Haneen
2015-06-28, 10:22 AM
وهم التقسيم
تقسيم القدس لن يفيد والحجج الديمغرافية والأمنية التي تطرح من أجله مرفوضة
بقلم:نداف شرغاي،عن اسرائيل اليوم
المضمون:( يهاجم الكاتب اتفاقية اوسلو، ويشير انها تسببت بعدد من العلميات داخل اسرائيل، كما انها تسببت في زيادة معاناة الشعب الفلسطيني، كما يدعي ان تقسيم القدس غير مفيد وبعيد عن الواقع)
قبل أكثر من عشرين عاما تعرضت النخبة السياسية والامنية في دولة اسرائيل إلى ضعف في البصر عندما وقعت على اتفاقات اوسلو. النتيجة كانت تراجيديا: أكثر من 15 ألف عملية تخريبية وعدائية ضد دولة اسرائيل، أكثر من 1500 اسرائيلي قتلوا، آلاف الجرحى ومعاناة كبيرة ايضا للسكان الفلسطينيين. تقسيم القدس، كما يُظهر هذا البحث، سيجر على القدس كارثة مشابهة وربما أشد.
قبل الاختلاف الديني، التاريخي والقومي، فان امكانية تقسيم القدس ببساطة هي أمر بعيد عن الواقع، وقبل النقاش حول العدالة والحقيقة التاريخية فان التقسيم بشكل عام ليس أمرا ذا صلة. هو ربما يمكن على الورق وبرسم خط على الخارطة ولكن ليس على الارض.
مؤيدو التقسيم يطرحون حجتين مركزيتين لصالح ذلك: حجة ديمغرافية وحجة أمنية. الحجة الديمغرافية تمس بالحاجة إلى حماية الاغلبية اليهودية في القدس بواسطة فصل الاحياء العربية عنها. هذا «الانفصال» معروض كحتمية لا يمكن تجاوزها، ازاء مواصلة توجه تقلص الاغلبية اليهودية في المدينة وامكانية أن يتسارع هذا التوجه. الحجة الامنية تطرح على خلفية موجات العنف والإرهاب التي تخرج أكثر من مرة من الاحياء العربية في شرقي القدس. الحجة هي أن الفصل على هيئة تقسيم ستُحسن أمن السكان اليهود في المدينة. هذا المقال يريد تفنيد هاتين الفرضيتين الاساسيتين. تقسيم القدس وفصل الاحياء العربية عنها من شأنهما أن يجرا القدس إلى ضائقة امنية صعبة ومضاعفة، وأن يحولا الاحياء اليهودية إلى أكثر عرضة للضرر وبمعقولية كبيرة ـ حتى أنها ستمنع معالجة امنية استخبارية يومية ومركزة للإرهاب الفلسطيني والإسلامي. هذا الإرهاب، يصرح الذين يوجهوه منذ اليوم، لن يتوقف بعد التقسيم. اضافة إلى ذلك: التقسيم، هكذا سنجد، ليس فقط لن يكون جيدا بالنسبة للاغلبية اليهودية في القدس، لكن من شأنه الاضرار بها. المشكلة الديمغرافية قائمة ولكن هناك طرق أكثر شجاعة وأقل خطرا لمعالجتها، بدلا من الهرب منها وأن نجلب على القدس كارثة امنية وديمغرافية، لا سمح الله.
اليهود سيخرجون والعرب سيدخلون
القدس ـ لقد نسي الكثير منا ـ قُسمت مرة واحدة في الماضي، في 1948. في أعقاب أحداث الحرب وتقسيم المدينة ترك سكان كثيرون القدس. شرقي القدس تركه حوالي ثلث سكانه، 28 ألف ساكن معظمهم من العرب المسيحيين. غربي المدينة تركه حوالي ربع سكانه، 25 ألف شخص اغلبيتهم الساحقة من اليهود. فقط عدد منهم عاد إلى المدينة عند تحسن الوضع الامني.
تقسيم جديد – اليوم – سيحول العديد من الاحياء الواقعة على طول خط التماس الحالي إلى احياء حدودية، التي بمعقولية كبيرة ستعاني من العمليات، محاولات اطلاق النار، السرقة (فصل «المعنى الامني للتقسيم» يوضح ويفصل الكثير حول ذلك). بوارق لتوجه كهذا ظهرت في الصيف الاخير خلال أحداث «الانتفاضة المقدسية» في احياء بسغات زئيف، التي تعرضت لعدة احداث اطلاق نار من مخيم شعفاط وبالقرب منه.
في ظروف أشد وفي بداية سنوات الالفين ترك الكثير من سكان حي غيلو منازلهم، في الوقت الذي أطلقت فيه النار عليهم من بيت جالا المجاورة التي سُلمت للفلسطينيين. الحالة النفسية في الاحياء اليهودية التي أقيمت في القدس بعد 1967 شمال وجنوب وشرق الخط الاخضر القديم، تشير إلى وضع مشابه. الانفصال عن الاحياء العربية المجاورة من شأنه تحويل الاحياء اليهودية المجاورة لها اليوم إلى احياء حدودية و إلى خط حدود، ويؤدي إلى هجرة (هرب) اليهود من هذه الاحياء، مثلما حدث في القدس في 1948. في ظل عدم وجود ما يكفي من الشقق السكنية في القدس ونظرا لارتفاع اسعار السكن في المدينة، سيشق العديد من هؤلاء المهاجرين طريقهم إلى خارج المدينة، سواء إلى محيطها أو إلى مناطق أبعد. هذا يشكل خسارة ديمغرافية يهودية أولى وليس مكسبا ديمغرافيا.
في المقابل ـ تقسيم المدينة والانفصال عن الاحياء العربية سيؤدي إلى موجة هجرة اخرى لسكان عرب إلى الجانب الاسرائيلي من القدس. عملية مشابهة حدثت في السابق عند اقامة جدار الفصل في القدس. عشرات آلاف العرب انتقلوا إلى الجانب الاسرائيلي من الجدار كي لا يخسروا الحقوق الكثيرة التي يحصلون عليها من مكانة «ساكن» التي لديهم.
العرب الذين انتقلوا إلى الجانب الاسرائيلي لم يتحولوا إلى صهاينة. لقد أرادوا الحفاظ على التأمين الوطني وعلى الحقوق المختلفة والخدمات الصحية التي يتمتعون بها اليوم. هم أرادوا ايضا مواصلة وتأمين قدرتهم العالية على الوصول إلى أي مكان في اسرائيل، وحرية الحركة والتعبير ـ مستوى الأجر المرتفع الذي يتمتعون به في المناطق الاسرائيلية. في الجانب الفلسطيني من الجدار كل هذه المزايا مشكوك فيها أو غير موجودة بتاتا.
مثال على هذه العملية يتمثل في الارتفاع الحاد في عدد سكان الحي المقدسي العربي بيت حنينا بعد اقامة الجدار: بين سنوات 2000 ـ 2005 زاد عدد سكان بيت حنينا بـ 15.5 بالمئة، ولكن في السنوات الخمسة التالية بين 2005 ـ 2010 وبعد اقامة الجدار زاد عددهم بـ 39.5 بالمئة، وفي سنة 2012 كان يحتشد فيها (حسب معطيات المكتب المركزي للاحصاء) 34.840 انسان، وهذه خسارة ديمغرافية يهودية ثانية وليس مكسبا ديمغرافيا.
هكذا اذا من شأن فصل الاحياء العربية عن المدينة أن يخلق للجانب الثاني اليهودي عملية عكسية لما نريد: من جهة ترك عشرات آلاف اليهود لاحيائهم التي ستتحول إلى خط للحدود كما في 1948، ومن الجهة الاخرى تدفق عشرات آلاف العرب إلى الجانب الاسرائيلي من الجدار كما حدث عند بناء جدار الفصل في منتصف سنوات الالفين. العمليتان من شأنهما أن تكونا أعمق بعدة مرات مقارنة مع الماضي نظرا لعدد السكان الكبير اليوم: حوالي نصف مليون يهودي وحوالي 300 ألف عربي.
هناك تداعيات امنية لهجرة كهذه، وليس فقط ديمغرافية. اليوم يوجد هناك عدد قليل من العائلات العربية تنتقل للسكن داخل الاحياء اليهودية في مناطق تلامس الاحياء العربية. هذه الظاهرة موجودة في قمة العاصمة، التلة الفرنسية ونفيه يعقوب وبسغات زئيف وقصر المندوب السامي. حسب معطيات المكتب المركزي للاحصاء في سنة 2010 كان يسكن 3.378 عربي لا يحملون الجنسية الاسرائيلية ولديهم مكانة ساكن في احياء في القدس توجد فيها اغلبية يهودية. في حين أن فقط 2.537 يهودي كانوا يسكنون داخل الاحياء في القدس التي فيها اغلبية عربية.
لا توجد شقق في القدس
في كل الاحوال كيف يتعاملون مع الانخفاض المتواصل في نسبة السكان اليهود في القدس؛ مع وجود امكانية أنه بعد فترة قصيرة ربما يصبح العرب هنا اغلبية؟ الحقائق القاسية تشير إلى أن المسؤول المباشر عن الانخفاض الديمغرافي المتواصل لليهود في القدس في الاساس هو المغادرة الكبيرة لليهود للقدس، وبصورة أقل الزيادة الطبيعية العالية للسكان العرب.
حوالي 18 ألف يهودي يغادرون المدينة كل سنة، وفقط حوالي 10 آلاف يأتون للسكن فيها. في السنوات الـ 22 الاخيرة غادر المدينة حوالي 370 ألف يهودي. لو بقي فقط نصفهم في القدس لكان يسكن المدينة اليوم على الاقل 150 ألف يهودي آخر. كذلك ايضا بالنسبة للمستقبل: اذا ترك المدينة في السنوات العشرة القادمة «فقط» 10 آلاف من سكانها اليهود سنويا، مثل عدد الداخلين اليها، فان وضعنا الديمغرافي سيكون أفضل بصورة لا تقدر.
