Haneen
2015-12-21, 10:58 AM
عكاشة رئيساً لمصر
بقلم وائل قنديل عن الرسالة نت
ليس مفاجئاً على الإطلاق أن يحصل توفيق عكاشة على أعلى الأصوات في انتخابات برلمان" القاهرة 30"، فما دامت هذه هي مصر في طورها العكاشي، فلماذا لا يكون عكاشة هو الأول، ولماذا لا يصل بطموحه إلى الحد الأقصى، معلناً بثقة أنه رئيس البرلمان القادم؟ يعتبر نفسه "مفجر ثورة"، وبالتالي، هو الزعيم المؤسس لدولة "القاهرة 30 يونيو"، وتعترف له أركان الدولة بهذا الدور التاريخي، في نقل مصر إلى عصر جديد، تغترب فيه عن ذاتها، وتلعق تاريخها وقيمها، ولا تعترف بعمرو الشوبكي، أو حافظ أبو سعدة، أو أي سياسي آخر، توهم أنه قادر على ممارسة اللعب على الحبلين، واضعاً قدمه في "يناير" والأخرى في "يونيو"، ذلك ببساطة أن عكاشة هو التعبير الأمثل عن دولة عكاشية، وكما قلت مراراً هي مصر في طورها "العكاشي" الذي اندلع قبل أكثر من عامين، ثم أخذ الأمر يتطور ويستفحل، حتى تجاوز مرحلة الكوميديا التجارية الرخيصة، وبلغ حد الخلل العقلي، والجنون الرسمي، وبعد أن كانت المسألة محصورة في شخصٍ مولع بتقمص شخصيات هاربة من فصول الفانتازيا، في كتب التاريخ الصفراء، تحولت إلى سياق عام من الهزل، تذوب فيه الفروق بين ما يصدر عن الدبلوماسية وما "ينشع" من ملاهي الـ"توك شو" الليلية.
الآن، يمضي نائب الدولة العكاشية الأول، في طريقه المرسوم، لكي يجلس على منصة رئاسة البرلمان، المنصب الثاني، حسب الدستور، بعد رئيس الدولة، والذي في حالة غياب الأخير، يقفز مباشرة إلى المقعد الأول في مقصورة الحكم، رئيساً للبلاد، ورمزاً لها، ولو بشكل مؤقت..
ولك أن تتخيل الصورة جيداً، حال غياب عبد الفتاح السيسي، تحت أي ظرف، تؤول السلطة إلى رئيس مجلس النواب، فتخرج" الأهرام" تقول: الرئيس عكاشة يتلقى اتصالا من خادم الحرمين الشريفين.. أو يعلن التلفزيون الرسمي: الرئيس عكاشة يصدر مرسوماً بتمديد حالة الطوارئ.. وتتحدث "الوطن" عن الرئيس عكاشة الذي يرفض الرد على اتصال من الرئيس الأميركي، محذراً (Shut up your mouth Obama)، ولم لا إذا كان كل شيء في مصر ينطق بعكاشية زاعقة! لك، أيضاً، أن تتخيل، الآن، أن عبد الفتاح السيسي قرّر تعيين عواجيز يناير، ممن قدموا خدمات جليلة لمشروع يونيو، نواباً في مجلس النواب، أمثال عبد الجليل مصطفى ومحمد أبو الغار وكمال الهلباوي وجورج اسحاق، ودارت عجلة الانعقاد، ليقف عبد الجليل مصطفى، مثلاً، طالباً الكلمة مردداً: سيدي الرئيس توفيق عكاشة، أو أن السيد رئيس المجلس الموقر يقرع المنصة بعنف، طالباً من العضو محمد أبو الغار ألا يتحدث من دون إذن، ويهدده بطرده من الجلسة، إذا لم يلتزم بالنظام!
تجاوز الواقع الفانتازيا بمراحل، وصارت النكتة لا تضحك أحداً، والزلازل فقدت القدرة على هز الوعي، وبات من الممكن أن تقرأ عن اتفاق شراكة استراتيجية بين القوات المسلحة و"بيتزا هت"، أو تعاون بين الجيش المصري وشركات إسرائيلية متخصصة في تنظيم حفلات رأس السنة..
