المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اقلام واراء اسرائيلي 25/04/2015



Haneen
2015-05-13, 09:48 AM
كل نقد هو كفر

بقلم:عاموس هرئيل،عن هآرتس

المضمون:( يتحدث الكاتب عن العدوان الاخير على قطاع غزة، وما مثله من إجماع في المجتمع الاسرائيلي بسبب ما زعم أنه بدء حماس بالحرب، ويشير الكاتب إلى قرار بعض الجنرالات الإسرائيلين والذين زعموا أن نشر التقرير التلفزيوني الأسبوع الماضي عن سير المعارك يمس بأمن الدولة)

التحقيق الذي بثه الاسبوع الماضي برنامج «عوفدا» التلفزيوني عن المعركة التي قتل فيها في الصيف الماضي سبعة جنود في مجنزرة غولاني في حي الشجاعة في غزة يمس بامن الدولة ـ هذا الادعاء المفاجيء أطلقه مؤخرا ضابط كبير في الجيش الاسرائيلي. لا شك أن التحقيق الذي استعاد سلسلة القرارات ونقاط الخلل التي في نهايتها اصيبت مجنزرة ام 113 القديمة، اثار حرجا ما في القيادة العسكرية. ومعقول انه القى بظلاله ايضا على علاقات الجيش ببعض من العائلات التي ثكلت أبناءها في المعركة. ولكن ماذا بين هذا وبين المس بامن الدولية؟
تذكر الملاحظة بادعاءات انطلقت في اثناء الحروب التي كانت موضع خلاف عميق، من جانب جنرالات امريكيين في اثناء حرب فيتنام، أو سياسيين اسرائيليين في اثناء حرب لبنان الاولى. ولكن الحرب الاخيرة في قطاع غزة حظيت بالاجمال بعناق آخر من الاجماع الاسرائيلي. وباستثناء انتقاد محدود من اليسار، ساد في أثناء الحرب اجماع شبه جارف بين الجمهور لان حماس هي التي بادرت إلى القتال، واطلاق الصواريخ الكثيف من غزة إلى الاراضي الاسرائيلية استدعى ردا عسكريا شديدا وأنه كانت حاجة إلى خطوة لتدمير الانفاق الهجومية على الحدود. فلماذا يشعر الضباط بالتهديد من تحقيق موضعي؟
الجيش الاسرائيلي، واكثر من ذلك الجنود انفسهم، محبوب جدا في المجتمع الاسرائيلي، كما تشير كل الاستطلاعات التي أجريت في العقود الاخيرة. وفي نفس الوقت، تجري مسيرة متواصلة تضعف فيها أجهزة الرقابة والاشراف الخارجية على الجيش. ويفترض أن تملأ الفراغ، بقدر ما، وسائل الاعلام. ولكن على مدى قسم هام من الوقت تخطيء هذه في اداء مهامها.
فالحرب في غزة هي مثال جيد على غياب آليات الرقابة الناجعة على جهاز الامن. وحين يوجه رغم ذلك انتقاد شديد، في حالات نادرة للغاية، يرد الجيش في الغالب بالمفاجأة، بل وبالشعور بالاهانة. ان قضية التقرير المسحوب للجنة الخارجية والامن في الكنيست عن الحرب تكاد تكون كل شيء. فقد حققت اللجنة مع عشرات الوزراء والضباط، راجعت مئات الوثائق الداخلية، ولكنها أوقفت عملها مع اعلان الانتخابات وليس لديها أي نية لاستئنافه في أعقابها. فهل كانت حرب؟ هذا موضوع لاحتفالات اوسمة البطولة، وليس للمراجعات الجذرية.
الى الامام: لقد سن لمجلس الامن القومي قبل بضع سنوات قانون ممتاز، يضع في يديع صلاحيات رقابة واسعة. ولكن المجلس يواصل العمل بالاساس كهيئة بحثية لرئيس الوزراء، لراحة قادة اذرع الامن الذين لا يسارعون إلى استقبال النبش الخارجي في شؤونهم. اما مكتب مراقب الدولة ولا سيما الدائرة الامنية فيه، فيشارك فيها عاملون مجربون، جديون. القانون هو الاخر يمنحه اسنان. ولكن بداية، يستغرق وضع التقارير زمنا طويلا. وثانية، يخيل ان الروح القتالية في قيادة المكتب لم تعد كما كانت عليه.
ان الخطوة الواعية لحكومة نتنياهو في أن تنصب في منصبي المستشار القانوني للحكومة ومراقب الدولة افراد من حماة الحمى الاكثر تسامحا، تضعف ليس فقط المعركة في سبيل طهارة المقاييس بل وايضا آليات الرقابة الخارجية على جهاز الامن. فلجنة رقابة الدولة في الكنيست ضعيفة وغير ذات صلة. وفي بعض تقارير المراقب حتى لا تحرص على اجراء النقاش فيها كما يتطلب القانون.
فماذا بالنسبة للطريقة التي يحقق فيها الجيش مع نفسه. جودة التحقيقات، وبالتأكيد حول الحرب الاخيرة موضع خلاف. فقد نشر «صوت الجيش» وبعد ذلك برنامج «عوفدا» في الاسبوعين الاخيرين من تحقيقات جفعاتي عن احداث يوم الجمعة الاسود في رفح. وتؤكد النتائج في معظمها تفاصيل تحقيق «هآرتس» الذي نشر هنا بعد نحو اسبوع من المعركة.

لقد اعرف قادة اللواء علنا بعدة اخطاء، ولكن مسألة مركزية واحدة بحث فقط بشكل محدود في تحقيق جفعاتي: سياسة استخدام النار، حول اعلان جراء «هنيبعل» بعد أن تبين اختطاف جثة الملازم هدار غولدن. في هذا الشأن لا تزال حاجة إلى اتخاذ قرار من النائب العسكري الرئيس اللواء داني عفروني، اذا كان يجب فتح تحقيق من الشرطة العسكرية عقب موت عشرات المدنيين الفلسطينيين. سلسلة من كبار المسؤولين، من وزير الدفاع موشيه يعلون فما دونه، اعربوا منذ الان عن معارضة قاطعة لتدخل النيابة العامة في القضية وانتقدوا أيضا فتح تحقيقات اخرى.
في الوقت الذي عنيت فيه قيادة المنطقة الجنوبية بعدد كبير وشاذ من التحقيقات، على نحو متوازٍ، كانت على ما يبدو فجوات حقيقية في التحقيق على مستوى هيئة الاركان. وخلافا لسلوكه بعد حرب لبنان الثانية، حرص الجيش الاسرائيلي هذه المرة على عدم منح موطيء قدم لرجال الاحتياط في التحقيقات. في 2006 جعل فريق من الجنرالات في الاحتياط ممن ترأسوا طواقم التحقيق ـ دورون الموغ، موشيه سوكينك، يورام يئير وأخرون ـ جعلوا الموت للجيش حين وجهوا انتقادات شديدة على ادائه في الحرب. اما هذه المرة، ولما كان لم يدعَ الاحتياط للمشاركة في القتال نفسه، فقد ابعد الضباط الكبار المتقاعدون عن التحقيق فيه ايضا.
لقد صرح رئيس شعبة التخطيط في هيئة الاركان اللواء نمرود شيفر هذا الشهر في مقابلة مع «اسرائيل اليوم» بان الجيش بحاجة ماسة إلى الشرعية الجماهيرية لاعماله. ويخيل احيانا ان قسما لا بأس به من الصحافة الاسرائيلية مستعدة لان تمنع هذه الريح المساندة دون تشكيك أو اسئلة تقريبا. اما البرنامج عن الشجاعة فهو الاستثناء وليس القاعدة. جملة من التقارير الصحفية في الاعياد في وسائل الاعلام تضمن ضمن امور اخرى زيارة مصورة لوحدة الغواصات البحرية، تغطية لمناورة المدرسة العسكرية لمكافحة الارهاب في أبراج عزريئيلي، مقابلة منحت فيها فرصة لقادة كتائب جفعاتي لاغداق المدائح من كل القلب لقائد لوائهم وتقرير ملون عن قيادة سرية من قيادة الجبهة الداخلية التي تعتقل فلسطينيين في المناطق.
ثمة، بالطبع، الكثير من الحقيقة ايضا في الادعاءات التي يوجهها الجيش لوسائل الاعلام. كعكة المداخيل المقلصة للصحف والقنوات جعلت المنافسة بينها ميدان قتال تحطمت فيه القواعد المتفق عليها. وقسم كبير من المفاوضات الاوية مع الجيش عن تنسيق المقابلات والتقارير الصحفية يجري في اجواء من الشك والتهديد. ويجد رجال الناطق العسكري أنفسهم غير مرة يطفئون الحرائق حيال ضابط كبار وعائلات ثكلى.
ولا يزال يحظى الجيش بشكل عام بمنصة وبموقف عاطف يمكن لكل هيئة اخرى في الدولة ان تحسده عليهما فقط. فتحت تصرف الجيش توجد منظومة خبيرة من العلاقات العامة التي كادت تضاعف حجم قواها البشرية ثلاثة اضعاف في العقود الاخيرة. وفي نفس الوقت، فان مكانة الناطقين آخذة في التعزز، قريبا من اذن رئيس الاركان. ويوفر الجيش لوسائل الاعلام ما يريده هو، وعلى ما يبدو ما يريده المواطنون ايضا: مخزون لا نهاية له من قصص البطولة والمشاعر، ما يجعل الدموع ترغرغ في العيون. ومع السنين، بتأثير دخول ثقافة البرامج الواقعية إلى الزمن الذروة التلفزيونية، فان الشكل الذي تقدم فيه التقارير الصحفية العسكرية تغير هو الاخر. فالخلفية الموسيقية العاطفية ترافق تقارير الحداد والذكرى. وهذا يعد اليوم جزءا لا يتجزأ من كل تغطية للمعركة. والمنافس الحقيقي للتقرير عن غولاني هو الحلقة الاخيرة من «الاخ الاكبر»، بحيث لم يعد هذا بحثا جافا عن حجم ميزانية الدفاع. ويوجد بالطبع وجه ايجابي في قصص البطولة والتخليد، ولكن عندما يكون قسم كبير بهذا القدر من الانشغال الاعلامي يدور حول المواقع الرقيقة، الحسية، فانه تنشأ مسيرة استكمالية لاضعاف هيئات الرقابة الخارجية على جهاز الامن.



