «الشعب التونسي حر»، لحظة سماعه بفرار زين العابدين بن علي وعائلته من البلاد، صرخة مدوية تابعها العالم أجمع صوتاً وصورة في كل مكان تقريباً على سطح الكرة الأرضية.{nl}عبارة أخرى: ثورة الياسمين جاءت في هذا الوقت بالذات لأن الشعب التونسي حر وليس لأنه ضحية لأية مؤامرة. ولا يقل عن ذلك الجواب بلاغة تحسُّر ذلك الشيخ التونسي الذي شاهدناه جميعاً على شاشات التلفزة وهو يتلمَّسُ شيبته ويقول متأسفاً على عمره الضائع، «هرمنا، هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية»، التي أتته وأتتنا متأخرة، ولكن لحسن حظنا جميعاً، قبل فوات الأوان.{nl}جواب ثالث بليغ تابعناه بالصوت والصورة أيضاً: في هذا الوقت بالذات لأن «الشعب يريد إسقاط النظام»، إنقاذاً للوطن ولنفسه معاً، وليس إنجراراً أبله وانسياقاً ساذجاً مع مؤامرة أكَّد صاحب «الأيدي الأمينة» الرئيس علي عبدالله صالح، مُحقِّراً شعب اليمن، بأنها تحاك في البيت الأبيض وتدار من تل أبيب.{nl}هناك من رأى أن انتفاضات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن والبحرين وسورية وليبيا وغيرها هي استمرار للثورة الإسلامية الشعبية في إيران على الاستبداد الشاهنشاهي بالبلاد، أو هي محاكاة ما للحراك الشعبي الديموقراطي العارم الذي أطاح بنظام سوهارتو العسكري الديكتاتوري في إندونيسيا (1997 – 1998)، أو هي امتداد لانتفاضة الأرز المليونية التي خلَّصت لبنان عام 2005 من الوصاية العسكرية والأمنية السورية المريرة على الجار الصغير، أو هي تقليد لحركة الاحتجاج والتظاهر الخضراء في إيران في 2009 اعتراضاً على التزوير الحاصل في الانتخابات الرئاسية هناك لإنجاح مرشح النظام محمود أحمدي نجاد. وهناك من ذكر، في هذا الصدد، الحراك الشعبي السلمي الهائل الذي أطاح بحكم ديكتاتور الفيليبين فرديناند ماركوس وزوجته إيميلدا عام 1986 لمصلحة حكم ديموقراطي جديد ومقبول.{nl}ربيع دمشق، 2000{nl}لا تعير هذه الظنون والافتراضات، على جدارتها، أية أهمية تذكر لربيع دمشق في 2000. فهو، في هذا السياق، يشكل، في نظري، نوعاً من «المقدمة النظرية» و «البروفة» الأولية السلمية والمسالمة كلياً وقته لما ستتفجر عنه الانتفاضات العربية اللاحقة من شعارات ومطالب وشكاوى ونداءات وتطلعات وتضحيات.{nl}أقول إن الريادة عربياً في هذا المضمار كانت لربيع دمشق لأن مجموع الشعارات والمطالب والاحتجاجات التي رفعتها الانتفاضات الشعبية العربية من تونس إلى اليمن مروراً بليبيا الجريحة، موجودة كلها تقريباً – بصيغة راقية جداً – في الوثائق السياسية – النقدية – الإصلاحية التي طرحتها حركة إحياء المجتمع المدني في سورية أثناء ربيع دمشق القصير.{nl}فقد طرحتها للنقاش الديموقراطي العام عبر موجة واسعة من المحاضرات والندوات والسجالات والمنابر والمنتديات والجلسات والأطروحات والأطروحات المضادة والانتقادات والكتابات التي عمت سورية كلها في تلك الفترة.