Haneen
2015-08-10, 11:56 AM
انهيار مفهوم أوباما
بقلم: ابراهام بن تسفي ،عن إسرائيل اليوم
المضمون: (يقول الكاتب أن تصريحات آية الله خامنئي حطمت التوقعات لدى الرئيس الأمريكي، ودمرت أساس ومنطق اتفاق فيينا)
مر أقل من أسبوع منذ الاحتفال بتوقيع الاتفاق الدائم بين القوى العظمى وإيران في مسألة النووي، واذا به يبدأ بالتحطم إلى شظايا الأساس الفكري الذي قام عليه السلوك المتصالح من جانب الرئيس الأمريكي في اثناء المفاوضات. كما يذكر، ففي قراره منح طهران رزمة بعيدة الأثر من الخطوات الاقتصادية لبناء الثقة، قدر أوباما، بأن هذه الجزرة من الاغراءات والحوافز سرعان ما تعطي ثمارها لترفع إيران إلى مسار الاعتدال تجاه الولايات المتحدة.
وبالفعل، اعتبر البيت الابيض رفع العقوبات عن طهران خشبة قفز بمسيرة تقارب متسارعة بين واشنطن وطهران سرعان ما تجعل الأخيرة شريكا استراتيجيا مركزيا في الساحة.
ولكن، في هذه المرحلة على الأقل يتبين بأن التوقعات في جهة والواقع في جهة اخرى. فالأقوال الفظة والتي لا هوادة فيها، التي اطلقها امس الزعيم الروحي لإيران، آية الله علي خامينئي يفترض أن تكون دعوة صحوة ووعي للرأي العام الأمريكي قبل أن يصبح الاتفاق حقيقة ناجزة، وذلك لأن خلاصة تصريحات خامينئي كانت حادة وواضحة: هذا لا يعني فتح صفحة جديدة في علاقات الأمتين، تعيد إلى الاستقرار جملة العلاقات السياسية، الايديولوجية والاقتصادية بينهما على أسس جديدة أكثر تصالحا، بل مجرد مدماك وحيد ومنفرد من العلاقات ـ المدماك النووي، الذي ليس فيه ما يؤثر أو يبث على كل باقي الأبعاد والعناصر في العلاقات بين الدولتين.
وبكلمات صريحة: الاتفاق النووي لا يبشر ببداية صداقة رائعة مع الغرب. العكس هو الصحيح، في نظر خامينئي، السياسة الكيدية الشاملة لإيران من جهة الادارة لن تتغير، وكذا دعم طهران للعناصر التآمرية والإرهاب في ساحات العراق، سوريا، لبنان، البحرين وفي المجال الفلسطيني لن تضعف على الاطلاق حتى بعد تحقيق الاتفاق الدائم. لقد كان نظام آيات الله ولا يزال بالتالي خصما لدودا لـ «الغرور الأمريكي» على حد قول خامينئي، ومن شأنه أن يرى فيها ايضا عدوا لدودا.
هكذا، دفعة واحدة، حطم الزعيم الروحي الإيراني هامش التوقعات من مدرسة براك اوباما ودمر اساس ومنطق اتفاق فيينا. وذلك ناهيك عن أنه من المتوقع من وزير الخارجية ظريف، في هجوم جديد من الابتسامات، ان يشوش الانطباع الذي خلفته هذه التصريحات.
لا يتبقى سوى الانتظار لنرى إذا كان هذا الميل لتقزيم الاتفاق ولادراجه في داخل العلاقة الصدامية المستمرة سيسهم في بلورة رأي عام أكثر تشكيكا في الولايات المتحدة وهكذا يساعد على تصميم نتائج المواجهة في مجلس الشيوخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
الوقت الآن مناسب لاتفاق دفاع مشترك مع الأمريكيين
ما هو المطلوب من واشنطن؟
بقلم: ايتان هابر ،عن يديعوت أحرونوت
المضمون: (يقول الكاتب أنه لا يجب المواجهة مع الإدارة الأمريكية، وإنما يجب ابتزازها لأجل مصلحة إسرائيل)
إن لم أكن مخطئا، فقد كان هذا السناتور الأمريكي العجوز، جورج آيكين، الذي في ذروة الوحل الفيتنامي، حين كان الجنود الأمريكيون يسقطون كالذباب في الغابات هناك، اقترح بصوت واع: «هيا نعلن عن النصر ونعود إلى الديار». بمعنى أن ننصرف من هذه الحرب اللعينة. وبعد ذلك، على مدى السنين، كانوا يقتبسونه من الذاكرة. قوة عظمى مثل أمريكا الكبرى لا تهرب من الحروب. كما أنه لا يمكنها أن تسمح لنفسها بأن تخسر.
الناس في اسرائيل ممن يسألون الآن، بعد التوقيع على اتفاق النووي مع إيران «ماذا سيكون؟»، ينبغي أن يعرفوا وان يتذكروا بان أمريكا لا تسمح لنفسها بان تخسر. في اسوأ الاحوال، لا تنتصر وتعلن عن النصر. هذه أمريكا. وهذا ما تفعله الآن. مع أن الرئيس اوباما لا يركع امام صورة بنيامين زئيف هرتسل في غرفة نومه كل صباح (ولا شك أنه لا توجد صورة كهذه هناك)، ولكنه ملتزم، كأسلافه، بوجود وأمن دولة إسرائيل. من الاتفاق مع إيران خرج مرضوضا ومضروبا نسبيا، ولكنه أعلن عن النصر، ولدينا أنباء لنا جميعا: هو رئيس الولايات المتحدة، وهو الذي يقرر سياسة بلاده، خيرا كان أم شرا، رغم أنه مسموح بالتأكيد الجدال معه. كما أنه هو الذي يحاول أن يصرف حاملة الطائرات الكبرى هذه التي تسمى الولايات المتحدة إلى مسارات لم تكن معروفة لنا حتى الآن ومعناها هو عدم التدخل في الحروب غير الضرورية.
