المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملف اللبناني 86



Haneen
2014-02-13, 09:54 AM
<tbody>















</tbody>

الملف اللبناني 86
27/8/2013

<tbody>

<tbody>
حزب الله في الضاحية الجنوبيّة..
الإقامة داخل القلعة المغلقة


</tbody>


</tbody>

بقلم: مراسل المونيتور في بيروت
26/8/2013

قرّر حزب الله بعد استهداف الضاحية الجنوبيّة لبيروت (معقله الشعبي الأكبر) بمتفجّرتَين كبيرتَين في خلال أقلّ من شهرَين اثنَين، إغلاقها أمنياً. فأقام على كلّ مداخلها التي تربطها بالعاصمة بيروت، حواجز مزوّدة بأجهزة للكشف عن المتفجّرات بالإضافة إلى استخدام بكلاب مدرّبة للمهمّة نفسها. وبموجب هذه الإجراءات التي تشبه إعلان حزب الله حالة الاستنفار القصوى في وجه حرب المتفجّرات ضدّه، صار على كلّ سيارة تريد العبور إلى داخل الضاحية أن تصرف نحو ساعتَين من الوقت قبل تمكّنها من تجاوز حواجز التفتيش التي نصبها الحزب على كلّ مداخلها وعند كل ناصية شارع رئيسي في داخلها.

وتكشف مصادر مطّلعة أن خطّة إغلاق الضاحية الجنوبيّة موجودة في أدراج حزب الله منذ زمن بعيد. وكان قد تمّ التخطيط لها كإجراء استثنائي يبادَر إلى تطبيقه على أرض الواقع في لحظة الشعور بوجود قرار خارجي يقضي بشنّ حرب أمنيّة ضدّ مراكز الحزب وتستهدف ترويع مناطق قاعدته الشعبيّة لجعلها تشعر بأن كلفة تأييدها له باهظة الثمن وبأن سبيلها الوحيد للنجاة بمصالحها وأمنها يكمن في فكّ ارتباطها به.

وتمثّل الخطوة التي ينفّذها الحزب الآن بإغلاق مناطقه أمنياً وديموغرافياً، أعلى درجات أساليب الحماية الموضوعة من قبله مسبقاً بغية اعتمادها في مواجهة أصعب سيناريو أمني وسياسي متخيّل يمكن أن يتهدّده.

سيكولوجيا الإقامة في القلعة

ومضى لغاية اليوم نحو أكثر من أسبوعَين على تنفيذ خطّة إغلاق الضاحية الجنوبيّة التي يعيش في داخلها ما يناهز المليون مواطن. وبات هؤلاء نتيجة تطبيقات إجراءات الإغلاق الأمنيّة يشعرون بأنهم يعيشون داخل قلعة مغلقة تثير لديهم شعورَين متناقضَين. الأوّل، هو إحساسهم بتأييد هذا الإجراء كونه السبيل الأنجع لمنع تكرار مأساة تسلّل سيارات مفخّخة يرسلها السلفيّون المتشدّدون إلى داخل أحيائهم لتفجيرها وسط تجمّعاتهم السكنيّة المكتظّة. لكن شعور نيلهم الحماية هذا يخالطه شعور آخر مرشّح للتعاظم إذا ما استمرّت تطبيقات خطّة إغلاق منطقتهم لوقت أطول. فيأتي الثاني، إحساسهم بالعزلة وبأنهم يقيمون داخل "غيتو مغلق " أو "سجن كبير" يوحي كلّ شيء فيه بأن مظاهر الحياة الطبيعيّة تتضاءل .


ويحاول حزب الله من جانبه التقليل من وطأة هذا الإحساس على سكان الضاحية، من خلال تنظيم نشاطات شعبيّة هدفها رفع معنوياتهم وتشجيع المناخ الاجتماعي العام هناك على استنفار تعبيرات التحدّي لديه لتطغى على مشاعر إحساسه بالعزلة. فبعد يومَين فقط من تفجير الرويس الذي خلّف نحو 230 قتيلاً وجريحاً وأحال حياً بكامله ركاماً ومنازل متصدّعة، قرّر شاب وفتاة من عناصر حزب الله إقامة احتفال بمناسبة عقد قرانهما في منطقة الانفجار. وكان مشهدهما وهما يرتديان ملابس الفرح ويحملان الورود الحمراء ويعلنان زواجهما فوق أنقاض حيّ الرويس المنكوب الذي كانت آثار دماء ضحاياه الأطفال والنساء لا تزال على أرضه، بمثابة رسالة من الحزب إلى سكّان الضاحية أنفسهم تحثّهم
على التحدّي وإعلان مواصلة الحياة ضمن ظروف تحوّل منطقتهم إلى سجن كبير مغلق، وهي كذلك رسالة تريد دفع الجهات التي تقف وراء التفجير إلى اليأس من خلال الإيحاء لها بأن أسلوب التفجيرات لن ينفع ولن يوصلها إلى أهدافها.

