Haneen
2015-11-30, 11:33 AM
حين غابت الإجابات : نطق السكين والحجر
أحمد يوسف- فلسطين الان
لقد بلغ التغول الإسرائيلي وضغط الإهانة حدَّ الانفجار، وتحركت الجموع بهبة عفوية وصار ما صار،وتخطى هؤلاء الشباب بفعلهم النضالي كل حسابات السلطة وتوقعات أجهزتها الأمنية، كما تجاوزوا بحيوية هذا الفعل وتأثيراته كل تقديرات الفصائل الوطنية والإسلامية وتوقيتاتها الزمانية والمكانية، لتطفو- فجأة - كل رغبات هذا الجيل الفتيِّ في الانتقام للأقصى والمقدسات، والثأر للحرائر وما انتهك الصهاينة من المحرمات.
في الحقيقة، إن ما جرى كان حراكاً شعبياً جاء بدون مقدمات، حيث ملَّ هذا الشباب حديث الصمت وانتظار ما هو آت.. جاء هذا الفعل غاضباً من رحم المجهول، ومن حيث لم نحتسب، هكذا الأقدار تأتي - عادة - انتصاراً للمظلومين، بعد أن (استيأسوا)، وبلغ بهم الأذى والقهرحدَّ الزلزلة،وغلب عليهم ظن (إنَّا لمدركون).
للأسف، لسنوات ونحن نناشد قياداتنا السياسية بضرورة إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، لم نبخل - كما الآخرون - من تقديم المبادرات، ومحاولة جسر هوَّة التناقضات، وسد ما اتسع من ثغرات،واستشرى من خلافات،بعد تلك الكارثة المأساوية والمحنة الوطنية،التي جلبتها الأحداث الدامية في يونيه 2007م.. لكن – وهذا هو الواقع للأسف - ظلت مزاجية المكابرة والعناد عند بعض القادة السياسيين، وغلب الجهل على حسابات هؤلاء،وخانهم التقدير والاجتهاد .
لقد اعتقد أولئك القادة بأن رسم خطوط المرحلة سيظل بأيديهم، وتجاهلوا حركية الزمان، والجيل الذي يأتي به القهر والحرمان.. هذا الرهان وقع في خطأه الجميع، ولم يتحقق الكسب فيه لأحد؛ فإسرائيل التي عربد فيها الحاخامات وقطعان المستوطنين، وعبثوا– عنجهية واستعلاءً - بكرامة الوطن والمقدسات، غلب عليه الظن بأن الفلسطينيين قد استسلموا للذل والهوان، ولم يعد لهم على خارطة الرجولة عرق ينبض، فتغولوا عليهم، وقتلوا – بدم بارد - النساء والأطفال، وغيبوا الكبار في السجون والمعتقلات، وأحرقوا المزارع وحقول الزيتون دونما اكتراث، أما سلطتنا الفلسطينية المكبلة بالتزامات أوسلو الأمنية، فقد غدت كخيال المآتة؛عاجزة مشلولة، وأجهزتها الأمنية – للأسف - هي عين للاحتلال أو نحو ذلك.. لذا، لم يعد هناك في هذا الجيل من الشباب من يعوَّل عليها أو يطمئن لها، أما غزة فهي كليمة بحصارها وأوجاع التآمر عليها، تحاول الخروج من أزماتها، ولكنها لم تسطيع إلى ذلك سبيلاً، فقد تحول المشهد الفلسطيني إلى مأزقٍ يصعب الفكاك منه .
في ظل هذا الواقع الكارثي، وتجاهل المجتمع الدولي لقضيتنا، كانت مشاهد الحيرة والقلق والإحباط، فلا أمل في التغيير، ولا رؤية للإصلاح تلوح في الأفق ولا سراج منير، وكل ما حولنا لا يبشر بفرج قريب.!!
من هنا، كانت الأسئلة التي غابت إجاباتها هي طاقة الغضب الذي حرك كل شيء؛ لأن علامات الاستفهامات تراكمت في المرجل، وارتفع منسوب غليانها، إلى أن جاءت اللحظة التي لم يتوقع انفجارهاأحد، ودخلت – بقوة سهامها- على خط الاحتلال والمستوطنين.
إن مقومات الفعل كانت هي الاستجابة لأسئلة العجز الحائرة وتقطيب الجبين: ما العمل؟!
ما العمل؟ حيث الساحة النضالية تحولت بعد الانقسام إلى فسطاطين من التناقضات والخلاف، والكل بانتظار أن يأتيه الآخر صاغراً ذليلاً!!
ما العمل؟ وإسرائيل ماضية في مخططاتها لابتلاع الأرض الفلسطينية، وتهويد المقدسات واستباحة الحرمات في المسجد الأقصى وما حوله من باحات!!
ما العمل؟ وقد شعر الكل الفلسطيني بالعجز في أن يجتمع الصف وينتهي الانقسام، حيث أخفقت كل محاولات الجمع بين الطرفين فتح وحماس، وساد الاعتقاد بينهما "أن لا تلاقيا".
ما العمل؟ وانشغالات العالم والمجتمع الدولي كله مع ما يدور في سوريا والعراق من صراعات ومناجزات مسلحة، عنوانها "الحرب على الإرهاب".
ما العمل؟ وإيران وتركيا والسعودية ومصر، أهم مرتكزات هذه الأمة، أصبح بأسهم بينهم شديداً، وخرجوا لاعتبارات إقليمية وعالمية من مربع الإسناد للقضية الفلسطينية.
ما العمل؟ وهذا العجز والفشل في كل مؤسساتنا الوطنية!! وغياب القدرة على حل مشكلة وطنية واحدة؟!
ما العمل؟ وكل ما نشاهده من قيادات تاريخية بلا هيبة ولا احترام، فقد طالت أكثرها عوامل التعرية والخرف والفساد!!
ما العمل؟ إذا كانت الأحصنة لا تصهل، وتعاني رجالات الساسة من حالة إخصاء!!
إن لغز الإجابة مفقود مع خلاف الساسة وتراكم الأحقاد والإحن!!
إن هذه الأسئلة الحائرة، التي عجز هذا الجيل من الشباب في الوصول إلى إجابات لها، جعلت قراره هي تلك المفردات الرائعة لشاعر الوطن الثائر: عبد الرحيم محمود:سأحمل روحي على راحتي، وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياةٌ تسرالصديق، وإما ممات يغيظ العدا..
نعم؛ لم يعد في القوس من منزع، فخرج الشباب لإعادة بوصلة النضال والكرامة، وتذكير الاحتلال؛ الحاخامات والمستوطنين، بأن الأقصى خطٌ أحمر، دونه المهج والأرواح.
إن أروع اللوحات التي قدمتها هذه الهبة الشعبية "العفوية" وانتفاضة القدس المباركة، والتي عكست روح هذا الجيل ولخصت مطالبه وتمنياته، هي تلك "الوصايا العشر" للشهيد بهاءعليان(22 عاماً) من جبل المكبر، والتي تضمنت السطور الآتية:
1- أوصي الفصائل بعدم تبني استشهادي،فموتي كان للوطن وليس لكم.
2- لا أريد بوسترات ولابلايز فلن تكون ذكراي في بوسترمعلق على الجدران فقط.
3- أوصيكم بأمي،لاترهقوها بأسئلتكم الهدف منها استعطاف مشاعرالمشاهدين وليس أكثر.
4- لاتزرعوا الحقد في قلب ابني،أتركوه يكتشف وطنه،ويموت من أجل وطنه،وليس من أجل الانتقام لموتي.
5- إن أرادوا هدم بيتي فليهدموه، فالحجر لن يكون أغلى من روح خلقها ربي.
6- لاتحزنوا على استشهادي، احزنوا على ماسيجري لكم من بعدي.
7- لاتبحثوا على ماكتبته قبل استشهادي،ابحثوا عن ماوراء استشهادي.
8- لاتهتفوا بمسيرة جنازتي وتتدافعوا،بل كونوا على وضوء أثناء صلاة الجنازة وليس أكثر.
9- لاتجعلوا مني رقماً من الأرقام، تعدوه اليوم وتنسوه غداً.
10- أراكم في الجنة.
هذه النقاط/الوصايا العشر التي كتبها بدمه هي تلخيص لدوافع هذه الهبة، وشرح لبواعثها، وما تنطقه حروفها هو انعكاس لما يحمل هذا الجيل من الشباب من غصة وامتعاض من كل الفصائل، ورسالة واضحة بأنه لا يريد أن يتاجر أحد بدمه، وهو قدم دمه وضحى بحياته من أجل كرامة هذا الوطن وأقصاه.
عنوان المرحلة: الحذر.. والتصعيد بقدر
من المعروف أن الانتفاضات حتى تصل إلى غاياتها تحتاج إلى المرور بثلاثة مراحل، أولاها هي المرحلة التي نحن نعايشها، حيث الهبة الشعبية والتي أوشكت على الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي التأطير والتوجيه، حيث تبدأ الفصائل في تشكيل قيادة مشتركة وتدفع بكوادرها إلى الساحات للتظاهر وتحريك المواجهات، وتأتي المرحلة الثالثة عندما يتم ضبط البوصلة وتحديد الرؤية والهدف للوصول لغايات الفعل المقاوم.