والآن يسأل الجميع: حسنا، ماذا نفعل الآن؟ لنفترض للحظة، وليس فقط للحظة، بأن الولايات المتحدة مخطئة وليست محقة في موضوع الاتفاق مع إيران. ماذا إذن؟ هل سنقصف البيت الأبيض؟ ولنفترض للحظة، للحظة فقط، بأن الكونغرس الأمريكي سيرفض الاتفاق مع إيران. ماذا سنفعل هذا النصر؟ هل سيذهب الروس في أعقاب الأمريكيين فيلغوا الاتفاق؟ هي سيتوقف الصينيون دون حراك؟ هل سينشد الفرنسيون «المارسييز»؟ وهل سيتبدد الاتفاق وكأنه لم يكن، وهل ستكف طهران عن تخصيب اليورانيوم، وإضافة أجهزة الطرد المركزي وبناء القنابل والصواريخ النووية؟
امكانية أخرى هي أن نقول أن الأمريكيين أجروا بالفعل مفاوضات غير ناجحة، بأقل التقدير، وأنهم مخطئون، وسذج بل وأغبياء. ولكن هذا هو الواقع المرير ومن المتعذر أو من الصعب جدا تغييره. هم لن يرفعوا علما أبيض. ومن يفكر عندنا أنهم سيفعلون ذلك لا يعرف اولئك الذين هم مستعدون غدا او حتى الآن أن يقولوا لأمريكا ما نفكر به عنها، وبالأساس عن رئيسها. وهذا ما سيحصل على ما يبدو في الأيام وفي الاسابيع القادمة: الاسرائيليون سينزلون إلى حياة الأمريكيين.
امكانية أخرى هي الاعتراف بالواقع، ولكن عدم التسليم به. ألا نحاول إهانة الإدارة الأمريكية بل أن نبتز حتى النهاية عذابات الضمير لديها في أعقاب التوقع على الاتفاق. هذا يعني أن نطلب وسائل قتالية لم نتجرأ حتى على الحلم بها ونحاول أن ننزع من الأمريكيين اتفاقا بدفاع مشترك. بتعبير آخر: كل هجوم إيراني على إسرائيل سيكون وكأنه هجوم إيراني على نيويورك أو واشنطن. نحن معنيون بحلف دفاعي موقع كهذا منذ سنين، وواشنطن ترفضه جيئة وذهابا. نقرر ألا نخرج الروح للرئيس ومنتخبيه، وهم يحافظون علينا من كل ضر. الموقع أعلاه مستعد لأن يتنازل عن الكبرياء الوطني في هذا الشأن. نعلن أننا انتصرنا ونعود إلى الديار بسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
كردستان وتنظيم «الدولة»
بقلم: عوفره بانجو،عن هآرتس
المضمون: (يقول الكاتب أن اللاعبان الأساسيان في الشرق الأوسط ليسا دولا وإنما تنظيمات لها تأييدها الشعبي وهما تنظيم «الدولة» والأكراد).
حدثت تغييرات على خارطة القرن الواحد والعشرين، غيرت قوانين اللعبة في المنطقة، وغيرت باعقاب ذلك التوازن السياسي بين عناصر القوة المختلفة التي تفعل فعلها.
قبل مئة عام تم تصميم خارطة الشرق الاوسط من قبل عناصر قوة خارجية، سواء بريطانيا أو فرنسا. أما اليوم فان مصممي الخارطة الاقليمية هم لاعبون محليون، وفي الوقت الذي شكلت فيه البنى القومية الدول، فان القرن الواحد والعشرون يتميز بعناصر غير الدولة. وفي الوقت الذي سيطرت القومية العربية في القرن العشرين، فاليوم تسيطر عناصر إسلامية وعرقية، وهي التي تحدد البرنامج اليومي السياسي. وفي الوقت الذي قرر الجيش النظامي في السابق فان المقرر اليوم هو جيش غير نظامي، ميليشيات ومنظمات إرهابية.
الصراع بين الاكراد وبين الدولة الإسلامية الذي اندلع علنا في صيف 2014 هو مثال نموذجي لهذه التغيرات، هذا اللاعبان، اللذان يصممان الخارطة السياسية اليوم، هما جهات ليست دولة، بل محلية، والاثنان يستندان على قوة عسكرية غير نظامية والتي ستتحول إلى نظامية مع الوقت والاثنان يمثلان تيارات تزعزع شرعية الدول القائمة. في الجانب الكردي انه التيار العرقي القومي وفي الطرف الاخر التيار الإسلامي السلفي، والتطورات في المناطق التي تسيطر عليها كردستان في العراق وسوريا هي صورة في المرآة للتطورات لدى داعش، الذي تبنى لنفسه اسم الدولة الإسلامية في صيف 2014. هذان اللاعبان يتغذيان على الشرخ الذي اجتاح دول الهلال الخصيب، والاثنان كفرا بالدولة حيث سيطرا على مناطق ساد فيها فراغ سياسي واقاما فيها انظمة سلطة خاصة بهما. والاثنان محيا الحدود بين سوريا والعراق، والاثنان يستندان إلى متطوعين من دول اجنبية والاثنان يستخدمان الإعلام الجديد من اجل تحقيق اهدافهما.
