Haneen
2015-08-12, 09:33 AM
ملخص مركز الاعلام
قيادة فتح وآخر 5 إخفاقات
محمد القيق- المركز الفلسطيني للاعلام
لن أتحدث اليوم عن السلطة بعيدا عن حركة فتح لأن ما يجري الآن هو فصائلي بامتياز حيث كانت الدعوات في الفترة السابقة لحركة فتح وشبابها بأن يوفوا بعهدهم الذي كانوا يقطعونه على أنفسهم في المحافل والمهرجانات والانتخابات والمؤتمرات حينما كانوا يقولون "نحن على يمين السلطة إن أصابت وعلى شمالها إن أخطأت"؛ وها هي إخفاقات قيادة حركة فتح تتوالى على الصعيد المحلي والدولي وفي كل مرحلة لا نجد أصواتا تردع تلك السلطة التي تشكلها قيادة حركة فتح؛ فلا كوابح ديمقراطية لها ولا فصائلية ووطنية وأخلاقية أو حتى قوانين الحركة الداخلية.
وهنا وبعد أن توالت تلك الإخفاقات باتت حركة فتح لاعبا سلبيا في الساحة الفلسطينية حينما تحولت بكل قوتها وعناصرها وأدواتها إلى وسيلة لشخص هنا في مواجهة شخص هناك؛ فعَلَت المصالح الشخصية على الحركة والمشروع الوطني الذي بات مشروخا وطنيا يتغنى به كل من يريد الصعود، وكانت من بين الإخفاقات آخر خمسة تعكس مدى التخبط:
1-إيجاد خلافات مع دول عربية ناتجة عن حسابات شخصية فكان الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن، فالإمارات العربية المتحدة هذه المرة هي الطرف الآخر خلف تلك المشاكل بعد أن كانت سابقا سوريا والكويت وليبيا في مراحل سابقة وكأن التاريخ يعيد نفسه وتبقى السياسة الفاشلة سيدة الموقف، وقد يقول قائل إن الخلاف مع الإمارات لمصلحة الشعب الفلسطيني فالإجابة أن الإمارات لم تقم بأي إهانة للشعب الفلسطيني كما يقوم بها السيسي المجرم؛ ورغم ذلك فالمحاباة والتقرب منه على حساب الشعب ومعاناة الطلبة والعالقين والمرضى هي "موضة" السلطة وحركة فتح .
2-عدم فهم الموازين جيدا؛ فالتدخل في الشأن الداخلي هو وسيلة خطيرة تمارسها حركة فتح تارة بحجة القومية وأخرى بحجة السلام، فحجة القومية كانت التهجم على مصر بقيادة الرئيس المنتخب محمد مرسي بل كانت غاية مستمرة لحركة فتح وتجاهل رأي مصر في كل مرحلة؛ وحينما جرى الانقلاب على الشرعية نشرت صور المجرم السيسي في كل الضفة وبات رمزا عربيا ومنهم من قدسه وجعله نبيا ورغم ذلك تجاهلهم ورجح كفة شخص على آخر رغم تقديم البعض مصلحته الشخصية على حساب الشعب؛ وهذا ما لم نجده لدى حركة حماس التي لم تهاجم يوما أي نظام عربي أو تتدخل في شأنها الداخلي فها هي الإمارات والسعودية ومصر وسوريا كلها تصدر بين الفينة والأخرى من مخابراتها تقارير تشير إلى عدم وجود تدخلات من حماس بل يسعى الكل إلى التقرب منها لأن سياسة اللعب على عدة خطوط غير موجودة في أجندتها وليست متلونة.
3-محاولة قيادة حركة فتح أن توجد نتائج انتخابات في داخل الكيان الصهوني تخرج نتنياهو خارج اللعبة؛ فكان التدخل في تلك المرحلة مأساة أخرى أضيفت للمواطن الفلسطيني الذي عاد له نتنياهو بأغلبية الشارع الصهيوني وينتقم أضعاف ما كان عليه سابقا وذلك بسبب جهل وعدم قراءة للملفات من كل الزوايا ودخول أنفاق دبلوماسية ثبت عدم خبرة داخليها كل يوم.
4-تطل علينا قيادة فتح وبعد كل مصالحة واجتماع بمزيد من التصعيد في الضفة الغربية فبعد أن كشف هدفها من حكومة التوافق التي تجاهلت غزة وأخفقت في الضفة؛ تصاعدت الاعتقالات السياسية التي هي أمنية بامتياز وكانت على حساب العلاقات الداخلية الفلسطينية وأيضا تعزيز للخلافات الفتحاوية الفتحاوية، فلن أستهجن ما تقوم به قيادة الحركة بحق الفصائل الأخرى لأنها أصلا منقسمة على ذاتها ليكون الإخفاق هنا مزدوجا؛ فالبيت الفتحاوي منقسم على حاله فكيف بقيادته أن تعطي مصالحة ومحبة وشراكة هي فاقدتها أصلا في بيتها ليسجل في كل يوم إخفاق جديد؛ والاستهجان فقط من صمت شباب الحركة الذين من المؤكد أن بينهم واعون ومحنكون طمستهم بعض الشخصيات حتى لا يختل ميزان الحسابات.
5-المحافل الدولية .. حدث ولا حرج؛ فالإخفاقات لم تعد حكرا على العلاقات الداخلية الفلسطينية ولا حتى مع الأنظمة العربية وحتى التعامل مع ملف المفاوضات والسلام والتنسيق الأمني المجاني بل وصل الحال إلى تصفيق ورقص في جنازة، فالمحكمة الدولية والتقارير الحقوقية والانضمام إلى المنظمات الدولية يسمع عنه بين الفينة والأخرى ولا تُرى لتلك الفقاعات نتائج وكأن المطلوب "مسكن" للفلسطيني على الساحة الدولية حتى ينسى جراحه اليومية في معادلة "سوف" التي تتداولها قيادة الحركة في إطار ما بات يعرف بالمعارك "مصطلح يستخدم لتكبير التحركات وإخفاء الإخفاقات".. وكل هذا يدلل على عدم وجود قرار درست أبعاده ونتائجة محليا ودوليا بشأن الانضمام للمؤسسات الدولية وكأن القضية الفلسطينية كلها تحولت إلى مناورات وهمية .."مكانك قف".
هذه آخر الإخفاقات وليس أولها أو كلها ليكون المطلوب الآن أن يتحرك الشعب الفلسطيني ليقود بنفسه ويختار قيادته بعيدا عن ثوب الوطنية الممزق أو إسطوانه الطلقة المشروخة أو الحسابات الحزبية الضيقة؛ فالإخفاقات تتوالى وإن استمر البعض في خرق السفينة فسيغرق هو والساكت والمطبل والمعترض لأن البحر لا يرحم.
حماس والسعودية.. بعيدا عن الأوهام
ساري عرابي- فلسطين الان
لقد كشفت زيارة وفد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى السعودية عن مجموعة من الحقائق التي ينبغي لها أن تبدد عددا من الأوهام التي راجت في الفترة الأخيرة، سواء لدى بعض من جمهور الحركة، أو بعض الإسلاميين الذين بالغوا في الرهان على تحولات الحكم في السعودية، كما بالغوا في التملّق للحكم الجديد، أو لدى شانئي الحركة، لا سيما من جمهور المحور الإيراني الذي يتسم بدوغمائية عجائبية مثيرة للازدراء قبل أي شيء، بيد أنها بدلا من ذلك عززت تلك الأوهام، أو خلقت بدورها أوهاما جديدة.
فهذه الزيارة أولا، تبين مدى الخفّة والتعلق بحبال الأماني التي لا آخر لها، حينما روّج بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في وقت سابق، قبل بضعة شهور، أخبارا كاذبة عن زيارة قام بها الأخ خالد مشعل للسعودية، وانساق لها عدد من الشخصيات العامة والمواقع الإخبارية، واستحقت جهدا مضنيا لنفيها ممن كان لديهم اليقين بأن هكذا زيارة لم تتم في زمن يكثر فيه أدعياء المعرفة ببواطن الأمور، ثم انبنى على هذه الأخبار الكاذبة، أو أجواء التوهّم المتضخمة التي انتفشت في ذلك الوقت؛ أكاذيب أخرى حول قيام حماس بأدوار لصالح السعودية في الملف اليمني، أو في التوسط مع بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين، وحول قيام السعودية بالسعي لصالح حركة حماس لدى النظام الانقلابي في مصر، وهي أخبار وإن رغب في تصديقها بعض من الإسلاميين على مثال "يحسبه الظمآن ماء"، فقد بنى عليها مهووسو إيران، وعبيد حزبها اللبناني، ومستحثات خرافة اليسار العربي، ادعاءات تتسق تماما مع هوسهم المرضي، إذ تدعي ارتماء حماس النهائي في الحضن السعودي "بعيدا عن المقاومة" (يا للسخرية!)، وهي ادعاءات ما كفّ هؤلاء المعوّقون عقليا وضميريا عن تردادها منذ خلاف حماس الشهير مع إيران حول الموضوع السوري.