لذلك، لا أظن أن "عسكرة الانتفاضة" في هذا الوقت هي خيار حكيم، حيث إن قوتها الآن في سلميتها، وعظمتها أنها حتى اللحظة بلا تنظيمات تقف خلفها، والتعاطف معها إقليمياً لأنها هبة عفوية من أجل الكرامة والمقدسات.. أما دولياً، فالتضامن يأتي من حجم إدراك العالم لمظلومية الفلسطينيين.
إن الحكمة تتطلب ألا نحرف البوصلة، وألا نعطي الذريعة للاحتلال لممارسة القتل والتهجير لشعبنا، لا نريد أن نقدم مبررات لإسرائيل تقوم بتسويقها للعالم أنها هي الأخرى تحارب الإرهاب.. إن الفطنة السياسية تتطلب منا قطع الطريق أمام الاحتلال، وعلينا إبقاء الهبة الجماهيرية عفوية وسلمية وشعبية وفي سياق المظلومية.. سلمت أيادي الشباب؛ أصحاب الرجولة والجسارة والدفاع عن الكرامة والمقدسات، وبوركت أيدي الماجدات من بناتنا وأخواتنا في ساحات الشرف والمجد دفاعاً عن الأقصى والمقدسات، ولكل المناضلات المجلَّلات بأعلام الوطن والكوفية، سلمت أيادي الجميع، وبوركت نواصيه الطاهرة، وعاش الحجر والسكين لكسر غطرسة المحتلين، وجدع أنوف المستوطنين.
انتفاضة القدس: ملامح مرحلة التغيير
ورد في تقدير إسرائيلي بأن الانتفاضة الأولى تميزت بالحجارة، والثانية بالعمليات الاستشهادية،والثالثة استحقت لقب انتفاضة السكاكين،حيث يقوم بهافلسطينيون غير منظمين، أغلبهم يعيش حياة سعيدة وهادئة،لكن القاسم المشترك بينهم هو أنهم غاضبون من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي ضد المسجدالأقصى.
أما الصحفي البريطاني ديفيدهرست، فإن قراءته لمجريات الأحداث تلخصها العبارات التالية:"بالنسبة لمهند الحلبي وجيله،ليست هذه قضيةً دينية فقط، فالأقصى رمزٌ للهوية الوطنية، وهو الرمز الأخيرالذي يمثل هوية غيّبتها الدولةالإسرائيليةبشكل شامل. الأقصى يوحِّد الفلسطينيين؛المتدينين والعلمانيين...إن الدفاع عن الأقصى ضد انتهاكات اليهود هو مسألة وجودية،إنها تقول للفلسطينيين: "إن لم نحارب لأجل هذا،فعلينا الاستسلام إذاً".
وأضاف: "لم يكن حلبي بحاجة إلى تحريض،ولم ينتظر أوامرَ من فتح أو حماس. لقد اتخذ قراره الشخصي مثلما يفعل الالاف الآخرون بصرف النظر عما إذا كانوا يعيشون في الضفةالغربية،غزة أو إسرائيل.. إن الجيل الجديد يتخذ قراراته الخاصة،متحدياً فتح وحماس. وإن كانت ثمة صورة تلخص هذا،فستكون صورة الفتاة التي ترتدي الجينز والكوفية،بينما تُناول حجارةً لشابٍ مقنّعٍ يرتدي عُصابة الرأس الخضراء التي يرتديها أنصارحماس. الشباب العلماني والمتدين يحتجون جنباً إلى جنب،وكل شابٍ يحمل سكيناً أو يرمي حجراً هو بطلهم الخاص".
إن حالة الهلع التي أصابت الإسرائيليين مقابل مشاهد النشوة والحيوية لدى الشباب الفلسطيني، تؤكد على أن هذه الهبة الشعبية قد شقت طريقها، وهي آخذة بالتوسع والانتشار، وقد جسدت ما غدا الفلسطينيون يعتبرونه – الآن - انتفاضة القدس، والتي بحسب المستشرق الإسرائيلي "آلونأفيتار"قد حققت للفلسطينيين خمسة أهداف، وهي الآتي:
1- توحيدهم في المناطق الأربع المعزولة جغرافياً؛ الضفة وغزة والقدس والـ48.
2-نجاح الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ رائد صلاح بتعزيز دور الإسلام في الصراع.
3- اكتشاف السكين كوسيلة ناجعة وقاتلة وسهلة المنال والاستخدام.
4-الشباب يخوض الانتفاضة، ويبدي استعداده لحمل شعلة الكفاح المسلح.
5- القدرة على تنفيذ العمليات المسلحة دون قيادة تديرها كالسابق.
أما المفكر الإسرائيلي "يغال عيلام" فهو يتوقع أن تفضي ثورة السكاكين لإحداث تحول في الموقف من الصراع مع الفلسطينيين؛لأن بضع طعنات من السكاكين دللت على أن مصير إسرائيل قد يكون محل تساؤل،مما سيفضي لبلورة مقاربة جديدةفيما يتعلق بالموقف من مصيرالأراضي المحتلة.
إن ما لدينا من قناعة هو أن هذا الكيان الاستيطاني الاستعماري العنصري هو أوهى من بيت العنكبوت، وهو إلى زوال؛ لأنه يحمل بذور فنائه بداخله، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، وهذه الانتفاضة ومشاهداتها إنما هي إرهاصات المغيب القادم لهذا الكيان المارق .
ختاماً: لماذايتأخر النصر وتضيع التضحيات؟!
كلما جاءت مشاهد الجنود وهم بكامل عتادهم العسكري يركضون هلعاً أمام شاب ليس في يده إلا السكين، كلما حاصرتني الأسئلة: كيف بالله كانت هزيمتنا عام 67م؟!! وكيف تصدعت سبع جبهات عربية مسلحة أمام هؤلاء الجند المخنثين، وكيف بالله ضاعت من قبل فلسطين؟!
إن الحقيقة كشفتها ثلاث حروب عاتية خاضتها غزة وحدها، حيث قاتلت برجالها وصمود أحيائها، وسجلت من الملاحم وصور البطولة ما يشهد لأهلها، ويرتقي بشبابها المقاوم إلى عليين.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ضاعت ثمرة كل هذه التضحيات، وسجلات الشرف، ولم تتحرر فلسطين؟
الجواب: اسألوا السياسيين وتجار الأوطان!!
إن انتفاضة القدس سوف ترسم ملامح المرحلة ومستقبلها، وعلى القادة السياسيين العمل على جمع الصف، وتوحيد بوصلة الحجر والسكين، قبل أن يقول الشعب كلمته: إني أرى رؤوساً قد أينعت، وحان قطافها.
انتفاضة بلا قيادة.. حتى متى؟
عدنان أبو عامر- الرسالة نت
منذ اندلاع المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية أوائل الشهر الحالي، ظهر من سماتها الأساسية غياب القيادة السياسية والميدانية عنها، وبقاء الشبان الفلسطينيين يواجهون الجيش الإسرائيلي بصورة انفرادية، حتى العمليات المسلحة وعمليات الطعن والدهس في الأيام الأخيرة، مما يطرح أسئلة عديدة حول أسباب غياب القيادة، وقدرة الشبان الفلسطينيين على الاستمرار بانتفاضتهم دون قيادة.
بعد مرور قرابة الشهر على اندلاع المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، أواخر سبتمبر، بقيت الفصائل الفلسطينية بعيدة عن تبني الأحداث، وبدا الميدان كأنه يسير بطريقة عفوية عشوائية دون قيادة تحركه.
هناك مطالبات فلسطينية بضرورة الإسراع بتشكيل قيادة وطنية موحدة للانتفاضة، حتى تكون المنسق للجهد الوطني حفاظاً عليها، وتطويراً لها، بما في ذلك عودة قيادة السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية لقطاع غزة، لأن بقاءها في الضفة سيؤدي حتماً لإجهاض الانتفاضة، وإفشالها، لكن الملفت كان تأخر القيادات الفلسطينية في التطرق للمواجهات، بعد مرور أسابيع على بدئها.
المفارقة الملفتة التي تشير لغياب قيادة فلسطينية موحدة للأحداث الفلسطينية الجارية، أن الفلسطينيين حتى اللحظة لم يتفقوا على اسم موحد لها، واختاروا لها تسميات عدة، ومنها: انتفاضة القدس، الهبة الجماهيرية، الموجة الثورية، الانتفاضة الثالثة، ولذلك جاء مرور كل هذه المدة الزمنية دون وجود قيادة سياسية ميدانية ليطرح أسئلة مثل: من يقود الحراك الجماهيري؟، وهل هناك رؤية سياسية واضحة وأهداف محددة لهذه الموجة الشعبية، أم مجرد ردات فعل عاطفية على الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى؟، علماً أن متوسط أعمار المشاركين في التظاهرات وعمليات الطعن والدهس يقل عن 20 عاماً، ممن ولدوا بعد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل 1993.