أليس القرار الجمهوري الذي أصدره عبد الفتاح السيسي بالسماح للقوات المسلحة بإنشاء شركات بمساهمة رأس مال أجنبي كافياً لتوفير الغطاء القانوني لدخول كل المؤسسات العالمية الخاصة، صاحبة العروض الأفضل؟ أليس رئيس أكبر دولة عربية متفرغاً للتفاوض مع الشركات العالمية، من جنرال إليكتريك، إلى سيمينز، وحريصاً على التباحث بنفسه مع رجال الأعمال من الوزن الثقيل؟ إنها لحظة الحقيقة، وسقوط الأكاذيب التي روجوها، وهم يدعون الناس للتطوّع للخدمة في مشروع الثورة المضادة، تحت وهم أن كل الوسائل مشروعة، من أجل القضاء على حكم محمد مرسي، وبعدها سيذهب العسكر، وتنكسر الدولة العميقة، وتأتي إليهم السلطة، طائعة صاغرة.
الآن فقط حرّي بالذين لعبوا أسوأ أدوار تراجيديا "القاهرة 30 يونيو"، ووضعوا أيديهم في أيدي الأوغاد أن يتبينوا مواقعهم، هناك تحت أقدام الفاتحين الغزاة، من غلاة الدولة العكاشية. حرّي بالدكتور محمد البرادعي أن ينظر ملياً في صورة مصر الآن، وهي تئن تحت ضربات جيوش العكاشيين، ويسأل نفسه: هل أنت راض عما فعلت، بنفسك، بثورة، كُنتٓ ملهمها؟ هل تتذكر ذلك الهتاف "شد القلوع، يا برادعي، مفيش رجوع يا برادعي"؟
معبر رفح (قصة مش راكبة؟!)
بقلم يوسف رزقة عن فلسطين اون لاين
في إعلام السلطة وفتح يزعمون أن معبر رفح فُتح نهاية الأسبوع الماضي بعد مائة يوم من الإغلاق بناء على طلب من رئيس السلطة محمود عباس، بطلب مباشر من عبد الفتاح السيسي على هامش قمة المناخ؟!, (لا أصدق الخبر ولا أكذبه، وأقول الله أعلم؟!). ولكن إذا كان هذا صحيحًا وصادقًا, فلماذا تأخر الطلب لمائة يوم من الإغلاق؟!, وهل يعني أن رئيس السلطة سيطلب فتحه كل مائة يوم لمدة يومين فقط؟!.
بعض المحللين يقول: إن فتح المعبر لا علاقة له بعباس البتة وإنما له علاقة بقمة المناخ ورغبة مصر في تفادي أية مطالب إنسانية من الآخرين في المؤتمر؟!, ومع ذلك، هب أن عباس طلب فتح المعبر، واستجابت مصر لطلبه، فهل نفهم من هذا أنه شريك في فتح المعبر، وشريك في الإغلاق أيضًا؟!, أم أن مصر تتحمل كامل المسؤولية عن الإغلاق، وعباس شريك لها في فتح المعبر؟!, (القصة مش راكبة؟!).
يقول قيادي فتحاوي من غزة: "المشكلة تكمن في الأجهزة الأمنية المصرية التي تُطالب حماس بتسليمه؟!، ونحن نقول: إن حماس جزء من النظام الفلسطيني، لكن الواضح أن مصر ترفض التعامل معها، وهو ما يسبب هذه الأزمة؟!. وقال: "المطلوب الآن هو تسليم حكومة التوافق المعبر؟!, وما تُبديه الأجهزة الأمنية المصرية من تخوفات يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار لأنها تريد تأمين حدودها وهو حق لأي دولة؟!.
لست أدري لماذا الاختباء خلف مصر في قضية المعبر؟!, حين يقول قيادي في فتح: إن المعبر مغلق لدواعٍ أمنية تتعلق بحقوق مصر، فهو يتهم حماس، والأجهزة الأمنية وغزة باللعب في أمن مصر؟!, ويدعي أن سلطة عباس هي الوحيدة التي تحفظ أمن الحدود والمعابر مع مصر؟!, إن هذا القول مجانب للصواب ويحمل اتهامًا ضمنيًا غير مبرر؟!, وهو في الوقت نفسه لا يبرأ السلطة من مسؤولية الحصار وإغلاق معبر رفح؟!. لأنه يتبنى الرواية المصرية ولا يدافع عن حقوق سكان غزة.
وهنا أقول: يجدر بنا داخليًا ألّا نبحث في موقف مصر ابتداء، بل علينا أن نبحث في موقف السلطة وفتح أولًا؟!, ثم بعد ذلك نبحث في موقف مصر، لأن المشكلة فلسطينية، قبل أن تكون مصرية، وعباس يختفي خلف الموقف المصري، لأنه لا يريد أن يُرفع الحصار عن غزة، ولا أن تُرفع المعاناة عن سكانها، لأن له مطالب أخرى غير المعبر، والمعبر ليس إلا شماعة يعلق عليها آثامه في التعامل مع غزة.