وإذن، فلم تتمكن قيادة حماس، قبل هذه الزيارة، من تحقيق أي اختراق مع العهد السعودي الجديد، ولو على مستوى إنجاز زيارة خاطفة، إلا في اليوم الأخير من رمضان، كما قد تبين بأن للحركة معتقلين لدى السعودية منذ عام تقريبا، بعضهم من الصف المتقدم جدا في قيادة الحركة، ولا ينبغي للحصيف إزاء ذلك أن يتردد في التوقع بأن هذا الاعتقال قد ترتبت عليه أضرار كثيرة على المستوى الفردي للمعتقلين، أو لمن يرتبط بملفاتهم من عناصر الحركة، أو للحركة ذاتها، وكل ذلك على أهميته جزء من السياق العام الذي يبين بأن هذه الزيارة هي أول اختراق، بصرف النظر عن حجمه، منذ القطيعة الفعليّة التي فرضتها السعودية من بعد فشل اتفاق مكة وانفجار الأحداث التي أفضت إلى الانقسام في العام 2007.
وإذا كانت الحركة لم تتمكن من تحقيق هذا الاختراق إلا بعد كل هذا الوقت، وفي اليوم الأخير من رمضان، حيث صدرت التأشيرة في اليوم الثامن والعشرين من رمضان، وفي اليوم التالي لاتفاق القوى الغربية مع إيران حول برنامجها النووي، وبعد جهود متراكمة وطويلة بذلتها قيادة الحركة وتدخلت فيها وساطات متعددة، وإذا كانت الحركة طوال عام على الأقل تتكتم عن وجود معتقلين منها لدى السعودية، معوّلة كعادتها مع الدول العربية في هكذا ظروف على الجهود الهادئة بعيدا عن التصعيد، وإذا كانت هذه الملفات لم تتزحزح إلا مع الزيارة الأخيرة، فلا شك إذن بأن كل ما قيل خلال الفترة السابقة على الزيارة حول تطورات جديّة في علاقة حماس بالسعودية لم يكن صحيحا، سواء روّج لذلك بعض الإسلاميين وبعض من جمهور الحركة، أو روّج له محازبو المحور الإيراني.
وتلك التجربة مع الفريقين، أي مع أماني ورغبات الإسلاميين المعوّلين على العهد الجديد في السعودية، ومع ادعاءات وأكاذيب مهووسي إيران، ينبغي أن تفرض على الفريق الأول مزيدا من التأني والتحفظ حين التعبير عن التطور الجاري والتحرر في سياق ذلك من إغراءات الأماني والاحتراز من السقوط في الأوهام وتضليل الجماهير، وعلى الفريق الثاني شيئا من الحياء الذي يحدّ من جرأتهم على الكذب والتصرف كأوصياء على حماس وعلى المقاومة (يا للسخرية مرة ثانية!).
والاحتراز هنا ليس نفيا لأهمية الزيارة، فمجرد انتهاء القطيعة والسماح لقيادة حماس بزيارة السعودية لا يخلو من أهمية، بصرف النظر إن كانت قد جاءت نتيجة لجهود حماس والوساطات التي تدخلت لصالحها، أو جاءت نتيجة لتحولات في التفكير السعودي، أو نتيجة لاتفاق النووي، أو نتيجة لذلك كله، لكن لا ينبغي على المرء أن ينساق في الدفاع عن الزيارة ردا على الهوس المرضي الذي يبديه المختلون من محازبي إيران؛ إذ تخلو مواقفهم وبذاءاتهم من أي معقولية، وتحيل النقاش للبحث في العلل العقلية والنفسية التي تخيّل لهؤلاء بأن إيران وصية على حماس وخياراتها وعلاقاتها، علما بأن علاقة حماس بالسعودية أثناء وجود قيادة حماس في دمشق، واحتفاظها بعلاقات متينة مع إيران، كانت أفضل بكثير من الشكل الذي تحقق في الزيارة الأخيرة، وهو ما يعني أن جمهور المحور الإيراني عاجز عن فهم ماذا يعني أن تكون ذاتا مستقلة عن إيران، والنقاش ينبغي أن يتركز هنا، وليس دفاعا عن الزيارة.
بيد أن الإفراج عن المعتقلين هو الإنجاز الأهم لهذه الزيارة، سواء على المستوى الإنساني من جهة المعتقلين أنفسهم وعائلاتهم، أو على المستوى التنظيمي من جهة أهمية ذلك في ترميم الأضرار التي تعرضت لها مصالح الحركة وعلاقاتها الداخلية جرّاء ذلك الاعتقال.
لكن هذه الأهمية لم تصل إلى الحدّ الذي يبرر الحديث عن تحولات جذرية في تفكير الحكم السعودي الحالي تجاه حماس، فحتى على مستوى شكل إنجاز الزيارة، بعيدا عن المبالغة والبيانات الموهمة، فإنه كان أقل مما اعتادت عليه قيادة حماس سابقا، فتهنئة رؤوس الدولة الثلاثة بالعيد في جملة المهنئين والاجتماع بأحدهم (الأمير محمد بن سلمان) في لقاء قصير، لا يكفي للاستدلال به من حيث الشكل على تحولات جديّة، فضلا عن المضمون الذي لم يتغيّر فيه سقف السعودية من حيث تمسّكها بالمبادرة العربية، وأخذها عداء الأمريكان للحركة وضرورة إنجاز الهدنة بعين الاعتبار. وهذا بالإضافة إلى أن أبعاد إنهاء ملف المعتقلين لم تتضح بعد، فهل هو إغلاق نهائي يشمل المعتقلين المفرج عنهم وكل من ارتبط اسمه بالملف من غيرهم أم لا؟! هذا ليس واضحا بعد.
لقد كانت الزيارة مهمة ومنجِزة، لكن ما حصل لا يعدُّ بعدُ اختراقا عظيما، وإن كان الاحتمالات مفتوحة للبناء عليه، مع ضرورة ألا يكون ثمن البناء من مواقف الحركة بخصوص القضية الفلسطينية، أو بخصوص الملفات العربية والإقليمية، ومن الجهة المقابلة، فإن هذا الاختراق لا يقوى على احتمال الهذيان الذي اقترفه بعض الإعلام الإيراني.
إن المسؤولية تجاه جمهور حركة مقاومة عظيمة، هي حماس، وتجاه الجمهور الكبير والواسع للحركة الإسلامية، التي تعاني اليوم أشدّ محنها، والتي هي بعض من محنة الأمّة الكبرى؛ تفرض على صناع الرأي الدقّة والأمانة حين التعبير عن هكذا تطورات، بعيدا عن المبالغة والإيهام، وهو القول الواجب أيضا في حقّ القادة وصناع السياسة من أبناء هذه الحركة.
من للقدس والأقصى؟!