غياب قيادة للانتفاضة بات حديث الساعة لدى الفلسطينيين في الأيام الماضية، فقد طالب بعضهم بقيادة ميدانية لا مركزية قادرة على التخطيط والتوجيه لمواجهة القرارات الإسرائيلية التصعيدية، وأكد آخرون على ضرورة أن تبقى الانتفاضة عفوية بلا رأس يحركها ويقودها، وثالث يرى بأن نجاح الحراك الشعبي العفوي دليل قاطع على فشل التنظيمات الفلسطينية وقياداتها في أدائها السياسي خلال السنوات الماضية، ورابع يعتبر أن الاستعجال بتشكيل قيادة سياسية سيضر بالانتفاضة، لأن قيادات الفصائل عاجزة، وليس لها دور في تفجير الانتفاضة.
الجدير بالذكر أن تشكيل القيادة السياسية الموحدة في غاية الأهمية إن تم الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية المشاركة في الأحداث الحاصلة في الأراضي الفلسطينية على برنامج وطني مشترك، ولو في حده الأدنى فيما يتعلق بالمواجهة مع الاحتلال، وهناك تصورات لدى بعض الفصائل حول تشكيل هذه القيادة، لكن معظم المشاركين في الانتفاضة لا ينتمون لتيارات سياسية، والاتفاق على برنامج وطني مشترك بحاجة لنقاشات معمقة وطويلة.
ربما يبقى المتظاهرون الفلسطينيون عاجزين عن الاستمرار في المواجهات مع الجيش الإسرائيلي دون توفر الحاضنة الرسمية من القيادات الفلسطينية، من مختلف الفصائل والتنظيمات، وفي حين يبدو أن السلطة الفلسطينية تؤيد هذه الهبة الجماهيرية دون الوصول لمرحلة العمليات المسلحة، فيما حماس تؤيد كما يبدو استمرارها في الضفة الغربية، ولا تريد وصولها لغزة، لأنها لا ترغب بحرب جديدة مع إسرائيل.
هناك قناعة واضحة في الشارع الفلسطيني، مفادها أن الثورة الحاصلة في الضفة والقدس لم تستأذن السلطة الفلسطينية ولا أي فصيل آخر، وهناك عامل ذاتي فلسطيني قد يمنع وجود قيادة سياسية موحدة لهذه الأحداث، يتمثل بالخلافات الداخلية بين فتح وحماس، واختلافهما في توصيفهما للمواجهات، والنظرة لمآلاتها، ولذلك جاءت الأحداث الدائرة في الضفة والقدس في ظل حالة من التردي الحزبي الفصائلي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية، وتجري خارج نطاق سيطرة السلطة الفلسطينية.
أخيراً.. يبدو أن غياب القيادة عن الأحداث الفلسطينية الحاصلة ليس عفوياً، فهناك من يرى أن هذه الهبة الجماهيرية قد تتوقف بين يوم وآخر، ويمكن اعتبارها كسابقاتها، فلا داعي لتصدر أحداث لا يعلم أحد كيف ستنتهي؟، ومن يعتقد أن الدخول على خط قيادة الأحداث قد يدخل الساحة الفلسطينية في أتون استقطاب حزبي يفرغ الأحداث من مضمونها الوطني العام، ولأن ما بين الفصائل من الخلافات أكثر مما قد يوحدها، وفريق ثالث ربما تمثله حماس يتخوف من كشف قياداتها الميدانية لأنه قد يعرضها للاعتقال فور انتهاء الأحداث، من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية.
نيران صديقة ؟!
يوسف رزقه- المركز الفلسطيني للاعلام
في التاريخ عبر. ومن المفيد أن يعود الفلسطينيون للتاريخ. وهنا أقصد العودة إليه للوقف على دور الأنظمة العربية في ضياع فلسطين عام ١٩٤٨م. جلّ المؤرخين الموضوعيين حمّل الأنظمة العربية وجيوشها في تلك الفترة المسئولية كاملة، أو بالشراكة مع الغير في ضياع فلسطين.
وفي التاريخ كتابات مستفيضة ومفصلة عن دور الأنظمة العربية في القضاء على حكومة عموم فلسطين. وأحاديث أخرى موثوقة عن دورها في القضاء على العمل الفدائي الذي قاده مصطفى حافظ من غزة في وقت مبكر بعيد النكبة.
وهناك أقوال لعديد من المؤرخين العرب وغير العرب تشرح تآمر أنظمة عربية على مقاومة الشعب الفلسطيني بعد هزيمة ١٩٦٧م، واتجاه العرب لخيار المفاوضات مع إسرائيل، وبعد عقد السادات معهم اتفاقية كامب ديفيد. وقد صرح ياسر عرفات وغيره أنه ذهب إلى مدريد، وأوسلو مضطرا، تحت ضغط عربي، لم يعد قادرا على تحمله بعد أيلول الأسود، والخروج من الأردن ثم من لبنان، وبعد تشتت قوات المنظمة في البلدان العربية.
في كتب التاريخ ووثائق مجلس الأمن, مساحة قطاع غزة كانت حتى عام ١٩٥٠م تساوي (٥٦٥) كيلو متر، وحين كررت ( إسرائيل) شكواها لمصر ولغيرها من اجتياز سكان من غزة الحدود، والعودة لمدنهم وقراهم، للإقامة، أو جلب بعض ممتلكاتهم والعودة إلى غزة، أو لانتقال إلى الأردن، أو الاعتداء على السكان اليهود، عقد الجنرال المصري محمود رياض , حاكم غزة مفاوضات مع الإسرائيليين في ( العوجا) تمخضت عنها ما يسمى باتفاق العوجا تنازل فيها محمود رياض عن (٢٠٠) كيلو متر على طول امتداد قطاع غزة من الشمال إلى الجنوب، واتفق مع اليهود على تسجيل الاتفاق في مجلس الأمن؟!
هكذا تنازل جنرال مصري نيابة عن حكومته بإمضاء اتفاق العوجا عن أكثر من ثلث قطاع غزة للعدو المحتل، دون استشارة سكان قطاع غزة، بل وفي غفلة منهم، حتى أن أجيالا فلسطينية لا تعرف هذه الحقيقة المرّة حتى اليوم، ولا تصدقك إذا حدثتها بذلك.
أكتب هذا لأن الأستاذ صالح النعامي نكأ بما كتب على الفيس بوك أمس جراح التاريخ، آنف الذكر، وإليك ما كتبه نصا:( خلاصة كلام كيري أن الأردن وافق على تدنيس الصهاينة للأقصى، تحت بند زيارة غير اليهود ؟! وهذا غطاء لمخطط التقسيم الزماني للحرم. الصهاينة يتحدثون عن موافقة الأردن على تدنيس الصهاينة للمسجد في الحرم، وعدم الاكتفاء بالساحات. الكاميرات التي تحدث كيري عن نصبها في الأقصى ستكون لمراقبة المرابطين في الحرم. وهذا تعزيز لقبضة الصهاينة على الحرم. وبالنسبة لتعهدات نتنياهو بعدم صلاة اليهود في الحرم.. لو احترم التعهدات السابقة للملك عبدالله لما صار ما صار. اتفاق الأردن مع اسرائيل بشأن الأقصى هو تجسيد لطلب نتنياهو بأن يقوم الأردن بتبرئة إسرائيل من المس بالحرم. ) انتهى الاقتباس.
ليس لي تعليق على هذا الكلام أبلغ مما قلته في المقدمة إن في التاريخ عبراً، وعلى كل فلسطيني مراجعة التاريخ من الزاوية التي ذكرناها، حتى لا نكون من الغافلين، ثم من النادمين. اللهم قنا ووطننا ومقدساتنا من النيران الصديقة. آمين.
الاستقرار والأمن لن يتحققا إلا بزوال الاحتلال البغيض
محمد خضر قرش-الرأي
الغرور والوهم والعناد والكذب والعنجهية والتمترس وراء أساطير لا وجود لها إلا في عقول حكومة المستوطنين برئاسة نتنياهو ، تدفع بأصحابها دائما إلى العنصرية والتهلكة وفي أحسن الأحوال إلى بناء قصور وهمية مزخرفة على شاطئ البحر لا تلبث أن تختفي مع أول موجة صغيرة يقذفها البحر.يعتقد نتنياهو وبقية أفراد حكومته أن بإمكانهم أن يدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه ويتوجوا ملوكا لشعب إسرائيل من خلال مواصلة كذبهم على المجتمع الدولي وعلى شعبهم وإيهام مؤيديهم بأنهم قادرون على فرض الأمر الواقع على المسجد الأقصى خاصة والقدس بشكل عام.