الجانب اليهودي في القدس بالفعل أخذ في السنوات الاخيرة القيادة مقابل الجانب العربي في بنود الزيادة الطبيعية ونسبة الخصوبة وأحدث ثورة. مع ذلك هذا التغيير لا يؤمن زيادة مجددة للاغلبية اليهودية، نظرا لأنه لا يوجد اماكن سكن للمجتمع اليهودي في المدينة.
مرارا وتكرار تبين البحوث أن السبب الاساسي للمغادرة هو النقص الشديد في الشقق والثمن المرتفع للرصيد القليل القائم. في القدس بني في العقد الاخير حوالي 2000 شقة في المتوسط سنويا، في حين أن الطلب السنوي يصل إلى أكثر من 4 آلاف. ويؤثر على تقليص البناء ضغوط سياسية لا تستطيع اسرائيل الصمود في وجهها وكذلك نضال هيئات خضراء. استطلاع اجراه مؤخرا معهد القدس لبحوث اسرائيل لصالح مكتب شؤون القدس اظهر أنه في وسط القطاعات الثلاثة اليهودية في المدينة ـ العلماني والحريدي والمتدين ـ فان السكن هو السبب المركزي لترك القدس. كما أن صورة التاركين مقلقة: معظمهم من الشباب ومن ذوي الثقافة العالية، ايضا جمهور حريدي بأعداد تتزايد (وليس فقط علماني) يغادر القدس.
لكن ليس فقط الشقق هي السبب… عشرات القرارات الحكومية التي استهدفت تعزيز القدس كي تجذب اليها السكان، بقيت على الورق أو تم تطبيقها جزئيا فقط… البارز منها هو قرار نقل مكاتب حكومية ومؤسسات حكومية إلى القدس، تمثيلية تواصلت منذ سنوات طويلة. عشرات القرارات لم تنفذ، استهدفت تشجيع القادمين إلى المدينة بصورة مالية، وتحويل السكن في القدس إلى أمر مُجدي، وكذلك تحويل المشاريع في المدينة لتصبح مربحة. فحص تلك القرارات يبين، ضمن امور اخرى، أنه بدون مضاعفة البناء السنوي وتطبيق قرارات حكومية كثيرة هدفت إلى جذب السكان للمدينة، سيواصل الكثير من اليهود مغادرة القدس.
هناك مخططات اخرى يمكنها التأثير وحتى وقف توجه القضم المتواصل للاغلبية اليهودية الذي يصل اليوم إلى 62 بالمئة فقط. قبل بضع سنوات قررت الحكومة انشاء بلدية عليا وادخال فعليا (بصورة ادارية وليس سيادية) إلى داخل حدود القدس حوالي 120 ألف يهودي آخر. القرار لم ينفذ، الحديث يدور عن سكان يسكنون في حدود «القدس الكبرى»، في مستوطنات مثل معاليه ادوميم وبيتار وجفعات زئيف.
امكانية اخرى تطرح هنا لأول مرة هي اقامة سلطة محلية منفردة، بسيادة اسرائيلية، لسكان الاحياء العربية شمالي القدس الذين بقوا «خارج الجدار». رسميا يدور الحديث عن قدس تحت سيادة اسرائيل. عمليا الحديث عن مناطق «مباحة» التي يختفي منها جوانب عديدة من السلطة والسيادة الاسرائيلية. ايضا بلدية القدس لا تعمل في تلك المناطق ولا تعطي لسكانها الخدمات التي يحتاجونها. حتى رئيس بلدية القدس نير بركان يطالب بالانفصال عن هذه الاحياء.
من عملية كهذه يمكننا جميعا أن نكسب: اقامة سلطة كهذه ستزيل من حدود المدينة عشرات آلاف العرب بدون سحب بطاقة هوية «ساكن» التي يحملونها، وبدون أن تتغير السيادة الاسرائيلية في المنطقة، وبصورة يقل فيها العبء الاقتصادي على بلدية القدس من جانب، ومن الجانب الآخر تزيد المكافأة الاقتصادية للعرب الذين من اجلهم سيقام مجلس محلي مستقل.
عملية اسرائيلية اخرى مطلوبة هي زيادة مرونة الشروط التي تُمكن العربي من شرقي القدس من الحفاظ على مكانة «الساكن»، ايضا حتى لو كانوا يعيشون اليوم خارج المدينة. اليوم تسارع اسرائيل إلى سحب بطاقات هوية «الساكن» والافضليات التي ترتبط بها من سكان شرقي القدس الذين لا يسكنون في حدود القدس. هذه السياسة تشجع عودة العرب المقدسيين، الذين هم ليسوا مقدسيين بالفعل، إلى داخل المدينة. اذا تصرفت اسرائيل بصورة مختلفة فانها تزيل للكثير من العرب الحاجة للعودة والسكن في حدود القدس نظرا لأنهم لن يخافوا من فقدان الحقوق المترتبة على مكانة «الساكن» التي لديهم.
اغراء اطلاق النار علينا
في القدس، أوهام الديمغرافيا هي فقط جزء من وهم التقسيم. ايضا فيما بعد تقسيم المدينة، هكذا وجد (والبحث يتوسع حول ذلك) ستظل هناك رغبة قوية في اوساط فلسطينيين كثيرين لمواصلة تنفيذ الاعمال الإرهابية واطلاق النار على الاحياء اليهودية في القدس المقسمة. لكن ما بعد التقسيم ستكون الاهداف اليهودية في متناول اليد بصورة اكبر وقريبة اكثر وامكانية اصابتها ستكون واسعة وعميقة. في المقابل ـ امكانية احباط اطلاق النار والعمليات ستكون أقل كثيرا وأصعب كثيرا. وستزيد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى السلاح والوسائل القتالية ايضا.
التقسيم سيكشف مئات آلاف السكان اليهود على طول الخط الجديد لخطر ملموس من اطلاق النار من الاسلحة. الخفيفة والرشاشات، من مسافة عشرات إلى مئات الامتار ـ المسافة بين الاحياء العربية واليهودية. في الماضي اطلق فلسطينيون النار من بيت جالا وبيت لحم على غيلو. اطلاق النار تواصل بصورة متقطعة لاربع سنوات. خط التقسيم الذي يُقدر طوله بـ 46 كم سيكشف أمام نيران مشابهة سكان يهود في قطاع اوسع بعدة مرات وبمعدل عمليات اكبر. التقسيم من شأنه أن يكشف احياء يهودية ايضا لاطلاق قذائف وصواريخ تحاول حماس منذ الآن تهريبها إلى حدود الضفة الغربية، وكذلك عملت على تطويرها وانتاجها هناك.
كما أن الافتراض ما بعد التقسيم بأن مستوى دافعية اعلى لدى فلسطينيين كثيرين لمواصلة المس بالقدس سيستمر، هذا الافتراض يرتكز على عدد من الحقائق.
-اغلبية الفلسطينيين في يهودا والسامرة يعتبرون انفسهم طوال سنوات، في الاستطلاعات المتكررة، بأنهم يدعمون العمليات الإرهابية في القدس وانهم لا يتنازلون عن تطبيق «حق العودة» وبرنامج المراحل، ايضا في القدس. ممثلون من السلطة الفلسطينية أعدوا منذ سنوات قوائم للممتلكات العربية غربي القدس (7 آلاف مبنى) التي يطالبون باعادتها للفلسطينيين، في القدس ضعفت في السنوات الأخيرة قوة السلطة الفلسطينية وفتح وزادت قوة حماس وحركة حزب التحرير المعارضة لكل تسوية في المدينة.
-في الماضي غير البعيد كانت السلطة الفلسطينية شريكة في الإرهاب وتملصت من العمل ضده. ايضا اليوم فان تعاون السلطة في وقف الإرهاب محدود، وهو متأثر بالحاجة الداخلية للحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني وعلى علاقات معقولة مع حماس.
-على مدى سنوات استنفد نصيب عرب شرقي القدس في وظائف التعامل (جمع معلومات استخبارية واختيار اهداف ممكنة)، لكن منذ الانتفاضة الثانية فانهم يأخذون دور مركزي في تنفيذ العمليات الإرهابية في القدس، ودورهم في تنفيذ مباشر للإرهاب في القدس زاد بدرجة بارزة.
مواصلة السيطرة الامنية الاسرائيلية في الاحياء والقرى في شرقي القدس أمر حيوي. وفي الاساس من اجل احباط اطلاق النار من الاسلحة الخفيفة من هذه الاحياء باتجاه احياء يهودية. هذا الخطر تجسد، كما اسلفنا، في اطلاق النار المتواصل في السنوات 2000 ـ 2004، من بيت جالا التي سلمتها اسرائيل للفلسطينيين، على غيلو المجاورة لها. في المقابل، احداث اطلاق النار من مخيم اللاجئين شعفاط على حي بسغات زئيف خلال «الانتفاضة المقدسية» كانت فردية، ولم يكن اطلاق النار منهجيا.
السبب في الفرق واضح: الحضور الاسرائيلي في شعفاط حتى لو كان محدودا مقابل غيابه في بيت جالا. الامر يمثل جيدا إلى أي درجة تعتبر مواصلة السيطرة حيوية امنيا واستخباريا في الاحياء العربية في القدس.
صحيح أن عشرات من عرب شرقي القدس نفذوا في السنوات الاخيرة اعمال خطيرة في المدينة، لكن عمليات عديدة اكثر بعدة مرات ـ المئات في عددها ـ احبطت قبل تنفيذها بسبب الحضور الاستخباري والامني الاسرائيلي في قرى واحياء شرقي القدس. تقسيم المدينة لن يُمكن حضورا امنيا واستخباريا من هذا النوع.