ولكن في مجالات اخرى انهما متعاكسان. والفرق واضح في الجانب الايديولوجي والتفكير السياسي وبنية السلطة. الدولة الإسلامية هي معادية للغرب، ليست ديمقراطية وسلفية متطرفة، بالمقابل فان طرفي كردستان اللذان يحاربان الدولة الإسلامية هما عكسها تماما. في المركزين الكرديين توجد ملامح سلطة ديمقراطية وعلمانية، وبشكل ادق، ابتعاد عن الإسلام السياسي.
في الماضي اعتبر الاكراد عنصر عدم استقرار على المستوى الاقليمي، واليوم هم الذين يؤثرون على الاستقرار والاعتدال، بالمقابل فان الدولة الإسلامية المتميزة بالتطرف والبشاعة الغير مسبوقة، انها تلاحق الاقليات، تقوم بعمل المجازر والاغتصاب وتهدم كنوز الثقافة الانسانية بطريق لا تقل عن افعال الحملة المنغولية في القرن الثالث عشر. الاكراد بالمقابل، يتميزون بالاعتدال وتقبل الاخر ويمتنعون عن الاعمال الانتقامية.
وعلى الرغم من هدم القرى والمجازر التي قام بها نظام البعث في سنوات الثمانين، فانهم لم ينتقموا لذلك، كما يفعل الشيعة اليوم ضد السنة التي تؤيد البعث، والذين يسمونهم جحوش. اضافة لذلك، هناك حوالي مليون ونصف لاجيء يحتمون في المناطق الكردية في العراق ومن ضمنهم يزيديين، نصارى، أكراد وعرب. هذا في الوقت الذي لا تسارع فيه حكومة بغداد لاستيعاب اللاجئين. ولا تقوم ايضا بتحويل ميزانيات للمناطق الكردية من اجل المساعدة باستيعاب اولئك اللاجئين.
بعد احتلال الموصل من قبل داعش واحتلال كركوك من قبل قوات البشمركة الكردية (الاسم الرسمي للقوات المسلحة لكردستان) في بداية حزيران 2014، بدا وكأن الطرفان قادران على التوصل لتسوية مؤقتة، لكن الاكراد تفاجأوا بشكل كامل بعد شهرين حيث توصلوا لهدف مركزي لهجوم الدولة الإسلامية، واعتبارات الدولة الإسلامية في هجومها على المناطق الكردية السنية كانت استراتيجية واقتصادية واضحة: حاولت السيطرة على منابع النفط لكركوك التي سقطت للتو بيد الاكراد وكذلك السيطرة على الطريق الاستراتيجية بين العراق وسوريا في منطقة سنجار. اعتبارات مشابهة دفعتها في مرحلة متأخرة لمحاولة السيطرة على المنطقة الكردية في سوريا حيث قامت ثلاث كانتونات في صيف 2012، ايضا في المنطقة الكردية في الحسكة الغنية بالنفط هناك صراعات بين الاكراد وبين الدولة الإسلامية.
هكذا تحول الاكراد والدولة الإسلامية إلى اشد الاعداء، بالذات على ضوء نجاح الاكراد بكبح تمدد الدولة الإسلامية في مناطقهم. هذا على العكس من الجيوش النظامية في سوريا والعراق التي هي غير قادرة على دحر داعش. وحقيقة ان الدولة الإسلامية حاربت باكثر من جبهة في الوقت ذاته سواء في سوريا أو في العراق، قد اضعفت الضغط على الاكراد، ويحاول الاكراد رغم تهديد داعش الحفاظ على انجازاتهم.
في هكذا ظروف السؤال الذي يطرح نفسه هل الدولة الإسلامية تساعد أو تؤخر القومية الكردية وسعيها إلى الاستقلال.
وعمليا، فان الدولة الإسلامية والاكراد كذلك يحاربان من أجل ذات البلاد وذات المصادر. الارباح التي عادت على الاكراد من ظهور الدولة الإسلامية يمكن أن نذكر منها انجازات استراتيجية، وانجازات في الدعاية والوعي. لكن الربح الاساسي أخذوه في العراق، حيث احتلوا هناك مناطق مليئة بالنفط وكانت مثار خلاف بينهم وبين السلطة المركزية في بغداد. مشكوك فيه أن الاكراد كانوا سيتجرأون لولا حملات الاحتلال من الدولة الإسلامية التي هددت كركوك وأعطت دفعة ومبرر للاحتلال الكردي. وازداد التضامن القومي الكردي في جميع انحاء كردستان وكذلك الاستعداد للمشاركة في الحرب ضد الدولة الإسلامية. إذا كانت الحرب تسرع من بلورة الهوية القومية فان هذه الحرب قد ساعدت الاكراد في ذلك. اضافة إلى ذلك، حسب شهادات مختلفة، فان ظهور الدولة الإسلامية مع تطرفها الديني، أدى إلى ضعف الإسلام السياسي وتراجع تأثيره على المجتمع الكردي سواء في كردستان العراق أو سوريا. عدم الاستقرار الذي تسببت به الدولة الإسلامية، وعدم قدرة الجيش العراقي والسوري وكذلك الحكومتان في الدولتان على القيام بدورهما أعطى الشرعية للتقسيم. كذلك الضغط الذي تتعرض له بغداد قد زاد من التعلق بالاكراد ولا سيما في كل ما يتعلق بتصدير النفط. لكن حكومة بغداد لم تتعلم الدرس من فشلها في متابعة شؤون العرب السنة، وهي تستمر في التشويش على الاكراد فيما يتعلق بنقل الميزانيات المستحقة لهم بناء على اتفاق تم توقيعه في العام الماضي وايضا في معالجة تقديم السلاح الذي تعهدت به جهات دولية. والتصور الذي يحمله المجتمع الدولي للاكراد حصل على دفعة حقيقية في أعقاب ظهور الدولة الإسلامية. حيث أن افعال الدولة الإسلامية تُظهر الاكراد بمظهر ايجابي اكثر من السابق، وتظهر أهميتهم بالنسبة للغرب من اجل نظام مستقر في الشرق الاوسط. وبعد الظهور الكبير للاكراد في الساحة الدولية بدأوا في الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية بما في ذلك قصف جوي لجيوش مختلفة من اجل كبح الدولة الإسلامية، الامر الذي يعمق الخلاف اكثر فأكثر بين الدولة الإسلامية وبين كردستان.
