المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اقلام واراء اسرائيلي 27/06/2015



Haneen
2015-08-10, 11:47 AM
الغضب السوري

بقلم:يوسي ملمان،عن معاريف

المضمون:( يتحدث الكاتب عن الاستراتيجية التي اتبعتها اسرائيل في سوريا،من حيث عدم التدخل في الاحداث الجارية للحفاظ على الهدوء على حدودها الشمالية،مع عدم السماح بنقل سلاح من سوريا لحزب الله،الا ان الكاتب يحذر من انجرار اسرائيل للحرب رغم عدم ارادتها؛ وذلك بسبب ضغط الطائفة الدرزية في اسرائيل)

كانت إسرائيل هذا الاسبوع قريبة أكثر من أي وقت مضى من دوامة الحرب الاهلية في سوريا، والخطر لم يتلاشى بعد. مر 53 شهرا على هذه الحرب. والقيادة السياسية والقيادة العسكرية، برئاسة بنيامين نتنياهو – وزير الدفاع موشيه يعلون وقادة الاركان بني غانتس وغادي آيزنكوت ـ تتصرفان بحكمة ومسؤولية وحذر من اجل عدم التدخل في ساحات القتل. وباستثناء حوادث معدودة لاطلاق خاطيء إلى داخل إسرائيل وبضعة أحداث إرهابية ضد جنود إسرائيليين، فان الهدف الذي من اجله وضعت السياسة ـ الحفاظ على الهدوء في الحدود الشمالية ـ قد تحقق. القصف الجوي الذي نسب لسلاح الجو الإسرائيلي ضد قوافل السلاح المتطور من سوريا إلى حزب الله، لم يضر بهذه الاستراتيجية الحكيمة.
قبل اسبوعين كتب هنا، تحت عنوان «الشيطان طائفي»، أنه إذا اضطرت إسرائيل للتدخل في الحرب الاهلية، فان ذلك سيحدث بسبب الطائفة الدرزية في إسرائيل والجولان وسوريا. وقد ظهر يوم الاثنين بأن الامور تخرج عن السيطرة وأن إسرائيل قد تجد نفسها منجرة، بعكس رغبتها، إلى التدخل في الطرف الثاني للحدود.
بدأ ذلك في يوم الاثنين صباحا، في قرية حورفيش في الجليل الاعلى، عندما أغلق بعض العصبيين طريق سيارة الاسعاف التي نقلت مصابين سوريين إلى المستشفى. وقد استطاعت سيارة الاسعاف التملص وأصيب أحد المهاجمين. كان يجب أن تضيء هذه الحادثة الضوء الاحمر. بل وقبل ذلك كان يجب أن يضاء الضوء الاحمر في الاجهزة الامنية: في نهاية الاسبوع الماضي تظاهر عشرات الدروز أمام المستشفى في نهاريا احتجاجا على العلاج الذي يتم تقديمه لمصابي الحرب من سوريا. لكن الجيش والشرطة المسؤولين عن حفظ النظام، وبدرجة أقل «الشباك» المسؤول عن الاستخبارات، لم يفهموا المغزى مما يحدث.
ومع مرور بضع ساعات على أحداث حورفيش، حدثت الحادثة الاصعب. خلال مظاهرة بالقرب من مجدل شمس شارك فيها 150 شخصا، قام المتظاهرون بايقاف سيارة اسعاف عسكرية وضربوا حتى الموت أحد الجرحى السوريين وأصابوا الآخر اصابات بليغة وكذلك أصيب الجندي والضابط باصابات طفيفة. كانت هذه هي المرة الاولى التي يحدث فيها «لينش» في دولة إسرائيل. كانت في السابق أحداث قليلة قام بها مواطنون إسرائيليون بالتنكيل بجثث المخربين. لكن هذه هي المرة الاولى التي يُنكل بها مصابون. وهذه بالتأكيد المرة الاولى التي يكون فيها المصابين تحت حماية الجيش الإسرائيلي ومسؤوليته.
منذ ايلول 2013 تقوم إسرائيل بتقديم العلاج الطبي للمصابين من سوريا. المصابون باصابات طفيفة يتم علاجهم في مستشفى ميداني أقامه الجيش في شمال الجولان. والمصابون الاكثر خطورة يتم نقلهم في سيارات الاسعاف إلى المستشفى في صفد، نهاريا وحيفا. هكذا حصل 1600 مصاب على العلاج – نساء واولاد ورجال ومقاتلون من المعارضة ايضا.
الدافع وراء القرار الإسرائيلي تقديم المساعدة الطبية واحيانا المساعدة في تقديم الغذاء والاغطية والادوية، هو انساني. إسرائيل هي دولة الشعب الذي عانى من اللامبالات التي تسببت بالكارثة، ولا تستطيع الوقوف عند رؤية الناس وهم يقتلون وراء الحدود.
هذا قرار اخلاقي حظي بالتأييد لدى الإعلام والجمهور، وهو يمنح إسرائيل نقاط استحقاق لدى الرأي العالمي. اضافة إلى ذلك، تنجح إسرائيل في جمع المعلومات حول ما يحدث في الطرف الآخر للحدود، وتقوم من خلال المصابين بنقل رسائل مهمة.
ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي سئلوا عن هذا الامر وقالوا المرة تلو الاخرى إن العلاج يقدم لكل مصاب دون السؤال عن هويته أو انتمائه التنظيمي. وحتى لو كان هذا صحيح، فان هذا التفسير ليس في صالح إسرائيل. شيئا فشيئا انتشرت الشائعات التي حظيت بالاهتمام في وسائل الإعلام العربية والدولية، بأن اغلبية المعالجين هم مقاتلو جبهة النصرة، الذراع السوري للقاعدة. هذا غير صحيح. يمكن أن مصابي جبهة النصرة عولجوا في إسرائيل، ولكن لا يتجاوز الامر حالات استثنائية.
إن الذي ساهم في الشائعات هو تقرير مراقبي الامم المتحدة في الجولان الذي نشر قبل بضعة اشهر، الذي وثق لقاءات على الحدود، في القنيظرة، بين ضباط الجيش الإسرائيلي وممثلي التنظيمات المتمردة. ولم يحاول التقرير معرفة التنظيمات أو التمييز بينها، لكن حقيقة أنه على طول الحدود تعمل بضع تنظيمات لجيش سوريا الحر وجبهة النصرة، تسببت بذلك. وهكذا ثبتت المعادلة: إسرائيل تريد الحفاظ على الهدوء في الحدود. جبهة النصرة تسيطر على الحدود. ومن هنا فان إسرائيل وجبهة النصرة متحالفتان.
لهذه المعادلة انضمت مؤخرا متغيرات ترتبط بتراجع وضع الدروز في سوريا. الجالية التي تضم أقل من مليون شخص، أيدت دائما النظام العلوي، لكن العلاقة بينها وبين النظام ساءت في الاونة الاخيرة، هذا النظام الذي كان ركيزتها. بدأ مقاتلو داعش بالتقدم وتهديد المراكز الكبيرة في جبل الدروز، وادلب في الشمال حيث قتل 20 درزي من قبل جبهة النصرة. وكان هذا يكفي لخلق شعور حقيقي أو وهمي بأن الجالية الدرزية في سوريا في خطر.
الدروز، بالمناسبة، ليسوا صدّيقين. من التقارير التي وصلت هذا الاسبوع تبين أنهم قتلوا في جبل الدروز بدو اشتبه بأنهم متعاونين أو يمكن أن يتعاونوا مع داعش. في قرية خضر ايضا في جبل الشيخ السوري، التي تقع على مفترق طرق مهم لدمشق، سجلت بعض الاحداث. إنها قرية يؤيد ابناءها نظام الاسد ويخدمون في الجيش واجهزة الامن التابعة له. وليس صدفة أن حزب الله حاول في الماضي ويحاول الآن أن يقيم لنفسه في تلك المنطقة موقع عسكري للعمل ضد إسرائيل. ومن هناك حرك حزب الله بالتعاون مع النظام بضع عمليات ضد إسرائيل.
في التقارير في الصحف العربية قيل هذا الاسبوع إن حزب الله قد عين مصطفى مغنية قائدا لقطاع الجولان السوري. واذا كانت التقارير صحيحة فانه يخلف شقيقه جهاد الذي قتل قبل بضعة اشهر في قصف نسب لسلاح الجو الإسرائيلي. جهاد ومصطفى هم ابناء عماد مغنية «وزير الدفاع» لحزب الله الذي قتل في دمشق في كانون الثاني 2008 في عملية نسبت للموساد. وهما أولاد شقيق من يعتبر اليوم القائد العسكري لحزب الله، مصطفى بدر الدين، صهر عماد. كل شيء يبقى داخل العائلة.
على خلفية التقارير حول الخطر على دروز سوريا، بدأ التضامن الدرزي وطبول «الدمدم» بالعمل ساعات اضافية. وقد استغل الاسد وحزب الله هذا الوضع وبدآ في نشر معلومات كاذبة للتحريض في الشبكات الاجتماعية ومكالمات هاتفية مباشرة وبث تلفزيوني، وكأن إسرائيل توجد في صف واحد مع جبهة النصرة وداعش ضد الدروز. الاجهزة الامنية والاستخبارية الإسرائيلية التي كانت على علم بالحملة الدعائية لنظام الاسد وحزب الله، لم ترد، أو أن ردها لم يكن بالمستوى المطلوب.
رسائل الكذب وصلت إلى بعض أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل، وبعض قادتها، ولا سيما شباب الطائفة، وبدأوا بالحديث بصوت مرتفع أن هناك خطر وجودي على اخوانهم في سوريا. هذا الخطر اضطر المستوى السياسي والعسكري، بدءً من رئيس الحكومة، وزير الدفاع وقائد الاركان، بنشر رسائل حول «وحدة الدم» بين إسرائيل والدروز مواطني الدولة، وتم التلميح بأن إسرائيل ستتحرك من الناحية الانسانية على الاقل لمساعدة الدروز في سوريا، إذا كان هناك خطر كبير. وقد نشرت رسائل حول خطط للجيش في حال حاول آلاف الدروز التوجه إلى الحدود الإسرائيلية. والقلق على مصير اخوانهم قد ولد الغضب والرغبة في الانتقام التي لبست شكل مهاجمة سيارات الاسعاف.