سلسلة أسئلة مقلقة
ان الامتناع عن الانشغال بالمسائل الاكثر ثقلا يرتبط ايضا بما وصفه النائب عوفر شيلح بعد الحرب ككبت الخوف من أن يكون «الجيش الاسرائيلي ليس جيشا جيدا بالقدر الذي نعتقد». هذه مسألة ينبغي التوجه اليها بحذر، على اطراف الاصابع، بالتأكيد في نهاية اسبوع كله ذكرى واستقلال. ولكن هيا نعود للحظة إلى المعركة في الشجاعية، احدى المعارك الشديدة في الحرب، التي وقعت كلها في القطاع على عمق كيلو متر ـ اثنين في الاراضي الفلسطينية. لقد عرض تحقيق «عوفدا» الدخول في مجنزرة قديمة، الثغرات في اعداد القوات، نقاط الخلل التكتيكية. اما النقاش في جودة المجنزرات فمهم ـ والجيش يستغله لاغراضه، حيث يركز على مطلب شراء المزيد من مجنزرات «نمر» الجديدة والاكثر تحصينا ـ ولكنه يطرح المزيد من الاسئلة المقلقة: ماذا كانت الاعتبارات خلف حركة المجنزرات بدلا من مشاة نحو الاهداف ـ رغم المسافة القصيرة وخلافا لطريقة العمل التي اختارتها بعض الالوية الاخرى التي قاتلت في القطاع؟ ولماذا لم تسبق الاندفاع إلى الداخل محاولة لممارسة خطوة تضليل أو خداع؟ لماذا لم يجرِ هجوم جوي أولي بشدة مناسبة، في ضوء المقاومة الشديدة التي كانت متوقعة؟

في تقرير صحفي منافس، اعد على عجل وبعث في القناة 10، وصفت اصابة الصاروخ للمجنزرة، التي توقفت عقب خلل قرب فتحة نفق حماس كـ «صدفة شبه قدرية». وهذا بعيد عن ان يكون تفسير مرضٍ. الموضوع الاوسع هنا هو غياب التجربة وانعدام الخبرة الكافية لدى الجيش في الحرب في محيط مديني مكتظ، ولا بد عندما يتصدى لاول مرة بمثل هذه القوة لمنظومة القتال التحت ارضية لحماس. ويبدو ان هذا هو التحدي الاشد والاكثر صلة امام الجيش في السنوات القادمة ـ في غزة وفي لبنان. وفي ضوء انعدام الاستقرار على الحدود، فان الاحتمالات لاندلاع مواجهة اخرى، ولا سيما في غزة، عالية جدا.
لقد قتل في المعارك في الشجاعية، إلى جانب سبعة جنود المجنزرة من كتيبة 13، 9 آخرون من مقاتلو غولاني. قائد اللواء وثلاثة من قادة الكتائب فيه اصيبوا (اثنان، اصيبا بجراح خطيرة لم ينتعشا حتى اليوم بشكل يسمح لهما بالعودة إلى قيادة كتيبتيهما). أولم تكشف الحرب في غزة مشكلة بعيدة السنين في الجيش البري، تغطي فيها الفجوة في التأهيل والوسائل المناسبة، قدرة ارتجالية عالية، يقظة وبسالة استثنائية عندما تندلع الحرب؟ ثمة من سيقولون ان بالتأكيد هذا ما يحصل في كل حرب. الفكرة نفسها ـ الايفاء بالمهامة في المعركة، حتى بثمن عال ـ جديرة بكل ثناء. ولكن من الصعب البحث بصدق في نقاط الخلل والقصورات التي تنكشف عندما يكون يسود في الخطاب الجماهيري رسالة شبه موحدة تقضي بان الجيش مقدس، معصوم عن الاخطاء وبالتالي محصن من النقد.
هذا حقل ألغام تخافه وسائل الاعلام. وحتى «عوفدا» سار فيه بحذر. فاحد لا يريد أن يمس بالاهالي الثكلى او ان يستخف بالتضحية والمخاطرة التي أخذها على عاتقهم القادة والجنود. ولا يزال، يجدر التحذير من فجوة التوقعات التي قد تنتهي بخيبة أمل شديدة في حالة جولة قتال اخرى، ولا سيما اذا ما وقعت في لبنان. قائد سلاح الجو، اللواء امير ايشل، سبق أن لاحظ في مقابلة مع مجلة السلاح بان لمنظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ توجد قيود ستنكشف في حالة حرب اوسع وان «تقرير الفشل كتب منذ الان»، في ضوء التوقع الجماهيري المغلوط لحماية تامة توفرها القبة.
في الجانب الهجومي، طرأ تقدم كبير في قدرة الجيش على الحاق الضرر بالعدو. ولكن اسرائيل لا تزال تجد صعوبة في وضع حلول مرضية للتهديد الاساس الذي تشكله منظمات الارهاب وعلى راسها حزب الله ـ اطلاق الاف الصواريخ نحو الجبهة الداخلية.
رئيس الاركان الجديد، غادي آيزنكوت يواصل ميولا بدأت في ايام سلفه بيني غانتس وانتهج بالتوازي ايضا عدة تغييرات ضرورية في سلم الاولويات. ولكن الطريق طويل، ويخيل ان الحل اصعب مما يقدره الكثير من المواطنين. غير أنه بدلا من بحث جماهيري موضوعي في هذه الثغرات، او في الخلاف على حجم ميزانية الدفاع بالنسبة للاحتياجات الاجتماعية، فاننا نغرق في تقارير عاطفة سطحية عن الجيش تتجاوز كثيرا الاطار اللازم في يوم الذكرى. فاذا كان لواءا غولاني والمظليين يعرضان علينا كخلاصة الاسرائيلية في أفضل صورها، فما الذي يجعلنا نتوقع منهما أن يتحسنا؟ وسائل الاعلام، في معظم الاحوال، تربت للجيش الاسرائيلي على الكتف والجمهور يخرج باحساس بانه اذا ما وضع لواء مشاة اسرائيلي قيد الاختبار امام لواء غربي موازٍ، بريطاني أو امريكي، لكان شبابنا المتميزون سينتصرون بلا أي صعوبة.
فهل هذا بالضرورة هكذا؟ على مدى نحو عقدين وأنا اعطي انباء الجيش التقيت، في كل مكان تقريبا بضباط وضابطات متفانين، فهيمين. يخيل لي ان الاخلاقية التنظيمية في الجيش الاسرائيلي في معظمها نظيفة واكثر نزاهة من تلك المتبعة في معظم الاجهزة المدنية. ولكن الجيش والمجتمع الاسرائيلي يؤثرات الواحد على الاخر في الاتجاهين. فاذا كنا نصطدم كل يوم يمظاهر الاستهتار والارتجال في السلطات المحلية، في جهاز التعليم، في صندوق المرضى، فلماذا نعتقد بان الشاب الذي يصل إلى سن 18 ويرسل إلى الجيش، ستصبح الامور له افضل؟
ان اداء المهام العسكرية يحتاج، إلى جانب اليقظة والبسالة في المعركة، إلى مستوى عال جدا من النظام، التخطيط المسبق والانضباط ايضا. منذ سنوات والتقارير الدورية لمراقب الدولة تعكس صورة اخرى، اقل تشجيعا، في الجبهة الداخلية، في ادارة مخزون الذخيرة وقطع الغيار للجيش الاسرائيلي، في منظومة الاحتياط. أفلا يمكن، على الاقل عند رسم الرؤيا التنظيمية، تمني ان يدار الجيش بمقاييس اقرب لتلك المتبعة في معهد وايزمن، في انتل او في تشيك بوينت؟ مفهوم ان الحرب لا تجري في ظروف الصيدلية. المعركة هي اختبار انساني فظيع يجري في ظروف صعبة للغاية. ومع ذلك، يخيل أنه بدلا من الربت الدائم على الكتف، يمكن أن نسألة اذا كان ممكنا أن نقرب قليلا شكل الادارة الجارية للقوات البرية من الثقافة التنظيمية المتبعة في سلاح الجو.
بعد حرب لبنان الاولى، الفشل العسكري الذي نسي وكبت بسرعة على خلفية الخلاف السياسي على عدالة المعركة نفسها، نشر العقيد عمانويل فالد كتاب «لعنة الادوات المحطمة» الذي وجه انتقادا فتاكا لاداء الجيش في الحرب. فالد، في كتاب آثار جدالا حادا في الجيش وخارجه، شخص سلسلة مشاكل في اداء الجيش الاسرائيلي في حرب الايام الستة وما بعد. واعادة قراءة الكتاب، بعد نحو 30 سنة تبين على نحو مفاجيء أن عددا غير قليل من نقاط الخلل التي اشار اليها لا تزال على حالها.
في الاسبوع، قبيل يوم الاستقلال، نشر أرشيف الدولة سلسلة صور التقطت عند دخول الجيش في الحملات والحروب في جنوب لبنان وبعد ذلك في زمن الانسحابات منها. وقد بدا الجنود مبتسمين في طريقهم إلى الداخل ومبتسمين في طريقهم إلى الخارج. وبين هذه وتلك لم تكن سوى الدموع. فهل هذا سيكون بالضرورة مختلفا في المرة القادمة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
المستوطنون أيضا يريدون السلام
الرغبة في الاتفاق تقربهم من الدولة وعدم الوصول إليه يبقى على الاستيطان