من ضمن الخسارات يمكن ذكر حقيقة أن المواجهة مع الدولة الإسلامية كشفت الضعف العسكري الكردي، حيث النقص الخطير في السلاح.
في الوقت الذي تتسلح فيه الدولة الإسلامية بالسلاح الأمريكي الثقيل والجديد الذي سيطرت عليه من الجيش العراقي في الموصل في حزيران 2014، وفي الرمادي في أيار 2015، أما الاكراد فسلاحهم قليل وقديم، وكميات السلاح التي تصل اليهم قليلة مقارنة بتلك التي تصل إلى بغداد.
المأساة هي أنه رغم أن الجيش العراقي تحول إلى برميل بدون ارضية، ورغم فشله الكامل أمام الدولة الإسلامية، فان الولايات المتحدة تستمر في تزويده بالمساعدة العسكرية. والكمية القليلة من السلاح التي ترسلها للاكراد تصر على نقلها عن طريق بغداد، الامر الذي يعيق، واحيانا يمنع، وصول السلاح إلى الاكراد. وهكذا ايضا تتصرف بعض الدول الاوروبية.
أبعاد سلبية اخرى تتعلق بظهور الدولة الإسلامية هي تأجيل الاستفتاء الشعبي حول استقلال كردستان العراق، وضرر اقتصادي كبير ازداد في أعقاب الحاجة إلى استيعاب 1.5 مليون لاجيء، ومواجهات آخذة في الاتساع مع بغداد التي تعيق حرب الاكراد ضد الدولة الإسلامية.
عمليا، أدى ظهور الدولة الإسلامية إلى تطور مثلث العلاقات المعقد، حيث أن مركباته الثلاثة متداخلة مع بعضها البعض وفي نفس الوقت هي تحارب بعضها البعض – الدولة الإسلامية، كردستان وحكومة بغداد التي تحارب ضد المليشيات الشيعية التي تعمل معه. كردستان وحكومة بغداد تتصارعان من اجل السيطرة على الارض والمصادر والسلاح. ونظرا لأن هذه الحرب تحمل طابع ايديولوجي، فان الدولة الإسلامية إذا اضطرت إلى التركيز على المنطقة الكردية أو الشيعية أو العلوية فيمكن أن تختار تركيز قوتها لاخضاع الشيعة. الامر الذي سيزيد من تشابك المثلث الذي تؤثر فيه جهات خارجية، وكل جهة تسحب في اتجاه خاص بها واحيانا في اتجاهين متناقضين. اللاعبين الخارجيين الثلاثة هم الولايات المتحدة وإيران وتركيا، وكل واحد منهم يساعد لاعبين: الولايات المتحدة وإيران تساعد الاكراد وحكومة بغداد، تركيا تساعد الاكراد ومن وراء الكواليس تساعد الدولة الإسلامية ايضا.
لكن في الوقت الذي تستعد فيه السلطة الكردية للاكتفاء بالمنطقة التي تسيطر عليها اليوم، فان العراق والدولة الإسلامية تريدان السيطرة على كل العراق. وفي الوقت الذي تطلب فيه السلطة الكردية الانفصال عن العراق، فان السلطتين الأخريين تطلبان الحفاظ على السلامة الجغرافية للعراق. مع ذلك يبدو أن الجاليات التي تقاس بالقدرة على السلطة، تعتبر السلطة الكردية هي الاقدم والانجح. الدولة الإسلامية تجربتها أقل لكن ديناميكيتها تغطي على ضعف قدرتها على السيطرة. أما حكومة بغداد فهي بعيدة كل البعد عن السيطرة. والأمل الذي علقوه على تغيير نوري المالكي ـ التكنوقراط الفاسد الذي ألحق الضرر بالسنة ـ واستبداله بحيدر العبادي، فشل.
نتيجة الصراع بين الاجسام الثلاثة ستحدد إذا ما فرضت قوات إسلامية متطرفة التطورات المستقبلية في المنطقة أم ستفرضها قوى معتدلة اكثر. هل يمكن أن تغير احداث مصر وتونس، العراق وسوريا وتقام هناك انظمة مستقرة قادرة على الحكم. الخريطة الجيوسياسية متحركة اليوم. فهي موجودة في ذروة عملية معقدة واحيانا مدمرة. ومع ذلك، فان العمليات التي حدثت عميقة وقد اجتازت نقطة اللاعودة. سيكون من الصعب على العراق وسوريا العودة كدولتين كما كانتا في القرن العشرين. لهذا فان تقسيم المناطق الكردية هو حقيقة واقعة، وسيستمر الاكراد في السير البطيء باتجاه الاستقلال في العراق والحكم الذاتي في سوريا. لا يجب الاسراع بنعي الدولة الإسلامية. إذا تم اخضاعها فعلى الاغلب أن جهات سنية بهذا الاسم أو ذاك ستظهر وتستمر في الصراع من اجل اعادة الوضع إلى ما كان عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
بقلم: ابراهام بن تسفي ،عن إسرائيل اليوم
المضمون: (يقول الكاتب أن تصريحات آية الله خامنئي حطمت التوقعات لدى الرئيس الأمريكي، ودمرت أساس ومنطق اتفاق فيينا)
مر أقل من أسبوع منذ الاحتفال بتوقيع الاتفاق الدائم بين القوى العظمى وإيران في مسألة النووي، واذا به يبدأ بالتحطم إلى شظايا الأساس الفكري الذي قام عليه السلوك المتصالح من جانب الرئيس الأمريكي في اثناء المفاوضات. كما يذكر، ففي قراره منح طهران رزمة بعيدة الأثر من الخطوات الاقتصادية لبناء الثقة، قدر أوباما، بأن هذه الجزرة من الاغراءات والحوافز سرعان ما تعطي ثمارها لترفع إيران إلى مسار الاعتدال تجاه الولايات المتحدة.