في اعقاب احداث هذا الاسبوع أبدى الزعماء الدروز في إسرائيل وعلى رأسهم الشيخ موفق طريف، تحفظهم مما حدث، وعملوا على تهدئة الخواطر. وفي الجيش والشرطة و»الشباك» ايضا بدأوا في استخلاص العبر. تم اعتقال عشرة مشبوهين في مجدل شمس وحورفيش، والجيش يدرس الآن امكانية مرافقة سيارات الاسعاف التي ستنقل المصابين. وتغيير خط سيرها بل وأخذهم في جوا. يمكن أن يزيد «الشباك» من اهتمامه ومتابعته للدروز في البلاد، الذين يشتبه بأنهم على صلة مع النظام في دمشق.
الامر الأكثر أهمية هو أن إسرائيل لا تنوي وقف المساعدة الانسانية. ومهم ايضا عدم تدخل إسرائيل في الحرب. هذه سياسة تخدم المصالح الوطنية لإسرائيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
منقطعون عن الواقع
شارون لم يشرك الجيش في المشاورات حول الانسحاب من غزة ولو فعل لما عارض منتسبوه

بقلم:اليكس فيشمان،عن يديعوت

المضمون:( يتحدث الكاتب بسرد تاريخي حول الظروف المحيطة بقرار الانسحاب من قطاع غزة، بالنسبة للجيش الاسرائيلي،حيث يشير الكاتب ان الجيش لم يؤخذ رأيه حينها، وان الجيش كان مقاول للعملية التنفيذية للاخلاء فقط)

المرة الأولى التي سمع فيها قائد المنطقة الجنوبية، دان هرئيل، عن نية اخلاء مستوطنات قطاع غزة، كانت في المذياع خلال سفره في السيارة. وكان ذلك في كانون الاول 2003. استمع إلى خطاب رئيس الحكومة اريئيل شارون في مؤتمر هرتسليا، وفهم فجأة أنه يوجد قرار دراماتيكي تم في السر وبدون معرفته، وأنه تحت مسؤوليته سوف يحدث الحدث الأكثر أهمية بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي والجيش الإسرائيلي.
قسم البحث في الاستخبارات العسكرية، الذي كان يفترض أن يقدم الاطار الاستخباري لاخلاء قطاع غزة، لم يعرف شيئا عما يحدث في المحيط القريب من القائد. يمكن الافتراض أن رئيس الحكومة ووزير الدفاع كانا معنيين بسماع رأي رجال الاستخبارات العسكرية حول مغزى وتأثير هذه الخطوة الغير مسبوقة من الناحية الامنية. إلا أن رئيس قسم البحث في حينه، يوسي كوبرفاسر، سمع للمرة الاولى عن الانفصال بعد أن كان كل شيء جاهز. هذا الامر حدث في لقاء أجراه مدير مكتب رئيس الحكومة، المحامي دوف فايسغلاس، الذي ركز الاتصالات مع الفلسطينيين. وكان القرار جاهزا ومنتهيا وموقعا، ولم يُطلب من رجال «الشباك» والجيش اعطاء رأيهم في هذا الشأن.
الجيش الإسرائيلي، كما يقول أحد الجنرالات الذين شاركوا في النقاش حول الانفصال، لم يكن أكثر من مقاول تنفيذي. وقد تأقلم قادة الجيش بسرعة مع حقيقة أن رأيهم لا يهم أحد في المستوى السياسي وأنه لا تأثير لهم في القرار. تقديرات الاستخبارات العسكرية حول ما سيحدث في جبهة غزة بعد الاخلاء، تحدثت عن ايجابيات هذه الخطوة، وإن كانت هناك اصوات مختلفة في الجيش فهي لم تُسمع في تلك الفترة، خصوصا بشكل علني.
رئيس الأركان في حينه، موشيه يعلون، الذي قطعت فترة ولايته قبل الانفصال بثلاثة اشهر، كان على علم ببعض الامور. في أحد لقاءاته مع شارون وقبل خطاب شارون في هرتسليا، طرح عليه رئيس الحكومة فكرة سمعها من تومي لبيد. من اجل ايجاد مبادرة سياسية وكسر الجمود وتطبيق خطة خريطة الطريق الأمريكية، اقترح لبيد على شارون اخلاء ثلاث مناطق إسرائيلية في قطاع غزة.
لم يعلم يعلون أن من وراء هذه الخطة الصغيرة يختفي تفكير يؤدي إلى خطة أكبر بكثير. أراد شارون معرفة موقف رئيس الاركان. وقد تم الحديث حينها عن مستوطنتين أو ثلاث في الحدود الشمالية لقطاع غزة (نيسانيت، دوغيت وايلي سيناي). رفض يعلون الفكرة كليا. انسحاب، هذا سيشجع الإسلام المتطرف. وفي السياق نسبت ليعلون أقوال أن الانسحاب سيعطي الإرهاب دفعة إلى الأمام وهذا لم يضف شيء لشعبيته في مكتب رئيس الحكومة.