صحيح ايضا أن اسرائيل اخطأت طوال سنوات في علاقتها مع سكان شرقي القدس. فهي لم تتعامل مع احتياجاتهم البلدية وميزت ضدهم مقارنة بالاحياء اليهودية.اسرائيل لا تستطيع أن تمسك الحبل من الطرفين: أن تزعم السيادة على كل مناطق القدس الكاملة والموحدة وأن تتعامل مع عدد من سكانها العرب على أنهم زيادة تافهة. ليس بالامكان ان نطالب فقط بالارض ونهمل احتياجات السكان. اضافة إلى ذلك، فان هذا الاهمال والحاجة إلى الاصلاحات لا تستطيع ان تمنح الشرعية للخطأ الكبير المضاعف ـ تقسيم القدس. أنت لا تستطيع اصلاح خطأ واحد مهما كان كبيرا بواسطة خطأ آخر أصعب منه بأضعاف.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
عن الانجازات والاخطاء
تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يزداد قوة عليه اتخاذ قرار وجهته القادمة
بقلم:يعقوب عميدرور،عن اسرائيل اليوم
المضمون:( يتحدث الكاتب عن الأحداث التي ممكن ان تحدث بعد سيطرة داعش على اماكن واسعة من العراق وسوريا، من حيث الاستعداد لتلقي ضربات من الجيش العراقي، ومن باقي السكان)
في الاونة الاخيرة يبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية داعش نجح في مراكمة انجازات جيوغرافية ذات أهمية كبيرة. هذه الانجازات ستؤدي إلى أن يسيطر التنظيم على مساحة واسعة تمتد من غرب ومن هناك إلى الحدود السورية من خلال تعزيز سيطرته في شمال وشرق الدولة السورية المتفككة. احتلال الرمادي في العراق الواقعة على بعد مرمى قوس من العاصمة العراقية في الغرب، وتدمر الواقعة في قلب شمال سوريا يشكل قاعدة لخطوات مستقبلية ذات أهمية أكبر.
لا يجب أن نندهش اذا احتاج التنظيم وقت ما من اجل «هضم» هذه المناطق الجديدة التي احتلها وذلك للتعامل مع المجتمع الذي يمكن أن يعارضه ـ اذا بقي مجتمع كهذا، لتعزيز السيطرة على باقي السكان والاستعداد للهجومات المضادة للجيش السوري والعراقي وقوات شعبية مساعدة.
يبدو أنهم في العراق وسوريا، والأهم في الولايات المتحدة، يدركون أن مرحلة الهجمات المضادة من شأنها أن تتضح كحاسمة. اذا نجح التنظيم في صد هذه الهجمات فمن الصعب رؤية ما سيوقفه في المستقبل، باستثناء تدخل اكبر من الجيش الأمريكي بما في ذلك وحدات برية كبيرة. بعد الهجمات المضادة، منذ اللحظة التي يشعر فيها التنظيم بالثقة بالنفس في المجال الجديد، لا يمكن معرفة السرعة التي سيصل فيها لذلك، فانه سيقف أمام المعضلة الكامنة في اوضاع كهذه. ماذا بعد؟ من طبيعته فان تنظيم كهذا لا يستطيع الامتناع عن العمل لفترة طويلة، فهو يحتاج إلى مواصلة الحركة، وهو متعطش لانتصارات اخرى ويخاف من البرجزة التي من شأنها الامساك به بعد فترة من الهدوء.
التنظيم ما زال موجودا في مرحلة ديناميكية، وفترة الزخم. هناك اربع امكانيات عمل امام التنظيم، ولا أحد يعرف أيها سيختار زعماءه. يمكن أنه حتى هم ما زالوا لم يبلوروا رأيهم وليسوا ناضجين لاتخاذ قرار على الاقل حتى تتضح نتائج الهجمات المضادة اذا نفذت.
الجهد الطبيعي القادم يمكن أن يكون باتجاه بغداد من اجل تعزيز السيطرة على كل ما هو في غرب العاصمة العراقية. الهدف سيكون المس بصورة شديدة بقدرة عمل الحكومة الشيعية في المناطق السنية التي احتلها التنظيم حتى الآن، وحتى التسبب بالانهيار الكامل للنظام الحالي في العراق.
لا يوجد شك أن عملية كهذه ستُدخل الشيعة المسيطرين على العاصمة وحلفاؤهم الإيرانيين في ضغط لأنه اذا اقترب تنظيم كهذا من المناطق المكتظة بالسكان الشيعة ومناطق مقدسة جدا بالنسبة لهم، فان الشيعة يرون في انفسهم «مذبحة كبرى». لهذا ليس هناك شك أن خطوة كهذه اذا نجحت فستضع الإيرانيين امام قرار صعب، وفي الاساس قرار هل ستتدخل عسكريا بصورة مباشرة.
في العراق توجد للتنظيم امكانية عمل اخرى، في الشمال تجاه كردستان. اذا نجح في السيطرة على المناطق التي منها يستخرج الاكراد النفط، فانه سيحظى بنجاح كبير يُمكنه من ادارة دولة ستخلق ضغط كبير على تركيا، الآن يبدو هذا مغريا لأن الغرب لم يهتم بتسليح الاكراد كما يجب، وهم الوحيدون الذين حاربوا حتى الآن بصورة تستحق التقدير ضد التنظيم.
يمكن ايضا أنه بعد النجاح الكبير في العراق، سيفضل التنظيم تعزيز سيطرته في شمال سوريا، أي الوصول إلى السيطرة على حلب وحمص. هذا مخطط طموح من ناحية مصير المجال الجيوغرافي. لكن هناك كما يبدو ستكون معارضة أقل مما سيكون في مدينة كبيرة مثل بغداد أو ضد الاكراد المصممين.
اذا نجح في ذلك فهو سيحسن جدا امكانياته للعمل بعد ذلك ضد الاكراد، وفي الاساس الجناح السوري له. في سوريا سيقف امام التنظيم في الاساس الجيش المنهك للرئيس الاسد، وربما بالتحديد في هذه المنطقة ستنضم إلى داعش منظمات سنية اخرى من اوساط ما يسمى جيش المتمردين، وسيحظى بالشرعية من السكان المحليين. عملية كهذه يمكنها ان تؤدي إلى تغيير دراماتي في مكانة الاسد وتجبر حزب الله على مد قواته على مساحات اطول. إن خسارة الجبهة الاستراتيجية لحزب الله ووجود مبغضيه السنة في الجبهة الداخلية لمركز الاقلية العلوية في اللاذقية، تفسيرها هو تهديد منطقة حيوية لحزب الله، وتهديد مكانة الإيرانيين في سوريا، وبعد ذلك في لبنان.
من اجل الحفاظ على الامرين سيعمل الإيرانيون وحزب الله تقريبا كل ما في استطاعتهما لأنه بالنسبة لهما هذا يعتبر تهديدا وجوديا. اذا وصل تنظيم الدولة الإسلامية إلى السيطرة الكاملة على المناطق العلوية أو الشيعية ـ فانه سيدمرهم جميعا هناك. هذه مواجهة حياة أو موت. وهذا الامر واضح للجميع.
الخيار الطموح
هناك امكانية رابعة تبدو اقل جاذبية في هذا الوقت، لهذا فانها اقل معقولية لكنها غير مستبعدة. يمكن انه من اجل الامتناع عن المواجهة مع الشيعة حول بغداد او مع يأس العلويين وحزب الله في الطريق إلى دمشق، سيوجه التنظيم جهوده باتجاه عمان. في الاردن كل السكان من السنة، و بعضهم يمكن ان يثير تاييدا للتنظيم السني الجدي العامل كما يبدو باسم السنة الموجودين في ضائقة ازاء الديناميات الشيعية في الشرق الاوسط.
التنظيم يمكنه التقدير أنه في مواجهة الاردن سيسهل عليه العمل واذا نجح في ذلك فستمهد له الطريق نحو السعودية ـ جوهرة تاج العالم الإسلامي. السعودية هي الهدف الذي يحلم به كل من يتحدث عن الخلافة الإسلامية، بسبب أنه توجد فيها المدينتين المقدستين لكل مسلم. في العمل ضد الاردن يمكن للتنظيم أن يدمج عملية عسكرية مع محاولة للتأثير على المملكة من الداخل من خلال استخدام المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت في الاردن ازاء هرب اللاجئين من سوريا إلى الاردن.
نجاح التنظيم في الاردن يبدو اليوم بعيد جدا. الجيش الاردني، خلافا لجيشي العراق وسوريا، هو جيش مهني وجدي. وهذه العملية تحظى بشرعية وحتى بشعبية كبيرة في اوساط الاردنيين. الاردن ليس صيدا سهلا وبالتأكيد أنه سيحظى بالمساعدة من كل من يهمهم استقرار المملكة.
على كل حال، واضح أن التدخل الأمريكي حتى الآن لم يقرب الولايات المتحدة من الهدف الذي حدده الرئيس اوباما: تدمير التنظيم.
لكن العكس هو الصحيح ـ التنظيم تعزز ووسع سيطرته منذ أن شنت عليه الولايات المتحدة الحرب. الاحتمال الاخير للولايات المتحدة لمواصلة سياستها الحالية، أي الامتناع عن تدخل القوات البرية الأمريكية، يرتبط بقدرتها على تقديم المساعدة للجيش العراقي في الهجوم الذي تتعهد بتنفيذه، بصورة غير مباشرة وربما بمساعدة الجيش السوري.