وبالفعل، اعتبر البيت الابيض رفع العقوبات عن طهران خشبة قفز بمسيرة تقارب متسارعة بين واشنطن وطهران سرعان ما تجعل الأخيرة شريكا استراتيجيا مركزيا في الساحة.
ولكن، في هذه المرحلة على الأقل يتبين بأن التوقعات في جهة والواقع في جهة اخرى. فالأقوال الفظة والتي لا هوادة فيها، التي اطلقها امس الزعيم الروحي لإيران، آية الله علي خامينئي يفترض أن تكون دعوة صحوة ووعي للرأي العام الأمريكي قبل أن يصبح الاتفاق حقيقة ناجزة، وذلك لأن خلاصة تصريحات خامينئي كانت حادة وواضحة: هذا لا يعني فتح صفحة جديدة في علاقات الأمتين، تعيد إلى الاستقرار جملة العلاقات السياسية، الايديولوجية والاقتصادية بينهما على أسس جديدة أكثر تصالحا، بل مجرد مدماك وحيد ومنفرد من العلاقات ـ المدماك النووي، الذي ليس فيه ما يؤثر أو يبث على كل باقي الأبعاد والعناصر في العلاقات بين الدولتين.
وبكلمات صريحة: الاتفاق النووي لا يبشر ببداية صداقة رائعة مع الغرب. العكس هو الصحيح، في نظر خامينئي، السياسة الكيدية الشاملة لإيران من جهة الادارة لن تتغير، وكذا دعم طهران للعناصر التآمرية والإرهاب في ساحات العراق، سوريا، لبنان، البحرين وفي المجال الفلسطيني لن تضعف على الاطلاق حتى بعد تحقيق الاتفاق الدائم. لقد كان نظام آيات الله ولا يزال بالتالي خصما لدودا لـ «الغرور الأمريكي» على حد قول خامينئي، ومن شأنه أن يرى فيها ايضا عدوا لدودا.
هكذا، دفعة واحدة، حطم الزعيم الروحي الإيراني هامش التوقعات من مدرسة براك اوباما ودمر اساس ومنطق اتفاق فيينا. وذلك ناهيك عن أنه من المتوقع من وزير الخارجية ظريف، في هجوم جديد من الابتسامات، ان يشوش الانطباع الذي خلفته هذه التصريحات.
لا يتبقى سوى الانتظار لنرى إذا كان هذا الميل لتقزيم الاتفاق ولادراجه في داخل العلاقة الصدامية المستمرة سيسهم في بلورة رأي عام أكثر تشكيكا في الولايات المتحدة وهكذا يساعد على تصميم نتائج المواجهة في مجلس الشيوخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
الوقت الآن مناسب لاتفاق دفاع مشترك مع الأمريكيين
ما هو المطلوب من واشنطن؟
بقلم: ايتان هابر ،عن يديعوت أحرونوت
المضمون: (يقول الكاتب أنه لا يجب المواجهة مع الإدارة الأمريكية، وإنما يجب ابتزازها لأجل مصلحة إسرائيل)
إن لم أكن مخطئا، فقد كان هذا السناتور الأمريكي العجوز، جورج آيكين، الذي في ذروة الوحل الفيتنامي، حين كان الجنود الأمريكيون يسقطون كالذباب في الغابات هناك، اقترح بصوت واع: «هيا نعلن عن النصر ونعود إلى الديار». بمعنى أن ننصرف من هذه الحرب اللعينة. وبعد ذلك، على مدى السنين، كانوا يقتبسونه من الذاكرة. قوة عظمى مثل أمريكا الكبرى لا تهرب من الحروب. كما أنه لا يمكنها أن تسمح لنفسها بأن تخسر.
الناس في اسرائيل ممن يسألون الآن، بعد التوقيع على اتفاق النووي مع إيران «ماذا سيكون؟»، ينبغي أن يعرفوا وان يتذكروا بان أمريكا لا تسمح لنفسها بان تخسر. في اسوأ الاحوال، لا تنتصر وتعلن عن النصر. هذه أمريكا. وهذا ما تفعله الآن. مع أن الرئيس اوباما لا يركع امام صورة بنيامين زئيف هرتسل في غرفة نومه كل صباح (ولا شك أنه لا توجد صورة كهذه هناك)، ولكنه ملتزم، كأسلافه، بوجود وأمن دولة إسرائيل. من الاتفاق مع إيران خرج مرضوضا ومضروبا نسبيا، ولكنه أعلن عن النصر، ولدينا أنباء لنا جميعا: هو رئيس الولايات المتحدة، وهو الذي يقرر سياسة بلاده، خيرا كان أم شرا، رغم أنه مسموح بالتأكيد الجدال معه. كما أنه هو الذي يحاول أن يصرف حاملة الطائرات الكبرى هذه التي تسمى الولايات المتحدة إلى مسارات لم تكن معروفة لنا حتى الآن ومعناها هو عدم التدخل في الحروب غير الضرورية.