وزير الدفاع في حينه شاؤول موفاز كان شريكا في فكرة الانفصال، لكنه لم يكن جزءً من دائرة النقاش الضيقة بين رئيس الحكومة ومقربيه. وقبل مؤتمر هرتسليا ببضعة ايام أبلغ شارون موفاز هاتفيا عن نيته تقديم مبادرة الانفصال في المؤتمر. وقد فحص شارون إذا كان موفاز سيبقى إلى جانبه في هذه الخطوة.
كتف باردة من يعلون

بعد عشر سنوات ضعفت الذاكرة لدى مقاولي التنفيذ ـ رئيس هيئة الاركان، اعضاء هيئة الاركان، قادة الاستخبارات العسكرية ـ جميعهم يتذكرون أمرا واحدا: الجيش لم يكن شريكا حقيقيا في اتخاذ القرارات. والامر الذي اهتم به السياسيون كان الاخلاء الفيزيائي للمستوطنات. ولم يُطلب من الجيش تقديم التقديرات حول الوضع الامني المتوقع نتيجة الانفصال على المدى المتوسط والبعيد.
يعتقد الضباط الكبار الآن أن شارون لم يُشركهم في الامر خوفا من التسريبات وخوفا من المعارضة الداخلية العملية لرجال الجيش، الامر الذي كان سيضر بخطة الاخلاء.
الكابنت السياسي ـ الامني ايضا لم يكن شريكا كاملا. لقد عمل شارون مع عدد من مقربيه ـ ما سُمي في حينه «جماعة المزرعة» ـ واعتاد على التشاور بأربعة عيون مع مجموعة قليلة من الاشخاص، كان أحدهم عيبال جلعادي الذي كان في حينه رئيس وحدة التخطيط الاستراتيجي في قسم التخطيط. وفي اللقاءات التي اجراها فايسغلاس ايضا شارك رجال من الجيش ومن قسم التخطيط والاستخبارات العسكرية. وعلى أبواب نهاية 2014 منع رئيس الاركان يعلون هؤلاء الضباط من المشاركة في اللقاءات لأن هذه لقاءات سياسية مخادعة، ليس فيها مكان لرجال الجيش. وفي تلك الفترة كانت العلاقة سيئة بين رئيس الاركان وبين فايسغلاس. في حين أنهم نظروا في مكتب رئيس الحكومة إلى رئيس الاركان على أنه دجاجة غريبة قد تزعج. وفي مكتب رئيس الاركان اعتقدوا أن فايسغلاس يُسخن رئيس الحكومة ضد رئيس الاركان. لكن نائب العقيد جلعادي، الذي استمر في التواصل المباشر مع رئيس الحكومة، حظي بكتف باردة من يعلون.
بعد خطاء هرتسليا في كانون الاول 2003 أجرى وزير الدفاع موفاز نقاش مع رئيس الاركان حول عملية الاخلاء. وكان واضحا لهما أن أخلاء ثلاث مناطق إسرائيلية لن يؤدي إلى هنا أو إلى هناك. وزير الدفاع وجد أنه من الافضل الاخلاء الكامل. وفي تلك الفترة وضعت على طاولة رئيس الحكومة ووزير الدفاع «خارطة المصالح الامنية والقومية»، التي وضعها قسم التخطيط منذ كان اسحق رابين رئيسا للحكومة. حسب هذه الوثيقة فان المصالح الامنية الواضحة لدولة إسرائيل موجودة في الضفة، حيث لا مكان للمفاوضات. في قطاع غزة الصورة عكسية. فهناك لا يمكن تحسين الواقع الامني لأن الجيش لا يسيطر على القطاع كله بل على جزء منه من اجل الدفاع عن المستوطنين. وكان الافتراض أنه في لحظة اخلاء غزة، فانه لا يمكن تقليل عدد قوات الجيش إلى الثلث فقط، بل ايضا ستكون الحدود مع غزة أكثر هدوء. وقيل في الاجهزة الامنية ايضا إن خروج الجيش من القطاع سيُمكن إسرائيل من العمل بحرية في قصف غزة بشدة، إذا لم تسيطر السلطة الفلسطينية على المنظمات الموجودة في القطاع.
سنة 2004 كانت السنة الاولى التي يفوق فيها عدد القتلى الإسرائيليين في غزة عددهم في الضفة. مئات صواريخ القسام من القطاع، نصفها سقط في سدروت، وأطلقت في نفس السنة على المناطق داخل القطاع وعلى المستوطنات المحيطة بغزة 3 آلاف قذيفة. في جلسة تقدير اجراها الجيش قيل إنه بعد الانفصال ستعمل حماس على الحفاظ على الهدوء في القطاع. واذا حدث تصعيد أمني مع حماس، كما قالوا في الجيش، فان ذلك سيتم في يهودا والسامرة أو داخل إسرائيل. كان الانطباع أنه بعد الانفصال ستعتبر حماس الضفة الساحة المركزية، وليس من مصلحتها عودة الجيش الإسرائيلي إلى القطاع. يكفي انتشار الجيش على الحدود الدولية في قطاع غزة في خط دفاعي منظم بشكل جيد جدا من اجل أن يسود هناك الهدوء النسبي.