بقلم:اساف هرئيل،عن هآرتس

المضمون:( يتحدث الكاتب عن بحث أجراه في أوساط المستوطنين من الصهيونية الدينية، ويخلص الكاتب الى أن قدسية الدولة تزعزعت في أوساط الجمهور الصهيوني الديني في أعقاب اتفاقيات أوسلو وخطة الانفصال، والتي تسببت بنشوء توتر بين الموقف الايديولوجي للدولة وبين افعالها الحقيقية، ومع ذلك فإن رؤية الدولة كمؤسسة مهمة عميقة دينيا، بقيت قوية بالذات لدى التيارات الرسمية للصهيونية الدينية)

كيف يمكن تقديس الدولة وفي نفس الوقت الاستيطان على العكس من صلاحياتها؟ هذا هو احد الأسئلة التي طرحت خلال البحث الانتروبولوجي الذي قمت به في أوساط المستوطنين من الصهيونية الدينية.
ان اقامة دولة اسرائيل من وجهة نظر الصهيونية الدينية هو حدث مؤسس في عملية الانبعاث، والحاخام كوك كتب ان دولة إسرائيل هي «اساس كرسي العالم» صحيح ان قدسية الدولة تزعزعت في أوساط الجمهور الصهيوني الديني في أعقاب اتفاقيات اوسلو وخطة الانفصال، والتي تسببت بنشوء توتر بين الموقف الايديولوجي للدولة وبين افعالها الحقيقية، ومع ذلك فان رؤية الدولة كمؤسسة مهمة عميقة دينيا، بقيت قوية بالذات لدى التيارات الرسمية للصهيونية الدينية.
ايام السبت والاعياد، وايضا بيوم القدس والاستقلال، معظم رجال الصهيونية الدينية يصلون من اجل سلامة الدولة، هذه الصلاة تحددت بعد اعلان الاستقلال من قبل الحاخامات الرئيسيين وشارك في كتابتها أيضا الكاتب شاي عجنون، وكتب في هذه الصلاة ان الدولة هي «بداية نشوء الانبعاث» ويطلب المصلين من الله ان يبارك الدولة، ويحل عليها السلام.
نظرا لان السلام هو خاتمة الانبعاث، يطرح سؤال آخر: كيف يمكن السعي للسلام وفي نفس الوقت اقامة المستوطنات؟ مراسيم الاستقلال التي حدثت في ألون شافوت عام 2011 اظهرت العلاقة بين المستوطنات وبين الدولة والسلام. الون شافوت التي تقع في غوش عتصيون هي مستوطنية دينية وحكومية. حيث يتضامن سكانها مع الدولة ويرون انفسهم تجسيدا لها.
بالاضافة إلى البعد الديني الروحاني، لهذه النظرة تجاه الدولة، هناك ايضا اسباب عملية. مثلا التقارب التاريخي بين سقوط غوش عتصيون وبين اعلان الاستقلال، حيث تحول ذلك إلى مركب اساسي في قصة التضحية والانبعاث الاسرائيلي، وعليه فان «العودة» إلى غوش عتصيون بعد حرب الايام الستة 1967 جسدت ليس فقط الطموح الديني بالعودة إلى عرش الوطن التوراتي، وانما ايضا الطموح الصهيوني بالعودة إلى المكان الذي سقط خلال معارك 1948، عموما يميل سكان الون شافوت إلى رؤية أنفسهم سكان مناطق زراعية وليس مستوطنين.
وهذه الهوية الذاتية نابعة من تعريف الون شافوت كقرية زراعية جماهيرية. وتعتمد على رؤية سكانها لانفسهم انهم مختلفون عن المستوطنين، قصتهم تتقاطع مع قصة الدولة وليس مع غوش ايمونيم.
من أجل المراسيم المذكورة أعلاه قبل اربع سنوات، تم تجميع مئات السكان في باحة الكنيس الجديد، انارة خاصة لونت جدران الكنيس بالازرق وبشكل يتناسب مع هذا اليوم القومي. وكان الجمهور على ما يبدو منفعلا جدا. ورغم اهمية الامسية، كانت هناك الكثير من التمتمات، في العرافة كان رجل كبير في السن وشابة فتية، ظهروا محرجين بسبب هذه الاجواء ووجدوا صعوبة في البداية بالنظر إلى الجمهور، واشتملت المراسيم على مزايا اسرائيلية نموذجية، غناء «ماذا ابارك» وايضا «نسيج انساني» و«مضطرين بالاستمرار في العزف» كجزء من العرض الذي عكس تجربة فقدان الاحبة، اضيئت شعلة وكرم من سقط من ابناء القرية الزراعية. وكان ايضا معنى ديني للاحداث.
صلاة «يتذكر» اضيفت اليها اقتباسات الحاخام نحمان من برسلاف ومقاطع من كتاب يشعياهو تمت قراءتها. بعد ذلك رفع العلم لكنه رفض الارتفاع حتى النهاية، واستمرت المراسيم والعلم مرفوع نصف المسافة لفترة من الوقت.
بعد حديث التوراة المختصر ظهر عشرات الاولاد من الروضة الالزامية وغنوا «انا ولدت للسلام الذي سيأتي/انا ولدت للسلام الذي سيظهر/ انا اريد/ أنا اريد ان اكون فيه». هذه الاغنية تعكس التوق الكبير للسلام، توقف سلبي يحول السلام إلى شيء متوقع ومنتظر ـ ليس أمرا يستدعي عمل شيء معين من اجل تحقيقه. وهكذا، وامام جمهور منفعل، جيل شاب آخر من الاسرائيليين تربى على حلم السلام، الذي ينفي حقيقة وجود دور لاسرائيل في ظل غياب السلام.
مع انتهاء عرض السلام عرض فيلم عن تاريخ تلة الحيش، البؤرة الصغيرة لالون شافوت، والذي يحافظ على روح الطلائعية التي ضاعت مع البرجزة وتأسيس المستوطنة الام. يبدأ الفيلم بفترة الاباء قبل 4000 عام، ويستمر إلى معارك 1948 ويصل إلى عام 1998 ايام اقامة البؤرة الاستيطانية وفي الخلفية مقاطع من الارشيف العملياتي لـ «السور والبرج» لفترة الانتداب البريطاني حيث خضوع اسرائيل لسلطة غريبة.
في سياق الفيلم شهادات محلية تهلل للافعال الطليعية، والتحريض على الدولة: «نتنياهو موجود في واي بلانتيشن» و «النقاش هو اسلوب». زمبيش يتصل ويقول: «اسمع، اذا لم تصعدوا هذا الاسبوع لا اعرف متى تستطيعون الصعود» ويضيف: «عملنا بالظلام الدامس.. وفحصنا حتى متى يختفي القمر ويمكن العمل في الظلام» يوم الاحد، إلى أن استفاق الجيش، بعد يوم السبت الساعة12، وبدأوا يفهمون ما الذي حصل حيث كنا في «حيش».
بعد عدة شهادات اخرى من قبل سكان البؤرة الاستيطانية، جاء دور رئيس مجلس محلي غوش عتصيون منذ 2012، دافيدي برل، «عملنا في الليالي».
قال الشخص الذي اصبح فيما بعد رئيس مجلس محلي: «شهر، شهرين، ثلاثة ـ ليلة وراء الاخرى، كانت هنا الشرطة والجيش وبحثوا عنا، احيانا اعتقلوا واحيانا اوقفوا العمل، لكننا كنا مواظبين حتى اصبح هنا ذات صباح 40 كرفان فوق التلة، اما الباقي فهو تاريخ، انظروا ماذا يوجد هنا اليوم».
بعد الفيلم استمرت المراسيم بالرقص والاغاني والتلويح بالاعلام، وانتهت بغناء هتكفا ومفرقعات وتمنيات «الانبعاث الكامل والعيد السعيد».
بعد المراسيم بأيام تحفظ بعض السكان وكجواب على اسئلتي، من الجوانب الغير حكومية في الفيلم، لكن تحفظهم جاء ردا على الاسئلة وبقي شخصيا. لم يفكر احد بالرد على ذلك علنا. كيف يمكن اذن ملائمة الطريقة الحكومية التي تقدس الدولة، مع استعراض قوة فظ يستهتر بصلاحياتها؟

