المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملف الليبي 193



Haneen
2013-06-17, 10:17 AM
الملف الليبي 193
13/6/2013

أحداث بنغازي: صراعات الميليشيا والجهوية في ليبيا
<tbody>

























</tbody>


بقلم : كامل عبد الله
مركز العربية للدراسات

شهدت مدينة بنغازي الليبية يوم السبت 8 يونيو 2013 مصادمات دموية بين متظاهرين غاضبين، وأفراد من مليشيا "درع ليبيا1" بمنطقة الكويفية شرق بنغازي؛ أسفرت عن سقوط 31 قتيلاً وأكثر من 100 مصاب، وهو مشهد سبق أن تكرر العام الماضي، مع مليشيا "أنصار الشريعة" خلال ما سمي وقتها بـ"جمعة إنقاذ بنغازي" لكنه لم يكن بنفس درجة العنف التي كانت هذه المرة.

لكن الاحتجاجات هذه المرة، جاءت على خلفيات متعددة، سياسية وجهوية وقبلية، مهدت لها أجواء التوتر المشحونة هذه الأيام، بعد إعلان "برقة إقليما فيدراليا" في إطار الدولة الليبية في الأول من يونيو 2013، الذي قوبل بانتقادات حادة من أطراف سياسية وجهوية ومناطقية، ترى في هذا الإعلان ضررا بمصالحها، لدرجة وصلت لحد التراشق بين مختلف الأطراف في مشهد سياسي بات أكثر تعقداً وتشابكاً من ذي قبل، عاكساً حجم الاحتقان السائد ببنغازي ضد مليشيا "كتيبة درع ليبيا" التي يطالب المواطنون بتفكيكها ودمجها في الجيش الوطني والشرطة.

مليشيا "درع ليبيا"

بحسب التصريحات الرسمية الصادرة عن رئاسة الأركان الليبية، تعتبر مليشيا "درع ليبيا" قوات احتياطية للجيش الليبي، التي يعتمد عليها في المساعدة بضبط الأمن بعد سقوط نظام القذافي، ويصل منتسبوها إلى ما يقرب 10 آلاف مقاتل؛ وتتكون من عشرة دروع، فضلاً عن أنها تملك من العتاد والسلاح والإمكانيات ما لا تملكه القوات الحكومية النظامية، وهو ما جعلها ضمن ما بات يعرف في ليبيا الجديدة بـ"السلطة العليا"، التي تحدث عنها كل من محمد المقريف الرئيس السابق للمؤتمر الوطني العام، وعبد الرحيم الكيب رئيس الوزراء الأسبق، واللذان تحدثا عنها خلال استقالتهم من المؤتمر الوطني والحكومة في وقت سابق.








وتمثل مليشيا "درع ليبيا" القوة الضاربة بين مختلف المليشيات الليبية تحديداً، برعاية كبيرة من قبل رئيس الأركان اللواء يوسف المنقوش، الذي خصص لها مبالغ مالية كبيرة من ميزانية رئاسة الأركان، الأمر الذي خلق حساسية كبيرة بينها وبين مليشيات أخرى تتقاطع معها في المصالح.

ومما عزز الجدل في الأوساط السياسية وبين الرأي العام في ليبيا، حول مليشيا "درع ليبيا" بشكل عام، هو أنها ليست على نسق عسكري واحد فيما بينها، فالبعض منها له انتماءات أيديولوجية دينية وسياسية وقبلية وجهوية؛ كما أن قادة هذه الدروع ترجع أصولهم لمدينة مصراته التي لها سطوة ملحوظة في ليبيا ما بعد القذافي، مثل صاحب ورشة الميكانيا سابقا "وسام بن حميد" آمر الدرع الأول"، والتي ينتمي لها أيضاً رئيس الأركان يوسف المنقوش.