المراجعة الأمريكية للذات ستجري بعد هذه المعارك عندما يكون واضحا اكثر اذا كانت النجاحات الاخيرة للتنظيم هي مجرد ارتفاع وهبوط عادي في مواجهات من هذا النوع، أو انها تضعه في مستوى مختلف ويقوم باستغلال الزخم من اجل التقدم باتجاه اهداف اكثر طموحا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
حرب الوجود لنصرالله
طهران غير راضية عن أداء أمين عام حزب الله في سوريا وتفكر باستبداله
بقلم:تسفي بارئيل،عن هآرتس
المضمون:( يقول الكاتب أن طهران غير راضية عن قيادة نصرالله لحزب الله في سوريا في ضوء الخسائر هناك، ويفكرون باستبداله كما أن الحزب يتعرض للانتقاد الشديد داخل لبنان (http://www.raialyoum.com/?p=264369))
أصبحت مدينة عرسال في شرق لبنان، على الحدود السورية، في السنة الاخيرة سجنا لنحو 40 الف مواطن لبناني وعدد آخر كهذا من اللاجئين السوريين الذين فروا اليها من المعارك في بلادهم. هذه المدينة الشهيرة بصناعة السجاد محوطة الان من كل جوانبها بالقوات العسكرية. في الغرب يطل عليها جيش لبنان، اما في الشرق، فتتواجد قوات الميليشيات السورية، بما فيها جبهة النصرة المتفرعة عن القاعدة وقوات تنظيم الدولة. عرسال، التي معظم سكانها من السنة كانت على مدى المعارك في سوريا مركزا لوجستيا هاما للثوار، ولا سيما للجيش السوري الحر، الذي اقام فيها مستشفى طوارىء لجرحاه. كما كانت عرسال المنطقة اللبنانية الوحيدة التي اصطدم فيها الجيش اللبناني بقوات الثوار السوريين، في آب الماضي. وبعد معارك عنيفة أسر فيها نحو 25 جنديا لبنانيا، انسحبت الميليشيات إلى اطراف المدينة، ولكنها لا تزال تحاصرها. وفي الايام الاخيرة اصبحت عرسال مركزا لخلاف حاد داخل لبنان، بين حزب الله والجيش اللبناني وسكان المدينة.
هدد زعيم حزب الله، حسن نصرالله هذا الاسبوع من انه اذا لم يحرر الجيش اللبناني عرسال، فان منظمته ستفعل ذلك. وتحذر كتلة المستقبل بقيادة سعد الحريري، خصم نصرالله، وبعض من اعضاء الحكومة، نصرالله من العمل في عرسال وذلك لان الدفاع عن الاراضي اللبنانية هو من مسؤولية الجيش. ولكن هذا ليس خلافا على الصلاحيات بل تعبير عن الخوف من آثار دخول حزب الله إلى المدينة على الوضع في لبنان.
ان احتلال حزب الله لمدينة سنية من شأنه ان يشعل من جديد حربا طائفية داخل لبنان المنشق بين المؤيدين لتدخل حزب الله في الحرب في سوريا وبين من يتهمون المنظمة باستيراد الحرب إلى داخل الاراضي اللبنانية. وتعبير عن هذا الخلاف هو تراشق الكلام القاسي بين وزير العدل اشرف الريفي، رجل كتلة المستقبل، وبين مندوب حزب الله محمد رعد، والذي اقتبسته بتوسع وسائل الإعلام اللبنانية. «نحن نعرف جيدا الجرائم التي ارتكبها حزبه، داخل لبنان او خارجه»، اتهم الريفي رعد، «انا واثق انك ستحاسب على كل جريمة ارتكبتها وتلك التي سترتكبها». اما رعد فلم يصمت. «الريفي يريد أن يدمر ما يسميه الدولة التي اقامها حزب الله بينما في نفس الوقت اقام دولته الصغيرة في مدينة طرابلس». طرابلس، التي جاء منها الريفي، هي مدينة سنية في معظمها مع تجمع كبير من اللاجئين السنة والمواطنين المعارضين لحزب الله.
ان الضغوط اللبنانية الداخلية التي يتعرض لها حزب الله تضاف إلى الخسائر التي يصاب بها في المعارك في جبال القلمون، على الحدود السورية اللبنانية، من جانب جيش الفتح الذي تتجمع فيه مجموعة من الميليشيات بما فيها جبهة النصرة. وحسب تقارير تصل من إيران، فثمة هناك عدم رضى من الشكل الذي يدير فيه نصرالله المعركة العسكرية ومن انه لا يمكنه أن يخرج من مخبئه لزيارة القوات التي تقاتل ورفع معنوياتها. وحسب تلك التقارير، فقد طرحت فكرة استبداله بقائد آخر وتعيينه «موجه أعلى» لحزب الله ولكن دون صلاحيات قيادة في الميدان. بل ان إيران جمدت سلسلة تعيينات اراد نصرالله القيام بها في القيادة في جنوب لبنان وفي منطقة بعلبك في شرق لبنان إلى أن يتفق على التعيينات الجديدة في قيادة المنظمة.
إلى جانب هذا الخلاف اندلع خلاف داخلي بين نصرالله وبين نائبه نعيم قاسم الذي يرى نفسه مرشحا لخلافة نصرالله ـ وهذا ايضا على خلفية التعيينات في المنظمة. من الصعب حصر عدد قتلى المنظمة في المعارك في سوريا: تتراوح التقديرات بين بضع مئات ونحو 3 الاف قتيل ونحو 4 الاف جريح. يبدو أن الارقام الكبرى اقرب إلى الحقيقة، وذلك لان نصرالله يحاول مؤخرا تجنيد مقاتلين من كل من يتيسر. وهكذا، مثلا، فقد أقام في الاونة الاخيرة كتيبة مسيحية في المنظمة، يمولها ويسلحها؛ ويحاول تجنيد فلسطينيين من مخيمات اللاجئين للحرب في سوريا، مقابل 400 دولار في الشهر، وشباب شيعة ليسوا اعضاء في المنظمة.
وفي نفس الوقت تروي التقارير عن ضعف الانضباط في صفوف مقاتلي حزب الله، عن سرقة السلاح من مخازن المنظمة وبيعه، عن تحويل مكثف للاموال إلى بنوك في اوروبا وعن نية المنظمة استيضاح مصير المساعدة المالية الهائلة التي حولت إلى المنظمة. في خطاب القاه نصرالله هذا الاسبوع، بمناسبة يوم تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، أوضح بان «التهديد علينا هو تهديد وجودي. امامنا ثلاثة خيارات. توسيع القتال والقتال اكثر مما قاتلنا في السنوات الاربعة الماضية؛ الاستسلام والذبح؛ او التوزع في دول العالم مهانين وننتقل من نكبة إلى نكبة». ومع انه قال انه لا يدعو حاليا إلى التجنيد العام، ولكن مثل هذه الدعوة كفيلة بان تأتي قريبا.
لا تؤثر اقوال نصرالله اليائسة على قسم كبير من اللبنانيين، بمن فيهم الكثير من الشيعة، الذين يخشون من أن تدخل حزب الله في سوريا سيجعل لبنان ميدان معركة. ما أغضب الشيعة ممن لا يؤيدونه كان ايضا الاهانة التي وجهها للزعماء الشيعة الذين يعارضون التدخل في سوريا. فقد وصف هؤلاء على لسانه بانهم «شيعة السفارة الأمريكية» و «الخونة»، التلميح بانهم يخدمون المصلحة الأمريكية وليس المصلحة الوطنية.
بعد وقت قصير من خطاب نصرالله فتح حساب تويتر شعبي ساخر تحت عنوان « إلى الامام نحو التجنيد العام»، غرد فيه مئات اللبنانيين عن نفورهم من دعوة نصرالله. وفي رسم نشر في الحساب يشبه نصرالله بعازف ناي يسير نحو البحر وفي اعقابه جراد في شكل جنوده، في الطريق إلى موتهم غرقا.
بالنسبة لنصرالله هذه بالفعل حرب وجودية. فاذا سقط الاسد، ستنتقل سوريا إلى سيطرة ميليشيات الثوار والتوقع هو ان في هذه الحالة ستقع في سوريا حرب أهلية متعددة الاطراف، مثل الحرب التي اندلعت في افغانستان بعد انتهاء الاحتلال السوفييتي. ولكن حتى ولو بالمعجزة وجد حل سياسي للنظام في سوريا، فلا خلاف في أنه سينصب نظاما جديدا يحاسب كل من تعاون مع الاسد، مثلما حصل في العراق بعد سقوط صدام حسين، وحزب الله سيبقى في حينه منقطعا دون ظهر عسكري ولوجستي. هذا هو التوقع الذي تخافه إيران. وفي قيادتها يجري الان البحث في مسألة استمرار الدعم للاسد. علنيا، إيران لم تغير سياستها وهي ستواصل منح النظام السوري المزيد من خطوط الائتمان التي تبقيه فوق سطح الماء. ولكن الاتفاق النووي مع إيران قد يحدث تغييرا في هذه السياسة، باتجاه انقاذ مكانتها ونفوذها في سوريا. إيران كفيلة بان تتنازل عن الاسد كي تضمن الا يتنكر لها كل نظام يقوم في سوريا والا يقطعها عن سوريا وعن لبنان.