نظرا لان معظم سكان الون شافوت يرون أنفسهم تجسيدا للدولة، فان تقديسها بالشكل المثالي يعني الاستمرار بالاستيطان في الوقت الذي هي لا تستطيع ذلك، وهم متأكدون انهم لا يعملون ضدها. على العكس ـ يساعدونها ويشكلونها على شاكلتهم. بالاضافة لذلك على المستوى الاكثر تأسيسا فان الوصفة تعمل، وقد صادقت الدولة بأثر رجعي احيانا بعض المستوطنات، وفاعلية الطريق هي دليل على صحتها. من خلال فرض حقائق على الارض نجح الاستيطان بتحويل المؤقت إلى الدائم واحداث تغيير تاريخي.
ماذا عن السلام الذي هو الهدف النهائي للانبعاث؟ كيف يمكن السعي للسلام والاستيطان في نفس الوقت؟
الحقيقة ان السلام مرتبط سياسيا بفقدان أرض وسيطرة، تحول تحقيقه إلى مسألة مهددة وغير مرغوب بها. كما ترجم السعي المسيحاني اليهودي إلى ان جاءت الطلائعية الصهيونية بالذات للجانب الروحاني. السلبي، هكذا ايضا السلام الذي هو مهم لكنه خطير. ومن الافضل ان يبقى السلام رمزيا ودون تحقيق، فابداء الرغبة بالسلام هو التعبير عن عدم الحاجة إلى السلام. من هذه الناحية تجسد سكان الون شافوت الدولة: من الاسهل والاكثر أمنا ان ترغب بالسلام بدلا من ان تصنع السلام.
في هذه الايام، حيث تراجع حوار السلام، نحن بحاجة إلى طلائعية حقيقية، تحيي وتجدد مبدأ السلام، وتعمل من اجل تحقيقه. مع النظر إلى واقع غير سهل. سواء خارج «المستوطنات» او بداخلها. الظاهر ان المستوطنات لن تتلاشى، ما العمل اذن؟ أولا يجب الاعتراف بالوضع القائم، ومن المؤكد ان السلام سيبقى كحلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
لم تبد تل أبيب حتى الان استعدادا للتخلي عن احتكارها لتمثيل دور الضحية
اسرائيل والكارثة

بقلم:يوسي سريد،عن هآرتس

المضمون:( يتحدث الكاتب عن مطالبة المؤسسة كاثوليكية أمم العالم للاعتراف بالجريمة العثمانية ضد الارمن، ويقول أنه كان من اولى بالعالم الاعتراف بالقتلى في المستعمرة الالمانية في جنوب غرب افريقيا (اليوم ناميبيا) ـ حين قتل مئات الاف من ابناء القبائل السود، ويخلص الكاتب أن ألمؤسسة كاثوليكية لا يجاريها في الفساد سوى المؤسسة الحاخامية في اسرائيل)

اليوم، 24 نيسان 2015، يوم الذكرى المئة لقتل الشعب الارمني. لقد اخطأ البابا فرانسيس حين احياها هذا الاسبوع بصفتها ذكرى «قتل الشعب الاول في القرن العشرين»؛ وهي لا. فهذا كان ما حصل في المستعمرة الالمانية في جنوب غرب افريقيا (اليوم ناميبيا) ـ حين قتل مئات الاف من ابناء القبائل. ولكن السود لا يحصون- من بالنار ومن بالماء.
كما ان البابا نسيهم، حين ذكر مليون ونصف ارمني، ودعا امم العالم للاعتراف بالجريمة العثمانية ضدهم وضد الانسانية. ولكن مباركا: فليس سهلا عليه ان يتصدى لمؤسسة كاثوليكية محافظة، لا ينافسها في تحجرها وفسادها سوى المؤسسة الحاخامية في اسرائيل.

فهل ستنصت «الدولة اليهودية» لدعوة المسيحي؟ ام لعلها ستفضل، كعادتها، الانشغال ببابا آخر، واتهامه بنكران الابادة في عصر آخر. صحيح، بايوس الـ 12 لم يخرج عن طوره كي ينقذ اليهود، ونحن ايضا لا نسارع إلى التماثل مع معاناة الاخرين والهرع لنجدتهم؛ اسرائيل هي ايضا، على طريقتها، ناكرة لكارثة الاخرين.

عشرات الدول استجابت منذ الان للمناشدة الارمنية واعترفت بقتل الشعب، رغم استياء اردوغان ورغم تهديدات حكومته. فقد قرر البرلمان الاوروبي الان تحطيم مؤامرة الصمت عن الدماء. إذ ما الذي تريده الطائفة الارمنية في شتاتها: ليست النجدة، بل بالاجماع ـ الاعتراف. لا حاجة لان يخاطر احد من أجلها. بل فقط أن يبدي الشراكة والتفهم. وعندما تبقى العيون غامضة ـ ستبقى الجروح مفتوحة. ليس خيرا ان تكون شعبا يتيما وحدك.

لم تبد اسرائيل حتى الان استعدادا للتخلي عن احتكارها للضحية، وان تتقاسم ملكيتها الحصرية لمكانة المضطهد. لها ايضا اعتبارات الكلفة ـ المنفعة والمصالح العالمية: ذات مرة في جنوب افريقيا الابرتهايد ومرة اخرى في الارجنتين او في تشيلي الطغمات العسكرية. ومن سيزايد على «الاكثر اخلاقية»، إذ على الضمير العالمي ايضا يوجد لاسرائيل الرسمي حيازة. فالارمن، يمكنهم ان يقفزوا لنا راقصين: أما نحن فلن نقفز بداية، فنحن لسنا حميرا. وحتى مع كوبا سنكون آخر من يقيم العلاقات بصفتنا جريرة أمريكية مغرورة.