ويمكن القول أن سيطرة القادة الذين ترجع أصولهم لمدينة مصراته، على كل تشكيلات قوات مليشيا "درع ليبيا"، قد أدت إلى وجود حساسية عالية في مدن مثل بنغازي وطرابلس ومدن ليبية أخرى تجاه هذه المليشيا، والتي قادت إلى انتشار ظاهرة المليشيات الجهوية والقبلية في مختلف مدن ليبيا، وبات ينظر لها على أنها تتجه للعمل ضمن تعليمات ومصالح متغيرة ولا قاسم مشتركا بينها غير أنها قوة نارية قادرة على النيل من المدنيين وتهديدهم بنفس الصورة والطريقة التي كانت عليها الكتائب الأمنية للقذافي.

الأجهزة الأمنية

أدت التطورات المتلاحقة التي مرت بها ليبيا منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية ضد نظام القذافي في منتصف فبراير 2011، إلى تفكيك تام لكامل بنى الأجهزة الأمنية، ومن بينها الجيش، حيث إن العقيد القذافي كان حريصا في السابق، خاصة خلال العشر سنوات الأخيرة، على تفكيك القوات المسلحة، وتحويلها لكتائب أمنية يشرف عليها أبناؤه والمقربون منه؛ وبعد الثورة كان العزل والاتهام بالخيانة مصير كل رجال الجيش والشرطة، من الضباط وحتى الجنود، وأصبح من كان يقاتل ضد القذافي هم فقط من له الحق في الانضمام للجيش والشرطة.

والمفارقة الغريبة في هذا الأمر، أن عدد الأفراد المنتمين للمليشيات المسلحة المنتشرة في ليبيا الآن، يفوق بكثير عدد القوات النظامية الممثلة في الجيش والشرطة إبان عهد القذافي؛ فبحسب إحصائية رسمية من وزارة الداخلية الليبية على سبيل المثال، بلغ عدد المنضمين إليها 350 ألف من الثوار، وهو رقم يبلغ أضعاف قوات الشرطة التي كان يملكها نظام القذافي قبل ثورة 17 فبراير.
وبرغم مرور أكثر من عام على تعيين المجلس الوطني الانتقالي السابق للواء يوسف المنقوش في منصب رئاسة الأركان، إلا أن الأخير لم يقدم خطة واضحة ومحددة المعالم تبين كيف سيتم بناء الجيش، ويشير الواقع الفعلي على الأرض، إلى أن محاولات دمج المليشيات في إطار الجيش والشرطة، تتم من خلال دمجهم كمجموعات، وليس كأفرادا، الأمر الذي سمح بوجود إمتدادات أيديولوجية وسياسية وجهوية بين المليشيات التي تم ضمها تحت شرعية رئاسة الأركان، أدت لعرقلة بناء الأجهزة الأمنية. بينما مثلت الصراعات السياسية الدائرة داخل أروقة المؤتمر الوطني العام بين مختلف القوى والكيانات السياسية، إضافة للتعقيدات التي تواجه بناء الجيش.

خلفية أحداث بنغازي في 8 يونيو

لم تكن الأحداث التي وقعت عند معسكر مليشيا "درع ليبيا1" بمنطقة الكويفية في بنغازي يوم السبت 8 يونيو 2013، هي الأول من نوعها، فقد شهدت نفس المدينة قبل شهور، بعد الإعتداء على مقر القنصلية الأمريكية في المدينة، ومقتل السفير الأمريكي ببنغازي في 11 سبتمبر العام الماضي، تنظيم مظاهرات حاشدة تحت شعار "إنقاذ بنغازي" رافضة للمظاهر المسلحة وتوجهت لمقار مليشيا "أنصار الشريعة" في المدينة، وأسفرت وقتها عن سقوط 11 قتيلاً على الأقل، وقد كشفت هذه الأحداث عن حجم المخاطر التي تسببها هذه المليشيات وقت الذروة في الصراع السياسي.