كل ذلك مشروط بحدوث الاخلاء. وساد الشعور عند قادة الجيش بأنه لن يتحقق شيء من ذلك. في البداية تم اعتبار هذه الخطة «بالون اختبار» أطلقه شارون. وبعد ذلك اعتقدوا أن الخطة لن تنفذ لاسباب سياسية. لذلك لم يشعر كل من الجيش و»الشباك» بضغط الوقت، وانما شعرا بضرورة الحديث عن الاجراءات بعيدة المدى مثل التطورات في غزة بعد خروج الجيش الإسرائيلي. ولا يذكر رجال الجيش أنه تم استدعاءهم للنقاش في الكابنت حول ما سيحدث في غزة في اليوم التالي. فقط في شباط 2005 عندما تم سن قانون اخلاء ـ تعويض في الكنيست، فهموا في الاجهزة الامنية أنه لا يمكن العودة، وتم الاعلان في حينه ايضا عن بديل يعلون: دان حلوتس.
في بداية شباط 2004 كشف الصحافي يوئيل ماركوس في صحيفة «هآرتس» عن محادثة بينه وبين شارون حيث تحدث رئيس الحكومة عن الانفصال الكامل عن قطاع غزة. وفي أعقاب المقالة أرسل رئيس الاركان يعلون رسالة إلى شارون، وبعد ذلك كانت بينهما جلسة متوترة. يعلون اشتكى من عدم اشراك الجيش وأن هذا غير معقول. شارون تلاعب به ووعد باجراء نقاش حول الموضوع. وهذا حدث بعد شهرين.
وقد شارك في النقاش رئيس الحكومة شارون، وزير الدفاع موفاز، رئيس الاركان يعلون، رئيس «الشباك» آفي ديختر، رئيس قسم التحقيق اسحق هرئيل، رئيس الاستخبارات العسكرية اهارون فركش وآخرين. هذه هي المرة الاولى التي تطرح فيها خطة الانفصال بشكل رسمي وما سيترتب عليها. شارون أبلغ الموجودين أن اخلاء القطاع سيتم خلال سنة. وهنا حدث الانفكار الكبير الاول مع رئيس الاركان يعلون. فقد ادعى يعلون أن الانسحاب من القطاع في فترة تدافع فيها التنظيمات الإسلامية عن نفسها في العالم، هو خطأ كبير سيؤثر على الخطة.
بعد ذلك النقاش ببضعة اسابيع وصلت وثيقة من القيادة الجنوبية إلى مكتب وزير الدفاع ورئيس الاركان وقع عليها الجنرال دان هرئيل، قائد المنطقة الجنوبية وكان عنوانها «حماستان في غزة». في الوثيقة التي حللت التطورات الامنية المتوقعة في غزة بعد الانفصال، تم طرح امكانية أن حماس ستسيطر على القطاع وأن الانفصال لن يؤدي إلى الهدوء المطلوب. وقد حدث جدل في هيئة الاركان العامة ووصلت من الاستخبارات العسكرية وثائق تدحض هذه الامكانية.
ضباط في القيادة الجنوبية، شاركوا في صياغة الوثيقة، يعترفون اليوم بأن توقعهم لم يكن مؤكدا أن حماس ستسيطر على قطاع غزة بخطوة عسكرية، وأن غزة ستتحول إلى بؤرة حرب مركزية ضد إسرائيل. مفهوم «حماستان» وجد مكانه في الحوار داخل الجيش، لكن الوثيقة تحولت إلى شيء عابر ولم تغير شيئا. وكان واضحا للجميع أن قيادة المنطقة الجنوبية ستنفذ القرار الذي سيتم اتخاذه.
في جلسة الحكومة في حزيران 2004 كانت تقديرات الاستخبارات أن هذه الخطوة ستحسن الوضع الامني في الجنوب. رئيس الاستخبارات العسكرية زئيفي فركش قال في النقاش: «الانفصال سيقلص الإرهاب ويحوله إلى شيء يمكن احتماله». رئيس «الشباك» آفي ديختر تنبأ بأن الخروج أحادي الجانب «سيقلل عدد العمليات ويغير طابعها».
في السياق نشأ جدال آخر: هل نخرج من قطاع غزة ونبقي الجيش في فيلادلفيا على الحدود المصرية لمنع التهريب. وقد اتخذ القرار بشأن فيلادلفيا قبل بدء الاخلاء بيوم واحد، في آب 2005. شارون عارض لكن المستشارين القضائيين قالوا له إنه لا يمكن الاعلان عن الانسحاب من القطاع والبقاء في فيلادلفيا.
في ذلك الحين، وقبل الانفصال، كانت الاستخبارات العسكرية تعرف عن الانفاق التي حفرت أمام مواقع الجيش الإسرائيلي. وفي الارشادات التي اعطيت للمراسلين العسكريين قيل بشكل واضح إن هذا التوجه آخذ في الازدياد وأن الحفر يتم باتجاه خط هوبرس، الذي يحيط بقطاع غزة. عشية الانفصال كانت التقديرات في إسرائيل أن هناك أكثر من عشرة انفاق. وبعد أقل من سنة على الانفصال تم اختطاف جلعاد شليط عن طريق أحد هذه الانفاق.