{nl}وكان الأمل في أن تشارك القيادة الشابة لسورية وقتها في هذا الحراك الحي والمنعش وأن تدلي بدلوها في سجالاته الجارية تمهيداً لتشكل رأي عام جامع بالنسبة لما تحتاجه سورية من إسعافات عاجلة وإصلاحات متوسطة ومعالجات آجلة. على سبيل المثال، إن «بيان الـ 99» مثقفاً سورياً (دمشق 30/9/2000) و «الوثيقة الأساسية للجان إحياء المجتمع المدني» المعروفة بـ «بيان الألف» (دمشق، كانون الثاني – يناير 2001) و «بيان ملتقى أنصار المجتمع المدني» (دمشق، آب – أغسطس 2002) تتناول وتشخص بدقة وإيجاز المسائل والقضايا والمعضلات والثغرات التي ثارت بسببها، ومن أجل تسويتها وإصلاحها، كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والبحرين عام 2011، وعلى رأسها الحرية والكرامة.{nl}معروف أن شيئاً مما ارتجاه ربيع دمشق وتطلع إليه لم يحدث أو يتحقق، بل حدث عكسه تماماً بقيام السلطة الأمنية بخنق مناقشات الربيع تدريجاً وصولاً إلى وأده تماماً قبل أن تتفتح أية زهرة من أزهاره. قُمع ربيع دمشق: لأنه تحسس علناً الأزمات المتراكمة في البلد من دون أن تكون له يد في صنعها؛ ولأنه تلمّس صراحة الانسدادات والاختناقات التي أخذ النظام ينوء تحتها، علماً بأنه لم تكن له يد في جلبها، ولأنه استجاب بوضوح إلى حال التردي العامة في المجتمع، مع العلم أنه لم تكن له يد في إنتاجها؛ ولأنه انفعل بمشكلات مستعصية ومآزق مستشرية في طول البلاد وعرضها، مع العلم أنه لم تكن له يد في {nl}فعلها. لهذا السبب وفي هذا الوقت بالذات سالت الدماء الزكية في شوارع مدن سورية وبلداتها وقراها، وليس لأن جموع المحتجين في جميع أنحاء البلاد تنفذ مؤامرة خارجية جهنمية للنيل من استقرار الوطن ومنعته.{nl}والخوف كل الخوف في أن تكون سياسة التعامي الإرادوي الرسمية عن هذا كله، وسياسة التعامل الأمني مع كل احتجاج وتظاهر ورفع مطالب شعبي سلمي على أنه فتنة وتمرد وعصيان وخيانة لا أكثر، قد عمَّقت شرخاً عميقاً، لا نجاة منه في المستقبل المنظور، بين النظام الحاكم والمجتمع السوري عموماً – سياسات ستدفع بهذا الشرخ، إن لم تتوقف، للتحول إلى فتنة طائفية وطوائفية معممة في البلاد حتى لو ظلت مستترة تقيةً إلى حين انفجارها مجدداً.{nl}طبيعة الانتفاضات{nl}سُمِّيت انتفاضات الربيع العربي الراهن بثورات الشباب وثورات التكنولوجيا العالية للاتصالات والمعلوماتية مثل الإنترنت والكومبيوتر المحمول والتلفون النقال وفايسبوك وتويتر ويوتيوب والفضائيات المتابعة لتطور الأحداث لحظة بلحظة وعلى مدار الساعة. وفي هذا كله نقلة نوعية هائلة لعبت بصورة حاسمة لمصلحة الشعوب الثائرة، وبمساعدتها على تعزيز المنحى السلمي لتحركها، وعلى الظهور بمظهر الحراك الواعي والمثقف المتمكن من أحدث إنجازات العصر في ميدان تكنولوجيا الاتصالات وتبادل المعلومات ونقل المعارف والاتصال والتواصل اللحظي في شكل عام.{nl}وفي الوقت نفسه وضعت النقلة النوعية هذه الأنظمة وأجهزتها الأمنية في موضع المتخلّف عن الركب الذي ليس لديه من أسلوب للتعامل مع الوضع المستجد إلا الاحتماء وراء الخصوصيات التي نعرف أنها تميز كل دولة عربية عن أخواتها والإصرار المفاجئ على كل ما يفرِّد أي بلد عربي عن جاره أو يفرِّقه عن باقي البلدان العربية.