قبل اتفاق الشاطئ كان كثير المطالبة بحكومة واحدة، وانتخابات، وبعد أن أخذ ما يريد من اتفاق الشاطئ، بدأ في معزوفة المعبر، وبعد معزوفة المعبر ستكون الحدود مع مصر، وبعد الحدود مع مصر سيكون سلاح المقاومة، وهكذا حتى يكتمل مشروعه في غزة على شاكلة مشروعه في الضفة.
يقول قيادي في اليسار الفلسطيني: من حق حماس أن تكون شريكة في إدارة المعبر، ولكن يجدر بها أن تتنازل عن حقها في الشراكة لرفع المعاناة عن السكان؟!, وهذا في نظري قول منمق، ولكنه ليس منطقيًا، لأن حماس حين تنازلت عن حكومتها لم تحقق الشراكة، وألقت حكومة التوافق الموظفين في الشارع، واضطرت حماس إلى تدبر أمرها بالممكن، ووقف اليسار متفرجًا على المشكلة؟!.
الجاهل يلدغ من الجحر مرات، والمؤمن يلدغ مرة واحدة فقط. مشكلة المعبر مشكلة خلقها عباس، وعباس فقط, والموظفون مشكلة خلقها عباس وعباس فقط، لأن ما في رأس عباس مشروعًا خاصًا لا شراكة فيه حتى لفتح حين تخالفه، ولا تنسوا أن من في العبر الآن هم فلسطينيون وليسوا يهودًا محتلين, كما قالها موسى أبو مرزوق في تغريدته مؤخرًا.
التخويف من انهيار السلطة الفلسطينية
بقلم فايز أبو شمالة عن فلسطين اونلاين
يتخوف بعض الفلسطينيين من حل السلطة أو انهيارها، ويتخوف بعض السياسيين الإسرائيليين من حل السلطة أو انهيارها.
أما الفلسطينيون الذين يتخوفون من حل السلطة أو انهيارها فهم أولئك الذين غدت مصالحهم الحياتية والاقتصادية والوظيفية مرتبطة ببقاء السلطة، وهم في قلق دائم على معيشتهم ومستقبل أبنائهم في حالة اختفاء السلطة، ولهؤلاء الناس الحق في تخوفهم، ولكنهم يبالغون في القلق على مستقبلهم الوظيفي، دون أن يفطنوا إلى أن الجهة التي ستتولى إدارة حياة الناس في حالة اختفاء السلطة ستلتزم بالقانون الذي يكفل سبل العيش لكل من عمل في الوظيفة العمومية، وستتحمل مرغمة كل المسئوليات المالية التي كانت تتحملها السلطة المنهارة.
أما الإسرائيليون الذين يتخوفون من انهيار السلطة فهم أولئك الذين يدركون أهمية وجود السلطة لحفظ أمن اليهود، وهؤلاء هم قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الذين أوصوا المستوى السياسي قبل أيام بتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية، وتزويدها بالمدرعات والأسلحة والذخيرة، وتقديم بعض الامتيازات لقادتها، مع إطلاق سراح بعض الأسرى، وتحسين شروط حياة الناس اليومية بزيادة فرص العمل، وإعطاء تصاريح بناء في المنطقة (ج)، ولا يحذر هذا المستوى الأمني الإسرائيلي من حل السلطة، وإنما يتخوف من انهيارها.
الفلسطينيون الذين يتخوفون من اختفاء السلطة لا يشغلهم البعد السياسي في هذا الأمر؛ فهم يدركون أن واقع حال القضية الفلسطينية لم يكن مع وجود السلطة بأفضل منه مع غيابها، وهم يدركون أن القضية الفلسطينية ستأخذ حضوراً وتأثيراً وفرصاً لتعديل مساراتها التنظيمية والسياسية بما يتواءم مع عودة الاحتلال الإسرائيلي، وقد أثبتت التجارب أن المواجهة المباشرة مع الجيش الإسرائيلي ومستوطنيه ستكون أرحم ألف مرة من المواجهة مع قوات الأمن الفلسطيني، وأن التعامل المباشر مع منسق شئون المناطق سيكون أيسر في إنجاز معاملات الناس اليومية من التعامل مع وزارة الشئون المدنية التي اكتفت بدور ساعي البريد.
أما الإسرائيليون الذين يتخوفون من انهيار السلطة فتشغلهم النتائج السلبية لانهيار السلطة، ومستوى تطور الأحداث على الأرض، لذلك انقسم المجلس الوزاري السياسي والأمني الإسرائيلي على نفسه، حين ناقش مدة يومين سيناريو انهيار السلطة، وسبل التعامل مع ذلك، ولم يحسم الخلاف بين المؤيدين لانهيار السلطة والمعترضين على ذلك إلا رئيس الوزراء نتنياهو حين قال في باريس: "لا أتمنى انهيار السلطة الفلسطينية، ونقوم بخطوات تمنع تحقق هذا السيناريو، السلطة الفلسطينية سيئة، ولكن انهيارها سيأتي لنا ببديل أسوأ، لذلك نطالب السلطة بتغيير سلوكها".