لقد توهمت حكومة المستوطنين برئاسة نتنياهو أن الوقت قد حان لهم لفرض إرادتهم بما فيها بناء هيكلهم المزعوم مكان المسجد الأقصى وتغيير الواقع القائم مستفيدين من حالة الانكفاء العربية الرسمية وانشغالهم بحروب داخلية طاحنة تم استيراد الانكشاريين والقتلة وجلبهم من الخارج وتمويلهم وتسليحهم ودفعهم إلى الأرض العربية ليعيثوا فيها فسادا وتخريبا. وقد صُرفت عليهم مليارات الدولارات من أموال النفط العربي ، فأكلت الأخضر واليابس ودمرت ما تم بناءه طيلة العقود الماضية.التغير الكبير الذي نشهده في مدينة القدس وفلسطين لم يكن ليتحقق لولا الدماء الزكية الطاهرة النقية لشباب وشابات وفتيان وفتيات القدس والخليل ونابلس ورام الله وغزة وفلسطين 48. فقد أكدت الهبة الشعبية لحكومة المستوطنين أن شعب فلسطين – ورغم قساوة الظروف المحيطة به بما فيها افتقاده للدعم العربي الرسمي والشعبي– انه ما زال قادرا على امتلاك المبادرة وقوة المواجهة والتصدي للاحتلال الكريه والبغيض. فالهبة الشعبية المباركة التي ما زلنا نعيش مراحلها الأولى جاءت لتقض مضاجع الاحتلال وتفرمل من غروره وعنجهيته وعناده. لقد جاءت لتقول لنا ولغيرنا، بأن حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية هو واجب وفرض على كل فلسطيني. كما جاءت لتقول لحكومة المستوطنين أن فتيان وفتيات فلسطين قادرون على تلقينها درسا يبدد الأوهام التي عششت في دماغها لفترة طويلة نسبيا وباتت مأسورة لها.
وكما هو واقع الحال بكل احتلال في العالم ، فإن حكومة المستوطنين الحالية لم تتعلم أو تأخذ العبر حتى ممن سبقها من حكومات إسرائيل السالفة ،والذي كان لبعض رؤساها مواقف وتصريحات وأفعال أشد ضراوة وحقدا وعداء وكرها لشعب فلسطين مما هي عليه الان.
فمناحيم بيغن انسحب من جزيرة سيناء مرغما وفكك مستوطنة "يميت" والتي كانت البداية ،وجاء بعده إسحق رابين صاحب فكرة تكسير عظام الشباب وهو نفسه الذي تمنى أن يستيقظ ذات صباح ويرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة كله بأطفاله ونساءه وشيوخه ،أفبعد هذا الحقد حقد!!! ثم جاء باراك العسكري وانسحب مهرولا من جنوب لبنان وأغلق خلفه بوابة فاطمة وضحى بكل أفراد جيش لبنان الجنوبي وقائده أنطوان لحد ووأد إلى حيث لا رجعة بأطماعهم وبالأدق بأوهامهم في نهر الليطاني ثم جاء البلدروزر شارون الذي كان لاقتحامه ساحات المسجد الأقصى السبب المباشر للانتفاضة الثانية المجيدة ،لكن تتابع الأحداث وتطورها دفعته إلى إعادة احتلال الضفة الغربية كلها وقتل شباب وشابات فلسطين وحتى أطفال الانتفاضة ،فما كان منه سوى الإقرار بهزيمته أمام إرادة شعب فلسطين وأصدر أمرا بإخلاء القطاع وهدم كل المستوطنات فيه وأخرج المستوطنين منها بالقوة وانسحب حتى آخر سم مربع من أرض القطاع الشهم لكنه استبدله بالحصار جوا وبحرا وبرا.وبناء على السوابق والشواهد سالفة الذكر، فإن حكومة نتنياهو لن تكون الاستثناء أبدا وسينسحب من الضفة الغربية مبتدأ من القدس هذه المرة بعكس أسلافه الذين بدأوا بالأطراف .
المؤشرات الدالة على قرب مغادرة القدس!
1- في مقال مشترك كتبه كل من نير حسون وبراك ريبد في جريدة هآرتس الإسرائيلية ونشرته جريدة القدس يوم الثلاثاء الموافق 20 أكتوبر الحالي ،قالا"أن تقسيم المدينة بات قريبا جدا أو على الأقل هو أمر ممكن تنفيذه" بدون اعتراضات جدية من قبل الأحزاب الصهيونية سواء المشاركة في الحكومة أو من المعارضة. فحينما تقيم سلطات الاحتلال أكثر من11 حاجزا دائما من مكعبات إسمنتية في القدس نفسها للفصل بين الأحياء اليهودية والفلسطينية أو بين الأحياء الفلسطينية فيما بينها عدا الحواجز المؤقتة المنصوبة على الخط الفاصل بين شطري المدينة(خط الهدنة قبل حرب حزيران عام 1967) فإن ذلك يحمل أكثر من مؤشر على النية بالبدء بالتقسيم الفعلي المباشر للمدينة، بحجة حماية أمن وسلامة المستوطنين، ومنع الشباب من حملة السكاكين من ولوج القدس الغربية وطعن المحتلين.
2- ووفقا لمعلومات نفس الجريدة فقد عقد اجتماع في الأسبوع الماضي لأعضاء المجلس البلدي برئاسة الأرعن نير بركات حضره كافة أعضاء المجلس ،حيث طرح على طاولة البحث مقترحات محددة لفصل شطري المدينة.
3- ومن ضمن الاقتراحات كان تقييد حركة الفلسطينيين في القدس الشرقية ومنعهم من دخول الغربية باستثناء قائمة عمال ضرورية يجري إعدادها حاليا وتجهيزها ليسمح لهم بالعبور إلى الغربية.
4- فرض طوق أمني على الأحياء العربية في القدس الشرقية والتي اعتبرت بمثابة سياسة جديدة للبلدية أبلغها نير بركات لأعضاء المجلس البلدي، على أن يرافق الطوق، الإغلاق الكامل لأحياء القدس الشرقية
5- وقد وافق على هذه المقترحات كل أعضاء المجلس بمن فيهم نائب رئيس البلدية مائير ترجمان الذي ينتمي لنفس قائمة رئيس البلدية "القدس ستنجح"!!!.
6- طبيعة ومكان وضع الحواجز الإسمنتية في رأس العامود والصوانة وجبل الزيتون بما فيها فرض الطوق الأمني والإغلاق شبه الكامل على العيسوية وجبل المكبر وصور باهر وجميعها أحياء فلسطينية 100 % عدا عائلات قليلة جدا جدا يتراوح عددها بين العشرين والخمسة والعشرين عائلة في منطقة الصوانة ورأس العامود تعكس حالة لا بد من الوقوف أمامها مليا.
7- تهدف حكومة المستوطنين برئاسة نتنياهو من وراء وضع المكعبات الإسمنتية والحواجز إلى جعل المواطن الإسرائيلي يعتاد عليها ليسهل تمرير تقسيم المدينة على الرأي العام الإسرائيلي في المستقبل القريب جدا .
8- فكيف بمكن بعد الآن أن تكون القدس موحدة وعاصمة لإسرائيل !!! هل يوجد حكومة عاقلة وراشدة في العالم تقسم أحياء كاملة من عاصمتها!!! وتغلقها وتضع عشرات الحواجز الدائمة والمؤقتة بين شوارعها وتقتل بدم بارد وبالرصاص الحي الشباب وتهدم بيوتهم وتحرق أطفالهم؟؟ وتدعي بعد كل ذلك أن القدس عاصمة أبدية لها !!!
نهاية الاحتلال اقترب
لم يعد لدي أدنى شك وأنا أتجول في شوارع وأحياء مدينة القدس المليئة بالحواجز والكتل الإسمنتية بحراسة الجنود والشرطة،بأن ليل الاحتلال الطويل والظالم والقاسي والعنصري للقدس قد أزف وحان واقترب.ولم تأت هذه القناعة اليقينية إلا بعد أن قمت بجولة طويلة نسبيا على أحياء وشوارع القدس ورؤية ما يفعله جنود الاحتلال على الحواجز.على الاحتلال البغيض أن يرحل مبكرا من القدس أولا ،فنحن لا نريده وعليه أن يخرج من دمنا ولحمنا ويومنا وحياتنا ومن خبزنا وملحنا كما قال شاعرنا محمود درويش لقد مللناه وزهقناه وكرهناه .
فنحن نريد أن نعيش أحرارا فوق عاصمتنا وأرضنا. فشباب فلسطين ونحن معهم باقون فوق القدس والأقصى والكنيسة وفلسطين ولن نرحل وبالدماء الزكية الطاهرة لم نبخل كما قال شيخ شعرائنا توفيق زياد ،فتقدموا براجمات حقدكم ورصاص جندكم كما قال سميح القاسم، ولكن لن تصادروا حقنا في الأرض.فأنتم راحلون لا محالة ونحن الباقون هنا.وكل ما تفعله حكومة المستوطنين من قمع وقتل وهدم في فلسطين والقدس، أنها تؤجج وتزرع نار الحقد والكراهية وتولد روح الانتقام لدى الشباب، أفلا من يعتبر من دروس التاريخ؟؟ فالولايات المتحدة الأميركية دمرت وحرقت وقتلت واحتلت فيتنام وغيرها ثم ولت مدبرة تجر أذيال الخيبة وراءها وبريطانيا فعلت نفس الشئ في العديد من الدول العربية والآسيوية والأفريقية وخرجت مذلولة وفرنسا ادعت بأن الجزائر جزء من أرضها ومكثت فيها 130 عاما ثم ما لبثت أن تركتها لأهلها واندحرت.أما الاحتلال الإسرائيلي فسيخرج مذلولا ومهزوما ومهزوزا ومدحورا ومقروصا بأيدي شباب وشابات الهبة المباركة. ونختم بما قالته جريدة هآرتس المشار إليها أن "واقع الاحتلال نفسه يتضمن كل عناصر التحريض"
أحمد يوسف- فلسطين الان
لقد بلغ التغول الإسرائيلي وضغط الإهانة حدَّ الانفجار، وتحركت الجموع بهبة عفوية وصار ما صار،وتخطى هؤلاء الشباب بفعلهم النضالي كل حسابات السلطة وتوقعات أجهزتها الأمنية، كما تجاوزوا بحيوية هذا الفعل وتأثيراته كل تقديرات الفصائل الوطنية والإسلامية وتوقيتاتها الزمانية والمكانية، لتطفو- فجأة - كل رغبات هذا الجيل الفتيِّ في الانتقام للأقصى والمقدسات، والثأر للحرائر وما انتهك الصهاينة من المحرمات.