{nl}من هنا الادعاء الحكومي الرسمي العربي الصاخب، في زمن الثورات والانتفاضات، بأن مصر ليست تونس وأن ليبيا ليست مصر أو تونس وأن سورية ليست تونس أو مصر أو ليبيا... هذا في وقت لم تكن مصر يوماً أكثر شبهاً بتونس ومصر والبحرين وليبيا مما هي عليه اليوم على أرض الواقع الثوري القائم ذاته. فكما أن المواطن البحريني المنتفض يريد إصلاحاً يؤمن له ملكاً دستورياً حقيقة ورئيس وزراء لا يعيّنه القصر بل تفرزه الساحة، فإن المواطن المصري والسوري المنتفض بدوره يريد هو أيضاً إصلاحاً يؤمن له رئيساً دستورياً حقيقياً للجمهورية ورئيس وزراء لا يعينه القصر، بل تفرزه الساحة الأكثر ديموقراطية في بلده.{nl}لذا أقول: لم يشعر المواطن العربي منذ زمن طويل نسبياً بتقارب المجتمعات العربية وتشابهها، مشكلات ومعضلات وتحديات وانسدادات واستبدادات وحراكات ومخارج وحلولاً، كما أخذ يشعر في زمن الربيع العربي الثوري الراهن. حتى المعادلة القومية العربية الرومانسية القديمة القائلة «بوحدة آلام الأمة وآمالها» اكتسبت أخيراً معنى ملموساً، إذ أصبح واضحاً أن آلام شعوب اليمن وتونس ومصر وسورية وليبيا والبحرين وآمالها، على سبيل المثال، لم تكن في يوم من الأيام متوحدة عيانياً، وليس رومانسياً، ومتشابهة عملياً، وليس تجريدياً، كما هي اليوم بالفعل، على ما يتبين من مطالب المتظاهرين وشعاراتهم واحتجاجاتهم وسلوكهم في كل دولة من دولنا العربية تقريباً.{nl}لقد أظهر الربيع العربي «وحدة عربية» من نوع آخر أيضاً تجسدت في منهج الأنظمة وأجهزتها الأمنية في التعامل الميداني مع الوضع الشعبي الثوري المستجد. فقد أثبتت كلها أنه ليس عندها من حيلة أفضل من القمع العنيف والقنص من بعيد وإطلاق الرصاص الحي على المدنيين وتعريض جموع المتظاهرين والمحتجين والمعارضين إلى هجمات البلطجية والشبيحة بشراستها القاتلة. لذلك، يمكننا القول أيضاً بأنه لم تظهر وحدة الأنظمة العربية الأمنية وتشابهاتها في الاستبداد ببلدانها وفي الاستتباع لشعوبها كما ظهرت في أيام الربيع العربي المجيدة.{nl}لا بد من تحفظ هنا عن بعض النزعات التي تريد أن تختزل ثورات الربيع العربي والجديد فيها، خصوصاً في نموذجي تونس ومصر، إلى الفئة العمرية الشابة الطاغية فيها وإلى تكنولوجيا الاتصالات العالية المستعملة على نطاق واسع في تسييرها. الشعوب تصنع الثورات والانتفاضات، والبشر هم الذي يتظاهرون ويحتجون ويعترضون ويستخدمون التكنولوجيا بأدواتها المتوافرة لهم مهما كان نوعها. معروف أن الشباب يشكلون الفئة العمرية الأوسع والأكبر في التركيب الديموغرافي للشعوب العربية عامة. لذا، لا مفاجأة في أن تميل انتفاضات شعوبنا الآن إلى أن تكون ثورات شباب وشابات، ولا غرابة في أن يستعمل {nl}هؤلاء التكنولوجيا المعاصرة المتوافرة لهم تماماً كما استعملت الثورات والانتفاضات في أزمنة سابقة الكاسيت والراديو والترانزيستور والجريدة والنشرة والكُرّاس وإذاعة صوت العرب وحتى الحمام الزاجل، في تحقيق أهدافها وخدمة أجنداتها.{nl}قطع مع الزعامة الكاريزمية{nl}في الوقت ذاته قطعت شبابية هذه الانتفاضات قطعاً جذرياً مع التقليد العربي العريق الذي يتطلب صعود زعامات كاريزمية تلتف حولها وحول قيادتها جماهير الثورة نفسها، كشرط لازم للنجاح وتحقيق الأهداف والمطالب. فانتقلت بذلك كاريزما اللحظة الثورية من التمركز المعهود في الفرد القائد أو الزعيم الفذ إلى الانسياب والسريان في الجموع المحتشدة في ساحات التحرير والتغيير العربية ليصبح الحشد نفسه هو اللحظة الكاريزمية الحقيقية للثورة والتغيير، وهذا تطور مهم جديد علينا بالتأكيد.