فإذا كان نتنياهو الذي يمثل أعلى مستوى سياسي في الكيان العبري لا يتمنى انهيار السلطة؛ فلماذا لم تأخذ حكومته بتوصيات المستوى العسكري الذي أوصى في تقريره بتعزيز مكانة السلطة في أوساط الفلسطينيين خشية انهيارها؟
أزعم أن لرئيس وزراء الاحتلال مصلحة في إثارة موضوع انهيار السلطة، وهي المصلحة نفسها التي ينطلق منها بعض السياسيين والكتاب الفلسطينيين والعرب، وتصور انهيار السلطة الفلسطينية بالنكبة التي لا تعادلها إلا نكبة سنة 1948م، وكأن السلطة في حد ذاتها هي غاية النضال الفلسطيني، وكأن بقاء السلطة مغنم كبير يفوق تحرير فلسطين، وأزعم أن لا هدف من هذا التهويل المقصود لبقاء السلطة إلا رأس انتفاضة القدس، وذلك عن طريق:
أولاً: تخويف قيادة السلطة الفلسطينية من بروز قيادات ميدانية جديدة، تنتزع القرار السياسي، وتكون لها الكلمة العليا في الشأن الفلسطيني، وهذا ما تخشاه السلطة، وما حذر منه نتنياهو.
ثانياً: تشكيك المجتمع الفلسطيني بقدرته على البقاء حيّاً في حالة انهيار السلطة، وتخويفه من حركة "داعش" وقدرتها على التمدد والسيطرة، وملء الفراغ الناجم عن انهيار السلطة.
لقد نسي كل أولئك الذين يقدسون السلطة على حساب الوطن أن الشعب الفلسطيني بات مدركاً أن السلطة الفلسطينية التي أسست سنة 1994م، لمدة خمس سنوات مؤقتًا؛ هذه السلطة انتهت سنة 1999م مع انتهاء المرحلة الانتقالية، وأن الذي ظل منها مجموعة من المسئولين الإداريين والأمنيين والماليين الذين تنكروا للواقع، وتجمدوا على حافة الزمن، وتوهموا استمرار قدرتهم على البقاء، متجاهلين حجم الوعي الفلسطيني المتنامي في عقول الأجيال الشابة، ومتجاهلين حجم الغضب الفلسطيني النابت في صدر الصبايا والشباب، الذين لم يعد يهمهم بقاء السلطة بمقدار ما يهمهم حرية الإنسان الفلسطيني وتحرير أرضه.
كيف نقرأ عملية "داعش" في باريس ودلالاتها؟
بقلم منير شفيق عن فلسطين اون لاين
يمكن استخدام عبارة العمليات الإرهابية، لما تعرّضت له باريس في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ليس اقتناعا بدقة الوصف والتسمية، وإنما تجاوزا وتجنبا للخوض في جدل حول المصطلح على خطورته وضرورة تصحيحه.
العمليات الإرهابية التي تمارسها حركة داعش، وفي أي مكان ضربت فيه. تختلف اختلافا نوعيا عن مختلف العمليات الإرهابية أو الحالات الإرهابية التي عُرِفَت في الماضي، ولا سيما في القرن العشرين حتى بروز داعش، وعلى التحديد، إلى تمكّنها من السيطرة على المنطقة الممتدة من الموصل في العراق إلى الرقة في سوريا، ثم إعلانها قيام "دولة الخلافة" وتسمية "أبو بكر البغدادي" خليفة لها.
اتسّمت العمليات الإرهابية التي عُرِفَت في الماضي بوجود دولة كبرى أو وسطى أو حتى صغيرة وراءها، وكانت تحمل مغزى في توقيتها، وفي الهدف الذي تضربه، وفي ما تريد أن تبلغه من سياسة لمن يعنيه الأمر. أما العمليات الإرهابية التي مارستها قوى محلية فقد حملت هدفا معينا يخصّ ذلك البلد ونظامه ورئيسه. ولم تكن قد جعلت كل البلدان في العالم هدفا لها. فالحركة الفوضوية عندما قدّمت نفسها كحركة أممية إنما حدّدت لنفسها هدف ضرب وجود الحكومة، أيّة حكومة، من حيث أتى.