أيمن ناهية- الرسالة نت
في الوقت الذي تتوجه فيه أنظار العالم صوب اتفاق دول (5+1) الخاص بالملف النووي الإيراني يواجه المسجد الأقصى المبارك عودة الاقتحامات والحملات المتطرفة المكثفة من الجماعات الصهيونية، بتحديها للأمتين العربية والإسلامية، واستفزاز وجرح مشاعرهم الدينية بتهويد "أولى القبلتين ثالث الحرمين"، وهذا ينذر بكارثة جديدة ستحل على المنطقة برمتها، ففي كل يوم يستبيح حرمة المسجد الأقصى ويهين كرامته المستوطنون المتطرفون، وبالأمس كانت المجندات في جيش الاحتلال يطفن ويرقصن على مرأى ومسمع العرب ولا أحد يحرك ساكنًا، إنه مشهد يثير الغضب والاستهجان، واستفزاز للمشاعر، حين يمنع الفلسطينيون من دخوله ويسمح لمن ليس لهم فيه شيء بدخوله للعبث به، وهذا المشهد هو واحد من مشاهد التهويد اليومية التي تشهدها مدينة القدس، حيث يواجه المقدسيون حملة شرسة من الطرد والإبعاد والتهجير القسري والاستيلاء عنوة على ممتلكاتهم وبيوتهم وأراضيهم من قبل سلطات الاحتلال، كما يواجهون صعوبات في استصدار تراخيص البناء من لجان التنظيم لبلدية الاحتلال التي تضع أمامهم شروطًا تعجيزية، إلى جانب مطالبتهم بدفع ضرائب باهظة تعرف باسم (أرنونا)، وتقدر بآلاف الدولارات لاستصدار رخصة للبناء، ومن لا يستطع الدفع يصادر منزله، ومن المؤكد أن نحو 80% من المقدسيين مدينون لها.
ويصرف الاحتلال نحو 30% منها على المستوطنات، وتجبي بلدية الاحتلال في القدس المحتلة (أرنونا) بعد أن أقر برلمان الاحتلال (كنيست) زيادتها بنسبة 3.1% في هذا العام على المقدسيين، مقابل خدمات تقدم للمستوطنين ولا تقدم على الوجه المطلوب للمقدسيين، وقامت سلطات الاحتلال بعمليات طرد وتشريد للمقدسيين، بعد أن سحبت الإقامة من نحو 15 ألف عائلة يبلغ تعداد أفرادها 50 ألف, وعدلت أطماع الحركة الصهيونية الحدود المصطنعة لما أسمته "القدس الكبرى" عاصمة للشعب اليهودي لتقضم 10% من مساحة الضفة الغربية، ومن المتوقع أن يقطنها بحلول عام 2020م قرابة مليون يهودي، وفي المقابل تنتهج الداخلية الإسرائيلية جاهدة منذ احتلال شرقي القدس سياسة تفريغ المدينة من الفلسطينيين؛ ليقتصر الوجود الفلسطيني بها على 100 ألف نسمة أو أقل من ذلك، إن أمكن.
إن الهدف مما تقوم به سلطات الاحتلال وبلديتها في القدس من مضاعفة الضريبة الباهظة على المقدسيين، والاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم وبناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري؛ الضغط عليهم ليجبروا على الرحيل من المدينة، لتفريغها من الجنس العربي، وهذا يترجم ما يقوم به المستوطنون المتطرفون من اعتداءات يومية على المسجد الأقصى والكنائس، وحفر الأنفاق، وسرقة المعالم الأثرية والتاريخية والحضارية تحت غطاء واضح من سلطات الاحتلال.
إن القدس ذاهبة إلى الأسرلة السريعة وقد تغيرت معالمها العربية والإسلامية، وحلت مكانها اليهودية، فالمطلوب الآن من الجميع وقفة صادقة لنجدة القدس من التهويد بأن يرتفع الصوت الفلسطيني والعربي والدولي عاليًا منددًا بالإجراءات الانفرادية الإسرائيلية في القدس، ومنع اليهود المتطرفين من الهجوم على المسجد الأقصى لتدنيسه وحرقه وهدمه بحجة إقامة الهيكل المزعوم. وليس المقصود هنا أن الاحتجاجات الكلامية قد تكون كافية لوقف المخططات الإسرائيلية الاستيطانية في القدس، بل إن المجتمع الدولي يمتلك الوسائل الفاعلة والقادرة على وضع حد للممارسات التهويدية والاستيطانية الإسرائيلية في القدس.
وهم الحكومة الفلسطينية المتبدد
محسن صالح- الرأي
على حماس أن تتوقف عن وهم تشكيل حكومة تدير الضفة الغربية (مع القطاع) وفق معايير المقاومة المسلحة، كما أن على فتح أن تتوقف عن وهم تشكيل حكومة تدير قطاع غزة (مع الضفة) وفق معايير اتفاق أوسلو والتسوية السلمية.
وما دام الاحتلال الإسرائيلي موجودا على الأرض، خصوصا في الضفة الغربية، يجب تبديد الوهم باعتبار الحكومة الفلسطينية قاطرة للتغيير ومدخلا لنجاح المصالحة، ذلك أن الاحتلال لن يوفر أي بيئة نجاح لحكومة فلسطينية ترعى المقاومة أو تسعى للتخلص منه.
إن تشكيل أي حكومة يجب أن يكون جزءا من منظومة عمل وطني تعيد تعريف السلطة الفلسطينية ودورها، وتديرها كإحدى أدوات الصمود والنضال، وبطريقة تستوعب الجميع دونما تمييز، وتحاول خدمة الشعب الفلسطيني، لا أن تكون أداة وظيفية للاحتلال، ولا أداة للضغط السياسي والأمني لطرف فلسطيني على آخر، وإذا ما أراد الطرف الإسرائيلي فرض رؤيته ومساراته، فيجب أن يتحمل عندئذ المسؤولية المباشرة لاحتلاله. ولذلك فإن عمل الحكومة لا يأخذ مصداقيته إلا مع تفعل الإطار القيادي الموحد، وضمن عملية الإصلاح الشامل لمنظمة التحرير الفلسطينية.
مرت في يوم 25/6/2015 الماضي الذكرى التاسعة لعملية "الوهم المتبدد" التي نفذتها حركة حماس بالتعاون مع "لجان المقاومة الشعبية" و"جيش الإسلام"، وأدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وأسر الجندي "جلعاد شاليط"، مما فتح المجال لإحدى أكبر صفقات تبادل الأسرى في التاريخ الفلسطيني الحديث.
لعل التوفيق قد أصاب تسمية العملية باسم "الوهم المتبدد"، إذ قدمت في تلك الفترة دليلا حاسما على التزام حماس بخط المقاومة المسلحة حتى وهي في السلطة، وألغت أي أوهام مرتبطة بذلك.
كما قدمت دليلا قويا على قدرة المقاومة الفلسطينية على تطوير نفسها وتنفيذ عملية أسر نوعية احتفظت بجندي إسرائيلي سرا لسنوات، في بيئة أمنية معقدة، يملك فيها الاحتلال وأدواته قوة طاغية. وهي من ناحية ثالثة ضربت الأوهام الإسرائيلية بالقدرة على استخدام ورقة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وفرضت إرادة المقاومة بتحرير أكثر من ألف أسير، بينهم أكثر من 300 محكومين بالمؤبد.
من جهة أخرى، فإن هذه العملية أعطت مؤشرا لا لبس فيه بعدم إمكانية نقل حماس إلى مربع التسوية السلمية واحتوائها تحت سقف اتفاقات أوسلو واستحقاقاتها. غير أن استتباعات هذه العملية ومجموعة الإجراءات الإسرائيلية التي تلتها (بالإضافة إلى مجموعة إجراءات تلت فوز حماس بالانتخابات) بددت أي أوهام أو توقعات لدى العديد من قيادات حماس ومؤيديها بإمكانية الجمع بين السلطة والمقاومة، تحت الاحتلال الموجود على الأرض، خصوصا في الضفة الغربية.
كانت الرسالة الإسرائيلية واضحة بأن حماس لا تستطيع أن تقدم حالة نجاح في إدارة السلطة الفلسطينية ما دامت تتمسك بخيار المقاومة المسلحة، حتى لو فازت بالشرعية الشعبية والتشريعية، وحتى لو قدمت أفضل الكفاءات والخبرات والبرامج، وحتى لو أرادت الدخول في تهدئة تمكنها من العمل، إذ إن منظومة "اتفاق أوسلو" كانت مبنية أساسا على تطويع قوى المقاومة، وجعلها بدون أظافر أو أسنان وجعل الطرف الفلسطيني من دون أي أوراق قوة ضاغطة على الطرف الإسرائيلي.