كما ان إيران تفحص بتخوف الحلف الجديد بين السعودية وتركيا والذي يستهدف اسقاط الاسد إلى جانب الصراع ضد داعش. هذا الحلف يبث منذ الان ريح اسناد قوية في اوساط الثوار، الذين ابدوا في الايام الاخيرة قدرة عسكرية مثيرة للانطباع في عدة جبهات. إيران، التي بعثت بالمدربين وبالمال إلى الميليشيات الشيعية العاملة في العراق ضد داعش، وهكذا نصبت نفسها كحليف غير رسمي للولايات المتحدة والدول الاوروبية سيتعين عليها بعد التوقيع على الاتفاق ان تتخذ قرارات استراتيجية دراماتيكية. وهذه كفيلة بان تأتي على حساب حزب الله، اذا لم تنجح المنظمة في أن تثبت في الزمن القريب القادم بانها قادرة على أن تساعد الاسد في السيطرة على دولته أو على الاقل ان يقضي على الثوار في المناطق التي احتلوها. وهذا بالضبط ما خشاه سكان عرسال وباقي مواطني لبنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
تقسيم القدس لن يفيد والحجج الديمغرافية والأمنية التي تطرح من أجله مرفوضة
بقلم:نداف شرغاي،عن اسرائيل اليوم
المضمون:( يهاجم الكاتب اتفاقية اوسلو، ويشير انها تسببت بعدد من العلميات داخل اسرائيل، كما انها تسببت في زيادة معاناة الشعب الفلسطيني، كما يدعي ان تقسيم القدس غير مفيد وبعيد عن الواقع)
قبل أكثر من عشرين عاما تعرضت النخبة السياسية والامنية في دولة اسرائيل إلى ضعف في البصر عندما وقعت على اتفاقات اوسلو. النتيجة كانت تراجيديا: أكثر من 15 ألف عملية تخريبية وعدائية ضد دولة اسرائيل، أكثر من 1500 اسرائيلي قتلوا، آلاف الجرحى ومعاناة كبيرة ايضا للسكان الفلسطينيين. تقسيم القدس، كما يُظهر هذا البحث، سيجر على القدس كارثة مشابهة وربما أشد.
قبل الاختلاف الديني، التاريخي والقومي، فان امكانية تقسيم القدس ببساطة هي أمر بعيد عن الواقع، وقبل النقاش حول العدالة والحقيقة التاريخية فان التقسيم بشكل عام ليس أمرا ذا صلة. هو ربما يمكن على الورق وبرسم خط على الخارطة ولكن ليس على الارض.
مؤيدو التقسيم يطرحون حجتين مركزيتين لصالح ذلك: حجة ديمغرافية وحجة أمنية. الحجة الديمغرافية تمس بالحاجة إلى حماية الاغلبية اليهودية في القدس بواسطة فصل الاحياء العربية عنها. هذا «الانفصال» معروض كحتمية لا يمكن تجاوزها، ازاء مواصلة توجه تقلص الاغلبية اليهودية في المدينة وامكانية أن يتسارع هذا التوجه. الحجة الامنية تطرح على خلفية موجات العنف والإرهاب التي تخرج أكثر من مرة من الاحياء العربية في شرقي القدس. الحجة هي أن الفصل على هيئة تقسيم ستُحسن أمن السكان اليهود في المدينة. هذا المقال يريد تفنيد هاتين الفرضيتين الاساسيتين. تقسيم القدس وفصل الاحياء العربية عنها من شأنهما أن يجرا القدس إلى ضائقة امنية صعبة ومضاعفة، وأن يحولا الاحياء اليهودية إلى أكثر عرضة للضرر وبمعقولية كبيرة ـ حتى أنها ستمنع معالجة امنية استخبارية يومية ومركزة للإرهاب الفلسطيني والإسلامي. هذا الإرهاب، يصرح الذين يوجهوه منذ اليوم، لن يتوقف بعد التقسيم. اضافة إلى ذلك: التقسيم، هكذا سنجد، ليس فقط لن يكون جيدا بالنسبة للاغلبية اليهودية في القدس، لكن من شأنه الاضرار بها. المشكلة الديمغرافية قائمة ولكن هناك طرق أكثر شجاعة وأقل خطرا لمعالجتها، بدلا من الهرب منها وأن نجلب على القدس كارثة امنية وديمغرافية، لا سمح الله.
اليهود سيخرجون والعرب سيدخلون
القدس ـ لقد نسي الكثير منا ـ قُسمت مرة واحدة في الماضي، في 1948. في أعقاب أحداث الحرب وتقسيم المدينة ترك سكان كثيرون القدس. شرقي القدس تركه حوالي ثلث سكانه، 28 ألف ساكن معظمهم من العرب المسيحيين. غربي المدينة تركه حوالي ربع سكانه، 25 ألف شخص اغلبيتهم الساحقة من اليهود. فقط عدد منهم عاد إلى المدينة عند تحسن الوضع الامني.
تقسيم جديد – اليوم – سيحول العديد من الاحياء الواقعة على طول خط التماس الحالي إلى احياء حدودية، التي بمعقولية كبيرة ستعاني من العمليات، محاولات اطلاق النار، السرقة (فصل «المعنى الامني للتقسيم» يوضح ويفصل الكثير حول ذلك). بوارق لتوجه كهذا ظهرت في الصيف الاخير خلال أحداث «الانتفاضة المقدسية» في احياء بسغات زئيف، التي تعرضت لعدة احداث اطلاق نار من مخيم شعفاط وبالقرب منه.
في ظروف أشد وفي بداية سنوات الالفين ترك الكثير من سكان حي غيلو منازلهم، في الوقت الذي أطلقت فيه النار عليهم من بيت جالا المجاورة التي سُلمت للفلسطينيين. الحالة النفسية في الاحياء اليهودية التي أقيمت في القدس بعد 1967 شمال وجنوب وشرق الخط الاخضر القديم، تشير إلى وضع مشابه. الانفصال عن الاحياء العربية المجاورة من شأنه تحويل الاحياء اليهودية المجاورة لها اليوم إلى احياء حدودية و إلى خط حدود، ويؤدي إلى هجرة (هرب) اليهود من هذه الاحياء، مثلما حدث في القدس في 1948. في ظل عدم وجود ما يكفي من الشقق السكنية في القدس ونظرا لارتفاع اسعار السكن في المدينة، سيشق العديد من هؤلاء المهاجرين طريقهم إلى خارج المدينة، سواء إلى محيطها أو إلى مناطق أبعد. هذا يشكل خسارة ديمغرافية يهودية أولى وليس مكسبا ديمغرافيا.
في المقابل ـ تقسيم المدينة والانفصال عن الاحياء العربية سيؤدي إلى موجة هجرة اخرى لسكان عرب إلى الجانب الاسرائيلي من القدس. عملية مشابهة حدثت في السابق عند اقامة جدار الفصل في القدس. عشرات آلاف العرب انتقلوا إلى الجانب الاسرائيلي من الجدار كي لا يخسروا الحقوق الكثيرة التي يحصلون عليها من مكانة «ساكن» التي لديهم.
العرب الذين انتقلوا إلى الجانب الاسرائيلي لم يتحولوا إلى صهاينة. لقد أرادوا الحفاظ على التأمين الوطني وعلى الحقوق المختلفة والخدمات الصحية التي يتمتعون بها اليوم. هم أرادوا ايضا مواصلة وتأمين قدرتهم العالية على الوصول إلى أي مكان في اسرائيل، وحرية الحركة والتعبير ـ مستوى الأجر المرتفع الذي يتمتعون به في المناطق الاسرائيلية. في الجانب الفلسطيني من الجدار كل هذه المزايا مشكوك فيها أو غير موجودة بتاتا.
مثال على هذه العملية يتمثل في الارتفاع الحاد في عدد سكان الحي المقدسي العربي بيت حنينا بعد اقامة الجدار: بين سنوات 2000 ـ 2005 زاد عدد سكان بيت حنينا بـ 15.5 بالمئة، ولكن في السنوات الخمسة التالية بين 2005 ـ 2010 وبعد اقامة الجدار زاد عددهم بـ 39.5 بالمئة، وفي سنة 2012 كان يحتشد فيها (حسب معطيات المكتب المركزي للاحصاء) 34.840 انسان، وهذه خسارة ديمغرافية يهودية ثانية وليس مكسبا ديمغرافيا.
هكذا اذا من شأن فصل الاحياء العربية عن المدينة أن يخلق للجانب الثاني اليهودي عملية عكسية لما نريد: من جهة ترك عشرات آلاف اليهود لاحيائهم التي ستتحول إلى خط للحدود كما في 1948، ومن الجهة الاخرى تدفق عشرات آلاف العرب إلى الجانب الاسرائيلي من الجدار كما حدث عند بناء جدار الفصل في منتصف سنوات الالفين. العمليتان من شأنهما أن تكونا أعمق بعدة مرات مقارنة مع الماضي نظرا لعدد السكان الكبير اليوم: حوالي نصف مليون يهودي وحوالي 300 ألف عربي.
هناك تداعيات امنية لهجرة كهذه، وليس فقط ديمغرافية. اليوم يوجد هناك عدد قليل من العائلات العربية تنتقل للسكن داخل الاحياء اليهودية في مناطق تلامس الاحياء العربية. هذه الظاهرة موجودة في قمة العاصمة، التلة الفرنسية ونفيه يعقوب وبسغات زئيف وقصر المندوب السامي. حسب معطيات المكتب المركزي للاحصاء في سنة 2010 كان يسكن 3.378 عربي لا يحملون الجنسية الاسرائيلية ولديهم مكانة ساكن في احياء في القدس توجد فيها اغلبية يهودية. في حين أن فقط 2.537 يهودي كانوا يسكنون داخل الاحياء في القدس التي فيها اغلبية عربية.
لا توجد شقق في القدس
في كل الاحوال كيف يتعاملون مع الانخفاض المتواصل في نسبة السكان اليهود في القدس؛ مع وجود امكانية أنه بعد فترة قصيرة ربما يصبح العرب هنا اغلبية؟ الحقائق القاسية تشير إلى أن المسؤول المباشر عن الانخفاض الديمغرافي المتواصل لليهود في القدس في الاساس هو المغادرة الكبيرة لليهود للقدس، وبصورة أقل الزيادة الطبيعية العالية للسكان العرب.
حوالي 18 ألف يهودي يغادرون المدينة كل سنة، وفقط حوالي 10 آلاف يأتون للسكن فيها. في السنوات الـ 22 الاخيرة غادر المدينة حوالي 370 ألف يهودي. لو بقي فقط نصفهم في القدس لكان يسكن المدينة اليوم على الاقل 150 ألف يهودي آخر. كذلك ايضا بالنسبة للمستقبل: اذا ترك المدينة في السنوات العشرة القادمة «فقط» 10 آلاف من سكانها اليهود سنويا، مثل عدد الداخلين اليها، فان وضعنا الديمغرافي سيكون أفضل بصورة لا تقدر.