والعمليات الإرهابية التي مارستها الدول الكبرى من خلال مخابراتها، وضدّ بعضها بعضا، كانت تحمل هدفا محدّدا تريد تحقيقه. ولم تكن مفتوحة الأبواب لتضرب كيفما لاح لها أن تضرب.
لذلك كان المحللون السياسيون في مواجهة وقوع عملية إرهابية، يتبارون في معرفة اليد الخفيّة وراءها، ثم يَنكبّون على قراءة الأبعاد السياسية التي حملها التوقيت، والمكان، كما الضحية التي استُهدِفَت، أو الضحايا. وكان يسهل، في الماضي، توقع الردّ عليها من جانب الذي وَجَّهت إليه رسالتها. ومن ثم يُصار إلى إعادة تنظيم أصول اللعبة في الصراع إذا لم يقتضِ الأمر إعادة تكرارها، وإعادة الردّ على المكرِّر من أجل الوصول إلى تنظيم أصول اللعبة أخيرا.
الوضع الآن اختلف اختلافا جوهريا عما كان عليه الحال، أو الحالات في الماضي. فمن جهة اختلفت موازين القوى في ما بين الدول الكبرى والإقليمية والعربية فالسيطرة على النظام العالمي والإقليمي والعربي أصبحت مفقودة، وغدا الوضع أقرب إلى اللانظام والفوضى والارتباك العام. ولعل أخطر ما يتسّم به الوضع الراهن هو عدم استعداد أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أن تُرسِلَ جيوشها وتكتسح البلدان الأخرى. فإن أقصى ما أصبح بمقدورها، أو ضمن استراتيجيتها العسكرية أن تفعله هو التدخل من خلال الطيران، والمخابرات (التي فقدت قدرتها على صناعة الانقلابات). وهذا يعني عدم القدرة على الحسم في مواجهة أيّة قوّة صغيرة متمردّة أكانت إرهابية أم لم تكن كذلك. فحركة مثل داعش مثلا لم تكن تحتمل في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين حتى 2003 أن تصمد أمام جيش من جيوش الغرب أكثر من أيام معدودات حتى تصبح مشرّدّة مطاردة في الجبال.
والوضع الآن، من جهة ثانية، ولا سيما في البلاد العربية عموما، ونتيجة للخلل الذي حدث في موازين القوى العالمية والإقليمية والعربية، أصبح يُواجِه حالات لم يسبق لها مثيل من ناحية التفكك في علاقات الدول العربية بعضها مع بعض، كما من ناحية ضعف قبضة الدولة القطرية العربية وما راحت تواجهه في عدد من أقطارها الرئيسية من تصدّع وانقسامات وفقدان للسيطرة، مما راح يهدّد التجزئة العربية بما يمكن تسميته تجزيء المجزّأ.
ويجب أن يُشارَ هنا إلى التراجع الذي أصاب الكيان الصهيوني نتيجة ما حلّ بالسيطرة الغربية العالمية من ضعف في ميزان القوى ومن عجز عن التدخل العسكري الميداني المباشر، ثم نتيجة هزيمة جيشه في أربع حروب 2006 في لبنان و2008/2009 و2012 و2014 في قطاع غزة ومن قبل اندحار احتلاله لجنوب لبنان عام 2000 ومن بعده اندحار الاحتلال وتفكيك مستوطناته في قطاع غزة 2005. فالجيش الصهيوني منكفئ مندحر، ولم يعد ذلك الجيش الذي يصل قناة السويس بسرعة الدبابة ويتهدّد أيّة عاصمة عربية بالاحتلال والقصف.
ضمن هذه الأوضاع الجديدة وما شهدته البلاد العربية في ظلها من تغيّرات واهتزازات خلال الخمس سنوات الماضية، دخلت العمليات الإرهابية من خلال داعش مرحلة مختلفة إلى حدّ بعيد عما كانت عليه الحال، أو الحالات، في السابق. وقد اتسّمت بصورة أساسية بطبيعة داعش الشاذة عن كل ما سبقها. ومن ثم لم تعد المناهج السابقة في قراءة العمليات الإرهابية صالحة لقراءة عمليات داعش.
فعندما تحدث عملية إرهابية في أي بلد عربي أو إسلامي أو دولي، لا تبحث عن لماذا استُهدِفَ هذا البلد بعينه، ولا تبحث عن التوقيت أو أبعاده، ولا عن الهدف المحدّد وراءه. فبالنسبة إلى داعش فالقرار مأخوذ ضدّ الجميع، وحيثما توفرّ، وفي أي وقت أمكن الضرب. فالإعداد للعمليات مفتوح على مصراعيْه في كل مكان، والمنهج الذي يُطبّق هو نفسه، وليس هنالك من سقف أو حدود أو محاذير. والهدف هو نفسه، على العموم، في كل مكان. فأينما وُجِدَت نقطة ضعف أو توفرّ الإمكان، تقرّر التنفيذ.