ولذلك قصفت القوات الإسرائيلية قطاع غزة في الـ45 يوما التي تلت تشكيل حماس لحكومتها (منذ 31/3/2006) بـ5100 قذيفة مدفعية بمعدل 110 قذائف يوميا، واستشهد نحو 120 فلسطينيا في الأشهر الثلاثة التي تلت تشكيل هذه الحكومة. وارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة راح ضحيتها 14 فلسطينيا في 7/6/2006 منهم سبعة من عائلة واحدة، ثم ارتكبت مجزرة أخرى بعد ذلك بأربعة أيام قتلت فيها 11 فلسطينيا. أي أن الإسرائيليين كانوا يدفعون الأوضاع نحو الانفجار ونحو إنهاء التهدئة بحيث لم يكن من خيار لدى حماس سوى الرد بعمليات انتقامية قبل أن تفقد مصداقيتها وشعبيتها، فقامت بعملية "الوهم المتبدد".
واتخذ الطرف الإسرائيلي من هذه العملية ذريعة للقيام بعملية "أمطار الصيف" التي استشهد فيها 400 فلسطيني، ثم عملية غيوم الخريف التي استشهد فيها 105 فلسطينيين، وقامت باعتقال 3500 فلسطيني بينهم عشرة من وزراء حكومة حماس.
وفي سنة 2007 كان قد وصل عدد أعضاء المجلس التشريعي المعتقلين المحسوبين على حماس 42 نائبا هم الأغلبية الساحقة لنواب حماس في الضفة الغربية، بمن فيهم رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك. ولسنا بصدد سرد إجراءات الحصار والتضييق والإفشال التي قام بها الاحتلال.
وباختصار فإن مشاريع التحرير وحركات المقاومة لا تستطيع (ولا ينبغي أن تنشغل بـ) تحقيق "الرفاه تحت الاحتلال"، وإلا تحول الاحتلال من نقيض إلى شريك، ومن عدو إلى حليف. والعدو أثبت أنه لا يرغب بتسوية تنهي احتلاله وعدوانه، وإنما في سلطة وظيفية تخدم أغراضه وتخفف التكاليف والأعباء عنه، وهذا ما جرى في الضفة الغربية.
وعندما أصرت حماس على تشكيل حكومة توفر غطاء للمقاومة، أو تخدم برنامجها، أو تقدم حالة نجاح لأنصارها، كان مصيرها الإفشال والإسقاط. ولذلك يجب أن ينتهي أنصار حماس والمقاومة من فكرة تشكيل حكومة أو المشاركة الفاعلة في حكومة تدير الأوضاع في الضفة الغربية بنفس تلك المعايير الموجودة في القطاع. وبعبارة أخرى، فإذا لم يكن "أوسلو" في برنامج حماس، فلن تكون حماس في برنامج "أوسلو".
أما قطاع غزة، فإن الحالة التي أوجدتها حماس فيه مرتبطة بعدم وجود قوات احتلال إسرائيلي على الأرض، بخلاف حالة الضفة الغربية. وبالتالي فإن طريقة الإفشال التي قام بها الجانب الإسرائيلي كانت بأدوات الحصار الخانق والحروب المدمرة. وإذا كانت المقاومة قد قدمت نموذجا بطوليا في الصمود والتضحية، والاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة، فإنها قدمت نموذجها خارج منظومة "أوسلو"، وفي ظروف معقدة، وفي بيئة إقليمية ودولية معادية أو غير مواتية.
قيادة فتح التي تقود منظمة التحرير والسلطة في رام الله أيضا عليها أن تخرج من وهم تهميش أو تركيع أو تطويع حركة حماس، وعليها أن تتعامل بأسرع ما يمكن مع الخلاصة التي ستصلها عاجلا أم آجلا في أن تأخذ حماس وقوى المقاومة حجمها الطبيعي ودورها الحيوي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، بما ينعكس بشكل فاعل على الأرض على سياسات ومؤسسات وبُنَى منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
إن طريقة الإفشال ومحاولة الإسقاط التي سلكتها قيادة فتح برئاسة أبي مازن تجاه الحكومة العاشرة والحادية عشرة (2006-2007) التي شكلتها حماس لم تؤد إلا لتكريس الانقسام، وعبرت عن حالة سوء التقدير والفشل في استيعاب الآخر، والإصرار على الدخول في تكتيكات خاطئة وباهظة التكاليف، تستند إلى محاولة الهيمنة والاستفراد في القرار، ومحاولات الاستفادة من البيئة الإقليمية والدولية لتحييد وتهميش أطراف فاعلة على الساحة الفلسطينية.
إن اتفاق المصالحة الفلسطينية الذي صبر الفلسطينيون أربعة أعوام بانتظار توقيعه (مايو/أيار2011) قد تم التعامل معه من قِبل أبي مازن بشكل انتقائي وتكتيكي، بحيث تم تعطيل المسار الأهم في تفعيل منظمة التحرير وتفعيل الإطار القيادي الموحد، مع الاستمرار في تعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني.
ودخل أبو مازن في وهم تشكيل حكومة تلتزم بأوسلو واستحقاقاتها، على أمل الوصول إلى "حلم" إجراء انتخابات في الضفة والقطاع تؤدي إلى فوز فتح، ونزع الشرعية الشعبية التي تمتعت بها حماس.. وعند ذلك سيتابع أبو مازن مساره فيسمح بافتتاح المجلس التشريعي، ومحاولة فرض شروطه على حماس كحزب أقلية ذي دور هامشي. أما وأن حماس ما زالت تتمتع بأغلبية في المجلس التشريعي، فعليها أن تخرج من وهم قيام حكومة فلسطينية تخضع لرقابة ومحاسبة فعلية من المجلس، فهذا ما لا يقبله أبو مازن، وما ترفضه سلطات الاحتلال أيضا.
وعندما تشكلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله في أوائل يونيو/حزيران 2014 كانت مسؤولياتها تُركز على إعادة الإعمار وفك الحصار عن قطاع غزة وعلى توحيد المؤسسات الفلسطينية في الضفة والقطاع، والتحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية، غير أنها سرعان ما دخلت في أوهام استثمار ضغط الحصار والدمار على القطاع لتفرض على حماس وقوى المقاومة وبشكل انتقائي الشرعية المستمدة من الرئاسة (وليس الشرعية المستمدة من التشريعي) ومعايير "أوسلو" السياسية، ومعايير "فتح" في التعيين والتوظيف والصرف المالي.
وقد حولها ذلك إلى حكومة أزمة بدل أن تكون حكومة مصالحة وحكومة طرف واحد بدل أن تكون حكومة وحدة.. لم يكن المجلس التشريعي الفلسطيني حاضرا في معاييرها والتزاماتها واستحقاقاتها مع أنه الجهة التي تستمد منه شرعيتها، والجهة التي تقوم بمحاسبتها وإعطاء الثقة أو نزعها منها.
ولذلك تواصلت محاولات الإنكار والالتفاف عن تثبيت نحو أربعين ألف موظف من موظفي قطاع غزة، مع استمرار تطبيق معايير "السلامة الأمنية" في الضفة الغربية، واستمرار حملات المطاردة والتضييق على أنصار حماس وقوى المقاومة في الضفة، وكأنه ليس هناك مصالحة وطنية.
لا يمكن لحكومة توافق أن تكون أداة باطشة بيد فصيل فلسطيني معين، ولا يمكن لحكومة توافق أن تكون أداة لفرض المعايير والشروط الإسرائيلية والدولية على قوى المقاومة، بعد أن فشلت هذه القوى في إخضاع المقاومة وتركيعها. ويجب أن تتبدد هذه الأوهام بسرعة قبل أن يضيع الوقت فيما لا طائل منه.
وأخيرا، فإذا كان سقف الاتفاقات الذي أنشأ السلطة لا يسمح لحماس وقوى المقاومة بإدارة حكومة تحت الاحتلال، وإذا كانت المعايير التي تريد فتح تطبيقها في إدارة السلطة لا تتوافق مع الحد الأدنى للمقاومة، فعند ذلك يجب تبديد الوهم باعتبار الحكومة الفلسطينية قاطرة للتغيير ومدخلا لنجاح المصالحة.
ويجب أن تتم عملية مراجعة وتقييم للسلطة الفلسطينية ودورها الوظيفي، وأن يعاد ضبط مسارها بما يتوافق مع المشروع الوطني الفلسطيني في التحرير والاستقلال. وإذا لم يكن ذلك ممكنا عمليا، فعلى الشعب الفلسطيني أن يواصل نضاله، وعلى الاحتلال أن يتحمل نتائج احتلاله ويدفع أثمانه.