في الحقيقة، إن ما جرى كان حراكاً شعبياً جاء بدون مقدمات، حيث ملَّ هذا الشباب حديث الصمت وانتظار ما هو آت.. جاء هذا الفعل غاضباً من رحم المجهول، ومن حيث لم نحتسب، هكذا الأقدار تأتي - عادة - انتصاراً للمظلومين، بعد أن (استيأسوا)، وبلغ بهم الأذى والقهرحدَّ الزلزلة،وغلب عليهم ظن (إنَّا لمدركون).
للأسف، لسنوات ونحن نناشد قياداتنا السياسية بضرورة إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، لم نبخل - كما الآخرون - من تقديم المبادرات، ومحاولة جسر هوَّة التناقضات، وسد ما اتسع من ثغرات،واستشرى من خلافات،بعد تلك الكارثة المأساوية والمحنة الوطنية،التي جلبتها الأحداث الدامية في يونيه 2007م.. لكن – وهذا هو الواقع للأسف - ظلت مزاجية المكابرة والعناد عند بعض القادة السياسيين، وغلب الجهل على حسابات هؤلاء،وخانهم التقدير والاجتهاد .
لقد اعتقد أولئك القادة بأن رسم خطوط المرحلة سيظل بأيديهم، وتجاهلوا حركية الزمان، والجيل الذي يأتي به القهر والحرمان.. هذا الرهان وقع في خطأه الجميع، ولم يتحقق الكسب فيه لأحد؛ فإسرائيل التي عربد فيها الحاخامات وقطعان المستوطنين، وعبثوا– عنجهية واستعلاءً - بكرامة الوطن والمقدسات، غلب عليه الظن بأن الفلسطينيين قد استسلموا للذل والهوان، ولم يعد لهم على خارطة الرجولة عرق ينبض، فتغولوا عليهم، وقتلوا – بدم بارد - النساء والأطفال، وغيبوا الكبار في السجون والمعتقلات، وأحرقوا المزارع وحقول الزيتون دونما اكتراث، أما سلطتنا الفلسطينية المكبلة بالتزامات أوسلو الأمنية، فقد غدت كخيال المآتة؛عاجزة مشلولة، وأجهزتها الأمنية – للأسف - هي عين للاحتلال أو نحو ذلك.. لذا، لم يعد هناك في هذا الجيل من الشباب من يعوَّل عليها أو يطمئن لها، أما غزة فهي كليمة بحصارها وأوجاع التآمر عليها، تحاول الخروج من أزماتها، ولكنها لم تسطيع إلى ذلك سبيلاً، فقد تحول المشهد الفلسطيني إلى مأزقٍ يصعب الفكاك منه .
في ظل هذا الواقع الكارثي، وتجاهل المجتمع الدولي لقضيتنا، كانت مشاهد الحيرة والقلق والإحباط، فلا أمل في التغيير، ولا رؤية للإصلاح تلوح في الأفق ولا سراج منير، وكل ما حولنا لا يبشر بفرج قريب.!!
من هنا، كانت الأسئلة التي غابت إجاباتها هي طاقة الغضب الذي حرك كل شيء؛ لأن علامات الاستفهامات تراكمت في المرجل، وارتفع منسوب غليانها، إلى أن جاءت اللحظة التي لم يتوقع انفجارهاأحد، ودخلت – بقوة سهامها- على خط الاحتلال والمستوطنين.
إن مقومات الفعل كانت هي الاستجابة لأسئلة العجز الحائرة وتقطيب الجبين: ما العمل؟!
ما العمل؟ حيث الساحة النضالية تحولت بعد الانقسام إلى فسطاطين من التناقضات والخلاف، والكل بانتظار أن يأتيه الآخر صاغراً ذليلاً!!
ما العمل؟ وإسرائيل ماضية في مخططاتها لابتلاع الأرض الفلسطينية، وتهويد المقدسات واستباحة الحرمات في المسجد الأقصى وما حوله من باحات!!
ما العمل؟ وقد شعر الكل الفلسطيني بالعجز في أن يجتمع الصف وينتهي الانقسام، حيث أخفقت كل محاولات الجمع بين الطرفين فتح وحماس، وساد الاعتقاد بينهما "أن لا تلاقيا".
ما العمل؟ وانشغالات العالم والمجتمع الدولي كله مع ما يدور في سوريا والعراق من صراعات ومناجزات مسلحة، عنوانها "الحرب على الإرهاب".
ما العمل؟ وإيران وتركيا والسعودية ومصر، أهم مرتكزات هذه الأمة، أصبح بأسهم بينهم شديداً، وخرجوا لاعتبارات إقليمية وعالمية من مربع الإسناد للقضية الفلسطينية.
ما العمل؟ وهذا العجز والفشل في كل مؤسساتنا الوطنية!! وغياب القدرة على حل مشكلة وطنية واحدة؟!
ما العمل؟ وكل ما نشاهده من قيادات تاريخية بلا هيبة ولا احترام، فقد طالت أكثرها عوامل التعرية والخرف والفساد!!
ما العمل؟ إذا كانت الأحصنة لا تصهل، وتعاني رجالات الساسة من حالة إخصاء!!
إن لغز الإجابة مفقود مع خلاف الساسة وتراكم الأحقاد والإحن!!
إن هذه الأسئلة الحائرة، التي عجز هذا الجيل من الشباب في الوصول إلى إجابات لها، جعلت قراره هي تلك المفردات الرائعة لشاعر الوطن الثائر: عبد الرحيم محمود:سأحمل روحي على راحتي، وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياةٌ تسرالصديق، وإما ممات يغيظ العدا..
نعم؛ لم يعد في القوس من منزع، فخرج الشباب لإعادة بوصلة النضال والكرامة، وتذكير الاحتلال؛ الحاخامات والمستوطنين، بأن الأقصى خطٌ أحمر، دونه المهج والأرواح.
إن أروع اللوحات التي قدمتها هذه الهبة الشعبية "العفوية" وانتفاضة القدس المباركة، والتي عكست روح هذا الجيل ولخصت مطالبه وتمنياته، هي تلك "الوصايا العشر" للشهيد بهاءعليان(22 عاماً) من جبل المكبر، والتي تضمنت السطور الآتية:
1- أوصي الفصائل بعدم تبني استشهادي،فموتي كان للوطن وليس لكم.
2- لا أريد بوسترات ولابلايز فلن تكون ذكراي في بوسترمعلق على الجدران فقط.
3- أوصيكم بأمي،لاترهقوها بأسئلتكم الهدف منها استعطاف مشاعرالمشاهدين وليس أكثر.
4- لاتزرعوا الحقد في قلب ابني،أتركوه يكتشف وطنه،ويموت من أجل وطنه،وليس من أجل الانتقام لموتي.
5- إن أرادوا هدم بيتي فليهدموه، فالحجر لن يكون أغلى من روح خلقها ربي.
6- لاتحزنوا على استشهادي، احزنوا على ماسيجري لكم من بعدي.
7- لاتبحثوا على ماكتبته قبل استشهادي،ابحثوا عن ماوراء استشهادي.
8- لاتهتفوا بمسيرة جنازتي وتتدافعوا،بل كونوا على وضوء أثناء صلاة الجنازة وليس أكثر.
9- لاتجعلوا مني رقماً من الأرقام، تعدوه اليوم وتنسوه غداً.
10- أراكم في الجنة.
هذه النقاط/الوصايا العشر التي كتبها بدمه هي تلخيص لدوافع هذه الهبة، وشرح لبواعثها، وما تنطقه حروفها هو انعكاس لما يحمل هذا الجيل من الشباب من غصة وامتعاض من كل الفصائل، ورسالة واضحة بأنه لا يريد أن يتاجر أحد بدمه، وهو قدم دمه وضحى بحياته من أجل كرامة هذا الوطن وأقصاه.
عنوان المرحلة: الحذر.. والتصعيد بقدر
من المعروف أن الانتفاضات حتى تصل إلى غاياتها تحتاج إلى المرور بثلاثة مراحل، أولاها هي المرحلة التي نحن نعايشها، حيث الهبة الشعبية والتي أوشكت على الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي التأطير والتوجيه، حيث تبدأ الفصائل في تشكيل قيادة مشتركة وتدفع بكوادرها إلى الساحات للتظاهر وتحريك المواجهات، وتأتي المرحلة الثالثة عندما يتم ضبط البوصلة وتحديد الرؤية والهدف للوصول لغايات الفعل المقاوم.