والآن يسأل الجميع: حسنا، ماذا نفعل الآن؟ لنفترض للحظة، وليس فقط للحظة، بأن الولايات المتحدة مخطئة وليست محقة في موضوع الاتفاق مع إيران. ماذا إذن؟ هل سنقصف البيت الأبيض؟ ولنفترض للحظة، للحظة فقط، بأن الكونغرس الأمريكي سيرفض الاتفاق مع إيران. ماذا سنفعل هذا النصر؟ هل سيذهب الروس في أعقاب الأمريكيين فيلغوا الاتفاق؟ هي سيتوقف الصينيون دون حراك؟ هل سينشد الفرنسيون «المارسييز»؟ وهل سيتبدد الاتفاق وكأنه لم يكن، وهل ستكف طهران عن تخصيب اليورانيوم، وإضافة أجهزة الطرد المركزي وبناء القنابل والصواريخ النووية؟
امكانية أخرى هي أن نقول أن الأمريكيين أجروا بالفعل مفاوضات غير ناجحة، بأقل التقدير، وأنهم مخطئون، وسذج بل وأغبياء. ولكن هذا هو الواقع المرير ومن المتعذر أو من الصعب جدا تغييره. هم لن يرفعوا علما أبيض. ومن يفكر عندنا أنهم سيفعلون ذلك لا يعرف اولئك الذين هم مستعدون غدا او حتى الآن أن يقولوا لأمريكا ما نفكر به عنها، وبالأساس عن رئيسها. وهذا ما سيحصل على ما يبدو في الأيام وفي الاسابيع القادمة: الاسرائيليون سينزلون إلى حياة الأمريكيين.
امكانية أخرى هي الاعتراف بالواقع، ولكن عدم التسليم به. ألا نحاول إهانة الإدارة الأمريكية بل أن نبتز حتى النهاية عذابات الضمير لديها في أعقاب التوقع على الاتفاق. هذا يعني أن نطلب وسائل قتالية لم نتجرأ حتى على الحلم بها ونحاول أن ننزع من الأمريكيين اتفاقا بدفاع مشترك. بتعبير آخر: كل هجوم إيراني على إسرائيل سيكون وكأنه هجوم إيراني على نيويورك أو واشنطن. نحن معنيون بحلف دفاعي موقع كهذا منذ سنين، وواشنطن ترفضه جيئة وذهابا. نقرر ألا نخرج الروح للرئيس ومنتخبيه، وهم يحافظون علينا من كل ضر. الموقع أعلاه مستعد لأن يتنازل عن الكبرياء الوطني في هذا الشأن. نعلن أننا انتصرنا ونعود إلى الديار بسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
كردستان وتنظيم «الدولة»
بقلم: عوفره بانجو،عن هآرتس
المضمون: (يقول الكاتب أن اللاعبان الأساسيان في الشرق الأوسط ليسا دولا وإنما تنظيمات لها تأييدها الشعبي وهما تنظيم «الدولة» والأكراد).
حدثت تغييرات على خارطة القرن الواحد والعشرين، غيرت قوانين اللعبة في المنطقة، وغيرت باعقاب ذلك التوازن السياسي بين عناصر القوة المختلفة التي تفعل فعلها.
قبل مئة عام تم تصميم خارطة الشرق الاوسط من قبل عناصر قوة خارجية، سواء بريطانيا أو فرنسا. أما اليوم فان مصممي الخارطة الاقليمية هم لاعبون محليون، وفي الوقت الذي شكلت فيه البنى القومية الدول، فان القرن الواحد والعشرون يتميز بعناصر غير الدولة. وفي الوقت الذي سيطرت القومية العربية في القرن العشرين، فاليوم تسيطر عناصر إسلامية وعرقية، وهي التي تحدد البرنامج اليومي السياسي. وفي الوقت الذي قرر الجيش النظامي في السابق فان المقرر اليوم هو جيش غير نظامي، ميليشيات ومنظمات إرهابية.
الصراع بين الاكراد وبين الدولة الإسلامية الذي اندلع علنا في صيف 2014 هو مثال نموذجي لهذه التغيرات، هذا اللاعبان، اللذان يصممان الخارطة السياسية اليوم، هما جهات ليست دولة، بل محلية، والاثنان يستندان على قوة عسكرية غير نظامية والتي ستتحول إلى نظامية مع الوقت والاثنان يمثلان تيارات تزعزع شرعية الدول القائمة. في الجانب الكردي انه التيار العرقي القومي وفي الطرف الاخر التيار الإسلامي السلفي، والتطورات في المناطق التي تسيطر عليها كردستان في العراق وسوريا هي صورة في المرآة للتطورات لدى داعش، الذي تبنى لنفسه اسم الدولة الإسلامية في صيف 2014. هذان اللاعبان يتغذيان على الشرخ الذي اجتاح دول الهلال الخصيب، والاثنان كفرا بالدولة حيث سيطرا على مناطق ساد فيها فراغ سياسي واقاما فيها انظمة سلطة خاصة بهما. والاثنان محيا الحدود بين سوريا والعراق، والاثنان يستندان إلى متطوعين من دول اجنبية والاثنان يستخدمان الإعلام الجديد من اجل تحقيق اهدافهما.