{nl}لهذا السبب، تميزت ساحات التحرير والتغيير في تونس والقاهرة وصنعاء والمنامة وبنغازي، مثلاً، بمشاركة مدنية كثيفة جداً للنساء وبالحضور المشهود للأطفال والأولاد والبنات في مدن ومجتمعات محافظة جداً، إضافة إلى أشكال من الفن وأساليب التعبير المبتكرة من موسيقى وعزف وأغنيات، إلى تمثيليات ورقصات وبالونات وصلوات، مروراً برسوم ساخرة وتعليقات هازلة وكتابات «غرافيتي» ناقدة، ذلك كله بوجوه فرحة عموماً على رغم البلطجة الهاجمة والتشبيح المميت والقمع المعمم والرصاص الحي بالجملة.{nl}هذه كلها ظواهر شبابية جديدة مبتكرة لم نعهدها سابقاً في تظاهراتنا واحتجاجاتنا وانتفاضاتنا التي كانت دائماً عابسة بقسوة، متجهمة الوجه بشدة، غاضبة بحدة، مزمجرة بعدوانية وميالة إلى إحراق الأعلام وغير الأعلام وإلى إضرام النار في الكتب والمنشورات ومهاجمة السفارات ورفع شعارات العنف والتهديد والوعيد.{nl}في الواقع، انحصر معظم هذه المظاهر القبيحة، وللمرة الأولى، في محيا أنظمة الاستبداد والقمع نفسها وفي سلوك أجهزتها ورجالاتها وبلطجيتها وشبيحتها و «أيديها الأمينة» دون سواهم، فكانت سيماهُم في وجوههم من كثرة السجود والارتزاق والولاء الأعمى.{nl}لقد أثبتت اللحظة الكاريزمية لانتفاضات الربيع العربي نضجاً فائقاً تمكن من تخطي السيناريو الحديد الترويعي الذي روجت ومكنت له الأنظمة وعملت على أساسه لفترة مديدة. إنه السيناريو الذي كان يضع مجتمعاتنا أمام خيارات قاسية وصارمة لا فكاك منها من النوع الآتي: إما استمرار استبداد دولة الأحكام العرفية وحالة الطوارئ والأجهزة الأمنية القائمة حالياً، من جهة أولى، أو حكم القوى الإسلامية الأصولية الظلامية العازمة على إلغاء تاريخنا الحديث باسم الحاكمية الإلهية وعبر أحكام عرفية جديدة اسمها الشريعة الإسلامية بقانون عقوباتها المعروف، من جهة ثانية، أو التفتت العمودي الطائفي والمذهبي والإثني والجهوي والعشائري والقبلي للبلد والدولة مع ما يعنيه ذلك من فتن وحروب أهلية، من جهة ثالثة.{nl}في الحقيقة، سلكت الأنظمة إياها سلوكاً ماكراً واعتمدت سياسات داخلية مصلحية فئوية ضيقة وهدامة هدفها الأساسي تدمير كل الاحتمالات والإمكانات والبدائل التي يختزنها المجتمع المدني في ذاته، بحيث لا يجد الناس أنفسهم إلا أمام الخيارات الثلاثة الشريرة المذكورة أعلاه، فيضطرون لاختيار أهون شرورها، أي الاستكانة والخضوع والقبول ببقاء كل شيء على ما هو عليه مهما كان رديئاً. أما الأخ القائد العقيد معمر القذافي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك بتبنيه الاختيار الشمشوني: إما أنا... أنا... أنا... والعائلة والأولاد في السلطة، أو أهدم معبد الوطن الليبي على رؤوسنا جميعاً.