لذلك، لا أظن أن "عسكرة الانتفاضة" في هذا الوقت هي خيار حكيم، حيث إن قوتها الآن في سلميتها، وعظمتها أنها حتى اللحظة بلا تنظيمات تقف خلفها، والتعاطف معها إقليمياً لأنها هبة عفوية من أجل الكرامة والمقدسات.. أما دولياً، فالتضامن يأتي من حجم إدراك العالم لمظلومية الفلسطينيين.
إن الحكمة تتطلب ألا نحرف البوصلة، وألا نعطي الذريعة للاحتلال لممارسة القتل والتهجير لشعبنا، لا نريد أن نقدم مبررات لإسرائيل تقوم بتسويقها للعالم أنها هي الأخرى تحارب الإرهاب.. إن الفطنة السياسية تتطلب منا قطع الطريق أمام الاحتلال، وعلينا إبقاء الهبة الجماهيرية عفوية وسلمية وشعبية وفي سياق المظلومية.. سلمت أيادي الشباب؛ أصحاب الرجولة والجسارة والدفاع عن الكرامة والمقدسات، وبوركت أيدي الماجدات من بناتنا وأخواتنا في ساحات الشرف والمجد دفاعاً عن الأقصى والمقدسات، ولكل المناضلات المجلَّلات بأعلام الوطن والكوفية، سلمت أيادي الجميع، وبوركت نواصيه الطاهرة، وعاش الحجر والسكين لكسر غطرسة المحتلين، وجدع أنوف المستوطنين.
انتفاضة القدس: ملامح مرحلة التغيير
ورد في تقدير إسرائيلي بأن الانتفاضة الأولى تميزت بالحجارة، والثانية بالعمليات الاستشهادية،والثالثة استحقت لقب انتفاضة السكاكين،حيث يقوم بهافلسطينيون غير منظمين، أغلبهم يعيش حياة سعيدة وهادئة،لكن القاسم المشترك بينهم هو أنهم غاضبون من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي ضد المسجدالأقصى.
أما الصحفي البريطاني ديفيدهرست، فإن قراءته لمجريات الأحداث تلخصها العبارات التالية:"بالنسبة لمهند الحلبي وجيله،ليست هذه قضيةً دينية فقط، فالأقصى رمزٌ للهوية الوطنية، وهو الرمز الأخيرالذي يمثل هوية غيّبتها الدولةالإسرائيليةبشكل شامل. الأقصى يوحِّد الفلسطينيين؛المتدينين والعلمانيين...إن الدفاع عن الأقصى ضد انتهاكات اليهود هو مسألة وجودية،إنها تقول للفلسطينيين: "إن لم نحارب لأجل هذا،فعلينا الاستسلام إذاً".
وأضاف: "لم يكن حلبي بحاجة إلى تحريض،ولم ينتظر أوامرَ من فتح أو حماس. لقد اتخذ قراره الشخصي مثلما يفعل الالاف الآخرون بصرف النظر عما إذا كانوا يعيشون في الضفةالغربية،غزة أو إسرائيل.. إن الجيل الجديد يتخذ قراراته الخاصة،متحدياً فتح وحماس. وإن كانت ثمة صورة تلخص هذا،فستكون صورة الفتاة التي ترتدي الجينز والكوفية،بينما تُناول حجارةً لشابٍ مقنّعٍ يرتدي عُصابة الرأس الخضراء التي يرتديها أنصارحماس. الشباب العلماني والمتدين يحتجون جنباً إلى جنب،وكل شابٍ يحمل سكيناً أو يرمي حجراً هو بطلهم الخاص".
إن حالة الهلع التي أصابت الإسرائيليين مقابل مشاهد النشوة والحيوية لدى الشباب الفلسطيني، تؤكد على أن هذه الهبة الشعبية قد شقت طريقها، وهي آخذة بالتوسع والانتشار، وقد جسدت ما غدا الفلسطينيون يعتبرونه – الآن - انتفاضة القدس، والتي بحسب المستشرق الإسرائيلي "آلونأفيتار"قد حققت للفلسطينيين خمسة أهداف، وهي الآتي:
1- توحيدهم في المناطق الأربع المعزولة جغرافياً؛ الضفة وغزة والقدس والـ48.
2-نجاح الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ رائد صلاح بتعزيز دور الإسلام في الصراع.
3- اكتشاف السكين كوسيلة ناجعة وقاتلة وسهلة المنال والاستخدام.
4-الشباب يخوض الانتفاضة، ويبدي استعداده لحمل شعلة الكفاح المسلح.
5- القدرة على تنفيذ العمليات المسلحة دون قيادة تديرها كالسابق.
أما المفكر الإسرائيلي "يغال عيلام" فهو يتوقع أن تفضي ثورة السكاكين لإحداث تحول في الموقف من الصراع مع الفلسطينيين؛لأن بضع طعنات من السكاكين دللت على أن مصير إسرائيل قد يكون محل تساؤل،مما سيفضي لبلورة مقاربة جديدةفيما يتعلق بالموقف من مصيرالأراضي المحتلة.
إن ما لدينا من قناعة هو أن هذا الكيان الاستيطاني الاستعماري العنصري هو أوهى من بيت العنكبوت، وهو إلى زوال؛ لأنه يحمل بذور فنائه بداخله، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، وهذه الانتفاضة ومشاهداتها إنما هي إرهاصات المغيب القادم لهذا الكيان المارق .
ختاماً: لماذايتأخر النصر وتضيع التضحيات؟!
كلما جاءت مشاهد الجنود وهم بكامل عتادهم العسكري يركضون هلعاً أمام شاب ليس في يده إلا السكين، كلما حاصرتني الأسئلة: كيف بالله كانت هزيمتنا عام 67م؟!! وكيف تصدعت سبع جبهات عربية مسلحة أمام هؤلاء الجند المخنثين، وكيف بالله ضاعت من قبل فلسطين؟!
إن الحقيقة كشفتها ثلاث حروب عاتية خاضتها غزة وحدها، حيث قاتلت برجالها وصمود أحيائها، وسجلت من الملاحم وصور البطولة ما يشهد لأهلها، ويرتقي بشبابها المقاوم إلى عليين.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ضاعت ثمرة كل هذه التضحيات، وسجلات الشرف، ولم تتحرر فلسطين؟
الجواب: اسألوا السياسيين وتجار الأوطان!!
إن انتفاضة القدس سوف ترسم ملامح المرحلة ومستقبلها، وعلى القادة السياسيين العمل على جمع الصف، وتوحيد بوصلة الحجر والسكين، قبل أن يقول الشعب كلمته: إني أرى رؤوساً قد أينعت، وحان قطافها.
انتفاضة بلا قيادة.. حتى متى؟
عدنان أبو عامر- الرسالة نت
منذ اندلاع المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية أوائل الشهر الحالي، ظهر من سماتها الأساسية غياب القيادة السياسية والميدانية عنها، وبقاء الشبان الفلسطينيين يواجهون الجيش الإسرائيلي بصورة انفرادية، حتى العمليات المسلحة وعمليات الطعن والدهس في الأيام الأخيرة، مما يطرح أسئلة عديدة حول أسباب غياب القيادة، وقدرة الشبان الفلسطينيين على الاستمرار بانتفاضتهم دون قيادة.
بعد مرور قرابة الشهر على اندلاع المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، أواخر سبتمبر، بقيت الفصائل الفلسطينية بعيدة عن تبني الأحداث، وبدا الميدان كأنه يسير بطريقة عفوية عشوائية دون قيادة تحركه.
هناك مطالبات فلسطينية بضرورة الإسراع بتشكيل قيادة وطنية موحدة للانتفاضة، حتى تكون المنسق للجهد الوطني حفاظاً عليها، وتطويراً لها، بما في ذلك عودة قيادة السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية لقطاع غزة، لأن بقاءها في الضفة سيؤدي حتماً لإجهاض الانتفاضة، وإفشالها، لكن الملفت كان تأخر القيادات الفلسطينية في التطرق للمواجهات، بعد مرور أسابيع على بدئها.
المفارقة الملفتة التي تشير لغياب قيادة فلسطينية موحدة للأحداث الفلسطينية الجارية، أن الفلسطينيين حتى اللحظة لم يتفقوا على اسم موحد لها، واختاروا لها تسميات عدة، ومنها: انتفاضة القدس، الهبة الجماهيرية، الموجة الثورية، الانتفاضة الثالثة، ولذلك جاء مرور كل هذه المدة الزمنية دون وجود قيادة سياسية ميدانية ليطرح أسئلة مثل: من يقود الحراك الجماهيري؟، وهل هناك رؤية سياسية واضحة وأهداف محددة لهذه الموجة الشعبية، أم مجرد ردات فعل عاطفية على الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى؟، علماً أن متوسط أعمار المشاركين في التظاهرات وعمليات الطعن والدهس يقل عن 20 عاماً، ممن ولدوا بعد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل 1993.