أما ما قد ينجم عن هذه العملية من نتائج، ومن يمكن أن يفيد منها أو يستخدمها فكل ذلك لا يدخل في حساب داعش، عكس ما كان عليه وضع العمليات الإرهابية في السابق. فالهدف الأول أن تُثْبِت داعش قدرتها وهيبتها ووجودها في كل مكان. وأن تشيع الرعب في صفوف الجميع من الناس العاديين أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، أو أكانوا عربا أم غير عرب فالمهم هو الاعتماد على الوصول إلى هدف إخافة الجميع. فداعش تعتقد بمبدأ "أن النصر يأتي من خلال الرعب". وهذا يفسّر تعمّدها للوحشية القصوى وتوزيع ذلك من خلال الصوت والصورة وبأعلى درجات الإتقان الفتي في مشهد الجسد المحترق والرأس المقطوع والقتل الجماعي لأبرياء في شارع عام أو صالة، أو مقهى أو مسجد أو طائرة.
لذلك يصعب أن يُحدّد نسَق معيّن في عملياتها، أو في تحديد توقيتها، أو الهدف المباشر منها. فالضربة التي وجهتها في فرنسا كان يمكن أن تكون في لندن أو في برلين، أو في نيويورك أو موسكو أو شنغهاي. والضربة التي وجهتها للضاحية كان يمكن أن تكون قبل ذلك في أي وقت، والضربة الأخيرة التي استهدفت تونس كان يمكن أن تكون في غزة أو الجزائر أو الدار البيضاء أو في أي وقت آخر.
فأنت تتعامل مع استراتيجية في العمليات الإرهابية مفتوحة على توفّر الإمكان في أي مكان، وفي أي وقت، وبلا حساب لعدد الضحايا أو هويّتهم الدينية أو المذهب أو القومية أو القطرية أو القاريّة أو الجهوية. فكل من هو ليس بداعش أي لم يبايع "الخليفة" مرشح للذبح أو في أحسن الحالات يُعامَل باعتباره "مُسّخرا (مؤقتا)، ولو قدّم لها تسهيلات مرورية أو تجارية، أو ما شابه.
فلا نسَق هناك ولا توقيت ولا مكان ولا مجموعة إنسانية هناك. فليس هنالك غير هدف إثبات القدرة وتوسيع المنخرطين أو المبايعين وإشاعة الرعب. أما ردود الفعل الأخرى أكانت سلبية حتى على داعش فلا تدخل في الحساب والاعتبار، أم كانت إيجابية في مصلحة من تعتبرهم ألدّ أعدائها أم انقلب عليها، وكان يهادنها أو مسّخرا لها أم متجنبا لأفرادها، فأيضا خارج الحسابات والاعتبار (وهنالك أمثلة كثيرة على ذلك).
إذا صحّت هذه القراءة، فإن أول ما يجب أن يُواجَه به داعش هو إبطال إشاعة الرعب منها وتوسيع روح التحدّي، وذلك على مستوى الناس العاديين وفي كل مكان، كما على مستوى النخب والقوى السياسية التي تتصدّى لها. أما النقطة الثانية فموّجهة إلى كل من يحاول الإفادة من عمليات داعش لتحقيق سياسات أخرى غير هدف مواجهتها. وهذه النقطة بالذات آفة الدول الكبرى التي تتعاطى مع الموضوع كما دول أخرى.
وهذا يفسّر لماذا لازالت داعش قادرة على ممارسة كل هذا التحدّي والارتكابات. وهو أمر يتناقض مع حجمها وكل موازين القوى حين نُعدّد من يعلنون خصومتهم لها.
فالإشكال هنا ليس في قوّتها وإنما في التناقضات القائمة بين الأطراف الأخرى، مما يفسح لها مجال الوجود والبقاء، وحتى استمرار ما تقوم به من عمليات تشغل الواحدة منها العالم كله. وهذا خارج كل معقول إذا ما اعتمدنا على ما كان معقولا في الماضي. فإذا استمرّ كلٌ يغني على ليلاه وهو يُنْكِر ليلى الداعشية، فكل ما يجري من ضجيج في مواجهة داعش لن يؤدي إلى إصابة داعش في مقتلها، وإنما هو ضربٌ على الريش.