ولكن في مجالات اخرى انهما متعاكسان. والفرق واضح في الجانب الايديولوجي والتفكير السياسي وبنية السلطة. الدولة الإسلامية هي معادية للغرب، ليست ديمقراطية وسلفية متطرفة، بالمقابل فان طرفي كردستان اللذان يحاربان الدولة الإسلامية هما عكسها تماما. في المركزين الكرديين توجد ملامح سلطة ديمقراطية وعلمانية، وبشكل ادق، ابتعاد عن الإسلام السياسي.
في الماضي اعتبر الاكراد عنصر عدم استقرار على المستوى الاقليمي، واليوم هم الذين يؤثرون على الاستقرار والاعتدال، بالمقابل فان الدولة الإسلامية المتميزة بالتطرف والبشاعة الغير مسبوقة، انها تلاحق الاقليات، تقوم بعمل المجازر والاغتصاب وتهدم كنوز الثقافة الانسانية بطريق لا تقل عن افعال الحملة المنغولية في القرن الثالث عشر. الاكراد بالمقابل، يتميزون بالاعتدال وتقبل الاخر ويمتنعون عن الاعمال الانتقامية.
وعلى الرغم من هدم القرى والمجازر التي قام بها نظام البعث في سنوات الثمانين، فانهم لم ينتقموا لذلك، كما يفعل الشيعة اليوم ضد السنة التي تؤيد البعث، والذين يسمونهم جحوش. اضافة لذلك، هناك حوالي مليون ونصف لاجيء يحتمون في المناطق الكردية في العراق ومن ضمنهم يزيديين، نصارى، أكراد وعرب. هذا في الوقت الذي لا تسارع فيه حكومة بغداد لاستيعاب اللاجئين. ولا تقوم ايضا بتحويل ميزانيات للمناطق الكردية من اجل المساعدة باستيعاب اولئك اللاجئين.
بعد احتلال الموصل من قبل داعش واحتلال كركوك من قبل قوات البشمركة الكردية (الاسم الرسمي للقوات المسلحة لكردستان) في بداية حزيران 2014، بدا وكأن الطرفان قادران على التوصل لتسوية مؤقتة، لكن الاكراد تفاجأوا بشكل كامل بعد شهرين حيث توصلوا لهدف مركزي لهجوم الدولة الإسلامية، واعتبارات الدولة الإسلامية في هجومها على المناطق الكردية السنية كانت استراتيجية واقتصادية واضحة: حاولت السيطرة على منابع النفط لكركوك التي سقطت للتو بيد الاكراد وكذلك السيطرة على الطريق الاستراتيجية بين العراق وسوريا في منطقة سنجار. اعتبارات مشابهة دفعتها في مرحلة متأخرة لمحاولة السيطرة على المنطقة الكردية في سوريا حيث قامت ثلاث كانتونات في صيف 2012، ايضا في المنطقة الكردية في الحسكة الغنية بالنفط هناك صراعات بين الاكراد وبين الدولة الإسلامية.
هكذا تحول الاكراد والدولة الإسلامية إلى اشد الاعداء، بالذات على ضوء نجاح الاكراد بكبح تمدد الدولة الإسلامية في مناطقهم. هذا على العكس من الجيوش النظامية في سوريا والعراق التي هي غير قادرة على دحر داعش. وحقيقة ان الدولة الإسلامية حاربت باكثر من جبهة في الوقت ذاته سواء في سوريا أو في العراق، قد اضعفت الضغط على الاكراد، ويحاول الاكراد رغم تهديد داعش الحفاظ على انجازاتهم.
في هكذا ظروف السؤال الذي يطرح نفسه هل الدولة الإسلامية تساعد أو تؤخر القومية الكردية وسعيها إلى الاستقلال.
وعمليا، فان الدولة الإسلامية والاكراد كذلك يحاربان من أجل ذات البلاد وذات المصادر. الارباح التي عادت على الاكراد من ظهور الدولة الإسلامية يمكن أن نذكر منها انجازات استراتيجية، وانجازات في الدعاية والوعي. لكن الربح الاساسي أخذوه في العراق، حيث احتلوا هناك مناطق مليئة بالنفط وكانت مثار خلاف بينهم وبين السلطة المركزية في بغداد. مشكوك فيه أن الاكراد كانوا سيتجرأون لولا حملات الاحتلال من الدولة الإسلامية التي هددت كركوك وأعطت دفعة ومبرر للاحتلال الكردي. وازداد التضامن القومي الكردي في جميع انحاء كردستان وكذلك الاستعداد للمشاركة في الحرب ضد الدولة الإسلامية. إذا كانت الحرب تسرع من بلورة الهوية القومية فان هذه الحرب قد ساعدت الاكراد في ذلك. اضافة إلى ذلك، حسب شهادات مختلفة، فان ظهور الدولة الإسلامية مع تطرفها الديني، أدى إلى ضعف الإسلام السياسي وتراجع تأثيره على المجتمع الكردي سواء في كردستان العراق أو سوريا. عدم الاستقرار الذي تسببت به الدولة الإسلامية، وعدم قدرة الجيش العراقي والسوري وكذلك الحكومتان في الدولتان على القيام بدورهما أعطى الشرعية للتقسيم. كذلك الضغط الذي تتعرض له بغداد قد زاد من التعلق بالاكراد ولا سيما في كل ما يتعلق بتصدير النفط. لكن حكومة بغداد لم تتعلم الدرس من فشلها في متابعة شؤون العرب السنة، وهي تستمر في التشويش على الاكراد فيما يتعلق بنقل الميزانيات المستحقة لهم بناء على اتفاق تم توقيعه في العام الماضي وايضا في معالجة تقديم السلاح الذي تعهدت به جهات دولية. والتصور الذي يحمله المجتمع الدولي للاكراد حصل على دفعة حقيقية في أعقاب ظهور الدولة الإسلامية. حيث أن افعال الدولة الإسلامية تُظهر الاكراد بمظهر ايجابي اكثر من السابق، وتظهر أهميتهم بالنسبة للغرب من اجل نظام مستقر في الشرق الاوسط. وبعد الظهور الكبير للاكراد في الساحة الدولية بدأوا في الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية بما في ذلك قصف جوي لجيوش مختلفة من اجل كبح الدولة الإسلامية، الامر الذي يعمق الخلاف اكثر فأكثر بين الدولة الإسلامية وبين كردستان.