غياب قيادة للانتفاضة بات حديث الساعة لدى الفلسطينيين في الأيام الماضية، فقد طالب بعضهم بقيادة ميدانية لا مركزية قادرة على التخطيط والتوجيه لمواجهة القرارات الإسرائيلية التصعيدية، وأكد آخرون على ضرورة أن تبقى الانتفاضة عفوية بلا رأس يحركها ويقودها، وثالث يرى بأن نجاح الحراك الشعبي العفوي دليل قاطع على فشل التنظيمات الفلسطينية وقياداتها في أدائها السياسي خلال السنوات الماضية، ورابع يعتبر أن الاستعجال بتشكيل قيادة سياسية سيضر بالانتفاضة، لأن قيادات الفصائل عاجزة، وليس لها دور في تفجير الانتفاضة.
الجدير بالذكر أن تشكيل القيادة السياسية الموحدة في غاية الأهمية إن تم الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية المشاركة في الأحداث الحاصلة في الأراضي الفلسطينية على برنامج وطني مشترك، ولو في حده الأدنى فيما يتعلق بالمواجهة مع الاحتلال، وهناك تصورات لدى بعض الفصائل حول تشكيل هذه القيادة، لكن معظم المشاركين في الانتفاضة لا ينتمون لتيارات سياسية، والاتفاق على برنامج وطني مشترك بحاجة لنقاشات معمقة وطويلة.
ربما يبقى المتظاهرون الفلسطينيون عاجزين عن الاستمرار في المواجهات مع الجيش الإسرائيلي دون توفر الحاضنة الرسمية من القيادات الفلسطينية، من مختلف الفصائل والتنظيمات، وفي حين يبدو أن السلطة الفلسطينية تؤيد هذه الهبة الجماهيرية دون الوصول لمرحلة العمليات المسلحة، فيما حماس تؤيد كما يبدو استمرارها في الضفة الغربية، ولا تريد وصولها لغزة، لأنها لا ترغب بحرب جديدة مع إسرائيل.
هناك قناعة واضحة في الشارع الفلسطيني، مفادها أن الثورة الحاصلة في الضفة والقدس لم تستأذن السلطة الفلسطينية ولا أي فصيل آخر، وهناك عامل ذاتي فلسطيني قد يمنع وجود قيادة سياسية موحدة لهذه الأحداث، يتمثل بالخلافات الداخلية بين فتح وحماس، واختلافهما في توصيفهما للمواجهات، والنظرة لمآلاتها، ولذلك جاءت الأحداث الدائرة في الضفة والقدس في ظل حالة من التردي الحزبي الفصائلي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية، وتجري خارج نطاق سيطرة السلطة الفلسطينية.
أخيراً.. يبدو أن غياب القيادة عن الأحداث الفلسطينية الحاصلة ليس عفوياً، فهناك من يرى أن هذه الهبة الجماهيرية قد تتوقف بين يوم وآخر، ويمكن اعتبارها كسابقاتها، فلا داعي لتصدر أحداث لا يعلم أحد كيف ستنتهي؟، ومن يعتقد أن الدخول على خط قيادة الأحداث قد يدخل الساحة الفلسطينية في أتون استقطاب حزبي يفرغ الأحداث من مضمونها الوطني العام، ولأن ما بين الفصائل من الخلافات أكثر مما قد يوحدها، وفريق ثالث ربما تمثله حماس يتخوف من كشف قياداتها الميدانية لأنه قد يعرضها للاعتقال فور انتهاء الأحداث، من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية.
نيران صديقة ؟!
يوسف رزقه- المركز الفلسطيني للاعلام
في التاريخ عبر. ومن المفيد أن يعود الفلسطينيون للتاريخ. وهنا أقصد العودة إليه للوقف على دور الأنظمة العربية في ضياع فلسطين عام ١٩٤٨م. جلّ المؤرخين الموضوعيين حمّل الأنظمة العربية وجيوشها في تلك الفترة المسئولية كاملة، أو بالشراكة مع الغير في ضياع فلسطين.
وفي التاريخ كتابات مستفيضة ومفصلة عن دور الأنظمة العربية في القضاء على حكومة عموم فلسطين. وأحاديث أخرى موثوقة عن دورها في القضاء على العمل الفدائي الذي قاده مصطفى حافظ من غزة في وقت مبكر بعيد النكبة.
وهناك أقوال لعديد من المؤرخين العرب وغير العرب تشرح تآمر أنظمة عربية على مقاومة الشعب الفلسطيني بعد هزيمة ١٩٦٧م، واتجاه العرب لخيار المفاوضات مع إسرائيل، وبعد عقد السادات معهم اتفاقية كامب ديفيد. وقد صرح ياسر عرفات وغيره أنه ذهب إلى مدريد، وأوسلو مضطرا، تحت ضغط عربي، لم يعد قادرا على تحمله بعد أيلول الأسود، والخروج من الأردن ثم من لبنان، وبعد تشتت قوات المنظمة في البلدان العربية.
في كتب التاريخ ووثائق مجلس الأمن, مساحة قطاع غزة كانت حتى عام ١٩٥٠م تساوي (٥٦٥) كيلو متر، وحين كررت ( إسرائيل) شكواها لمصر ولغيرها من اجتياز سكان من غزة الحدود، والعودة لمدنهم وقراهم، للإقامة، أو جلب بعض ممتلكاتهم والعودة إلى غزة، أو لانتقال إلى الأردن، أو الاعتداء على السكان اليهود، عقد الجنرال المصري محمود رياض , حاكم غزة مفاوضات مع الإسرائيليين في ( العوجا) تمخضت عنها ما يسمى باتفاق العوجا تنازل فيها محمود رياض عن (٢٠٠) كيلو متر على طول امتداد قطاع غزة من الشمال إلى الجنوب، واتفق مع اليهود على تسجيل الاتفاق في مجلس الأمن؟!
هكذا تنازل جنرال مصري نيابة عن حكومته بإمضاء اتفاق العوجا عن أكثر من ثلث قطاع غزة للعدو المحتل، دون استشارة سكان قطاع غزة، بل وفي غفلة منهم، حتى أن أجيالا فلسطينية لا تعرف هذه الحقيقة المرّة حتى اليوم، ولا تصدقك إذا حدثتها بذلك.
أكتب هذا لأن الأستاذ صالح النعامي نكأ بما كتب على الفيس بوك أمس جراح التاريخ، آنف الذكر، وإليك ما كتبه نصا:( خلاصة كلام كيري أن الأردن وافق على تدنيس الصهاينة للأقصى، تحت بند زيارة غير اليهود ؟! وهذا غطاء لمخطط التقسيم الزماني للحرم. الصهاينة يتحدثون عن موافقة الأردن على تدنيس الصهاينة للمسجد في الحرم، وعدم الاكتفاء بالساحات. الكاميرات التي تحدث كيري عن نصبها في الأقصى ستكون لمراقبة المرابطين في الحرم. وهذا تعزيز لقبضة الصهاينة على الحرم. وبالنسبة لتعهدات نتنياهو بعدم صلاة اليهود في الحرم.. لو احترم التعهدات السابقة للملك عبدالله لما صار ما صار. اتفاق الأردن مع اسرائيل بشأن الأقصى هو تجسيد لطلب نتنياهو بأن يقوم الأردن بتبرئة إسرائيل من المس بالحرم. ) انتهى الاقتباس.
ليس لي تعليق على هذا الكلام أبلغ مما قلته في المقدمة إن في التاريخ عبراً، وعلى كل فلسطيني مراجعة التاريخ من الزاوية التي ذكرناها، حتى لا نكون من الغافلين، ثم من النادمين. اللهم قنا ووطننا ومقدساتنا من النيران الصديقة. آمين.
الاستقرار والأمن لن يتحققا إلا بزوال الاحتلال البغيض
محمد خضر قرش-الرأي
الغرور والوهم والعناد والكذب والعنجهية والتمترس وراء أساطير لا وجود لها إلا في عقول حكومة المستوطنين برئاسة نتنياهو ، تدفع بأصحابها دائما إلى العنصرية والتهلكة وفي أحسن الأحوال إلى بناء قصور وهمية مزخرفة على شاطئ البحر لا تلبث أن تختفي مع أول موجة صغيرة يقذفها البحر.يعتقد نتنياهو وبقية أفراد حكومته أن بإمكانهم أن يدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه ويتوجوا ملوكا لشعب إسرائيل من خلال مواصلة كذبهم على المجتمع الدولي وعلى شعبهم وإيهام مؤيديهم بأنهم قادرون على فرض الأمر الواقع على المسجد الأقصى خاصة والقدس بشكل عام.