اليوم، قبل 15 سنة بالضبط دعيت إلى الكنيسة الارمنية في القدس: «جئت لاكون معكم»، قلت هناك. «في يوم ذكراكم، انا هنا كانسان، كمواطن عالمي، كيهودي، كاسرائيلي وكوزير التعليم في دولة اسرائيل. لسنوات عديدة جدا كنتم وحدكم. اما اليوم، لاول مرة، فانتم وحدكم اقل».

غير مرة سئلت منذئذ ـ هل تشاورت بداية مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية. لماذا أسأل حين يكون الجواب متوقعا والحق لن يمنح وانا ليست ولدا. وبالفعل، ايهود باراك سارع إلى التنكر، وشمعون بيرس قطع جملته كمؤرخ عظيم:»قتل الشعب الارمني يجب أن يترك للمؤرخين»، قال متفلسفا. وأنا اعلنت كشخصية غير مرغوب فيها في تركيا؛ أنقرة لا تنتظرني، حتى الان.

في سنوات «مرمرة» عندما تعكرت العلاقات، بدت علامات مشجعة: ربما الان ـ بتأخير كبير ـ سيصلح الظلم أخيرا؛ فماذا هناك لنخسره. هذا الشهر ثار أمل جديد مع زيارة كيم كردشيان: ما لم يفعله الرأس اليهودي ستفعله المقعدة الارمنية. وحتى هذه المنفعة خابت هي الاخرى. فمع ان الكنيست تبعث مع حلول ذكرى المئة من يمثلها إلى العاصمة يرفان ـ عنات بركو ونحمان شاي ـ ولكنهما سيجلسان في المقاعد الخلفية وسيتلقيان «توجيها» مسبقا من وزارة الخارجية. وسواء سافرا أم لم يسافرا، فان هذا لن يغير في الامر من شيء، من الصعب ان نفهم لماذا ترفض تركيا في أن تكون «اخرى». مؤخرا كان يخيل انها رققت موقفها، وها هي الان تعود إلى عادتها القديمة. فليس عليها يجثم ظلم الاباء وليس الذنب هو ما ينتظر ان تتحمله، بل المسؤولية التاريخية للنكبة الارمنية واى جانبها الاعتذار؛ فالدولاب لا يمكن اعادته إلى الوراء، بل يمكن فقط انقاذه من وحل الرواسب والدماء، وتوجيهه في اتجاهات جديدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
يمكن التنبؤ بالحرب القادمة ولكن ليس بالامكان حسم هل كان يمكن منعها كما هو رأي الاقلية الآن

بقلم: الياهو ليفوفيتش،عن هآرتس
المضمون:( يتحدث الكاتب عن تكهناته الشبه أكيدة للمستقبل القادم في اسرائيل، ويقول أن هذه التكهنات يشاركه فيها المجتمع الاسرائيلي والنخبة السياسية والعسكرية، اسرائيل قادمة على حرب دامية؛ وذلك بسبب الاستيطان)

يقولون إنه من الصعب جدا التنبؤ وخاصة حين يتعلق الامر بالمستقبل. الافتراض هو أنه من السهل التنبؤ بالنسبة للماضي. الحقيقة هي أن العكس هو الصحيح. مثلا من السهل جدا التنبؤ أن دولة اسرائيل التي تحتفل بـ 67 سنة على تأسيسها، ستكون متورطة في المستقبل المنظور في حرب دامية، دمار وخراب. إن البساطة غير المحتملة لهذه النبوءة مثبتة في حقيقة كونها متوقعة من قبل كل مستويات الشعب. يشارك فيها رئيس الحكومة والوزراء رغم أنهم لا يكثرون من نشرها، النخبة الامنية الارفع مستوى، بما فيهم رجال القيادة العليا للجيش الاسرائيلي، رجال اليمين السياسي واليمين العنيف، وكذلك معظم رجال الوسط واليسار. فعليا لم تُسمع أي كلمة في البلاد تشكك في تحقق هذه النبوءة.

هذه النبوءة سوف تتحقق بالفعل. اذا اجتازتها اسرائيل فانها سترجع وتتحقق مرة بعد اخرى، طالما أن الاستيطان اليهودي وراء الخط الاخضر، الذي ترمز له مدينة اريئيل لا يتم تفكيكها، ويرجع سكانها للعيش في الجانب الغربي للخط الاخضر. بدون تفكيك مستوطنة اريئيل فان نبوءة الحرب ستتحقق ايضا سواء بسبب انعطاف مرضي للسياسة الاقليمية أو العالمية، سيسجل في أي ورقة كانت، أن اسرائيل تحولت الى دولة ثنائية القومية، أو دولة لكل مواطنيها، كما يسمى هذا الكائن الحي من مجموعة من مواطنين في الدولة.

المستقبل بناء على ذلك من السهل التنبؤ به جدا. وليس الماضي. عندما يقف الاسرائيليون على أنقاض ينبعث منها الدخان في تل ابيب أو بئر السبع فان الجميع يمكنهم القول للجميع “لقد قلنا لكم”. لكن نقاشا مع كل ذلك سيثور تجاه مسألة هل اندلعت الحرب على الرغم من اعمال أو قصورات حكومة اسرائيل أو بسببها. سنجد من يقولون، بالتأكيد اولئك الذين يقولون ذلك الآن، إن حكومات اسرائيل وخصوصا الاخيرة عملت كل ما في وسعها لمنع الحرب، بما في ذلك اعطاء تراخيص بناء كثيرة في يهودا والسامرة. أقلية صغيرة التي هي اليوم صغيرة جدا ستقول إن نصيب الاسد في المسؤولية عن اندلاع الحرب يقع على كاهل الحكومة، التي كان لها القدرة والصلاحية لمنعها، ولم تفعل ذلك، في عالم ما بعد الحرب لن تجد أي علامة يمكنها المساعدة في حسم النقاش المتخيل ذاك. النبوءة للخلف، بعد انتهاء المعارك، أي وصف الماضي، هي مهمة صعبة الى درجة أنها غير ممكنة. لن نعرف أبدا، لا نحن ولا أحفادنا، من جر علينا تلك الحرب، حتى المؤرخ في نهاية القرن الواحد والعشرين لن يستطيع أن يحسم فيما اذا كان معظم مواطنو اسرائيل الذين يعتقدون أن الحرب القادمة لا يمكن منعها، كانوا على حق واختاروا الحكومة القادمة مهما تكن، أو أن من كان على حق هو نفس الاقلية المهمشة في اسرائيل، التي تعتقد أنه ربما بالامكان منع هذه الحرب.

كونراد ادناور، المستشار الاول لالمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، قال “التاريخ هو في النهاية الامور التي كان بالامكان منعها”. الواقع الذي هو أخرس بطبيعته، لا يقدم رموزا، وبالتأكيد غير واضحة، تساعد في حسم مسألة اذا كان ادناور على حق. الحسم معطى كله للتقدير الشخصي لكل انسان. في اسرائيل ابنة الـ 67 لهذه المسالة يوجد معنى واقعي مباشر يمس المصير الشخصي لـ 8 ملايين من مواطنيها وملايين آخرين من بني البشر.على كل اسرائيلي أن يقرر بينه وبين نفسه وبقوة عقله وحسب فهمه هل حقا ليس بالامكان منع الحرب القادمة أو أن هذه الحرب ستدخل التاريخ حسب تعريف ادناور، أي ستنضم الى الامور التي كان يمكن منعها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
دور الولايات المتحدة في إزاحة مصدق أسطورة ومبالغ فيه وقد إستغله الإيرانيون لوضع الولايات المتحدة في صورة المذنب للحصول على تنازلات منها

بقلم: دوري غولد،عن اسرائيل اليوم
المضمون:( يتحدث الكاتب وبسرد تاريخي عن التسلسل الدراماتيكي للأحداث وسير العلاقات بين الولايات المتحدة وايران)

يصعب تفسير سياسة ادارة اوباما تجاه ايران بدون أن نفهم كيف أن جهات مسؤولة عن رسم سياسة الخارجية تعتقد حقا بحسن نية أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تدهور العلاقات بين الدولتين منذ 1979، السنة التي اقيمت فيها الجمهورية الاسلامية.