الجانب اليهودي في القدس بالفعل أخذ في السنوات الاخيرة القيادة مقابل الجانب العربي في بنود الزيادة الطبيعية ونسبة الخصوبة وأحدث ثورة. مع ذلك هذا التغيير لا يؤمن زيادة مجددة للاغلبية اليهودية، نظرا لأنه لا يوجد اماكن سكن للمجتمع اليهودي في المدينة.
مرارا وتكرار تبين البحوث أن السبب الاساسي للمغادرة هو النقص الشديد في الشقق والثمن المرتفع للرصيد القليل القائم. في القدس بني في العقد الاخير حوالي 2000 شقة في المتوسط سنويا، في حين أن الطلب السنوي يصل إلى أكثر من 4 آلاف. ويؤثر على تقليص البناء ضغوط سياسية لا تستطيع اسرائيل الصمود في وجهها وكذلك نضال هيئات خضراء. استطلاع اجراه مؤخرا معهد القدس لبحوث اسرائيل لصالح مكتب شؤون القدس اظهر أنه في وسط القطاعات الثلاثة اليهودية في المدينة ـ العلماني والحريدي والمتدين ـ فان السكن هو السبب المركزي لترك القدس. كما أن صورة التاركين مقلقة: معظمهم من الشباب ومن ذوي الثقافة العالية، ايضا جمهور حريدي بأعداد تتزايد (وليس فقط علماني) يغادر القدس.
لكن ليس فقط الشقق هي السبب… عشرات القرارات الحكومية التي استهدفت تعزيز القدس كي تجذب اليها السكان، بقيت على الورق أو تم تطبيقها جزئيا فقط… البارز منها هو قرار نقل مكاتب حكومية ومؤسسات حكومية إلى القدس، تمثيلية تواصلت منذ سنوات طويلة. عشرات القرارات لم تنفذ، استهدفت تشجيع القادمين إلى المدينة بصورة مالية، وتحويل السكن في القدس إلى أمر مُجدي، وكذلك تحويل المشاريع في المدينة لتصبح مربحة. فحص تلك القرارات يبين، ضمن امور اخرى، أنه بدون مضاعفة البناء السنوي وتطبيق قرارات حكومية كثيرة هدفت إلى جذب السكان للمدينة، سيواصل الكثير من اليهود مغادرة القدس.
هناك مخططات اخرى يمكنها التأثير وحتى وقف توجه القضم المتواصل للاغلبية اليهودية الذي يصل اليوم إلى 62 بالمئة فقط. قبل بضع سنوات قررت الحكومة انشاء بلدية عليا وادخال فعليا (بصورة ادارية وليس سيادية) إلى داخل حدود القدس حوالي 120 ألف يهودي آخر. القرار لم ينفذ، الحديث يدور عن سكان يسكنون في حدود «القدس الكبرى»، في مستوطنات مثل معاليه ادوميم وبيتار وجفعات زئيف.
امكانية اخرى تطرح هنا لأول مرة هي اقامة سلطة محلية منفردة، بسيادة اسرائيلية، لسكان الاحياء العربية شمالي القدس الذين بقوا «خارج الجدار». رسميا يدور الحديث عن قدس تحت سيادة اسرائيل. عمليا الحديث عن مناطق «مباحة» التي يختفي منها جوانب عديدة من السلطة والسيادة الاسرائيلية. ايضا بلدية القدس لا تعمل في تلك المناطق ولا تعطي لسكانها الخدمات التي يحتاجونها. حتى رئيس بلدية القدس نير بركان يطالب بالانفصال عن هذه الاحياء.
من عملية كهذه يمكننا جميعا أن نكسب: اقامة سلطة كهذه ستزيل من حدود المدينة عشرات آلاف العرب بدون سحب بطاقة هوية «ساكن» التي يحملونها، وبدون أن تتغير السيادة الاسرائيلية في المنطقة، وبصورة يقل فيها العبء الاقتصادي على بلدية القدس من جانب، ومن الجانب الآخر تزيد المكافأة الاقتصادية للعرب الذين من اجلهم سيقام مجلس محلي مستقل.
عملية اسرائيلية اخرى مطلوبة هي زيادة مرونة الشروط التي تُمكن العربي من شرقي القدس من الحفاظ على مكانة «الساكن»، ايضا حتى لو كانوا يعيشون اليوم خارج المدينة. اليوم تسارع اسرائيل إلى سحب بطاقات هوية «الساكن» والافضليات التي ترتبط بها من سكان شرقي القدس الذين لا يسكنون في حدود القدس. هذه السياسة تشجع عودة العرب المقدسيين، الذين هم ليسوا مقدسيين بالفعل، إلى داخل المدينة. اذا تصرفت اسرائيل بصورة مختلفة فانها تزيل للكثير من العرب الحاجة للعودة والسكن في حدود القدس نظرا لأنهم لن يخافوا من فقدان الحقوق المترتبة على مكانة «الساكن» التي لديهم.
اغراء اطلاق النار علينا
في القدس، أوهام الديمغرافيا هي فقط جزء من وهم التقسيم. ايضا فيما بعد تقسيم المدينة، هكذا وجد (والبحث يتوسع حول ذلك) ستظل هناك رغبة قوية في اوساط فلسطينيين كثيرين لمواصلة تنفيذ الاعمال الإرهابية واطلاق النار على الاحياء اليهودية في القدس المقسمة. لكن ما بعد التقسيم ستكون الاهداف اليهودية في متناول اليد بصورة اكبر وقريبة اكثر وامكانية اصابتها ستكون واسعة وعميقة. في المقابل ـ امكانية احباط اطلاق النار والعمليات ستكون أقل كثيرا وأصعب كثيرا. وستزيد قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى السلاح والوسائل القتالية ايضا.
التقسيم سيكشف مئات آلاف السكان اليهود على طول الخط الجديد لخطر ملموس من اطلاق النار من الاسلحة. الخفيفة والرشاشات، من مسافة عشرات إلى مئات الامتار ـ المسافة بين الاحياء العربية واليهودية. في الماضي اطلق فلسطينيون النار من بيت جالا وبيت لحم على غيلو. اطلاق النار تواصل بصورة متقطعة لاربع سنوات. خط التقسيم الذي يُقدر طوله بـ 46 كم سيكشف أمام نيران مشابهة سكان يهود في قطاع اوسع بعدة مرات وبمعدل عمليات اكبر. التقسيم من شأنه أن يكشف احياء يهودية ايضا لاطلاق قذائف وصواريخ تحاول حماس منذ الآن تهريبها إلى حدود الضفة الغربية، وكذلك عملت على تطويرها وانتاجها هناك.
كما أن الافتراض ما بعد التقسيم بأن مستوى دافعية اعلى لدى فلسطينيين كثيرين لمواصلة المس بالقدس سيستمر، هذا الافتراض يرتكز على عدد من الحقائق.
-اغلبية الفلسطينيين في يهودا والسامرة يعتبرون انفسهم طوال سنوات، في الاستطلاعات المتكررة، بأنهم يدعمون العمليات الإرهابية في القدس وانهم لا يتنازلون عن تطبيق «حق العودة» وبرنامج المراحل، ايضا في القدس. ممثلون من السلطة الفلسطينية أعدوا منذ سنوات قوائم للممتلكات العربية غربي القدس (7 آلاف مبنى) التي يطالبون باعادتها للفلسطينيين، في القدس ضعفت في السنوات الأخيرة قوة السلطة الفلسطينية وفتح وزادت قوة حماس وحركة حزب التحرير المعارضة لكل تسوية في المدينة.
-في الماضي غير البعيد كانت السلطة الفلسطينية شريكة في الإرهاب وتملصت من العمل ضده. ايضا اليوم فان تعاون السلطة في وقف الإرهاب محدود، وهو متأثر بالحاجة الداخلية للحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني وعلى علاقات معقولة مع حماس.
-على مدى سنوات استنفد نصيب عرب شرقي القدس في وظائف التعامل (جمع معلومات استخبارية واختيار اهداف ممكنة)، لكن منذ الانتفاضة الثانية فانهم يأخذون دور مركزي في تنفيذ العمليات الإرهابية في القدس، ودورهم في تنفيذ مباشر للإرهاب في القدس زاد بدرجة بارزة.
مواصلة السيطرة الامنية الاسرائيلية في الاحياء والقرى في شرقي القدس أمر حيوي. وفي الاساس من اجل احباط اطلاق النار من الاسلحة الخفيفة من هذه الاحياء باتجاه احياء يهودية. هذا الخطر تجسد، كما اسلفنا، في اطلاق النار المتواصل في السنوات 2000 ـ 2004، من بيت جالا التي سلمتها اسرائيل للفلسطينيين، على غيلو المجاورة لها. في المقابل، احداث اطلاق النار من مخيم اللاجئين شعفاط على حي بسغات زئيف خلال «الانتفاضة المقدسية» كانت فردية، ولم يكن اطلاق النار منهجيا.
السبب في الفرق واضح: الحضور الاسرائيلي في شعفاط حتى لو كان محدودا مقابل غيابه في بيت جالا. الامر يمثل جيدا إلى أي درجة تعتبر مواصلة السيطرة حيوية امنيا واستخباريا في الاحياء العربية في القدس.
صحيح أن عشرات من عرب شرقي القدس نفذوا في السنوات الاخيرة اعمال خطيرة في المدينة، لكن عمليات عديدة اكثر بعدة مرات ـ المئات في عددها ـ احبطت قبل تنفيذها بسبب الحضور الاستخباري والامني الاسرائيلي في قرى واحياء شرقي القدس. تقسيم المدينة لن يُمكن حضورا امنيا واستخباريا من هذا النوع.