أحاسيس متناقضة لدى السكان

وتتناقض أحاسيس سكان الضاحية تجاه الواقع الأمني والاجتماعي الجديد الذي وجدوا أنفسهم عالقين فيه، إلا أن الشعور العام ما زال منحازاً لمصلحة إبداء "مشاعر التحدّي" وتقبّل إجراءات الإغلاق الممارسة من قبل الحزب، كسبيل لا مفرّ منه لحماية عائلاتهم من الموت بالتفجيرات العشوائيّة. لكن مع كلّ يوم جديد من عمر الإقامة بالقلعة المغلقة، يشعر أبناء الضاحية بأن تشويشاً واضحاً طرأ على حياتهم، وبأنهم فعلاً يتحوّلون إلى مواطني الغيتو المحاصر ولو بقرار ذاتي.

معظم الذين تحدّث إليهم "المونيتور" من مواطني الضاحية، قلبوا شفاههم عند سؤالهم "هل يعتقدون أن إجراء الإغلاق سيستمرّ لمدّة طويلة؟؟". وتخبئ هذه الإجابة نوعاً من فقدان الثقة في الغد وفي أنه سيحمل إليهم الأمان المفقود الآن .

تقول امرأة في أوائل العقد الخامس من عمرها تعمل في مجال التعليم في مدرسة تقع في حيّ حارة حريك في الضاحية الجنوبيّة، "حينما وقع تفجير الرويس شعرت أنني أريد ترك لبنان والإقامة في بلد آخر آمن. وبعدما أغلق الحزب الضاحية أمنياً، أحسست أنني فعلاً انتقلت إلى البلد الآمن الذي حلمت به إثر التفجير". وتعبّر هذه الإجابة عن المناخ النفسي لشريحة تشكّل نسبة تقدَّر بنحو 45 في المئة من سكان الضاحية، تتميّز بأن أماكن إقامتها وعملها تقع في داخل إحيائها. فأفراد هذه الشريحة قلّما يتردّدون إلى العاصمة بيروت على الرغم من أنها تبعد عنهم مسافة ربع ساعة بالسيارة. وهؤلاء يميلون إلى تفضيل تحقيق الأمن في داخل منطقتهم على اعتبارات أخرى من نوع صعوبة الانتقال إلى المناطق المجاورة. وقد بدت إجابات نماذج من هذه الشريحة ملفتة أحياناً على الرغم من تشاركها في إبداء الرأي نفسه.

وتشير زينب مرة وهي ربّة منزل وتعمل في محلّ تجاري في الضاحية قائلة "لا تعنيني الحواجز التي أقيمت عند مداخل الضاحية، فأنا أصلاً لا أخرج منها إلا مرات قليلة سنوياً". تضيف "نريد الأمن. والحزب عبر حواجزه المكثّفة يشعرنا بأنه يحقّق لنا هذا المطلب". من جهته، يرى أحد أبناء الضاحية وهو في الخمسين من عمره ويعمل في مجال صناعة الأحذية في مشغل في داخل الضاحية، أن هذه الإجراءات تشعره بـ"القوّة في وجه المخرّبين". يضيف "نعم الحياة هنا صارت أصعب ولكنها ليست مستحيلة" .

إلى ذلك، تبدي نسبة كبيرة من الفتية الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 20 عاماً والذين يقيمون في داخل الضاحية حماسة في موافقتهم على إجراءات حزب الله. وهؤلاء سرعان ما تستدرجهم الحماسة العقائديّة أو المعنويّة للحزب، فيرفعون قبضاتهم مردّدين أكثر شعارات الثورة الإيرانيّة شيوعاً "هيهات منا الذلّة" وأيضاً "لبيك نصر الله" (وهو قسم الوفاء لقيادة الحزب). وفي مقابل هؤلاء، نجد فئة غير ضئيلة تحاكي الفئة الصامتة، مع ضرورة الحذر من اعتبار صمتها تعبيراً عن موقف سياسي لديها حاسم في رفضه للواقع السياسي السائد في الضاحية والمنقاد من قبل حزب الله. على سبيل المثال، رفض صاحب متجر كبير في حيّ الشياح الإجابة عن أسئلة "المونيتور". وفي كلّ مرة جرت فيها محاولة لكسر صمته، كانت تترك تعابير ملامح وجهه رسالة، تفيد بأنه حائر في إدراك ما هو الموقف السليم المطلوب اتخاذه تجاه ما يحدث.