{nl}تجاوزت الانتفاضات الشعبية هذا السيناريو التهديدي التجميدي – تجاوزته من حيث المبدأ – بمدنيتها الشفافة ومواطنيتها الجامعة ووطنيتها المنفتحة وإنسانويتها المتسامحة وديموقراطيتها الوليدة. كما أن الجهد المطلوب لتفعيل هذا التخطي وتعزيزه واستكمال عناصره على المدى المنظور، والعمل بوحي القيم والخصائص والمبادئ التي أفرزها بالممارسة العملية اليومية في لحظته الكاريزمية المؤسِّسة، هو القادر على استيعاب الولاءات والعصبيات والمذهبيات الأهلية تحت المدنية والوطنية في مجتمعاتنا وعلى كبح جماحها وإذابتها عبر تصعيدها باتجاه اندماج وطني أرقى. وهو القادر أيضاً على التعامل مع الديموقراطية وآلياتها الدستورية والانتخابية في شكل لا يسمح لأية أكثرية سياسية – انتخابية، مهما كانت، باحتكار السلطة والاستبداد بالبلد مجدداً، وذلك عبر حفظ حق الأقلية السياسية – الانتخابية في أن تمارس دورها الديموقراطي {nl}المعارض في المجتمع والدولة، وحقها في أن تُحوِّل نفسها ديموقراطياً إلى أكثرية حاكمة جديدة لاحقاً. إذ من قال إن الأكثرية، متروكة لسجيتها بلا ضوابط، لا تستبد بنفسها وبشعبها وبدولتها وبأقلياتها. وهو القادر كذلك على تأمين المزيد من التمكين للمجتمع المدني وقواه وحراكه وقواعد التعامل فيه؛ وعلى تأكيد التوسع في معنى مدنية الدولة وحياد أجهزتها ومناصبها {nl}وأحكامها وإجراءاتها بما في ذلك مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء؛ وعلى ضمان حد أدنى من الاحترام لحقوق الإنسان والمواطن والمواطِنة وحرياتهم الشخصية والعامة جميعاً وعلى رأسها حرية الضمير والتفكير والمعتقد والتعبير والعبادة أو عدمها.{nl}أخيراً، قالت لي زوجتي إيمان إذا كان المجد يعود إلى الشاب محمد البوعزيزي لإطلاقه شرارة ثورة الياسمين في تونس، بإحراقه نفسَه وليس غيرَه احتجاجاً، وإذا كان المجد يعود إلى الشاب المصري خالد سعيد الذي قضى تحت التعذيب بعد أن اعتقلته الأجهزة الأمنية المعروفة، فانتقلت شرارة الانتفاضة إلى الساحات والميادين في مصر، فإن مجد إطلاق شرارة انتفاضة الشعب السوري يعود، بالتأكيد، إلى فتيان درعا الذين اقتلعت أظافرهم وأحرقت أكفهم بالنار بعد الاعتقال.{nl}حين تسبق 'الثورة المضادة' الحدث الثوري: سورية والبحرين والجذور الحقيقية لازمة الديمقراطية العربية{nl}القدس العربي د. عبدالوهاب الأفندي{nl}يبدو واضحاً للعيان أن مسار أحداث الانتفاضات الشعبية في كل من البحرين وسورية قد اتخذ مساراً موازياً، اختلف جذرياً عما شهدناه في كل من تونس ومصر. بل إن شأن الدولتين يختلف كذلك عن شأن اليمن وليبيا، رغم التشابه المظهري. فعلى الرغم من تشابه الدول الثلاث في التصدي للحراك الشعبي بالعنف والقمع، و'الممانعة'، إلا ان الشأن مختلف جداً.{nl}فاليمن يسير على خطى مصر وتونس من حيث وحدة الشعب على اختلاف مشاربه وقبائله وأحزابه وأقاليمه خلف الثورة، وعدم وجود أي تصدعات ذات شأن في صفوف الشعب. بل إن الثورة اليمنية، شأنها في ذلك شأن ثورات مصر وتونس، وحدت الفرقاء وصالحت بين المتخاصمين. فقد صمتت الأصوات التي كانت تنادي بانفصال الجنوب، ووضع السلاح من كان يرفعه، ووقفت القبائل صفاً واحداً بعد طول صراع. إذن فالمسألة في اليمن مسألة وقت ليس إلا.{nl}نفس الشيء يمكن أن يقال عن ليبيا، فهي توحدت غربها وشرقها، وشمالها وجنوبها، وحضرها وباديتها، وكل قبائلها، خلف الثورة. وعلى الرغم مما نسمعه من دعاوى عريضة وحشد مزعوم للقبائل، فإننا لا نكاد نرى من يقف مع العقيد القذافي إلا مرتزقته المحليين والأجانب. فليبيا كلها انفضت عن العقيد، حتى أقرب المقربين منه من قادة جيشه ومخابراته، ولم يبق معه إلا مغلوب على أمره خاضع لإرهابه، أو مرتزق منبت. فالثورة وحدت ليبيا كما فعلت في كل من مصر وتونس واليمن.