في هذا السياق فان مؤيدي هذه المقاربة يعودون ويحيون ذكرة حادثة اساسية تاريخية، التي فيها اتخذت الـ سي.آي.ايه كما يبدو دورا في الانقلاب ضد رئيس حكومة ايران، محمد مصدق، في 1953.

إن استرجاع هذه القصة حول النشاط الامريكي في ايران في 1953 اعطى وزنا اخلاقيا لادعاءات ايران ضد الولايات المتحدة. في الوقت الذي يتهم فيه الامريكيون ايران بدعم الارهاب أو بالتدخل في الشؤون الداخلية لجاراتها فان طهران تستطيع ان ترد بالادعاء بأن ايدي الولايات المتحدة ليست نقية، على ضوء سياستها واعمالها في ايران في بداية الخمسينيات. ان تصريحات بعض السياسيين الامريكيين التي يتضح منها ان ايران تطرح ادعاء له وزن، تخلق مشكلة سياسية.
* * *
راي تاكيا، احد الباحثين الامريكيين البارزين في الموضوع الايراني ادعى في مقال في “فورين افيرز″ في الصيف الماضي ان الاعتقاد القائل بأن الـ سي.آي.ايه ازاحت مصدق هو اسطورة تم طرحها من قبل اوساط معينة في الولايات المتحدة. تاكيا الذي خدم تحت إمرة دنيس روس في ادارة اوباما اتخذ موقفا شجاعا في هذا الموضوع.

حسب اقواله فان هذا الادعاء انتشر وحتى انه دخل الى حدود الثقافة الامريكية، كما تم التعبير عنه في فيلم “آرغو”، بطولة بن آبليك، والذي فاز في 2013 بجائزة الاكاديمية كأفضل فيلم. منتجو الفيلم ادعوا ان اندلاع اعمال العنف للثورة الاسلامية جاء كرد على النشاطات الامريكية في ايران قبل 25 سنة. تايكا لم ينف أن جهات غربية طلبت التخلص من مصدق بسبب جهوده في تأميم النفط الايراني. ولكنه يرى ان المؤامرات التي حاكتها بريطانيا والولايات المتحدة ضد رئيس الحكومة الايراني كانت غير فعالة، وفي نهاية الامر فشلت.

سقوط مصدق جاء بسبب مظاهرات الشوارع الواسعة للمواطنين ضده، والتي انضم اليها رجال دين وضباط. ايران لم تكن قادرة على تصدير النفط، اقتصادها تدهور بسرعة. الجمهور الايراني شعر بالتعب من المواجهة مع الغرب وعارض رفض مصدق التوصل الى تسوية.

ادارة آيزنهاور فوجئت من سقوط مصدق، يدعي تايكا، لأنه كان من الصعب السيطرة على ما يحدث على الارض. الجهة التي ساعدت في نشر الادعاء بأن الولايات المتحدة هي التي كانت تمسك بالخيوط التي ادت الى ازاحته كان كما يبدو مذكرات كرمت روزفلت، الذي خدم في 1953 في صفوف الـ سي.آي.ايه في ايران وضخم دوره في قضية مصدق.

على الرغم من هذه الحقائق فان الاسطورة بقيت وما زالت حية، القائلة ان الغرب هو الذي ازاح مصدق وارجع الشاه من المنفى. الايرانيون استغلوا هذا من اجل العزف على مشاعر الشعور بالذنب الغربي في محاولة للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة “في مواضيع لا ترتبط باحداث 1953، مثلا المفاوضات على البرنامج النووي الايراني”.
كما اشار تايكا ان الادعاء بشأن الاتهام الامريكي “ارتكز على ثلاث نقاط الى درجة انها بدأت بالتأثير على طريقة تفكير القيادة الامريكية بالنسبة لايران”. الاثبات الافضل لهذا هو حقيقة ان القيادة الامريكية اعتذرت عن ازاحة مصدق رغم مرور بضعة عقود.

وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت قالت في خطاب في واشنطن في 17 آذار 2000: “في 1953 قامت الولايات المتحدة بدور هام في قيادة الانقلاب ضد رئيس الحكومة الايراني ذي الشعبية محمد مصدق”. واقتبست الرئيس كلينتون الذي قال على الولايات المتحدة أن تتحمل “بدرجة معقولة المسؤولية” فيما يتعلق بمشاكل اثيرت في العلاقات مع ايران.
* * *
هل خطاب اولبرايت غير شيء في طهران؟ هل تنحية مصدق كانت السبب الوحيد في خلق المشاكل في العلاقات بين واشنطن وطهران بصورة ادت الى أن تقوم ايران بتغيير سياستها في الشرق الاوسط. روبرت باير الذي شارك في عمليات الـ سي.آي.ايه في الشرق الاوسط فحص تأثير اقوال اولبرايت وكتب في هذا الموضوع ما يلي: “استقبلت هذه الاقوال في طهران بدون تاثير حقيقي”. باير اشار الى أن اولبرايت “تستطيع ان تقرأ قائمة مشترياتها من البقالة على كل الايرانيين الذين يهتمون بالامر”. استنادا الى المحادثات مع الايرانيين الذين جاءوا من النخب الدينية والعسكرية يعتقد باير ان الانقلاب ضد مصدق في 1953 لم يكن مهما لكنه استغل من اجل ان تكون اوساط معينة في الولايات المتحدة في موقف دفاعي بشان العلاقات مع ايران.

في خطابه في القاهرة في 4 حزيران 2009، دعا الرئيس براك اوباما تحمل المسؤولية عن تنحية مصدق بقوله: “في ذروة الحرب الباردة فان الولايات المتحدة لعبت دورا في ازاحة حكومة ايرانية انتخبت بصورة ديمقراطية”. لصالح اوباما علينا القول انه لم ينشر اعتذارا، ولكن اعترافه بالدور الامريكي في احداث 1953 وضع الولايات المتحدة في موقف انها مدينة بشيء ما لايران. حسب مقاربة تاكيا فان تبني هذه الرواية حول واشنطن الى مذنبة تريد التكفير عن اعمالها في الماضي.
سيكون من الخطأ ان ننسب مصدر السياسة الامريكية تجاه ايران فقط لاوباما. في واشنطن توجد مدرسة تؤيدها شخصيات مركزية تقول ان الولايات المتحدة هي العنصر المركزي لخلق التوترات في الشرق الاوسط وليس ايران.

مشايعو هذه المقاربة يعتقدون ايضا ان ايران طلبت التقرب من الولايات المتحدة بعد هجوم 11 ايلول، وفي 2003 كانت مستعدة للتوصل الى صفقة كبيرة مع الولايات المتحدة، ولكن في الحادثتين رفضت الاشارات الايرانية من قبل الادارة. الحقيقة هي انه من اقوال شخصيات رفيعة المستوى ايرانية يمكن ان نفهم ان ايران ارادت التوصل الى تسوية مؤقتة مع الغرب من اجل اخفاء مطامعها الحقيقية في المنطقة.

المسالة الايرانية التي تبحث اليوم لا تتعلق فقط باجهزة الطرد المركزي والاشراف على المنشآت النووية بل تتعلق بمسائل اوسع تقتضي التوضيح بشأن الدوافع الحقيقية التي تقف في اساس السياسة الايرانية: هل هذه الدوافع هي رد على استفزاز الغرب او نتيجة لايديولوجية امبريالية للقيادة الايرانية؟ المسالة الايرانية جزء من النقاش الاوسع حول الحقيقة التاريخية الذي يدور تحت البساط في واشنطن منذ اكثر من عقد، لكن فقط الان عرف تاثيره الحاسم على الموضوع الاهم الموجود على جدول الاعمال الدولي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
بلاط روماني نادر اكتشف فجأة من قبل المسلمين تحت بلاط قبة الصخرة هذا الكشف اوضح الى أي درجة ترتبط سلطة الآثار بالشرطة

بقلم: نداف شرغاي،عن اسرائيل اليوم

المضمون:( يتحدث الكاتب عن وفاة البروفيسور آشر كاوفمان، والذي كان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أحد سكان القدس المحتلة، وكان يتجول هناك مزودا بمفكرة صغيرة وقلم رصاص ووثق باجتهاد الاضرار التي لحقت بآثار القدس، رجال الأوقاف، رغم أن هذا يبدو خياليا، كانوا يحترمونه كثيرا وكانوا يستضيفوه في مكاتبهم من أجل تبادل الآراء معه في البحث والآثار).