من جهتها تبدي الطبقة المتوسّطة القاطنة في الضاحية والمرتبطة بأعمال أو وظائف في العاصمة بيروت، تذمراً نفسياً لم يصل إلى مستوى التذمّر السياسي بعد. وجوهر مأخذهم هو "بتنا نشعر وكأننا نقيم في بلد آخر على الرغم من أننا ما زلنا ضمن الأراضي اللبنانيّة". فلا يرى أحمد خليفة وهو في الثلاثين من عمره يحمل شهادة ماجستير في الاتصالات ويعمل في مجال اختصاصه في شركة في بيروت، إمكانيّة للاستمرار في عمله إذا ما طال أمد الإجراءات الأمنيّة المتّخذة في الضاحية. فيقول "لن تقبل الشركة بأن أصل في كلّ يوم متأخراً ساعتَين عن الدوام، نظراً لأنني مضطرّ للتوقّف لأكثر من ساعة على حواجز التفتيش. من الأفضل أن أجد عملاً هنا في الضاحية حيث منزلي. وعن رأيه

بإجراءات الإغلاق، يجيب "نحن مضطرّون لتقبّل خيار صعب وغير عمليّ. ولكن بين الموت أو الحياة بصعوبة، أنا مع الخيار الثاني". ثم يسأل "هل من خيار أفضل؟". ويجيب نفسه "لا أدري!!". من الملاحظ أن عبارة "لا أدري" باتت تتردّد كثيراً على شفاه الشباب، المتعلّمين منهم بخاصة والمرتبطين بوظائف في شركات خاصة موجودة خارج نطاق الضاحية. ويعزو أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة يحمل شهادة دكتوراه في علم الاجتماع ويقيم في الضاحية، شيوع هذه العبارة إلى كون "البنية الاجتماعيّة المتعلّمة في الضاحية وغير المرتبطة بالدورة الاقتصاديّة الخاصة بالحزب، تعيش حالياً ازدواجيّة قناعات". ويوضح وقد تحفّظ عن ذكر اسمه، "فهي من جهة تحترم إنجازات حزب الله وتضحياته ومن جهة أخرى لا ترغب بأن تدفع ثمن مواجهات حزب الله مع الغرب والدول الثريّة في المنطقة".

أما عادل بيضون وهو تاجر في العقد السادس من عمره تحتّم عليه ظروف عمله التنقّل يومياً ما بين الضاحية والعاصمة بيروت، فيخبر "بدأت عملي كتاجر في إفريقيا ثم قرّرت العودة إلى لبنان قبل سنوات عدّة. كفى غربة! هكذا قلت لنفسي. والآن أسمع أن اللبنانيّين المهاجرين في إفريقيا وبخاصة الشيعة منهم، معرضّون للخطف على أيدي الموساد. ولكن هنا في الضاحية نحن أيضاً معرّضون للقتل على أيدي السلفيّين الإرهابيّين. أشعر بأن العالم أصبح ضيقاً بالنسبة إلي وإلى أولادي". يضيف "أحياناً أشعر بعد إجراءات الحماية المشدّدة التي اتّخذها الحزب، بأن أميركا أقرب من بيروت. معظم أفراد عائلتي يقيمون في ميتشيغان في الولايات المتّحدة منذ عشرات السنوات، وأنا أصل إليهم عبر "سكايب" بوقت أسرع مما أستطيع الوصول فيه إلى زميلي التاجر في بيروت أو صيدا". وعن رأيه في الحلّ، يقول "لا حلّ في بلدنا بل لا حلّ في المنطقة كلّها. الجميع وليس فقط نحن، مضطرون للإقامة في أضيق بقعة جغرافيّة ليحافظوا على حياتهم". ويضحك بيضون قائلاً "ليس حزب الله وحده من أغلق على نفسه بيته، بل أميركا أيضاً أغلقت بيوتها الدبلوماسيّة في معظم دول منطقتنا للسبب نفسه، وهو خوفها من أن يقتحم الإرهابيّون السلفيّون سفاراتها ويطالوا مواطنيها من الموظّفين في داخلها!!".