قيادة فتح وآخر 5 إخفاقات
محمد القيق- المركز الفلسطيني للاعلام
لن أتحدث اليوم عن السلطة بعيدا عن حركة فتح لأن ما يجري الآن هو فصائلي بامتياز حيث كانت الدعوات في الفترة السابقة لحركة فتح وشبابها بأن يوفوا بعهدهم الذي كانوا يقطعونه على أنفسهم في المحافل والمهرجانات والانتخابات والمؤتمرات حينما كانوا يقولون "نحن على يمين السلطة إن أصابت وعلى شمالها إن أخطأت"؛ وها هي إخفاقات قيادة حركة فتح تتوالى على الصعيد المحلي والدولي وفي كل مرحلة لا نجد أصواتا تردع تلك السلطة التي تشكلها قيادة حركة فتح؛ فلا كوابح ديمقراطية لها ولا فصائلية ووطنية وأخلاقية أو حتى قوانين الحركة الداخلية.
وهنا وبعد أن توالت تلك الإخفاقات باتت حركة فتح لاعبا سلبيا في الساحة الفلسطينية حينما تحولت بكل قوتها وعناصرها وأدواتها إلى وسيلة لشخص هنا في مواجهة شخص هناك؛ فعَلَت المصالح الشخصية على الحركة والمشروع الوطني الذي بات مشروخا وطنيا يتغنى به كل من يريد الصعود، وكانت من بين الإخفاقات آخر خمسة تعكس مدى التخبط:
1-إيجاد خلافات مع دول عربية ناتجة عن حسابات شخصية فكان الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن، فالإمارات العربية المتحدة هذه المرة هي الطرف الآخر خلف تلك المشاكل بعد أن كانت سابقا سوريا والكويت وليبيا في مراحل سابقة وكأن التاريخ يعيد نفسه وتبقى السياسة الفاشلة سيدة الموقف، وقد يقول قائل إن الخلاف مع الإمارات لمصلحة الشعب الفلسطيني فالإجابة أن الإمارات لم تقم بأي إهانة للشعب الفلسطيني كما يقوم بها السيسي المجرم؛ ورغم ذلك فالمحاباة والتقرب منه على حساب الشعب ومعاناة الطلبة والعالقين والمرضى هي "موضة" السلطة وحركة فتح .
2-عدم فهم الموازين جيدا؛ فالتدخل في الشأن الداخلي هو وسيلة خطيرة تمارسها حركة فتح تارة بحجة القومية وأخرى بحجة السلام، فحجة القومية كانت التهجم على مصر بقيادة الرئيس المنتخب محمد مرسي بل كانت غاية مستمرة لحركة فتح وتجاهل رأي مصر في كل مرحلة؛ وحينما جرى الانقلاب على الشرعية نشرت صور المجرم السيسي في كل الضفة وبات رمزا عربيا ومنهم من قدسه وجعله نبيا ورغم ذلك تجاهلهم ورجح كفة شخص على آخر رغم تقديم البعض مصلحته الشخصية على حساب الشعب؛ وهذا ما لم نجده لدى حركة حماس التي لم تهاجم يوما أي نظام عربي أو تتدخل في شأنها الداخلي فها هي الإمارات والسعودية ومصر وسوريا كلها تصدر بين الفينة والأخرى من مخابراتها تقارير تشير إلى عدم وجود تدخلات من حماس بل يسعى الكل إلى التقرب منها لأن سياسة اللعب على عدة خطوط غير موجودة في أجندتها وليست متلونة.
3-محاولة قيادة حركة فتح أن توجد نتائج انتخابات في داخل الكيان الصهوني تخرج نتنياهو خارج اللعبة؛ فكان التدخل في تلك المرحلة مأساة أخرى أضيفت للمواطن الفلسطيني الذي عاد له نتنياهو بأغلبية الشارع الصهيوني وينتقم أضعاف ما كان عليه سابقا وذلك بسبب جهل وعدم قراءة للملفات من كل الزوايا ودخول أنفاق دبلوماسية ثبت عدم خبرة داخليها كل يوم.
4-تطل علينا قيادة فتح وبعد كل مصالحة واجتماع بمزيد من التصعيد في الضفة الغربية فبعد أن كشف هدفها من حكومة التوافق التي تجاهلت غزة وأخفقت في الضفة؛ تصاعدت الاعتقالات السياسية التي هي أمنية بامتياز وكانت على حساب العلاقات الداخلية الفلسطينية وأيضا تعزيز للخلافات الفتحاوية الفتحاوية، فلن أستهجن ما تقوم به قيادة الحركة بحق الفصائل الأخرى لأنها أصلا منقسمة على ذاتها ليكون الإخفاق هنا مزدوجا؛ فالبيت الفتحاوي منقسم على حاله فكيف بقيادته أن تعطي مصالحة ومحبة وشراكة هي فاقدتها أصلا في بيتها ليسجل في كل يوم إخفاق جديد؛ والاستهجان فقط من صمت شباب الحركة الذين من المؤكد أن بينهم واعون ومحنكون طمستهم بعض الشخصيات حتى لا يختل ميزان الحسابات.
5-المحافل الدولية .. حدث ولا حرج؛ فالإخفاقات لم تعد حكرا على العلاقات الداخلية الفلسطينية ولا حتى مع الأنظمة العربية وحتى التعامل مع ملف المفاوضات والسلام والتنسيق الأمني المجاني بل وصل الحال إلى تصفيق ورقص في جنازة، فالمحكمة الدولية والتقارير الحقوقية والانضمام إلى المنظمات الدولية يسمع عنه بين الفينة والأخرى ولا تُرى لتلك الفقاعات نتائج وكأن المطلوب "مسكن" للفلسطيني على الساحة الدولية حتى ينسى جراحه اليومية في معادلة "سوف" التي تتداولها قيادة الحركة في إطار ما بات يعرف بالمعارك "مصطلح يستخدم لتكبير التحركات وإخفاء الإخفاقات".. وكل هذا يدلل على عدم وجود قرار درست أبعاده ونتائجة محليا ودوليا بشأن الانضمام للمؤسسات الدولية وكأن القضية الفلسطينية كلها تحولت إلى مناورات وهمية .."مكانك قف".
هذه آخر الإخفاقات وليس أولها أو كلها ليكون المطلوب الآن أن يتحرك الشعب الفلسطيني ليقود بنفسه ويختار قيادته بعيدا عن ثوب الوطنية الممزق أو إسطوانه الطلقة المشروخة أو الحسابات الحزبية الضيقة؛ فالإخفاقات تتوالى وإن استمر البعض في خرق السفينة فسيغرق هو والساكت والمطبل والمعترض لأن البحر لا يرحم.
حماس والسعودية.. بعيدا عن الأوهام
ساري عرابي- فلسطين الان
لقد كشفت زيارة وفد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى السعودية عن مجموعة من الحقائق التي ينبغي لها أن تبدد عددا من الأوهام التي راجت في الفترة الأخيرة، سواء لدى بعض من جمهور الحركة، أو بعض الإسلاميين الذين بالغوا في الرهان على تحولات الحكم في السعودية، كما بالغوا في التملّق للحكم الجديد، أو لدى شانئي الحركة، لا سيما من جمهور المحور الإيراني الذي يتسم بدوغمائية عجائبية مثيرة للازدراء قبل أي شيء، بيد أنها بدلا من ذلك عززت تلك الأوهام، أو خلقت بدورها أوهاما جديدة.
فهذه الزيارة أولا، تبين مدى الخفّة والتعلق بحبال الأماني التي لا آخر لها، حينما روّج بعض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في وقت سابق، قبل بضعة شهور، أخبارا كاذبة عن زيارة قام بها الأخ خالد مشعل للسعودية، وانساق لها عدد من الشخصيات العامة والمواقع الإخبارية، واستحقت جهدا مضنيا لنفيها ممن كان لديهم اليقين بأن هكذا زيارة لم تتم في زمن يكثر فيه أدعياء المعرفة ببواطن الأمور، ثم انبنى على هذه الأخبار الكاذبة، أو أجواء التوهّم المتضخمة التي انتفشت في ذلك الوقت؛ أكاذيب أخرى حول قيام حماس بأدوار لصالح السعودية في الملف اليمني، أو في التوسط مع بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين، وحول قيام السعودية بالسعي لصالح حركة حماس لدى النظام الانقلابي في مصر، وهي أخبار وإن رغب في تصديقها بعض من الإسلاميين على مثال "يحسبه الظمآن ماء"، فقد بنى عليها مهووسو إيران، وعبيد حزبها اللبناني، ومستحثات خرافة اليسار العربي، ادعاءات تتسق تماما مع هوسهم المرضي، إذ تدعي ارتماء حماس النهائي في الحضن السعودي "بعيدا عن المقاومة" (يا للسخرية!)، وهي ادعاءات ما كفّ هؤلاء المعوّقون عقليا وضميريا عن تردادها منذ خلاف حماس الشهير مع إيران حول الموضوع السوري.