{nl}ولكن الأمر مختلف جداً في كل من البحرين وسورية، وذلك لأسباب عدة. أول هذه الأسباب أن 'الثورة المضادة' في تلك البلدان، سبقت تبلور الثورة الفعلية، حيث أن قوى الثورة المضادة جمعت نفسها وتعبأت شعبياً وإعلامياً في تسابق مع الثورة الفعلية، وجندت قوى داخلية وخارجية فاعلة إلى جانبها، وضربت ضربتها الاستباقية وعود الثورة ما يزال غضاً، مع فوارق في نجاح هذه الضربة.{nl}السبب الثاني، وهو العامل الحاسم والماثل بقوة في خلفية المشهد، هو الاصطفاف الطائفي. ففي البلدين تحكم البلاد أقلية صنفت نفسها طائفياً، وتخندقت في ذاك الخندق، معززة موقفها باحتكار القوة العسكرية والفضاء السياسي والمقدرات الاقتصادية. وقد عززت الفئة الحاكمة (وهي قد تقاصرت حتى أصبحت أسرة حاكمة مع بطانة محيطة) وضعها باستخدام سلاح الإرهاب والتخويف معاً. فهي ترهب الأغلبية باستخدام العنف المباشر أو غير المباشر (الابتزاز والمضايقات وقطع الأرزاق {nl}والإقصاء عن كل مراكز القوة)، ولكنها أيضاً، وهذا لا يقل الأهمية، تخوف الطائفة التي تتحدث باسمها من خطر داهم إذا أفلتت الأغلبية من قبضة القمع وتمكنت من السلطة.{nl}وكما ذكرنا في مناسبة سابقة فإن سلاح الابتزاز هذا، وهو عين ما تستخدمه عصابات المافيا وما يسمى بقبضايات 'الحماية'، هو سلاح مرتد، لأن الخطر الذي تحذر منه العصب الحاكمة مصدره هذه الفئات نفسها. فعندما يسلب الحكام الأغلبية حقوقها المشروعة، ثم يتحول هذا الحرمان من الحقوق إلى تهمة، أي القول بأن من سلب حقهم سيطالبون به حتماً، مما يجعلهم خطراً على سارق الحقوق (تماماً كما يرى الإسرائيليون في مجرد وجود الفلسطينيين خطراً ماحقاً، لأنهم ما لم يهلكوا سيأتون حتماً للمطالبة بحقهم المسلوب)، فإن التعامل الناتج سيكون في حد ذاته مصدر خطر. ذلك أن الفئة الحاكمة، شأن فرعون موسى، لا بد أن تقضي ليلها ونهارها في التفكير في أساليب لإضعاف {nl}الأغلبية، وترصد حركاتها، وإحصاء أنفاس أفرادها، وحرمانهم من أي مصادر قوة محتملة. وقد لا يبلغ الأمر ما بلغ من مخططات فرعون الإجرامية ('سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) ولكنها تقترب من ذلك حين لا يكون هناك مناص.{nl}هذه السياسات القهرية، خاصة حين تورط فيها الأقلية تحت دعاوى أن هذا الإجرام يتم باسمها ولحمايتها من خطر داهم تمثله الأغلبية، فإنها ستصبح هي مصدر الخطر الداهم، لما ستولده من أحقاد وثأرات في نفوس المقموعين والمحرومين ضد هذه الأقلية. وكلما زاد القمع والحرمان والاستهداف، زاد الغل والحقد، وقد تصدر عنه تعبيرات تستخدمها السلطة دعماً لحجتها في أن الويل والثبور وعظائم الأمور تنتظر الأقلية إذا سمح للأغلبية بأقل قدر من الحرية. وقد تستغل السلطات الغاشمة أخطاء سابقة أو حالية وقع فيها بعض من يتحدث باسم الأغلبية أو يزعم تمثيلها، أو تتعذر بخطر خارجي، وقد تدمج الحجتين معاً. ففي سورية صدرت، وفي أوقات سابقة طال العهد بها، من قلة المحسوبين على الإسلاميين، وبصورة غير مباشرة عن الأغلبية، أقوال وتصرفات ذات طابع طائفي. وقد استخدمت تلك التصرفات مبررات لمذابح هتلرية وقوانين هولاكية، هي بالقطع جرائم أكبر من تلك التي قامت ضدها. بل إن مثل هذه المذابح أصبحت مبررات بأثر رجعي لتلك التصرفات البشعة.