حادثة عمل

استكمل الجيش اخلاء القطاع في 11 ايلول 2005. وفي 23 ايلول أجرت حماس «مسيرة الانتصار» في مخيم جباليا، وخلال المسيرة سقط صاروخ قسام من السيارة، وانفجر بين الجمهور وقتل أكثر من 20 مواطنا وأصيب العشرات. ورغم أن هذا كان حادثة عمل إلا أن حماس اتهمت إسرائيل وتوعدت بالانتقام. في تلك الليلة، بعد اسبوعين على الانفصال، تم اطلاق عدد كبير من الصواريخ باتجاه سدروت، وقد استمر الاطلاق مدة يومين. رد الجيش جاء متأخرا من خلال ما سمي عملية «المطر الاول»، التي اعتمدت على القصف الجوي. وتلقت الحكومة الانتقاد بسبب غياب الرد الحقيقي.
كل ذلك لم يمنع الاجهزة الامنية بما فيها «الشباك» من الاستمرار في التقديرات التي وضعوها عشية الانفصال. بعد الانفصال بشهرين، في تشرين الثاني 2005، قال ج.، قائد المنطقة الجنوبية في «الشباك» في حوار داخلي: «طالما أننا نشجع سلطة أبو مازن، فان تهريب السلاح إلى مناطق السلطة لا يعتبر تهديدا… السيطرة على خط فيلادلفيا انهارت مع خروج إسرائيل، ويتم تقديم الرشاوى هناك لضباط فلسطينيين ومصريين». الامر الذي أقلق «الشباك» في حينه هو خروج النشطاء الإرهابيين من غزة عن طريق سيناء لتنفيذ عمليات في النقب، والخوف من أن ينقل الفلسطينيون الطاقة التخريبية من غزة إلى الضفة.
في نفس الشهر قال قائد المنطقة الجنوبية يوآف غالنت أمام المراسلين العسكريين: «انسحاب إسرائيل من غزة لم يغير مركبات القوة داخل القطاع. والانسحاب من خط فيلادلفيا جعل الحدود أقل انضباطا مما اعتقدت إسرائيل. وفي الانتخابات البلدية حصلت حماس على 55 بالمئة، الامر الذي أحدث صدمة لدى فتح. وكان التقدير أن حماس ستكون شريكا سياسيا، لكن هذه المنظمة لديها انضباط ذاتي، وقرار السيطرة على القطاع ليس قرار الذراع العسكري لحماس».
في شباط 2007، بعد الانسحاب بسنتين ونصف، لخص رئيس «الشباك» يوفال ديسكن العام المنصرم. تحدث عن انهيار السلطة الفلسطينية، لا سيما في القطاع. وعن الحرب الوجودية التي تمر بها فتح، الامر الذي سيؤدي إلى رفع الاستعدادية لدى فتح. وقال: «حماس تريد الهدوء. الحكومة غير مهمة بالنسبة لحماس لأنها غير قادرة على تولي السلطة». وأضاف: «ليس عندنا جواب نوعي على اطلاق الصواريخ الغير موجهة من القطاع. إذا استمر الاطلاق فلن يكون هناك طرف فلسطيني يستطيع وقفه، وستضطر إسرائيل إلى الدخول من جديد إلى قطاع غزة. حتى الآن لا حاجة للتدخل الإسرائيلي، وفتح ما زالت العنصر الفعال في وجه التطرف الاصولي، ولا يجب أن نشوش». وأشار رئيس «الشباك» إلى أنه خلال 2006 قامت حماس بتهريب 30 طن من المواد المتفجرة عن طريق الانفاق في خط فيلادلفيا ـ مقابل 5 اطنان من المواد المتفجرة في 2005، وطن واحد في 2004.
لم تمر اربعة اشهر على توقعات رئيس «الشباك» أن حماس لا تريد السلطة. قامت حماس بالسيطرة على القطاع، أزاحت السلطة الفلسطينية وأقامت حكومة خاصة بها. وفي اليوم الذي حصل فيه الانقلاب العسكري ـ 12 حزيران 2007 ـ كانت التقديرات لدى «الشباك» أن هذا صراع عنيف بين فتح وحماس ولن يؤدي إلى السيطرة على السلطة من قبل الذراع العسكري لحماس.
قبل الانسحاب الإسرائيلي كانت التقديرات أن فتح تفقد قوتها لصالح حماس في القطاع، لكن لم يتوقع أحد السيطرة الكاملة على القطاع وتحوله إلى تهديد مركزي لإسرائيل. رئيس الاركان يعلون الذي اعتقد أن الانفصال هو خطأ قال في 2004 إن إسرائيل تقف أمام فرصة وتحول استراتيجي في علاقتها مع الفلسطينيين: عرفات فارق الحياة وتم تعيين رئيس فلسطيني جديد يعارض الإرهاب. الولايات المتحدة في فترة انتخابات، توجد خطة إسرائيلية للانفصال، يجب تعزيز أبو مازن وتمكينه من السيطرة على القطاع. شارون ايضا اعتقد وجوب مساعدة أبو مازن في السيطرة على القطاع والتقى معه.