لقد توهمت حكومة المستوطنين برئاسة نتنياهو أن الوقت قد حان لهم لفرض إرادتهم بما فيها بناء هيكلهم المزعوم مكان المسجد الأقصى وتغيير الواقع القائم مستفيدين من حالة الانكفاء العربية الرسمية وانشغالهم بحروب داخلية طاحنة تم استيراد الانكشاريين والقتلة وجلبهم من الخارج وتمويلهم وتسليحهم ودفعهم إلى الأرض العربية ليعيثوا فيها فسادا وتخريبا. وقد صُرفت عليهم مليارات الدولارات من أموال النفط العربي ، فأكلت الأخضر واليابس ودمرت ما تم بناءه طيلة العقود الماضية.التغير الكبير الذي نشهده في مدينة القدس وفلسطين لم يكن ليتحقق لولا الدماء الزكية الطاهرة النقية لشباب وشابات وفتيان وفتيات القدس والخليل ونابلس ورام الله وغزة وفلسطين 48. فقد أكدت الهبة الشعبية لحكومة المستوطنين أن شعب فلسطين – ورغم قساوة الظروف المحيطة به بما فيها افتقاده للدعم العربي الرسمي والشعبي– انه ما زال قادرا على امتلاك المبادرة وقوة المواجهة والتصدي للاحتلال الكريه والبغيض. فالهبة الشعبية المباركة التي ما زلنا نعيش مراحلها الأولى جاءت لتقض مضاجع الاحتلال وتفرمل من غروره وعنجهيته وعناده. لقد جاءت لتقول لنا ولغيرنا، بأن حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية هو واجب وفرض على كل فلسطيني. كما جاءت لتقول لحكومة المستوطنين أن فتيان وفتيات فلسطين قادرون على تلقينها درسا يبدد الأوهام التي عششت في دماغها لفترة طويلة نسبيا وباتت مأسورة لها.
وكما هو واقع الحال بكل احتلال في العالم ، فإن حكومة المستوطنين الحالية لم تتعلم أو تأخذ العبر حتى ممن سبقها من حكومات إسرائيل السالفة ،والذي كان لبعض رؤساها مواقف وتصريحات وأفعال أشد ضراوة وحقدا وعداء وكرها لشعب فلسطين مما هي عليه الان.
فمناحيم بيغن انسحب من جزيرة سيناء مرغما وفكك مستوطنة "يميت" والتي كانت البداية ،وجاء بعده إسحق رابين صاحب فكرة تكسير عظام الشباب وهو نفسه الذي تمنى أن يستيقظ ذات صباح ويرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة كله بأطفاله ونساءه وشيوخه ،أفبعد هذا الحقد حقد!!! ثم جاء باراك العسكري وانسحب مهرولا من جنوب لبنان وأغلق خلفه بوابة فاطمة وضحى بكل أفراد جيش لبنان الجنوبي وقائده أنطوان لحد ووأد إلى حيث لا رجعة بأطماعهم وبالأدق بأوهامهم في نهر الليطاني ثم جاء البلدروزر شارون الذي كان لاقتحامه ساحات المسجد الأقصى السبب المباشر للانتفاضة الثانية المجيدة ،لكن تتابع الأحداث وتطورها دفعته إلى إعادة احتلال الضفة الغربية كلها وقتل شباب وشابات فلسطين وحتى أطفال الانتفاضة ،فما كان منه سوى الإقرار بهزيمته أمام إرادة شعب فلسطين وأصدر أمرا بإخلاء القطاع وهدم كل المستوطنات فيه وأخرج المستوطنين منها بالقوة وانسحب حتى آخر سم مربع من أرض القطاع الشهم لكنه استبدله بالحصار جوا وبحرا وبرا.وبناء على السوابق والشواهد سالفة الذكر، فإن حكومة نتنياهو لن تكون الاستثناء أبدا وسينسحب من الضفة الغربية مبتدأ من القدس هذه المرة بعكس أسلافه الذين بدأوا بالأطراف .
المؤشرات الدالة على قرب مغادرة القدس!
1- في مقال مشترك كتبه كل من نير حسون وبراك ريبد في جريدة هآرتس الإسرائيلية ونشرته جريدة القدس يوم الثلاثاء الموافق 20 أكتوبر الحالي ،قالا"أن تقسيم المدينة بات قريبا جدا أو على الأقل هو أمر ممكن تنفيذه" بدون اعتراضات جدية من قبل الأحزاب الصهيونية سواء المشاركة في الحكومة أو من المعارضة. فحينما تقيم سلطات الاحتلال أكثر من11 حاجزا دائما من مكعبات إسمنتية في القدس نفسها للفصل بين الأحياء اليهودية والفلسطينية أو بين الأحياء الفلسطينية فيما بينها عدا الحواجز المؤقتة المنصوبة على الخط الفاصل بين شطري المدينة(خط الهدنة قبل حرب حزيران عام 1967) فإن ذلك يحمل أكثر من مؤشر على النية بالبدء بالتقسيم الفعلي المباشر للمدينة، بحجة حماية أمن وسلامة المستوطنين، ومنع الشباب من حملة السكاكين من ولوج القدس الغربية وطعن المحتلين.
2- ووفقا لمعلومات نفس الجريدة فقد عقد اجتماع في الأسبوع الماضي لأعضاء المجلس البلدي برئاسة الأرعن نير بركات حضره كافة أعضاء المجلس ،حيث طرح على طاولة البحث مقترحات محددة لفصل شطري المدينة.
3- ومن ضمن الاقتراحات كان تقييد حركة الفلسطينيين في القدس الشرقية ومنعهم من دخول الغربية باستثناء قائمة عمال ضرورية يجري إعدادها حاليا وتجهيزها ليسمح لهم بالعبور إلى الغربية.
4- فرض طوق أمني على الأحياء العربية في القدس الشرقية والتي اعتبرت بمثابة سياسة جديدة للبلدية أبلغها نير بركات لأعضاء المجلس البلدي، على أن يرافق الطوق، الإغلاق الكامل لأحياء القدس الشرقية
5- وقد وافق على هذه المقترحات كل أعضاء المجلس بمن فيهم نائب رئيس البلدية مائير ترجمان الذي ينتمي لنفس قائمة رئيس البلدية "القدس ستنجح"!!!.
6- طبيعة ومكان وضع الحواجز الإسمنتية في رأس العامود والصوانة وجبل الزيتون بما فيها فرض الطوق الأمني والإغلاق شبه الكامل على العيسوية وجبل المكبر وصور باهر وجميعها أحياء فلسطينية 100 % عدا عائلات قليلة جدا جدا يتراوح عددها بين العشرين والخمسة والعشرين عائلة في منطقة الصوانة ورأس العامود تعكس حالة لا بد من الوقوف أمامها مليا.
7- تهدف حكومة المستوطنين برئاسة نتنياهو من وراء وضع المكعبات الإسمنتية والحواجز إلى جعل المواطن الإسرائيلي يعتاد عليها ليسهل تمرير تقسيم المدينة على الرأي العام الإسرائيلي في المستقبل القريب جدا .
8- فكيف بمكن بعد الآن أن تكون القدس موحدة وعاصمة لإسرائيل !!! هل يوجد حكومة عاقلة وراشدة في العالم تقسم أحياء كاملة من عاصمتها!!! وتغلقها وتضع عشرات الحواجز الدائمة والمؤقتة بين شوارعها وتقتل بدم بارد وبالرصاص الحي الشباب وتهدم بيوتهم وتحرق أطفالهم؟؟ وتدعي بعد كل ذلك أن القدس عاصمة أبدية لها !!!
نهاية الاحتلال اقترب
لم يعد لدي أدنى شك وأنا أتجول في شوارع وأحياء مدينة القدس المليئة بالحواجز والكتل الإسمنتية بحراسة الجنود والشرطة،بأن ليل الاحتلال الطويل والظالم والقاسي والعنصري للقدس قد أزف وحان واقترب.ولم تأت هذه القناعة اليقينية إلا بعد أن قمت بجولة طويلة نسبيا على أحياء وشوارع القدس ورؤية ما يفعله جنود الاحتلال على الحواجز.على الاحتلال البغيض أن يرحل مبكرا من القدس أولا ،فنحن لا نريده وعليه أن يخرج من دمنا ولحمنا ويومنا وحياتنا ومن خبزنا وملحنا كما قال شاعرنا محمود درويش لقد مللناه وزهقناه وكرهناه .
فنحن نريد أن نعيش أحرارا فوق عاصمتنا وأرضنا. فشباب فلسطين ونحن معهم باقون فوق القدس والأقصى والكنيسة وفلسطين ولن نرحل وبالدماء الزكية الطاهرة لم نبخل كما قال شيخ شعرائنا توفيق زياد ،فتقدموا براجمات حقدكم ورصاص جندكم كما قال سميح القاسم، ولكن لن تصادروا حقنا في الأرض.فأنتم راحلون لا محالة ونحن الباقون هنا.وكل ما تفعله حكومة المستوطنين من قمع وقتل وهدم في فلسطين والقدس، أنها تؤجج وتزرع نار الحقد والكراهية وتولد روح الانتقام لدى الشباب، أفلا من يعتبر من دروس التاريخ؟؟ فالولايات المتحدة الأميركية دمرت وحرقت وقتلت واحتلت فيتنام وغيرها ثم ولت مدبرة تجر أذيال الخيبة وراءها وبريطانيا فعلت نفس الشئ في العديد من الدول العربية والآسيوية والأفريقية وخرجت مذلولة وفرنسا ادعت بأن الجزائر جزء من أرضها ومكثت فيها 130 عاما ثم ما لبثت أن تركتها لأهلها واندحرت.أما الاحتلال الإسرائيلي فسيخرج مذلولا ومهزوما ومهزوزا ومدحورا ومقروصا بأيدي شباب وشابات الهبة المباركة. ونختم بما قالته جريدة هآرتس المشار إليها أن "واقع الاحتلال نفسه يتضمن كل عناصر التحريض"