{nl}وفي البحرين استخدم بعبع الثورة الإسلامية في إيران والخطر 'الشيعي' المزعوم على الخليج، وتصرفات قلة من البحرانيين قد تكون عبرت عن فتنة بالحالة الإيرانية ودعوات لاتخاذها قبلة ومثالاً، استخدمت هذه الأمور لمزيد من التخويف، ومزيد من تبرير القمع والإقصاء. وهذه حلقة مفرغة، فوق أن حكام الخليج مسؤولون مسؤولية مباشرة عن إيجاد ما يسمى الخطر الشيعي. فالوضع المضطرب اليوم وغير المتوازن في الخليج يعود من جهة إلى قيام دول الخليج بإذكاء الفتنة بين العراق وإيران، حيث قدمت الوقود الفعلي والمجازي لحرب صدام المدمرة على إيران من جهة وعلى شعبه من جهة أخرى. وقد خلقت هذه الحالة المزدوجة من الحرب والقمع احتقاناً لا مثيل له، وزادت من حدة الاستقطاب في داخل العراق، وفي داخل دول الخليج، ثم في الخليج ككل. وكأن ذلك لم يكن كافياً، فإن نفس حكام الخليج عادوا وانقلبوا على العراق، حرباً وحصاراً وتجويعاً، ثم غزواً. فكان أن شاع فيه الاضطراب، وتعمق الاستقطاب، وأينع الحصاد المر لما زرعته أنظمة يسارع أغلبها إلى التدخل إلى جانب كل إثم وعدوان، وتتوسل التدخل الأجنبي لدعم باطلها، ثم تصرخ مستنكرة لتدخل غير موجود حين تطالب الشعوب بقليل من حقها المسلوب.{nl}وها نحن اليوم نسمع مجدداً عن خطر إيراني مزعوم، مما يجعل القوم مثل صاحب موسى الغوي المبين الذي لا يصبح عليه الصباح إلا وهو في حالة عراك مع جار له، فهو يستصرخ من ينقذه من خطر هو من افتعله.{nl}ومهما يكن، فإن الطرف الآخر في المعادلة قد تعلم من دروس الماضي، فغير منهجه وخطابه. فالإسلاميون في سورية في موقف قطيعة مع الماضي، وقد كانوا دائماً أدانوا ما قامت به القلة التي تصرفت باسمهم، أو على الأقل أدانوا تجاوزاتها التي تعدت الدفاع عن النفس إلى ارتكاب التجاوزات. وقد مدت قياداتهم الجديدة يد المصالحة إلى نظام ارتكب في حقهم المجازر، وجعل الإبادة الجماعية في حقهم (وهي جريمة بنصوص القانون الدولي والحس السليم) جزءاً من تركيبته القانونية. وعلى كل فإن الشارع السوري قد تجاوز الإسلاميين كما تجاوز عوامل الاستقطاب السالفة، مما يجعل هذه المعاذير غير ذات موضوع. وبنفس القدر فإن القيادات الشيعية المعتدلة التي تصدت للأمر في البحرين انتهجت طوال الفترة الماضية خطاباً وسطياً توافقياً، فاعترفت بشرعية الوضع القائم، وتبرأت من كل من يدعو إلى تغيير ثوري، ولم تزد على المطالبة بالضمانات الدستورية والحقوقية في إطار النظام. وإذا كانت هناك فئات معارضة خرجت عن هذا الإجماع، فإن اعتراضها ليس على خطاب المعتدلين، وإنما على فشلهم في تحقيق الحد الأدنى من مطالبهم 'المعتدلة'، تماماً كما أن اعتراض معظم الفصائل {nl}الفلسطينية المعارضة على سلطة محمود عباس لا يتركز على كونه رضي بخمس فلسطين، بل على أنه لم يحصل حتى على هذا الخمس. ولو أن نتنياهو وبشاراً ومن سمى نفسه ملكاً على البحرين أعطوا 'المعتدلين' ما يقيم أودهم، لكانوا قطعوا الطريق على 'المتشددين'، ولكن الظالمين هم أعداء أنفسهم قبل غيرهم.