في هذا الاسبوع في الوقت الذي رفعت فيه أعلام حماس في المسجد الاقصى وعلى ابوابه رفعت يافطة لاحياء ذكرى أحد منكري الكارثة، المخرب عبد العزيز الرنتيسي، توفي في القدس أحد الباحثين في أيامنا حول المكان المقدس في المسجد الاقصى، البروفيسور آشر كاوفمان. في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كان كاوفمان أحد سكان جبل الهيكل. كان يتجول هناك وهو يلبس قبعة بيضاء على رأسه، مزودا بمفكرة صغيرة وقلم رصاص ووثق باجتهاد الاضرار التي لحقت بآثار الجبل. رجال الاوقاف، رغم أن هذا يبدو خياليا في أيامنا هذه، كانوا يحترمونه كثيرا ومن حين الى آخر استضافوه في مكاتبهم من اجل تبادل الآراء معه في البحث والآثار.

كاوفمان من مواليد اسكتلندة، متخصص في الفيزياء الحيوية، رجل دين محافظ مع آداب انجليزية، كان يشكل لجنة مراقبة متطوعة من رجل واحد. يغئال يادين، الأب المؤسس للآثار الاسرائيلية اضطر الى الاستعانة به أمام السلطات من اجل انقاذ آثار جبل الهيكل، ولكن ايضا من اجل أن يستطيع كاوفمان أن يعرض رأيه البحثي، الذي ناقض وجهة النظر التقليدية بشأن مكان قدس الاقداس في قبة الصخرة. كاوفمان ادعى أن قدس الاقداس موجود الى الجنوب من ذلك الموقع في المكان الموجودة فيه اليوم قبة الارواح.

شخصيته المنسية تقريبا هي قصة صحفية وانسانية ممتعة يجدر الانجذاب اليها بالذات هذا الاسبوع في الوقت الذي تنشغل فيه الصحافة بشؤون جبل الهيكل. قصته تشير الى أي درجة تغيرت الوقائع نحو الاسوأ في جبل الهيكل في السنوات العشرة الاخيرة، وبمستويات كثيرة. الورثة غير الرسميين لكاوفمان، رجال لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل، تجولوا يوم الاثنين الماضي في الجبل بمرافقة رجال شرطة رفيعي المستوى وضيفة محترمة، التي ليست عضوا في اللجنة، البروفيسورة روت غبيزون، الحاصلة على جائزة اسرائيل في القانون. كان بالامكان أن تكون هذه جولة تعليمية ولكنها تطورت الى شيء آخر تماما، سواء لحقيقة أنه خلال الجولة هوجم الزوار بالكلمات من قبل المسلمين أو الاكتشافات التي نتجت عنها.

خلال الزيارة لاحظ الدكتور غابي بركاي، عضو اللجنة والحاصل على جائزة اسرائيل في الآثار، وجود تراكتور صغير ملاصق لمبنى قبة الصخرة وأكوام من مواد البناء التي يتم ادخالها الى داخل المبنى. بركاي ومجموعته طلبوا الدخول الى مبنى قبة الصخرة من اجل فهم ما يجري هناك. أكثر من مرة كشف اعضاء اللجنة في العشرين سنة الاخيرة اعمال غير مشروعة نفذها المسلمون في جبل الهيكل، وفي هذه المرة ايضا ثارت شكوكهم.
الشك تعاظم عندما رفضت الشرطة بشدة السماح لهم بالدخول الى المبنى الذي يوجد في وسطه حجر الناصية، وحسب رأي معظم الباحثين فان الحجر يشير الى قدس الاقداس.
مكالمة متعجلة جاءت من سلطة الآثار أظهرت أنه حتى هم لا يعرفون شيئا عما يجري داخل قبة الصخرة. الشرطة التي قللت في البداية من أهمية ما يجري قالت إنه تغيير للسجاد فقط، ومنعتهم في البداية من الدخول الى المبنى المقدس وأثارت في اوساطهم الشعور أن أحدا ما يخفي عنهم شيئا.
فقط في اليوم التالي بدأت الصورة تتكشف: المسلمون يغيرون في هذه الايام سجاد قبة الصخرة وسجاد المغارة الموجودة في وسطها بسجاد جديد – تبرع من العائلة المالكة الاردنية. هذا العمل تم تنفيذه، هكذا اتضح فيما بعد، بدون تنسيق مع سلطة الآثار، وبدون أن يعطى رجال الآثار الفرصة تقريبا حتى يتم توثيق ارضية قبة الصخرة والمغارة الموجودة تحتها. تلك الارضية مزينة جزئيا بالفسيفساء وباشكال هندسية مختلفة من فترات مختلفة، والحديث عن طريقة رصف تستخدم فيها الواح حجرية ملونة ذات اشكال هندسية مختلفة. في الفترة الرومانية انتشر استخدام تقنية الرصف هذه وفي الاساس في القصور الملكية واعتبرت فخمة وثمينة جدا.
نقطة الخلاف
الوحيدان اللذان وثقا هذه التقنية حتى اليوم في قبة الصخرة وبصورة سطحية فقط هما عالم الآثار البريطاني المعروف تشارلز فيرن، الذي رسم قطعة صغيرة من الارضية في 1865، وباحث مسلم اردني هو محمد غوشة، الذي نشر قبل نحو سنتين رسالة الدكتوراة عن قبة الصخرة. حجم ضياع الفرصة اتضح عندما نشرت صفحات فيس بوك اسلامية صور للبلاط الذي اكتشف فجأة تحت السجاد. د. بركاي يقول إن ضياع الفرصة هو علامة لما يجري في جبل الهيكل، وتجسد ضعف سلطة الآثار في الجبل، وارتباطها التام بالشرطة، التي اعتباراتها بصورة عامة هي اعتبارات غير أثرية.
بركاي يقول إنه في مشروع تنخيل تراب جبل الهيكل الذي يديره مع رجل الآثار تساحي دبيرا، وجدت بقايا لحوالي ألف قطعة فسيفساء من نوع “أوبس سكتلا” وما يوازيها حسب الصور المنشورة في الفيس بوك وفي مواقع الانترنت الاسلامية، يمكن أن تكون ايضا موجودة داخل قبة الصخرة. “هذه الصور تبين لنا أن الصليبيين الذين تبليط “أوبس سكتلا” هذا كان في عهدهم، بلطوا هم ايضا قبة الصخرة. هذا عنصر بحثي مهم جدا لتاريخ هذا المكان المقدس جدا الذي في مركزه توجد الصخرة، موقع ذو أهمية دينية كبيرة وتاريخية عظيمة سواء لليهود أو للمسلمين”.
“هذا التبليط”، يُقدر بركاي، “تم تفكيكه كما يبدو من قبل صلاح الدين في نهاية القرن الثاني عشر أو في احدى عمليات الترميم الذي أجريت في المبنى بعد ذلك، وتم القاء النفايات الى المنطقة التي حفرت فيها الاوقاف في نهاية التسعينيات بئر كبيرة، عندما قال رجالها بتنظيف اسطبلات سليمان واعدادها كمسجد في جنوب شرق جبل الهيكل. الاتربة التي اخرجتها الاوقاف من هذه البئر من خلال الدوس على كل القواعد الاثرية والثقافية، نقوم بتنخيلها في وادي تسوريم في القدس″.
بركاي ودبيرا والوزير أوري اريئيل، الذي توجه الى رئيس الحكومة نتنياهو، ليسوا الوحيدين الذين تفطر قلبهم ازاء ما يجري على الجبل. سلطة الآثار تشارك الآن في هذا الانتقاد. مدير عام السلطة، عضو الكنيست السابق اسرائيل حسون، يعترف أنه غير راضٍ عن مستوى الرقابة الموجود في الموقع. “تم تنفيذ اعمال لم تعرف عنها سلطة الآثار، ويجب ألا يحدث شيء كهذا. لدينا هنا حادثة سأقوم في التحقيق فيها في بداية الاسبوع القادم”.
قال حسون إنه اثناء رفع السجاد القديم، نُزعت بلاطتان وأُعيدتا الى مكانهما، لهذا لم يحدث ضرر. هو لا يعرف عن استخدام المطارق على البلاط القديم في المكان، الادعاء الذي أُسمع ايضا هذا الاسبوع. الضرر البحثي يعتبره غياب فرصة، ولكنه يطلب وضع الامور في سياقها: “لقد كان لنا في جبل الهيكل فقدان لفرص دراماتية أكثر”.
هل عملية الرقابة من قبل سلطة الآثار في جبل الهيكل تجري ازاء الاوقاف. “تقريبا لا. الحوار يتم عن طريق شرطة اسرائيل. في الاشهر الاربعة الاخيرة التي شغل فيها منصب مدير السلطة لم تكن هناك حادثة لم نجد فيها تعاونا من الشرطة، سواء في وقف العمل أو في تصليح الوضع. المشكلة الوحيدة هي الشكوك الموجودة – أنت لا تعرف ماذا يجري هناك”.
حسون يتطرق للمرة الاولى بصورة علنية لاكوام التراب الكثيرة الموجودة في الجبل، التي منعت محكمة العدل العليا اخراجها بناء على طلب لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل. يدور الحديث عن اتربة قامت الاوقاف بحفرها سواء في اسطبلات سليمان (المسجد المرواني) أو في مناطق اخرى في الجبل، أو القطع الخشبية القديمة الموجودة هناك، التي بعضها تمت نسبتها من قبل باحثين الى فترة الهيكل الاول والهيكل الثاني.
“فيما يتعلق باكوام الاتربة”، يقول حسون، “وضعت المحكمة العليا أمام الدولة حاجز عال جدا. فقد حظرت علينا اخراج التراب من هناك إلا بعد أن يتم تنخيله وفحصه داخل الموقع وليس خارجه. عمليا وفي واقع الجبل اليوم هذا تقريبا غير ممكن”. ويضيف “بناء على هذا ليس عندي شك أنه يُفضل اخراج التراب من هناك وفحصه. الوضع الحالي يتسبب باضرار لاكوام التراب القديمة وللآثار التي ربما هي موجودة فيها، حيث أنه يختلط طوال الوقت مع القمامة والنفايات الاخرى. يجب علينا اتخاذ قرار في هذا الشأن، واذا اقتضى الامر التوجه ثانية الى محكمة العدل العليا”.
حسون يرمز للمرة الاولى الى أنه اذا كانت هناك موافقة من اللجنة لاخراج اكوام التراب من جبل الهيكل، فمن الممكن أن يكون بالامكان التوصل الى اتفاق ايضا على اخراج القطع الخشبية القديمة من الجبل، التي هي اليوم مخزنة في ظروف غير مناسبة وتعاني من التآكل.
في هذه الايام تتعامل شرطة اسرائيل ليس فقط مع قصص الآثار، لكن ايضا مع المرابطات، مجموعات مقاومة اسلامية، التي طوال اشهر طويلة تلقت رواتب شهرية من الجناح الشمالي للحركة الاسلامية الاسرائيلية من اجل التنغيص على الزوار اليهود الذين يأتون الى جبل الهيكل عن طريق اطلاق هتافات متحدية وصراخ “الله أكبر”.
بعد خفوت معين تعود المرابطات ويرفعن رؤوسهن، في الاساس بمساعدة جهات متماثلة مع “حماس القدس″. فقط قبل ثلاثة اشهر أغلق “الشباك” والشرطة ثلاثة روابط اقيمت من قبل الجناح الشمالي في الناصرة، وأعلن وزير الدفاع عنها كاتحادات غير مسموح بها. في “الشباك” قالوا إن نشاطها ايضا الممولة استهدفت ضعضعة أمن زوار الجبل والتسبب بالتصعيد وخرق النظام من خلال المس بسيادة اسرائيل في المكان.

