المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملف اللبناني 20/08/2014



Haneen
2014-09-18, 11:15 AM
عودة الحريري إلى لبنان والتحديات المقبلة

معهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط


ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن.

عاد رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري إلى بيروت في الأسبوع الأول من آب/أغسطس، وذلك بعد غياب دام حوالي ثلاث سنوات قضاها في المنفى الاختياري. ويذكر أن الحريري، الزعيم المعتدل والأكثر مصداقية بالنسبة للمجتمع السني اللبناني، كان قد غادر بيروت عام 2011 وسط تهديدات بالاغتيال. لكن في غيابه، تدهورت الحالة الأمنية في البلاد وارتفعت حدة التوترات الطائفية، كما بدا أن بعض السنة اللبنانيين المعتدلين تاريخياً بدأوا يجنحون نحو التطرف.

لقد وصل الحريري إلى بيروت يوم الجمعة الثامن من آب/أغسطس حاملاً معه هبة بقيمة مليار دولار من المملكة العربية السعودية لتمويل قوات مكافحة الإرهاب في لبنان، ووعداً بملء الفراغ في قيادة مجتمعه السني. إلا أنه عاد وغادر بعد أقل من أسبوع إلى جدة، وقد تردد أن عودته إلى المملكة هي لمناقشة الهبة السعودية، وليس من الواضح متى سيعود مجدداً. وتُشكل عودته القصيرة إلى بلاده موضع ترحيب، لكنها ليست بالدواء الشافي، كما أنه من غير المؤكد ما إذا كان سيؤدي وجود الحريري ومكانته إلى وقف الانقسام الحاصل في صفوف السنّة في لبنان والتراجع البطيء للدولة.




وإذا لم يعد الحريري إلى بيروت، ستكون الفائدة الملموسة لزيارته القصيرة إلى لبنان محدودة. أما إن عاد، فستكون أمامه قائمة طويلة من الأعمال الواجب تأديتها، إذ يبدو أن الكثير من المؤسسات الحكومية اللبنانية في تراجع. فمنذ أيار/مايو و لبنان من دون رئيس (مسيحي) للجمهورية كما بات البرلمان يفتقر إلى الشرعية، وفي أيار/ مايو 2013 تم تمديد ولاية البرلمان لسبعة عشر شهراً إضافياً، وليس واضحاً ما إذا كان سيتم إجراء الانتخابات البرلمانية في خريف هذا العام.

ولا بد من الإشارة إلى أن الوضع الأمني يشكل أيضاً مصدر قلق . ففي وقت سابق من هذا الشهر، قام تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» [«داعش»] - المعروف حالياً باسم «الدولة الإسلامية» - و «جبهة النصرة» بالسيطرة على بلدة عرسال السنية المحاذية للحدود اللبنانية - السورية، مما أسفر عن مقتل أحد عشر عنصراً وخطف تسعة عشر آخرين من الجيش اللبناني وعشرين عنصراً من قوى الأمن الداخلي. وفي هذا السياق، أدى الهجوم الذي شنه الجيش اللبناني لاستعادة عرسال إلى تدمير مساحات واسعة من البلدة.

وفي الوقت نفسه، لا تزال ميليشيا «حزب الله» اللبناني الشيعية تحارب الشعب السنّي في سوريا - نيابةً عن نظام بشار الأسد العلوي - بمأمن من العقاب، الأمر الذي أثار غضب السنّة في لبنان. والأسوأ من ذلك هو أن الجيش اللبناني كان يتعاون مع «حزب الله» بشكل غير رسمي لمحاربة المسلحين السنّة في لبنان، مما أضعف من صورة الجيش "الحيادية" ومكانته كمؤسسة "وطنية" غير طائفية.

وتبرز أيضاً قضية اللاجئين. فعلى مدى السنوات الثلاثة الماضية، دخل ما يقرب من 1.5 مليون لاجئ سوري، معظمهم من السنّة، إلى لبنان مما أدى إلى إخلال التوازن الديمغرافي الحساس بين السنّة والشيعة والمسيحيين والدروز، ناهيك عن تكبيد الاقتصاد اللبناني خسائر كبيرة.

إذا كان الحريري يعتزم تغيير مسار لبنان، فسوف يضطر إلى مواجهة المسلحين السنّة، وتوحيد الطائفة السنية، واحياء ما يسمى بـ «تحالف 14 آذار» الموالي للغرب والذي تراجعت قوته كثيراً في السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه على الحريري معارضة التدخل العسكري لـ «حزب الله» في سوريا. إن دعم مثل هذا الموقف الأخير قد يؤدي إلى مقتل الحريري.

لقد تعهد الحريري حتى الآن بتقديم مبلغ 15 مليون دولار لإعادة بناء عرسال، وهي مساهمة ينبغي أن تولد بعض المواقف الإيجابية تجاه الزعيم السياسي الغائب. ويمكن لسخاء مماثل، ربما يكون ممولاً من السعودية، أن يساعد أيضاً على إعادة نفوذه في المناطق السنية مثل طرابلس وعكار وصيدا، والتي يمكن أن تصل اليها موجة التشدد الإسلامي.

أما على الجبهة السياسية، فان وجود الحريري في بيروت ضروري لأنه سيساعد «تحالف 14 آذار» على التوصل إلى مرشح رئاسي توافقي وقانون انتخابي [جديد]. وبالطبع، سوف يضطر «تحالف 14 آذار» إلى التفاوض مع «قوى 8 آذار» برئاسة «حزب الله» بشأن هذه القضايا الخلافية، ولكن توحيد الصفوف والتنظيم داخل «تحالف 14 آذار» سيعزز دون شك موقف هذا الفريق خلال المناقشات.
لكن الأهم من ذلك، وبغية تجنب الانزلاق نحو مزيد من الحروب الطائفية، سيترتب على الحريري إيجاد وسيلة للحد من تعاون الجيش اللبناني مع «حزب الله» في مواجهة المسلحين السنّة. من المألوف في الغرب، وحتى في لبنان، الاعتبار أن الجهاديين السنّة يشكلون تهديداً أكبر من الجهاديين الشيعة على غرار «حزب الله»، لكن هذا الرأي قصير النظر وسيؤدي مع مرور الوقت إلى تطرف السنّة في الدولة اللبنانية وتراجع الدعم للجيش.
وفي حين ليس بمقدرة أي فرد أو مؤسسة في لبنان مواجهة «حزب الله» وهزيمته في الوقت الحالي، فإن تعاون الدولة الضمني معه، خصوصاً فيما يتعلق بالتطورات في سوريا، له تأثير ضار على المجتمع اللبناني. وإذا ما أُريد للحريري قيادة لبنان وإخراجها من المستنقع الحالي، فسيتوجب عليه الامتناع عن الخضوع لسلطة «حزب الله». ونظراً إلى التحديات الحالية في لبنان، من الواضح أن مواجهة «حزب الله» ليست هي الحل المناسب. ومع ذلك، إذا كان الهدف ارساء الاستقرار في البلاد فإن التعاون معه لن يكون هو الحل أيضاً.