وإذن، فلم تتمكن قيادة حماس، قبل هذه الزيارة، من تحقيق أي اختراق مع العهد السعودي الجديد، ولو على مستوى إنجاز زيارة خاطفة، إلا في اليوم الأخير من رمضان، كما قد تبين بأن للحركة معتقلين لدى السعودية منذ عام تقريبا، بعضهم من الصف المتقدم جدا في قيادة الحركة، ولا ينبغي للحصيف إزاء ذلك أن يتردد في التوقع بأن هذا الاعتقال قد ترتبت عليه أضرار كثيرة على المستوى الفردي للمعتقلين، أو لمن يرتبط بملفاتهم من عناصر الحركة، أو للحركة ذاتها، وكل ذلك على أهميته جزء من السياق العام الذي يبين بأن هذه الزيارة هي أول اختراق، بصرف النظر عن حجمه، منذ القطيعة الفعليّة التي فرضتها السعودية من بعد فشل اتفاق مكة وانفجار الأحداث التي أفضت إلى الانقسام في العام 2007.
وإذا كانت الحركة لم تتمكن من تحقيق هذا الاختراق إلا بعد كل هذا الوقت، وفي اليوم الأخير من رمضان، حيث صدرت التأشيرة في اليوم الثامن والعشرين من رمضان، وفي اليوم التالي لاتفاق القوى الغربية مع إيران حول برنامجها النووي، وبعد جهود متراكمة وطويلة بذلتها قيادة الحركة وتدخلت فيها وساطات متعددة، وإذا كانت الحركة طوال عام على الأقل تتكتم عن وجود معتقلين منها لدى السعودية، معوّلة كعادتها مع الدول العربية في هكذا ظروف على الجهود الهادئة بعيدا عن التصعيد، وإذا كانت هذه الملفات لم تتزحزح إلا مع الزيارة الأخيرة، فلا شك إذن بأن كل ما قيل خلال الفترة السابقة على الزيارة حول تطورات جديّة في علاقة حماس بالسعودية لم يكن صحيحا، سواء روّج لذلك بعض الإسلاميين وبعض من جمهور الحركة، أو روّج له محازبو المحور الإيراني.
وتلك التجربة مع الفريقين، أي مع أماني ورغبات الإسلاميين المعوّلين على العهد الجديد في السعودية، ومع ادعاءات وأكاذيب مهووسي إيران، ينبغي أن تفرض على الفريق الأول مزيدا من التأني والتحفظ حين التعبير عن التطور الجاري والتحرر في سياق ذلك من إغراءات الأماني والاحتراز من السقوط في الأوهام وتضليل الجماهير، وعلى الفريق الثاني شيئا من الحياء الذي يحدّ من جرأتهم على الكذب والتصرف كأوصياء على حماس وعلى المقاومة (يا للسخرية مرة ثانية!).
والاحتراز هنا ليس نفيا لأهمية الزيارة، فمجرد انتهاء القطيعة والسماح لقيادة حماس بزيارة السعودية لا يخلو من أهمية، بصرف النظر إن كانت قد جاءت نتيجة لجهود حماس والوساطات التي تدخلت لصالحها، أو جاءت نتيجة لتحولات في التفكير السعودي، أو نتيجة لاتفاق النووي، أو نتيجة لذلك كله، لكن لا ينبغي على المرء أن ينساق في الدفاع عن الزيارة ردا على الهوس المرضي الذي يبديه المختلون من محازبي إيران؛ إذ تخلو مواقفهم وبذاءاتهم من أي معقولية، وتحيل النقاش للبحث في العلل العقلية والنفسية التي تخيّل لهؤلاء بأن إيران وصية على حماس وخياراتها وعلاقاتها، علما بأن علاقة حماس بالسعودية أثناء وجود قيادة حماس في دمشق، واحتفاظها بعلاقات متينة مع إيران، كانت أفضل بكثير من الشكل الذي تحقق في الزيارة الأخيرة، وهو ما يعني أن جمهور المحور الإيراني عاجز عن فهم ماذا يعني أن تكون ذاتا مستقلة عن إيران، والنقاش ينبغي أن يتركز هنا، وليس دفاعا عن الزيارة.
بيد أن الإفراج عن المعتقلين هو الإنجاز الأهم لهذه الزيارة، سواء على المستوى الإنساني من جهة المعتقلين أنفسهم وعائلاتهم، أو على المستوى التنظيمي من جهة أهمية ذلك في ترميم الأضرار التي تعرضت لها مصالح الحركة وعلاقاتها الداخلية جرّاء ذلك الاعتقال.
لكن هذه الأهمية لم تصل إلى الحدّ الذي يبرر الحديث عن تحولات جذرية في تفكير الحكم السعودي الحالي تجاه حماس، فحتى على مستوى شكل إنجاز الزيارة، بعيدا عن المبالغة والبيانات الموهمة، فإنه كان أقل مما اعتادت عليه قيادة حماس سابقا، فتهنئة رؤوس الدولة الثلاثة بالعيد في جملة المهنئين والاجتماع بأحدهم (الأمير محمد بن سلمان) في لقاء قصير، لا يكفي للاستدلال به من حيث الشكل على تحولات جديّة، فضلا عن المضمون الذي لم يتغيّر فيه سقف السعودية من حيث تمسّكها بالمبادرة العربية، وأخذها عداء الأمريكان للحركة وضرورة إنجاز الهدنة بعين الاعتبار. وهذا بالإضافة إلى أن أبعاد إنهاء ملف المعتقلين لم تتضح بعد، فهل هو إغلاق نهائي يشمل المعتقلين المفرج عنهم وكل من ارتبط اسمه بالملف من غيرهم أم لا؟! هذا ليس واضحا بعد.
لقد كانت الزيارة مهمة ومنجِزة، لكن ما حصل لا يعدُّ بعدُ اختراقا عظيما، وإن كان الاحتمالات مفتوحة للبناء عليه، مع ضرورة ألا يكون ثمن البناء من مواقف الحركة بخصوص القضية الفلسطينية، أو بخصوص الملفات العربية والإقليمية، ومن الجهة المقابلة، فإن هذا الاختراق لا يقوى على احتمال الهذيان الذي اقترفه بعض الإعلام الإيراني.
إن المسؤولية تجاه جمهور حركة مقاومة عظيمة، هي حماس، وتجاه الجمهور الكبير والواسع للحركة الإسلامية، التي تعاني اليوم أشدّ محنها، والتي هي بعض من محنة الأمّة الكبرى؛ تفرض على صناع الرأي الدقّة والأمانة حين التعبير عن هكذا تطورات، بعيدا عن المبالغة والإيهام، وهو القول الواجب أيضا في حقّ القادة وصناع السياسة من أبناء هذه الحركة.
من للقدس والأقصى؟!