لقد خلقت الأحداث الأخيرة التي شهدتها ليبيا، مثل إجتياح مدينة بني وليد من قبل مليشيا "درع ليبيا" برعاية رسمية من المؤتمر الوطني على خلفية القرار "رقم7"، ثم إقرار العزل السياسي بعد حصار المؤتمر الوطني والوزارات السيادية من المسلحين، والتراشق السياسي بين مختلف الأطراف، الذي وقع بعد إعلان "برقة إقليماً فيدرالياً" أول يونيو الجاري، حالة تعبئة كبيرة لدى الرأي العام الليبي ضد المليشيات المسلحة في البلاد، ولعل التراشق الذي وقع بين كل من عضو المؤتمر الوطني العام عن مدينة مصراته عبد الرحمن السويحلي، مع الفيدراليين في الشرق كان هو النقطة الفاصلة في تغيير مجرى الأمور لما آلت إليه أحداث ببنغازي الأخيرة في 8 يونيو.

القرارات الأخيرة

لم تكن القرارات الأخيرة التي أصدرها المؤتمر الوطني العام، المتعلقة بإقالة المنقوش وتكليف نائبه الأول "سالم القنيدي" بمهامه لحين اختيار رئيس جديد للأركان، وفتح تحقيق عاجل حول هذه الأحداث، وتكليف الحكومة بوضع خطة عاجلة تهدف للقضاء على كافة المظاهر والمليشيات المسلحة ولو بالقوة، وضم المليشيات الشرعية والمنضبطة لصفوف الجيش وقوات الأمن برقم عسكري قبل نهاية هذا العام؛ لتصدر لولا المنحى العنيف والتداعيات الخطيرة التي وصلت إليها الأمور في بنغازي تجاه مليشيا "درع ليبيا1" والتي تتهم تحديدا وهي ومليشيا "17 فبراير" ومليشيا "راف الله السحاتي"، بخدمة أهداف تيارات سياسية وجهوية معينة، تصب جميعها في خدمة مصالح جماعة الإخوان المسلمين والقوى السياسية الإسلامية الدائرة في فلكها، ومدينة مصراته صاحب النفوذ الكبير في ليبيا مابعد القذافي.

إن قرار إقالة المنقوش أو قبول إستقالته، جاء متأخرا رغم أن المؤتمر فتح باب الترشح لرئاسة الأركان منذ ما يزيد عن الشهر، وهو يدرك تماما تنامي الرفض الشعبي لاستمراره على رأس رئاسة الأركان الليبية؛ الأمر الذي أدى إلى تفاقم الصراع القبلي والجهوي المكتوم منذ مدة، ويبدو أن هناك بعض الأطراف في الشرق الليبي باتت لا تقبل سيطرة من هم من أصول مصراتيه على الوضع الأمني في الشرق، وهو ما يمكن معه القول أنه سيؤدي إلى تفاقم ظاهرة الصراعات الاجتماعية والجهوية، التي يبدو أنها ستأخذ منحى آخر خلال الأيام المقبلة، على خلفية مثل هذه الأحداث.
بينما لا يمكن النظر في القرار الذي اتخذته حكومة زيدان بفتح تحقيق عاجل في هذا الأحداث بعيداً عن الأحداث المشابهة الأخرى، التي وقعت قبل ذلك والتي لم تعلن نتائجها لأسباب سياسية متعلقة بالصراع الدائر بين مختلف الأطراف السياسية. لكن يمكن القول أن هذه الأحداث جددت الفرصة مرة أخرى أمام حكومة علي زيدان والمؤتمر الوطني العام، عسى أن تستغلها جيدا في وضع حجر الأساس لبناء المؤسسات الأمنية والتخلص من كاهل المليشيات المسلحة، لأنها مدعومة من الرأي العام الليبي، الذي مل هذا التقاعس المتكرر من المسئولين رغم تكرار الفرص واحدة تلو الأخرى. وإذا لم تستغل هذه الفرصة جيداً هذه المرة ستكون التداعيات القادمة أشد وطأة من ذي قبل، فمع الأخذ في الاعتبار أن جمعة انقاذ بنغازي في سبتمبر 2012 لم تكن بنفس السمة الجهوية والقبلية الموجودة الآن، إلا أن الأحداث الأخيرة كانت ذا صبغة قبلية وجهوية بإمتياز.