من ضمن الخسارات يمكن ذكر حقيقة أن المواجهة مع الدولة الإسلامية كشفت الضعف العسكري الكردي، حيث النقص الخطير في السلاح.
في الوقت الذي تتسلح فيه الدولة الإسلامية بالسلاح الأمريكي الثقيل والجديد الذي سيطرت عليه من الجيش العراقي في الموصل في حزيران 2014، وفي الرمادي في أيار 2015، أما الاكراد فسلاحهم قليل وقديم، وكميات السلاح التي تصل اليهم قليلة مقارنة بتلك التي تصل إلى بغداد.
المأساة هي أنه رغم أن الجيش العراقي تحول إلى برميل بدون ارضية، ورغم فشله الكامل أمام الدولة الإسلامية، فان الولايات المتحدة تستمر في تزويده بالمساعدة العسكرية. والكمية القليلة من السلاح التي ترسلها للاكراد تصر على نقلها عن طريق بغداد، الامر الذي يعيق، واحيانا يمنع، وصول السلاح إلى الاكراد. وهكذا ايضا تتصرف بعض الدول الاوروبية.
أبعاد سلبية اخرى تتعلق بظهور الدولة الإسلامية هي تأجيل الاستفتاء الشعبي حول استقلال كردستان العراق، وضرر اقتصادي كبير ازداد في أعقاب الحاجة إلى استيعاب 1.5 مليون لاجيء، ومواجهات آخذة في الاتساع مع بغداد التي تعيق حرب الاكراد ضد الدولة الإسلامية.
عمليا، أدى ظهور الدولة الإسلامية إلى تطور مثلث العلاقات المعقد، حيث أن مركباته الثلاثة متداخلة مع بعضها البعض وفي نفس الوقت هي تحارب بعضها البعض – الدولة الإسلامية، كردستان وحكومة بغداد التي تحارب ضد المليشيات الشيعية التي تعمل معه. كردستان وحكومة بغداد تتصارعان من اجل السيطرة على الارض والمصادر والسلاح. ونظرا لأن هذه الحرب تحمل طابع ايديولوجي، فان الدولة الإسلامية إذا اضطرت إلى التركيز على المنطقة الكردية أو الشيعية أو العلوية فيمكن أن تختار تركيز قوتها لاخضاع الشيعة. الامر الذي سيزيد من تشابك المثلث الذي تؤثر فيه جهات خارجية، وكل جهة تسحب في اتجاه خاص بها واحيانا في اتجاهين متناقضين. اللاعبين الخارجيين الثلاثة هم الولايات المتحدة وإيران وتركيا، وكل واحد منهم يساعد لاعبين: الولايات المتحدة وإيران تساعد الاكراد وحكومة بغداد، تركيا تساعد الاكراد ومن وراء الكواليس تساعد الدولة الإسلامية ايضا.
لكن في الوقت الذي تستعد فيه السلطة الكردية للاكتفاء بالمنطقة التي تسيطر عليها اليوم، فان العراق والدولة الإسلامية تريدان السيطرة على كل العراق. وفي الوقت الذي تطلب فيه السلطة الكردية الانفصال عن العراق، فان السلطتين الأخريين تطلبان الحفاظ على السلامة الجغرافية للعراق. مع ذلك يبدو أن الجاليات التي تقاس بالقدرة على السلطة، تعتبر السلطة الكردية هي الاقدم والانجح. الدولة الإسلامية تجربتها أقل لكن ديناميكيتها تغطي على ضعف قدرتها على السيطرة. أما حكومة بغداد فهي بعيدة كل البعد عن السيطرة. والأمل الذي علقوه على تغيير نوري المالكي ـ التكنوقراط الفاسد الذي ألحق الضرر بالسنة ـ واستبداله بحيدر العبادي، فشل.
نتيجة الصراع بين الاجسام الثلاثة ستحدد إذا ما فرضت قوات إسلامية متطرفة التطورات المستقبلية في المنطقة أم ستفرضها قوى معتدلة اكثر. هل يمكن أن تغير احداث مصر وتونس، العراق وسوريا وتقام هناك انظمة مستقرة قادرة على الحكم. الخريطة الجيوسياسية متحركة اليوم. فهي موجودة في ذروة عملية معقدة واحيانا مدمرة. ومع ذلك، فان العمليات التي حدثت عميقة وقد اجتازت نقطة اللاعودة. سيكون من الصعب على العراق وسوريا العودة كدولتين كما كانتا في القرن العشرين. لهذا فان تقسيم المناطق الكردية هو حقيقة واقعة، وسيستمر الاكراد في السير البطيء باتجاه الاستقلال في العراق والحكم الذاتي في سوريا. لا يجب الاسراع بنعي الدولة الإسلامية. إذا تم اخضاعها فعلى الاغلب أن جهات سنية بهذا الاسم أو ذاك ستظهر وتستمر في الصراع من اجل اعادة الوضع إلى ما كان عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