أيمن ناهية- الرسالة نت
في الوقت الذي تتوجه فيه أنظار العالم صوب اتفاق دول (5+1) الخاص بالملف النووي الإيراني يواجه المسجد الأقصى المبارك عودة الاقتحامات والحملات المتطرفة المكثفة من الجماعات الصهيونية، بتحديها للأمتين العربية والإسلامية، واستفزاز وجرح مشاعرهم الدينية بتهويد "أولى القبلتين ثالث الحرمين"، وهذا ينذر بكارثة جديدة ستحل على المنطقة برمتها، ففي كل يوم يستبيح حرمة المسجد الأقصى ويهين كرامته المستوطنون المتطرفون، وبالأمس كانت المجندات في جيش الاحتلال يطفن ويرقصن على مرأى ومسمع العرب ولا أحد يحرك ساكنًا، إنه مشهد يثير الغضب والاستهجان، واستفزاز للمشاعر، حين يمنع الفلسطينيون من دخوله ويسمح لمن ليس لهم فيه شيء بدخوله للعبث به، وهذا المشهد هو واحد من مشاهد التهويد اليومية التي تشهدها مدينة القدس، حيث يواجه المقدسيون حملة شرسة من الطرد والإبعاد والتهجير القسري والاستيلاء عنوة على ممتلكاتهم وبيوتهم وأراضيهم من قبل سلطات الاحتلال، كما يواجهون صعوبات في استصدار تراخيص البناء من لجان التنظيم لبلدية الاحتلال التي تضع أمامهم شروطًا تعجيزية، إلى جانب مطالبتهم بدفع ضرائب باهظة تعرف باسم (أرنونا)، وتقدر بآلاف الدولارات لاستصدار رخصة للبناء، ومن لا يستطع الدفع يصادر منزله، ومن المؤكد أن نحو 80% من المقدسيين مدينون لها.
ويصرف الاحتلال نحو 30% منها على المستوطنات، وتجبي بلدية الاحتلال في القدس المحتلة (أرنونا) بعد أن أقر برلمان الاحتلال (كنيست) زيادتها بنسبة 3.1% في هذا العام على المقدسيين، مقابل خدمات تقدم للمستوطنين ولا تقدم على الوجه المطلوب للمقدسيين، وقامت سلطات الاحتلال بعمليات طرد وتشريد للمقدسيين، بعد أن سحبت الإقامة من نحو 15 ألف عائلة يبلغ تعداد أفرادها 50 ألف, وعدلت أطماع الحركة الصهيونية الحدود المصطنعة لما أسمته "القدس الكبرى" عاصمة للشعب اليهودي لتقضم 10% من مساحة الضفة الغربية، ومن المتوقع أن يقطنها بحلول عام 2020م قرابة مليون يهودي، وفي المقابل تنتهج الداخلية الإسرائيلية جاهدة منذ احتلال شرقي القدس سياسة تفريغ المدينة من الفلسطينيين؛ ليقتصر الوجود الفلسطيني بها على 100 ألف نسمة أو أقل من ذلك، إن أمكن.
إن الهدف مما تقوم به سلطات الاحتلال وبلديتها في القدس من مضاعفة الضريبة الباهظة على المقدسيين، والاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم وبناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري؛ الضغط عليهم ليجبروا على الرحيل من المدينة، لتفريغها من الجنس العربي، وهذا يترجم ما يقوم به المستوطنون المتطرفون من اعتداءات يومية على المسجد الأقصى والكنائس، وحفر الأنفاق، وسرقة المعالم الأثرية والتاريخية والحضارية تحت غطاء واضح من سلطات الاحتلال.
إن القدس ذاهبة إلى الأسرلة السريعة وقد تغيرت معالمها العربية والإسلامية، وحلت مكانها اليهودية، فالمطلوب الآن من الجميع وقفة صادقة لنجدة القدس من التهويد بأن يرتفع الصوت الفلسطيني والعربي والدولي عاليًا منددًا بالإجراءات الانفرادية الإسرائيلية في القدس، ومنع اليهود المتطرفين من الهجوم على المسجد الأقصى لتدنيسه وحرقه وهدمه بحجة إقامة الهيكل المزعوم. وليس المقصود هنا أن الاحتجاجات الكلامية قد تكون كافية لوقف المخططات الإسرائيلية الاستيطانية في القدس، بل إن المجتمع الدولي يمتلك الوسائل الفاعلة والقادرة على وضع حد للممارسات التهويدية والاستيطانية الإسرائيلية في القدس.
وهم الحكومة الفلسطينية المتبدد
محسن صالح- الرأي
على حماس أن تتوقف عن وهم تشكيل حكومة تدير الضفة الغربية (مع القطاع) وفق معايير المقاومة المسلحة، كما أن على فتح أن تتوقف عن وهم تشكيل حكومة تدير قطاع غزة (مع الضفة) وفق معايير اتفاق أوسلو والتسوية السلمية.
وما دام الاحتلال الإسرائيلي موجودا على الأرض، خصوصا في الضفة الغربية، يجب تبديد الوهم باعتبار الحكومة الفلسطينية قاطرة للتغيير ومدخلا لنجاح المصالحة، ذلك أن الاحتلال لن يوفر أي بيئة نجاح لحكومة فلسطينية ترعى المقاومة أو تسعى للتخلص منه.
إن تشكيل أي حكومة يجب أن يكون جزءا من منظومة عمل وطني تعيد تعريف السلطة الفلسطينية ودورها، وتديرها كإحدى أدوات الصمود والنضال، وبطريقة تستوعب الجميع دونما تمييز، وتحاول خدمة الشعب الفلسطيني، لا أن تكون أداة وظيفية للاحتلال، ولا أداة للضغط السياسي والأمني لطرف فلسطيني على آخر، وإذا ما أراد الطرف الإسرائيلي فرض رؤيته ومساراته، فيجب أن يتحمل عندئذ المسؤولية المباشرة لاحتلاله. ولذلك فإن عمل الحكومة لا يأخذ مصداقيته إلا مع تفعل الإطار القيادي الموحد، وضمن عملية الإصلاح الشامل لمنظمة التحرير الفلسطينية.
مرت في يوم 25/6/2015 الماضي الذكرى التاسعة لعملية "الوهم المتبدد" التي نفذتها حركة حماس بالتعاون مع "لجان المقاومة الشعبية" و"جيش الإسلام"، وأدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وأسر الجندي "جلعاد شاليط"، مما فتح المجال لإحدى أكبر صفقات تبادل الأسرى في التاريخ الفلسطيني الحديث.
لعل التوفيق قد أصاب تسمية العملية باسم "الوهم المتبدد"، إذ قدمت في تلك الفترة دليلا حاسما على التزام حماس بخط المقاومة المسلحة حتى وهي في السلطة، وألغت أي أوهام مرتبطة بذلك.
كما قدمت دليلا قويا على قدرة المقاومة الفلسطينية على تطوير نفسها وتنفيذ عملية أسر نوعية احتفظت بجندي إسرائيلي سرا لسنوات، في بيئة أمنية معقدة، يملك فيها الاحتلال وأدواته قوة طاغية. وهي من ناحية ثالثة ضربت الأوهام الإسرائيلية بالقدرة على استخدام ورقة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وفرضت إرادة المقاومة بتحرير أكثر من ألف أسير، بينهم أكثر من 300 محكومين بالمؤبد.
من جهة أخرى، فإن هذه العملية أعطت مؤشرا لا لبس فيه بعدم إمكانية نقل حماس إلى مربع التسوية السلمية واحتوائها تحت سقف اتفاقات أوسلو واستحقاقاتها. غير أن استتباعات هذه العملية ومجموعة الإجراءات الإسرائيلية التي تلتها (بالإضافة إلى مجموعة إجراءات تلت فوز حماس بالانتخابات) بددت أي أوهام أو توقعات لدى العديد من قيادات حماس ومؤيديها بإمكانية الجمع بين السلطة والمقاومة، تحت الاحتلال الموجود على الأرض، خصوصا في الضفة الغربية.
كانت الرسالة الإسرائيلية واضحة بأن حماس لا تستطيع أن تقدم حالة نجاح في إدارة السلطة الفلسطينية ما دامت تتمسك بخيار المقاومة المسلحة، حتى لو فازت بالشرعية الشعبية والتشريعية، وحتى لو قدمت أفضل الكفاءات والخبرات والبرامج، وحتى لو أرادت الدخول في تهدئة تمكنها من العمل، إذ إن منظومة "اتفاق أوسلو" كانت مبنية أساسا على تطويع قوى المقاومة، وجعلها بدون أظافر أو أسنان وجعل الطرف الفلسطيني من دون أي أوراق قوة ضاغطة على الطرف الإسرائيلي.