النشاطات في الناصرة نجحت في تقليص حجم نشاط المرابطات في جبل الهيكل، ولكن في الاسابيع الاخيرة اصبحن المرابطات يقلقن الشرطة والزوار. في بداية الاسبوع حددت زيارات اليهود في الجبل، بعد أن تمت مهاجمة احداها في المكان من قبل عرب من سلوان. اعتقلت الشرطة اثنين من المهاجمين.
يافطات تحذير
نائب المفتش العام للشرطة، آسي اهاروني، المتحدث باسم شرطة القدس، صادق على أنه بعد هبوط كبير في نشاطات المرابطات فقد تجددت في الآونة الاخيرة. “عندما يتم تنفيذ خرق جنائي فاننا نعالجه. احيانا نحن نعرف مسبقا عن اعمال شغب يتم التخطيط لها ونقوم بمنعها. احيانا نعالجها اثناء حدوثها واحيانا، لاعتبارات عملياتية، نقوم باعتقال المشاركين فيها بعد فترة”.
العمل مع سلطة الاثار يعتبره نائب المفتش انه “تعاون كامل، لا يتم اخفاء شيء عنهم”، ويضيف “كل الاعمال يتم القيام بها حسب المصادقات المطلوبة. عندما يطلبون فحص أي شيء – يأتون ويفحصون”.
ولكن رغم هذه الامور فان سلطة الاثار لا تعمل في جبل الهيكل كما في أي مكان آخر في الدولة. هي خاضعة ليس فقط لمدير عام السلطة، الذي في الاسبوع الماضي هدد باستخراج أمر وقف اعمال الاوقاف اذا لم تسمح لرجاله بالدخول الى قبة الصخرة، ولكن ايضا مكتب المستشار القانوني للحكومة ومكتب رئيس الحكومة الذي يشرف مباشرة على ما يحدث في الجبل.
مركز الشرطة في جبل الهيكل الذي تم احراقه قبل ثمانية اشهر تم ترميمه لكنه ما زال لا يعمل. مقارنة مع النصف الثاني من 2014، فان عدد حالات خرق النظام في القدس تقلص بصورة دراماتية، لكن المنطقة ما تزال غير هادئة. من حين الى آخر وفي الاساس في منطقة التماس تحدث احداث القاء الحجارة. حادث الدهس الذي قتل فيه شالوم شركي يعتبر مثل اعمال دهس مشابهة، كعمل فردي، لا تقف خلفه منظمة. “الشباك” يفحص الان فيما اذا كان قد استلهم من الفوران الموجود في جبل الهيكل ومن نداءات التحريض “الاقصى في خطر” كما اتضح في عمليات الدهس السابقة في القدس. في هذه الاثناء يواصل رجال الدين المسلمين في جبل الهيكل اشعال النفوس، وحول الصراع المتعلق بالوعي على جبل الهيكل تتطور ايضا حرب اليافطات. مفتي القدس الشيخ محمد حسين حذر قبل بضعة اسابيع من وضع يافطة من قبل “بلدية الاحتلال” بالقرب من باب الناظر مكتوب عليها “جبل الهيكل”. بالنسبة للمسلمين يسمى جيل الهيكل “الحرم القدسي الشريف”، هم ينفون الان ايضا الاسم العبري للمكان كما هو الامر بالنسبة للهيكل الذي يسمونه “المزعوم” (المتخيل).
مسالة وضع اليافطات حدثت ايضا في حائط المبكى الصغير – قطعة من الحائط الغربي قرب باب الحديد، احد ابواب الدخول الى الجبل. يافطة وضعتها البلدية تشير ببعض الجمل وبثلاث لغات، العبرية العربية والانجليزية، ما هو حائط المبكى الصغير، هذه اليافطة ازيلت من مكانها في ظروف غامضة، لكنها مرتبطة كما يبدو بتحفظ المسلمين منها. في المقابل فقد تم في المدينة القديمة تدمير سطور بالعربية كتبت على يافطات اسماء شوارع ومواقع اخرى في البلدة القديمة.
في زياراته المتواصلة للجبل قبل 23 سنة وثق كاوفمان اشياء اثرية دمرت، أو غطيت بالتراب او طمست لعدم معرفة في جبل الهيكل. لقد زعم ان الاوقاف تعمل فقط بالقطارة. اليوم وبعد تقرير خطير لمراقب الدولة (الذي حظر نشر معظمه بصورة مستغربة)، وبعد سنوات من مشاركة الجناح الشمالي للحركة الاسلامية فيما يجري في الجبل، يمكن القول انه في كل ما يتعلق بالاضرار بالاثار في الجبل، فان المسلمين يعملون فقط من حين الى آخر دون قصد. تقريبا لا يوجد شيء صدفة في جبل الهيكل والذي يدور فيه الآن صراع ليس فقط على السيطرة في المكان ولكن ايضا على السيطرة على الوعي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