في نهاية المطاف كان الانفصال خطوة سياسية، وكان شارون مستعدا لتحمل المخاطر الامنية، لذلك كان دور الجيش تنفيذي وليس اتخاذ القرارات. النخبة العسكرية استجابت بسرعة للمستوى السياسي.
إن عدم قدرة الاجهزة الامنية على وضع التقديرات الصحيحة للتطورات السياسية والعسكرية المتوقعة في القطاع بعد الانفصال، لا يجب أن تفاجيء أحد. فالاستخبارات لا يمكنها التنبؤ بالتطورات السياسية والاجتماعية، ولا يمكنها أن تكون بديل للتجربة. يوجد رئيس حكومة ويوجد وزير دفاع. ولم يتم الطلب من الاستخبارات أن تضع رؤية استخبارية لامكانية اقامة سلطة إرهاب مستقلة في القطاع. ومنذ اقامة حماستان فرض على إسرائيل عدم الهدوء، واللاشرعية الدولية. وفوق كل شيء اربع حروب عسكرية، وقدرات حماس العسكرية الآن تصل إلى شمال غوش دان وهي مستمرة في التسلح. غزة تحولت إلى جبهة حقيقية ستقض مضاجع الجيش الإسرائيلي إذا ما حدثت مواجهة على جبهات اخرى ـ لبنان على سبيل المثال.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ




لنجرب الصعوبات منفردين
على إسرائيل أن تتدبر أمرها وحدها في الأمور الهامة وتعتمد أقل على الولايات المتحدة

بقلم:يعقوب عميدرور،عن إسرائيل اليوم

المضمون:( يدعو الكاتب يعقوب عميدرور مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، يدعو اسرائيل الى عدم الاعتماد على حلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة في الامور الهامة، ويدعوها الى تدبر نفسها)

كإسرائيليين نحن نتوقع من العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة أن يفهم المشاكل الصعبة التي نقف امامها. فبالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في الشرق الاوسط، واضح انه يتغير إلى الاسوأ، حين تنهار دول خلف الجدار الحدودي وعلى مسافة ما عنا يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق واسعة، في ظل استخدام وسائل وحشية للغاية. ولكن في حقيقة الامر، يوجد اليوم في العالم بضع مشاكل لا تقل خطورة، وهناك من سيقول حتى اكثر خطورة، تغطي على مشاكل الشرق الاوسط او تضعها على الاقل في توازن اصح. من المهم لإسرائيل أن تفهم بان هذا هو الوضع وان الفهم المختلف لتطور التهديدات في العالم واهميتها يؤدي إلى سلم اولويات جديد.
من المهم التشديد على أنه لا يمكن أن نفهم الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، دون الاعتراف باحساس الاحباط الفظيع من الاستثمار الكبير بالدماء مقابل النتيجة السيئة في العراق وفي افغانستان. فاحساس الفشل في الشرق الاوسط من جهة والمشاكل الصعبة خارجه من جهة اخرى، هي الاساس في الفجوة المتسعة بين إسرائيل والعالم ذي الصلة بها، أي الغرب بقيادة الولايات المتحدة.
وبقول «مشاكل صعبة» لا اقصد مشكلة تغيير المناخ ولا حتى مسألة الهجرة إلى الدول الغنية ـ التي بالنسبة لاوروبا تعد المشكلة رقم واحد اليوم. أقصد المشاكل الحقيقية المتعلقة بالامن القومي والدولي، المشاكل التي تستوجب عناية عملية من جانب الولايات المتحدة واوروبا. وهكذا مثلا، في نظر اوروبا والولايات المتحدة، فان سلوك روسيا يبعث مخاوف شديدة للغاية. والبيان الأمريكي في أنهم يفكرون بنشر واسع للقوات في دول البلطيق واوروبا الشرقية، الدول التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي حتى انهياره، يشير إلى شدة القلق في واشنطن وكم هي الولايات المتحدة مستعدة للعمل كي تردع موسكو.
لقد بدأ القلق قبل سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم وتدخلها في القتال في شرق اوكرانيا، ولكن هاتين الخطوتين اوضحتا للولايات المتحدة بان الحديث يدور عن صاحب قرار روسي لا يمكن توقع خطواته، وانه مستعد لان يأخذ بمخاطر كبيرة جدا في مناطق حيوية للولايات المتحدة وحلفائها.
يجدر بالذكر انه مع ان روسيا ليست كـ «الاتحاد السوفييتي» من حيث قوتها العسكرية، ولكنها لا تزال القوة العظمى النووية الاكبر في العالم، كما ان قوتها التقليدية ليست صغيرة. قد تكون «قوة عظمى اقليمية» فقط، حسب اقوال رئيس الولايات المتحدة براك اوباما، ولكنها قوة عظمى نووية ذات حقوق واحلام قوة عظمى كبرى. وهكذا، ضمن امور اخرى، فانها عضو في مجلس الامن، كجزء من الاعتراف بحقوقها الماضية، وهي ذات مصالح واسعة لقوة عظمى، تحاول الحفاظ على قوتها في الحاضر، في سوريا مثلا.