والسؤال الأخير، ولو خارج السياق، أين هي الاختراقات المخابراتية ولماذا لم تكشف عملية بحجم هجمات باريس؟
بقلم وائل قنديل عن الرسالة نت
ليس مفاجئاً على الإطلاق أن يحصل توفيق عكاشة على أعلى الأصوات في انتخابات برلمان" القاهرة 30"، فما دامت هذه هي مصر في طورها العكاشي، فلماذا لا يكون عكاشة هو الأول، ولماذا لا يصل بطموحه إلى الحد الأقصى، معلناً بثقة أنه رئيس البرلمان القادم؟ يعتبر نفسه "مفجر ثورة"، وبالتالي، هو الزعيم المؤسس لدولة "القاهرة 30 يونيو"، وتعترف له أركان الدولة بهذا الدور التاريخي، في نقل مصر إلى عصر جديد، تغترب فيه عن ذاتها، وتلعق تاريخها وقيمها، ولا تعترف بعمرو الشوبكي، أو حافظ أبو سعدة، أو أي سياسي آخر، توهم أنه قادر على ممارسة اللعب على الحبلين، واضعاً قدمه في "يناير" والأخرى في "يونيو"، ذلك ببساطة أن عكاشة هو التعبير الأمثل عن دولة عكاشية، وكما قلت مراراً هي مصر في طورها "العكاشي" الذي اندلع قبل أكثر من عامين، ثم أخذ الأمر يتطور ويستفحل، حتى تجاوز مرحلة الكوميديا التجارية الرخيصة، وبلغ حد الخلل العقلي، والجنون الرسمي، وبعد أن كانت المسألة محصورة في شخصٍ مولع بتقمص شخصيات هاربة من فصول الفانتازيا، في كتب التاريخ الصفراء، تحولت إلى سياق عام من الهزل، تذوب فيه الفروق بين ما يصدر عن الدبلوماسية وما "ينشع" من ملاهي الـ"توك شو" الليلية.
الآن، يمضي نائب الدولة العكاشية الأول، في طريقه المرسوم، لكي يجلس على منصة رئاسة البرلمان، المنصب الثاني، حسب الدستور، بعد رئيس الدولة، والذي في حالة غياب الأخير، يقفز مباشرة إلى المقعد الأول في مقصورة الحكم، رئيساً للبلاد، ورمزاً لها، ولو بشكل مؤقت..
ولك أن تتخيل الصورة جيداً، حال غياب عبد الفتاح السيسي، تحت أي ظرف، تؤول السلطة إلى رئيس مجلس النواب، فتخرج" الأهرام" تقول: الرئيس عكاشة يتلقى اتصالا من خادم الحرمين الشريفين.. أو يعلن التلفزيون الرسمي: الرئيس عكاشة يصدر مرسوماً بتمديد حالة الطوارئ.. وتتحدث "الوطن" عن الرئيس عكاشة الذي يرفض الرد على اتصال من الرئيس الأميركي، محذراً (Shut up your mouth Obama)، ولم لا إذا كان كل شيء في مصر ينطق بعكاشية زاعقة! لك، أيضاً، أن تتخيل، الآن، أن عبد الفتاح السيسي قرّر تعيين عواجيز يناير، ممن قدموا خدمات جليلة لمشروع يونيو، نواباً في مجلس النواب، أمثال عبد الجليل مصطفى ومحمد أبو الغار وكمال الهلباوي وجورج اسحاق، ودارت عجلة الانعقاد، ليقف عبد الجليل مصطفى، مثلاً، طالباً الكلمة مردداً: سيدي الرئيس توفيق عكاشة، أو أن السيد رئيس المجلس الموقر يقرع المنصة بعنف، طالباً من العضو محمد أبو الغار ألا يتحدث من دون إذن، ويهدده بطرده من الجلسة، إذا لم يلتزم بالنظام!
تجاوز الواقع الفانتازيا بمراحل، وصارت النكتة لا تضحك أحداً، والزلازل فقدت القدرة على هز الوعي، وبات من الممكن أن تقرأ عن اتفاق شراكة استراتيجية بين القوات المسلحة و"بيتزا هت"، أو تعاون بين الجيش المصري وشركات إسرائيلية متخصصة في تنظيم حفلات رأس السنة..
أليس القرار الجمهوري الذي أصدره عبد الفتاح السيسي بالسماح للقوات المسلحة بإنشاء شركات بمساهمة رأس مال أجنبي كافياً لتوفير الغطاء القانوني لدخول كل المؤسسات العالمية الخاصة، صاحبة العروض الأفضل؟ أليس رئيس أكبر دولة عربية متفرغاً للتفاوض مع الشركات العالمية، من جنرال إليكتريك، إلى سيمينز، وحريصاً على التباحث بنفسه مع رجال الأعمال من الوزن الثقيل؟ إنها لحظة الحقيقة، وسقوط الأكاذيب التي روجوها، وهم يدعون الناس للتطوّع للخدمة في مشروع الثورة المضادة، تحت وهم أن كل الوسائل مشروعة، من أجل القضاء على حكم محمد مرسي، وبعدها سيذهب العسكر، وتنكسر الدولة العميقة، وتأتي إليهم السلطة، طائعة صاغرة.