{nl}في الحالة السورية دخل عامل آخر، وهو ما يمكن أن نطلق عليه 'طائفية المقاومة'، حيث انبرت أصوات كثيرة، معظمها من خارج سورية، للدفاع عن قمع النظام السوري بحجة أنه نظام كان يدعم المقاومة، وهو توصيف غير صحيح، لأن الأصح أن يقال ان النظام السوري 'يستخدم' المقاومة كورقة ضغط في سياسته الخارجية. فهذا هو عين النظام الذي دخل لبنان لضرب {nl}منظمة التحرير، وحارب كتفاً بكتف مع تحالف حفر الباطن، ولا يسمح حتى الآن بإطلاق طلقة واحدة من أرضه باتجاه إسرائيل. وليست مشكلة سورية أنها لا تريد معاهدة مع إسرائيل، بل إن إسرائيل هي التي ترفض. واستخدام النظام السوري للمقاومة مشروط بحصوله على ما يريد من القوى الأجنبية، وهو بقاء النظام أولاً وأخيراً. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك أصوات كثيرة، وبعضها يأتي من جهات لها احترامها، تؤكد بأن كون سورية حصنا للمقاومة يبرر للنظام السوري الدفاع عن بقائه بأي ثمن. وبنفس القدر فهناك جهات ترى أن النظام البحريني، باعتباره حصناً ضد الشيعة وشرورهم، يحق له البقاء بأي ثمن.{nl}لسنا معنيين هنا بنقض هذه الحجج، بل دعنا نفترض صحتها، ولنقر بأن سورية هي دولة المقاومة الوحيدة والأخيرة، وأن البحرين هي كذلك خط الدفاع الأخير عن الخليج والعالم السني ضد الاجتياح الشيعي الإيراني، فهل يبرر هذا الوضع، بافتراض كذلك أننا نقف مع المقاومة ضد الاستسلام، ومع السنة ضد الشيعة، هل يبرر قمع الأغلبية إلى ما لا نهاية؟ وهل يبرر ما يرتكب من فظائع وتجاوزات، من استخدام الدبابات ضد النساء والأطفال إلى خطف وتعذيب الأطباء والممرضين لمجرد أنهم كانوا شهوداً على جرائم ارتكبت (ألا تتفقون معي بأن سجون البحرين خطرة على الصحة عموماً، لأن عدداً غير قليل من روادها يصابون بوعكات صحية قاتلة، رغم كثرة الاطباء والممرضين في داخلها؟) وهل ستنجح هذه الأساليب على كل حال؟{nl}لو كانت هذه الأساليب ذات فعالية لكانت بريطانيا ما تزال تحكم الهند، وفرنسا الجزائر، ودي كليرك جنوب افريقيا. ولكن المسألة التي نريد التنويه بها هنا هي حقيقة وجود قطاع واسع من الرأي العام في العالم العربي يؤيد القمع والتقتيل في كل من البحرين وسورية، بمن في ذلك أقلية معتبرة في داخل البلدين أنفسهما. بمعنى آخر، فإن هناك عربا كثرا يؤيدون الدكتاتورية والقمع من ناحية مبدئية. بعض هؤلاء مستعد للخروج في مظاهرة، بل والدخول في معركة وتعريض نفسه للقتل، دفاعاً عن حق السلطات في قمع وتعذيب إخوته في الوطن وإخوته في العروبة بحجة أن قتلهم واستعبادهم فيه مصلحة الأمة ونصرها على عدوها (ولعمري ما هي الخطورة من العدو إذا لم تكن القمع والاستعباد؟) ولعل في هذا الوضع إجابة على السؤال الذي حير العالم زماناً، ألا وهو: لماذا فاضت الديمقراطية على كل بقاع العالم بينما لم يصل موجها الذي شابه طوفان نوح إلى شواطئ جودي العرب الذي عصمهم من فيض الحرية والديمقراطية. والإجابة كما تظهر أمامنا اليوم واضحة وجلية وفي غاية الاختصار: لأن هناك عدداً كبيراً من العرب مستعدون للموت دفاعاً عن الدكتاتورية.{nl}وبالمقابل فإن نجاح الثورات العربية جاء حينما ذابت كل الفوارق وكل الحواجز بين أفراد الشعب الواحد، ووقف الجميع صفاً واحداً ضد الدكتاتورية، حيث سلبوها أهم أسلحتها: سلاح فرق-تسد. بل إن الثورات ساهمت بصورة فعالة ومباشرة في هذه العملية التوحيدية.<hr>