وكرد على الاعلان الأمريكي اعلن الرئيس فلاديمير بوتين عن تدشين 40 صاروخا نوويا جديدا عابرا للقارات. صحيح أن هذا يعد رفعا لمستوى اسطول ضخم ولكن قديم نسبيا، ومع ذلك فقد كان الرد هو رد قوة عظمى وليس رد دولة آفلة. فكيف يعالج الخصم العنيد والاشكالي من موسكو؟ خصم يرفض قبول التصنيف المتدني الذي يصرف له في الغرب كدولة من المستوى الثاني؟ ليس لاحد جواب جيد. هذا موضوع مقلق جدا اوروبا وكثيرين في الولايات المتحدة ليس اقل وعلى ما يبدو اكثر من انهيار العراق، مع كل الاحترام لداعش.
وفي الجانب الاخر من العالم، في الجانب الشرقي من المحيط الهاديء، بعيدا عن الشواطيء الغربية للولايات المتحدة، في بحر الصين الجنوبي، يتطور مركز توتر صعب ربما أكثر. إذا كانت روسيا تحاول الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى ـ وان كانت ربما برأي الكثيرين في العالم لم تعد كهذه ـ فان الصين تريد ان توضح مكانتها الصاعدة، وعلى صعود قوتها لا جدال.
فهي تتعزز اقتصاديا، تكنولوجيا وعسكريا، وهي تريد من الجميع ان يعترفوا بذلك وان يعطوها الاحترام المناسب لمن يرى نفسه كقوة عظمى مركزية في العالم. وهي تريد أن يسمحوا لها بان توسع مكانها تحت الشمس، بالمعنى العملي والجغرافي للكلمة، إلى ما وراء ما كان مقبولا عندما كانت اضعف بكثير.
الصين تريد أن يعترفوا بها كصاحبة جزر في مجال البحر الشرقي والجنوبي لها، في الاماكن الاقرب لليابان، الفلبين، فيتنام وبورناو. الصين لا تنتظر حتى استيضاح ادعاءاتها في أي محفل دولي. وهي تسيطر على هذه الجزر رغم امتعاض تلك الدول وخلافا لرأي الولايات المتحدة، التي لا تنجح في منعها من هذه الافعال.
لقد اكتشف الأمريكيون وحلفاؤهم فجأة ان الصينيين يشقون مسارات طيران إلى جزر توجد حولها خلافات. وفي اخرى نشرت سفن مثابة اعلان تحقيق سيادة، بلا تنسيق مع أي دولة اخرى، بما في ذلك تلك التي تدعي ملكية هذه الجزيرة أو تلك. كما ان الصينيين يواصلون تطوير جيشهم وفي حالات معينة يظهرون ان في نيتهم استعراض القوة التي ظاهرا غير موجهة ضد أي دولة، ولكن معانيها واضحة.
هكذا مثلا، اظهروا قدرة عملية لضرب قمر صناعي بصاروخ، وهذا تلميح واضح للولايات المتحدة التي قسم هام من قدراتها منوط بالاقمار الصناعية التي تطلقها لاغراض مختلفة. وفي نفس الوقت نجح الصينيون في أن يظهروا بان بوسعهم اطلاق صواريخ دقيقة للغاية نحو اهداف بعيدة جدا في البحر، بشكل يلقي بظلال ثقيلة للغاية على قدرة الولايات المتحدة على أن تستخدم في المستقبل بالاساس قوتها البحرية في المناطق البعيدة عنها.
هذه القدرات منوطة جدا بحاملات الطائرات الكبيرة التي تشكل لباب قوة المهامة البحرية، التي كانت الاداة الأمريكية الاساس لاستخدام القوات بعيدة من شواطيء الولايات المتحدة. واذا كان الصينيون قادرين حقا على شل حاملات الطائرات الأمريكية، فالمعنى محمل بالمصائر بالنسبة للقدرة الأمريكية على نجدة حلفائها في مجال الاحتكاك البحري موضع الحديث.
ينظر الأمريكيون بقلق كبير للغاية إلى التعاظم الصيني، وكذا دورها في هجمات السايبر على الولايات المتحدة. ولهذا فلا غرو ان التوتر مع الصين يهدد الولايات المتحدة ومصالحها أكثر من الاف اللاجئين ومئات الاف القتلى في سوريا. وعليه، فما العجب في أن الرئيس الأمريكي لا يسارع إلى الحرب في سوريا، حتى لو استخدمت له الغاز المميت ضد مواطنيها؟ كل شيء حسب القاعدة المعروفة والصحيحة دائما تقريبا: «ما يرى من هناك لا يرى من هنا»، وهذا صحيح ايضا بالنسبة لفوارق النهج بالنسبة لإيران. بالنسبة لإسرائيل هذا تهديد وجودي، بينما بالنسبة لواشنطن هذه مشكلة اخرى، وليست الاصعب من زاوية نظره. من المجدي ان نعتاد على حقيقة انه قد يتعين على إسرائيل أن تتدبر امرها وحدها في الامور الهامة لها وتعتمد أقل على عمل الولايات المتحدة التي ترى الامور بشكل مختلف ـ بشكل طبيعي وليس انطلاقا من نية سيئة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