ولذلك قصفت القوات الإسرائيلية قطاع غزة في الـ45 يوما التي تلت تشكيل حماس لحكومتها (منذ 31/3/2006) بـ5100 قذيفة مدفعية بمعدل 110 قذائف يوميا، واستشهد نحو 120 فلسطينيا في الأشهر الثلاثة التي تلت تشكيل هذه الحكومة. وارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة راح ضحيتها 14 فلسطينيا في 7/6/2006 منهم سبعة من عائلة واحدة، ثم ارتكبت مجزرة أخرى بعد ذلك بأربعة أيام قتلت فيها 11 فلسطينيا. أي أن الإسرائيليين كانوا يدفعون الأوضاع نحو الانفجار ونحو إنهاء التهدئة بحيث لم يكن من خيار لدى حماس سوى الرد بعمليات انتقامية قبل أن تفقد مصداقيتها وشعبيتها، فقامت بعملية "الوهم المتبدد".
واتخذ الطرف الإسرائيلي من هذه العملية ذريعة للقيام بعملية "أمطار الصيف" التي استشهد فيها 400 فلسطيني، ثم عملية غيوم الخريف التي استشهد فيها 105 فلسطينيين، وقامت باعتقال 3500 فلسطيني بينهم عشرة من وزراء حكومة حماس.
وفي سنة 2007 كان قد وصل عدد أعضاء المجلس التشريعي المعتقلين المحسوبين على حماس 42 نائبا هم الأغلبية الساحقة لنواب حماس في الضفة الغربية، بمن فيهم رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك. ولسنا بصدد سرد إجراءات الحصار والتضييق والإفشال التي قام بها الاحتلال.
وباختصار فإن مشاريع التحرير وحركات المقاومة لا تستطيع (ولا ينبغي أن تنشغل بـ) تحقيق "الرفاه تحت الاحتلال"، وإلا تحول الاحتلال من نقيض إلى شريك، ومن عدو إلى حليف. والعدو أثبت أنه لا يرغب بتسوية تنهي احتلاله وعدوانه، وإنما في سلطة وظيفية تخدم أغراضه وتخفف التكاليف والأعباء عنه، وهذا ما جرى في الضفة الغربية.
وعندما أصرت حماس على تشكيل حكومة توفر غطاء للمقاومة، أو تخدم برنامجها، أو تقدم حالة نجاح لأنصارها، كان مصيرها الإفشال والإسقاط. ولذلك يجب أن ينتهي أنصار حماس والمقاومة من فكرة تشكيل حكومة أو المشاركة الفاعلة في حكومة تدير الأوضاع في الضفة الغربية بنفس تلك المعايير الموجودة في القطاع. وبعبارة أخرى، فإذا لم يكن "أوسلو" في برنامج حماس، فلن تكون حماس في برنامج "أوسلو".
أما قطاع غزة، فإن الحالة التي أوجدتها حماس فيه مرتبطة بعدم وجود قوات احتلال إسرائيلي على الأرض، بخلاف حالة الضفة الغربية. وبالتالي فإن طريقة الإفشال التي قام بها الجانب الإسرائيلي كانت بأدوات الحصار الخانق والحروب المدمرة. وإذا كانت المقاومة قد قدمت نموذجا بطوليا في الصمود والتضحية، والاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة، فإنها قدمت نموذجها خارج منظومة "أوسلو"، وفي ظروف معقدة، وفي بيئة إقليمية ودولية معادية أو غير مواتية.
قيادة فتح التي تقود منظمة التحرير والسلطة في رام الله أيضا عليها أن تخرج من وهم تهميش أو تركيع أو تطويع حركة حماس، وعليها أن تتعامل بأسرع ما يمكن مع الخلاصة التي ستصلها عاجلا أم آجلا في أن تأخذ حماس وقوى المقاومة حجمها الطبيعي ودورها الحيوي في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، بما ينعكس بشكل فاعل على الأرض على سياسات ومؤسسات وبُنَى منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
إن طريقة الإفشال ومحاولة الإسقاط التي سلكتها قيادة فتح برئاسة أبي مازن تجاه الحكومة العاشرة والحادية عشرة (2006-2007) التي شكلتها حماس لم تؤد إلا لتكريس الانقسام، وعبرت عن حالة سوء التقدير والفشل في استيعاب الآخر، والإصرار على الدخول في تكتيكات خاطئة وباهظة التكاليف، تستند إلى محاولة الهيمنة والاستفراد في القرار، ومحاولات الاستفادة من البيئة الإقليمية والدولية لتحييد وتهميش أطراف فاعلة على الساحة الفلسطينية.
إن اتفاق المصالحة الفلسطينية الذي صبر الفلسطينيون أربعة أعوام بانتظار توقيعه (مايو/أيار2011) قد تم التعامل معه من قِبل أبي مازن بشكل انتقائي وتكتيكي، بحيث تم تعطيل المسار الأهم في تفعيل منظمة التحرير وتفعيل الإطار القيادي الموحد، مع الاستمرار في تعطيل المجلس التشريعي الفلسطيني.
ودخل أبو مازن في وهم تشكيل حكومة تلتزم بأوسلو واستحقاقاتها، على أمل الوصول إلى "حلم" إجراء انتخابات في الضفة والقطاع تؤدي إلى فوز فتح، ونزع الشرعية الشعبية التي تمتعت بها حماس.. وعند ذلك سيتابع أبو مازن مساره فيسمح بافتتاح المجلس التشريعي، ومحاولة فرض شروطه على حماس كحزب أقلية ذي دور هامشي. أما وأن حماس ما زالت تتمتع بأغلبية في المجلس التشريعي، فعليها أن تخرج من وهم قيام حكومة فلسطينية تخضع لرقابة ومحاسبة فعلية من المجلس، فهذا ما لا يقبله أبو مازن، وما ترفضه سلطات الاحتلال أيضا.
وعندما تشكلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله في أوائل يونيو/حزيران 2014 كانت مسؤولياتها تُركز على إعادة الإعمار وفك الحصار عن قطاع غزة وعلى توحيد المؤسسات الفلسطينية في الضفة والقطاع، والتحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية، غير أنها سرعان ما دخلت في أوهام استثمار ضغط الحصار والدمار على القطاع لتفرض على حماس وقوى المقاومة وبشكل انتقائي الشرعية المستمدة من الرئاسة (وليس الشرعية المستمدة من التشريعي) ومعايير "أوسلو" السياسية، ومعايير "فتح" في التعيين والتوظيف والصرف المالي.
وقد حولها ذلك إلى حكومة أزمة بدل أن تكون حكومة مصالحة وحكومة طرف واحد بدل أن تكون حكومة وحدة.. لم يكن المجلس التشريعي الفلسطيني حاضرا في معاييرها والتزاماتها واستحقاقاتها مع أنه الجهة التي تستمد منه شرعيتها، والجهة التي تقوم بمحاسبتها وإعطاء الثقة أو نزعها منها.
ولذلك تواصلت محاولات الإنكار والالتفاف عن تثبيت نحو أربعين ألف موظف من موظفي قطاع غزة، مع استمرار تطبيق معايير "السلامة الأمنية" في الضفة الغربية، واستمرار حملات المطاردة والتضييق على أنصار حماس وقوى المقاومة في الضفة، وكأنه ليس هناك مصالحة وطنية.
لا يمكن لحكومة توافق أن تكون أداة باطشة بيد فصيل فلسطيني معين، ولا يمكن لحكومة توافق أن تكون أداة لفرض المعايير والشروط الإسرائيلية والدولية على قوى المقاومة، بعد أن فشلت هذه القوى في إخضاع المقاومة وتركيعها. ويجب أن تتبدد هذه الأوهام بسرعة قبل أن يضيع الوقت فيما لا طائل منه.
وأخيرا، فإذا كان سقف الاتفاقات الذي أنشأ السلطة لا يسمح لحماس وقوى المقاومة بإدارة حكومة تحت الاحتلال، وإذا كانت المعايير التي تريد فتح تطبيقها في إدارة السلطة لا تتوافق مع الحد الأدنى للمقاومة، فعند ذلك يجب تبديد الوهم باعتبار الحكومة الفلسطينية قاطرة للتغيير ومدخلا لنجاح المصالحة.
ويجب أن تتم عملية مراجعة وتقييم للسلطة الفلسطينية ودورها الوظيفي، وأن يعاد ضبط مسارها بما يتوافق مع المشروع الوطني الفلسطيني في التحرير والاستقلال. وإذا لم يكن ذلك ممكنا عمليا، فعلى الشعب الفلسطيني أن يواصل نضاله، وعلى الاحتلال أن يتحمل نتائج احتلاله ويدفع أثمانه.