صحيح ايضا أن اسرائيل اخطأت طوال سنوات في علاقتها مع سكان شرقي القدس. فهي لم تتعامل مع احتياجاتهم البلدية وميزت ضدهم مقارنة بالاحياء اليهودية.اسرائيل لا تستطيع أن تمسك الحبل من الطرفين: أن تزعم السيادة على كل مناطق القدس الكاملة والموحدة وأن تتعامل مع عدد من سكانها العرب على أنهم زيادة تافهة. ليس بالامكان ان نطالب فقط بالارض ونهمل احتياجات السكان. اضافة إلى ذلك، فان هذا الاهمال والحاجة إلى الاصلاحات لا تستطيع ان تمنح الشرعية للخطأ الكبير المضاعف ـ تقسيم القدس. أنت لا تستطيع اصلاح خطأ واحد مهما كان كبيرا بواسطة خطأ آخر أصعب منه بأضعاف.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
عن الانجازات والاخطاء
تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يزداد قوة عليه اتخاذ قرار وجهته القادمة
بقلم:يعقوب عميدرور،عن اسرائيل اليوم
المضمون:( يتحدث الكاتب عن الأحداث التي ممكن ان تحدث بعد سيطرة داعش على اماكن واسعة من العراق وسوريا، من حيث الاستعداد لتلقي ضربات من الجيش العراقي، ومن باقي السكان)
في الاونة الاخيرة يبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية داعش نجح في مراكمة انجازات جيوغرافية ذات أهمية كبيرة. هذه الانجازات ستؤدي إلى أن يسيطر التنظيم على مساحة واسعة تمتد من غرب ومن هناك إلى الحدود السورية من خلال تعزيز سيطرته في شمال وشرق الدولة السورية المتفككة. احتلال الرمادي في العراق الواقعة على بعد مرمى قوس من العاصمة العراقية في الغرب، وتدمر الواقعة في قلب شمال سوريا يشكل قاعدة لخطوات مستقبلية ذات أهمية أكبر.
لا يجب أن نندهش اذا احتاج التنظيم وقت ما من اجل «هضم» هذه المناطق الجديدة التي احتلها وذلك للتعامل مع المجتمع الذي يمكن أن يعارضه ـ اذا بقي مجتمع كهذا، لتعزيز السيطرة على باقي السكان والاستعداد للهجومات المضادة للجيش السوري والعراقي وقوات شعبية مساعدة.
يبدو أنهم في العراق وسوريا، والأهم في الولايات المتحدة، يدركون أن مرحلة الهجمات المضادة من شأنها أن تتضح كحاسمة. اذا نجح التنظيم في صد هذه الهجمات فمن الصعب رؤية ما سيوقفه في المستقبل، باستثناء تدخل اكبر من الجيش الأمريكي بما في ذلك وحدات برية كبيرة. بعد الهجمات المضادة، منذ اللحظة التي يشعر فيها التنظيم بالثقة بالنفس في المجال الجديد، لا يمكن معرفة السرعة التي سيصل فيها لذلك، فانه سيقف أمام المعضلة الكامنة في اوضاع كهذه. ماذا بعد؟ من طبيعته فان تنظيم كهذا لا يستطيع الامتناع عن العمل لفترة طويلة، فهو يحتاج إلى مواصلة الحركة، وهو متعطش لانتصارات اخرى ويخاف من البرجزة التي من شأنها الامساك به بعد فترة من الهدوء.
التنظيم ما زال موجودا في مرحلة ديناميكية، وفترة الزخم. هناك اربع امكانيات عمل امام التنظيم، ولا أحد يعرف أيها سيختار زعماءه. يمكن أنه حتى هم ما زالوا لم يبلوروا رأيهم وليسوا ناضجين لاتخاذ قرار على الاقل حتى تتضح نتائج الهجمات المضادة اذا نفذت.
الجهد الطبيعي القادم يمكن أن يكون باتجاه بغداد من اجل تعزيز السيطرة على كل ما هو في غرب العاصمة العراقية. الهدف سيكون المس بصورة شديدة بقدرة عمل الحكومة الشيعية في المناطق السنية التي احتلها التنظيم حتى الآن، وحتى التسبب بالانهيار الكامل للنظام الحالي في العراق.
لا يوجد شك أن عملية كهذه ستُدخل الشيعة المسيطرين على العاصمة وحلفاؤهم الإيرانيين في ضغط لأنه اذا اقترب تنظيم كهذا من المناطق المكتظة بالسكان الشيعة ومناطق مقدسة جدا بالنسبة لهم، فان الشيعة يرون في انفسهم «مذبحة كبرى». لهذا ليس هناك شك أن خطوة كهذه اذا نجحت فستضع الإيرانيين امام قرار صعب، وفي الاساس قرار هل ستتدخل عسكريا بصورة مباشرة.
في العراق توجد للتنظيم امكانية عمل اخرى، في الشمال تجاه كردستان. اذا نجح في السيطرة على المناطق التي منها يستخرج الاكراد النفط، فانه سيحظى بنجاح كبير يُمكنه من ادارة دولة ستخلق ضغط كبير على تركيا، الآن يبدو هذا مغريا لأن الغرب لم يهتم بتسليح الاكراد كما يجب، وهم الوحيدون الذين حاربوا حتى الآن بصورة تستحق التقدير ضد التنظيم.
يمكن ايضا أنه بعد النجاح الكبير في العراق، سيفضل التنظيم تعزيز سيطرته في شمال سوريا، أي الوصول إلى السيطرة على حلب وحمص. هذا مخطط طموح من ناحية مصير المجال الجيوغرافي. لكن هناك كما يبدو ستكون معارضة أقل مما سيكون في مدينة كبيرة مثل بغداد أو ضد الاكراد المصممين.
اذا نجح في ذلك فهو سيحسن جدا امكانياته للعمل بعد ذلك ضد الاكراد، وفي الاساس الجناح السوري له. في سوريا سيقف امام التنظيم في الاساس الجيش المنهك للرئيس الاسد، وربما بالتحديد في هذه المنطقة ستنضم إلى داعش منظمات سنية اخرى من اوساط ما يسمى جيش المتمردين، وسيحظى بالشرعية من السكان المحليين. عملية كهذه يمكنها ان تؤدي إلى تغيير دراماتي في مكانة الاسد وتجبر حزب الله على مد قواته على مساحات اطول. إن خسارة الجبهة الاستراتيجية لحزب الله ووجود مبغضيه السنة في الجبهة الداخلية لمركز الاقلية العلوية في اللاذقية، تفسيرها هو تهديد منطقة حيوية لحزب الله، وتهديد مكانة الإيرانيين في سوريا، وبعد ذلك في لبنان.
من اجل الحفاظ على الامرين سيعمل الإيرانيون وحزب الله تقريبا كل ما في استطاعتهما لأنه بالنسبة لهما هذا يعتبر تهديدا وجوديا. اذا وصل تنظيم الدولة الإسلامية إلى السيطرة الكاملة على المناطق العلوية أو الشيعية ـ فانه سيدمرهم جميعا هناك. هذه مواجهة حياة أو موت. وهذا الامر واضح للجميع.
الخيار الطموح
هناك امكانية رابعة تبدو اقل جاذبية في هذا الوقت، لهذا فانها اقل معقولية لكنها غير مستبعدة. يمكن انه من اجل الامتناع عن المواجهة مع الشيعة حول بغداد او مع يأس العلويين وحزب الله في الطريق إلى دمشق، سيوجه التنظيم جهوده باتجاه عمان. في الاردن كل السكان من السنة، و بعضهم يمكن ان يثير تاييدا للتنظيم السني الجدي العامل كما يبدو باسم السنة الموجودين في ضائقة ازاء الديناميات الشيعية في الشرق الاوسط.
التنظيم يمكنه التقدير أنه في مواجهة الاردن سيسهل عليه العمل واذا نجح في ذلك فستمهد له الطريق نحو السعودية ـ جوهرة تاج العالم الإسلامي. السعودية هي الهدف الذي يحلم به كل من يتحدث عن الخلافة الإسلامية، بسبب أنه توجد فيها المدينتين المقدستين لكل مسلم. في العمل ضد الاردن يمكن للتنظيم أن يدمج عملية عسكرية مع محاولة للتأثير على المملكة من الداخل من خلال استخدام المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت في الاردن ازاء هرب اللاجئين من سوريا إلى الاردن.
نجاح التنظيم في الاردن يبدو اليوم بعيد جدا. الجيش الاردني، خلافا لجيشي العراق وسوريا، هو جيش مهني وجدي. وهذه العملية تحظى بشرعية وحتى بشعبية كبيرة في اوساط الاردنيين. الاردن ليس صيدا سهلا وبالتأكيد أنه سيحظى بالمساعدة من كل من يهمهم استقرار المملكة.
على كل حال، واضح أن التدخل الأمريكي حتى الآن لم يقرب الولايات المتحدة من الهدف الذي حدده الرئيس اوباما: تدمير التنظيم.
لكن العكس هو الصحيح ـ التنظيم تعزز ووسع سيطرته منذ أن شنت عليه الولايات المتحدة الحرب. الاحتمال الاخير للولايات المتحدة لمواصلة سياستها الحالية، أي الامتناع عن تدخل القوات البرية الأمريكية، يرتبط بقدرتها على تقديم المساعدة للجيش العراقي في الهجوم الذي تتعهد بتنفيذه، بصورة غير مباشرة وربما بمساعدة الجيش السوري.
المراجعة الأمريكية للذات ستجري بعد هذه المعارك عندما يكون واضحا اكثر اذا كانت النجاحات الاخيرة للتنظيم هي مجرد ارتفاع وهبوط عادي في مواجهات من هذا النوع، أو انها تضعه في مستوى مختلف ويقوم باستغلال الزخم من اجل التقدم باتجاه اهداف اكثر طموحا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
حرب الوجود لنصرالله
طهران غير راضية عن أداء أمين عام حزب الله في سوريا وتفكر باستبداله
بقلم:تسفي بارئيل،عن هآرتس
المضمون:( يقول الكاتب أن طهران غير راضية عن قيادة نصرالله لحزب الله في سوريا في ضوء الخسائر هناك، ويفكرون باستبداله كما أن الحزب يتعرض للانتقاد الشديد داخل لبنان (http://www.raialyoum.com/?p=264369))
أصبحت مدينة عرسال في شرق لبنان، على الحدود السورية، في السنة الاخيرة سجنا لنحو 40 الف مواطن لبناني وعدد آخر كهذا من اللاجئين السوريين الذين فروا اليها من المعارك في بلادهم. هذه المدينة الشهيرة بصناعة السجاد محوطة الان من كل جوانبها بالقوات العسكرية. في الغرب يطل عليها جيش لبنان، اما في الشرق، فتتواجد قوات الميليشيات السورية، بما فيها جبهة النصرة المتفرعة عن القاعدة وقوات تنظيم الدولة. عرسال، التي معظم سكانها من السنة كانت على مدى المعارك في سوريا مركزا لوجستيا هاما للثوار، ولا سيما للجيش السوري الحر، الذي اقام فيها مستشفى طوارىء لجرحاه. كما كانت عرسال المنطقة اللبنانية الوحيدة التي اصطدم فيها الجيش اللبناني بقوات الثوار السوريين، في آب الماضي. وبعد معارك عنيفة أسر فيها نحو 25 جنديا لبنانيا، انسحبت الميليشيات إلى اطراف المدينة، ولكنها لا تزال تحاصرها. وفي الايام الاخيرة اصبحت عرسال مركزا لخلاف حاد داخل لبنان، بين حزب الله والجيش اللبناني وسكان المدينة.
هدد زعيم حزب الله، حسن نصرالله هذا الاسبوع من انه اذا لم يحرر الجيش اللبناني عرسال، فان منظمته ستفعل ذلك. وتحذر كتلة المستقبل بقيادة سعد الحريري، خصم نصرالله، وبعض من اعضاء الحكومة، نصرالله من العمل في عرسال وذلك لان الدفاع عن الاراضي اللبنانية هو من مسؤولية الجيش. ولكن هذا ليس خلافا على الصلاحيات بل تعبير عن الخوف من آثار دخول حزب الله إلى المدينة على الوضع في لبنان.
ان احتلال حزب الله لمدينة سنية من شأنه ان يشعل من جديد حربا طائفية داخل لبنان المنشق بين المؤيدين لتدخل حزب الله في الحرب في سوريا وبين من يتهمون المنظمة باستيراد الحرب إلى داخل الاراضي اللبنانية. وتعبير عن هذا الخلاف هو تراشق الكلام القاسي بين وزير العدل اشرف الريفي، رجل كتلة المستقبل، وبين مندوب حزب الله محمد رعد، والذي اقتبسته بتوسع وسائل الإعلام اللبنانية. «نحن نعرف جيدا الجرائم التي ارتكبها حزبه، داخل لبنان او خارجه»، اتهم الريفي رعد، «انا واثق انك ستحاسب على كل جريمة ارتكبتها وتلك التي سترتكبها». اما رعد فلم يصمت. «الريفي يريد أن يدمر ما يسميه الدولة التي اقامها حزب الله بينما في نفس الوقت اقام دولته الصغيرة في مدينة طرابلس». طرابلس، التي جاء منها الريفي، هي مدينة سنية في معظمها مع تجمع كبير من اللاجئين السنة والمواطنين المعارضين لحزب الله.
ان الضغوط اللبنانية الداخلية التي يتعرض لها حزب الله تضاف إلى الخسائر التي يصاب بها في المعارك في جبال القلمون، على الحدود السورية اللبنانية، من جانب جيش الفتح الذي تتجمع فيه مجموعة من الميليشيات بما فيها جبهة النصرة. وحسب تقارير تصل من إيران، فثمة هناك عدم رضى من الشكل الذي يدير فيه نصرالله المعركة العسكرية ومن انه لا يمكنه أن يخرج من مخبئه لزيارة القوات التي تقاتل ورفع معنوياتها. وحسب تلك التقارير، فقد طرحت فكرة استبداله بقائد آخر وتعيينه «موجه أعلى» لحزب الله ولكن دون صلاحيات قيادة في الميدان. بل ان إيران جمدت سلسلة تعيينات اراد نصرالله القيام بها في القيادة في جنوب لبنان وفي منطقة بعلبك في شرق لبنان إلى أن يتفق على التعيينات الجديدة في قيادة المنظمة.
إلى جانب هذا الخلاف اندلع خلاف داخلي بين نصرالله وبين نائبه نعيم قاسم الذي يرى نفسه مرشحا لخلافة نصرالله ـ وهذا ايضا على خلفية التعيينات في المنظمة. من الصعب حصر عدد قتلى المنظمة في المعارك في سوريا: تتراوح التقديرات بين بضع مئات ونحو 3 الاف قتيل ونحو 4 الاف جريح. يبدو أن الارقام الكبرى اقرب إلى الحقيقة، وذلك لان نصرالله يحاول مؤخرا تجنيد مقاتلين من كل من يتيسر. وهكذا، مثلا، فقد أقام في الاونة الاخيرة كتيبة مسيحية في المنظمة، يمولها ويسلحها؛ ويحاول تجنيد فلسطينيين من مخيمات اللاجئين للحرب في سوريا، مقابل 400 دولار في الشهر، وشباب شيعة ليسوا اعضاء في المنظمة.
وفي نفس الوقت تروي التقارير عن ضعف الانضباط في صفوف مقاتلي حزب الله، عن سرقة السلاح من مخازن المنظمة وبيعه، عن تحويل مكثف للاموال إلى بنوك في اوروبا وعن نية المنظمة استيضاح مصير المساعدة المالية الهائلة التي حولت إلى المنظمة. في خطاب القاه نصرالله هذا الاسبوع، بمناسبة يوم تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، أوضح بان «التهديد علينا هو تهديد وجودي. امامنا ثلاثة خيارات. توسيع القتال والقتال اكثر مما قاتلنا في السنوات الاربعة الماضية؛ الاستسلام والذبح؛ او التوزع في دول العالم مهانين وننتقل من نكبة إلى نكبة». ومع انه قال انه لا يدعو حاليا إلى التجنيد العام، ولكن مثل هذه الدعوة كفيلة بان تأتي قريبا.
لا تؤثر اقوال نصرالله اليائسة على قسم كبير من اللبنانيين، بمن فيهم الكثير من الشيعة، الذين يخشون من أن تدخل حزب الله في سوريا سيجعل لبنان ميدان معركة. ما أغضب الشيعة ممن لا يؤيدونه كان ايضا الاهانة التي وجهها للزعماء الشيعة الذين يعارضون التدخل في سوريا. فقد وصف هؤلاء على لسانه بانهم «شيعة السفارة الأمريكية» و «الخونة»، التلميح بانهم يخدمون المصلحة الأمريكية وليس المصلحة الوطنية.
بعد وقت قصير من خطاب نصرالله فتح حساب تويتر شعبي ساخر تحت عنوان « إلى الامام نحو التجنيد العام»، غرد فيه مئات اللبنانيين عن نفورهم من دعوة نصرالله. وفي رسم نشر في الحساب يشبه نصرالله بعازف ناي يسير نحو البحر وفي اعقابه جراد في شكل جنوده، في الطريق إلى موتهم غرقا.
بالنسبة لنصرالله هذه بالفعل حرب وجودية. فاذا سقط الاسد، ستنتقل سوريا إلى سيطرة ميليشيات الثوار والتوقع هو ان في هذه الحالة ستقع في سوريا حرب أهلية متعددة الاطراف، مثل الحرب التي اندلعت في افغانستان بعد انتهاء الاحتلال السوفييتي. ولكن حتى ولو بالمعجزة وجد حل سياسي للنظام في سوريا، فلا خلاف في أنه سينصب نظاما جديدا يحاسب كل من تعاون مع الاسد، مثلما حصل في العراق بعد سقوط صدام حسين، وحزب الله سيبقى في حينه منقطعا دون ظهر عسكري ولوجستي. هذا هو التوقع الذي تخافه إيران. وفي قيادتها يجري الان البحث في مسألة استمرار الدعم للاسد. علنيا، إيران لم تغير سياستها وهي ستواصل منح النظام السوري المزيد من خطوط الائتمان التي تبقيه فوق سطح الماء. ولكن الاتفاق النووي مع إيران قد يحدث تغييرا في هذه السياسة، باتجاه انقاذ مكانتها ونفوذها في سوريا. إيران كفيلة بان تتنازل عن الاسد كي تضمن الا يتنكر لها كل نظام يقوم في سوريا والا يقطعها عن سوريا وعن لبنان.
كما ان إيران تفحص بتخوف الحلف الجديد بين السعودية وتركيا والذي يستهدف اسقاط الاسد إلى جانب الصراع ضد داعش. هذا الحلف يبث منذ الان ريح اسناد قوية في اوساط الثوار، الذين ابدوا في الايام الاخيرة قدرة عسكرية مثيرة للانطباع في عدة جبهات. إيران، التي بعثت بالمدربين وبالمال إلى الميليشيات الشيعية العاملة في العراق ضد داعش، وهكذا نصبت نفسها كحليف غير رسمي للولايات المتحدة والدول الاوروبية سيتعين عليها بعد التوقيع على الاتفاق ان تتخذ قرارات استراتيجية دراماتيكية. وهذه كفيلة بان تأتي على حساب حزب الله، اذا لم تنجح المنظمة في أن تثبت في الزمن القريب القادم بانها قادرة على أن تساعد الاسد في السيطرة على دولته أو على الاقل ان يقضي على الثوار في المناطق التي احتلوها. وهذا بالضبط ما خشاه سكان عرسال وباقي مواطني لبنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