الآن فقط حرّي بالذين لعبوا أسوأ أدوار تراجيديا "القاهرة 30 يونيو"، ووضعوا أيديهم في أيدي الأوغاد أن يتبينوا مواقعهم، هناك تحت أقدام الفاتحين الغزاة، من غلاة الدولة العكاشية. حرّي بالدكتور محمد البرادعي أن ينظر ملياً في صورة مصر الآن، وهي تئن تحت ضربات جيوش العكاشيين، ويسأل نفسه: هل أنت راض عما فعلت، بنفسك، بثورة، كُنتٓ ملهمها؟ هل تتذكر ذلك الهتاف "شد القلوع، يا برادعي، مفيش رجوع يا برادعي"؟
معبر رفح (قصة مش راكبة؟!)
بقلم يوسف رزقة عن فلسطين اون لاين
في إعلام السلطة وفتح يزعمون أن معبر رفح فُتح نهاية الأسبوع الماضي بعد مائة يوم من الإغلاق بناء على طلب من رئيس السلطة محمود عباس، بطلب مباشر من عبد الفتاح السيسي على هامش قمة المناخ؟!, (لا أصدق الخبر ولا أكذبه، وأقول الله أعلم؟!). ولكن إذا كان هذا صحيحًا وصادقًا, فلماذا تأخر الطلب لمائة يوم من الإغلاق؟!, وهل يعني أن رئيس السلطة سيطلب فتحه كل مائة يوم لمدة يومين فقط؟!.
بعض المحللين يقول: إن فتح المعبر لا علاقة له بعباس البتة وإنما له علاقة بقمة المناخ ورغبة مصر في تفادي أية مطالب إنسانية من الآخرين في المؤتمر؟!, ومع ذلك، هب أن عباس طلب فتح المعبر، واستجابت مصر لطلبه، فهل نفهم من هذا أنه شريك في فتح المعبر، وشريك في الإغلاق أيضًا؟!, أم أن مصر تتحمل كامل المسؤولية عن الإغلاق، وعباس شريك لها في فتح المعبر؟!, (القصة مش راكبة؟!).
يقول قيادي فتحاوي من غزة: "المشكلة تكمن في الأجهزة الأمنية المصرية التي تُطالب حماس بتسليمه؟!، ونحن نقول: إن حماس جزء من النظام الفلسطيني، لكن الواضح أن مصر ترفض التعامل معها، وهو ما يسبب هذه الأزمة؟!. وقال: "المطلوب الآن هو تسليم حكومة التوافق المعبر؟!, وما تُبديه الأجهزة الأمنية المصرية من تخوفات يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار لأنها تريد تأمين حدودها وهو حق لأي دولة؟!.
لست أدري لماذا الاختباء خلف مصر في قضية المعبر؟!, حين يقول قيادي في فتح: إن المعبر مغلق لدواعٍ أمنية تتعلق بحقوق مصر، فهو يتهم حماس، والأجهزة الأمنية وغزة باللعب في أمن مصر؟!, ويدعي أن سلطة عباس هي الوحيدة التي تحفظ أمن الحدود والمعابر مع مصر؟!, إن هذا القول مجانب للصواب ويحمل اتهامًا ضمنيًا غير مبرر؟!, وهو في الوقت نفسه لا يبرأ السلطة من مسؤولية الحصار وإغلاق معبر رفح؟!. لأنه يتبنى الرواية المصرية ولا يدافع عن حقوق سكان غزة.
وهنا أقول: يجدر بنا داخليًا ألّا نبحث في موقف مصر ابتداء، بل علينا أن نبحث في موقف السلطة وفتح أولًا؟!, ثم بعد ذلك نبحث في موقف مصر، لأن المشكلة فلسطينية، قبل أن تكون مصرية، وعباس يختفي خلف الموقف المصري، لأنه لا يريد أن يُرفع الحصار عن غزة، ولا أن تُرفع المعاناة عن سكانها، لأن له مطالب أخرى غير المعبر، والمعبر ليس إلا شماعة يعلق عليها آثامه في التعامل مع غزة.
قبل اتفاق الشاطئ كان كثير المطالبة بحكومة واحدة، وانتخابات، وبعد أن أخذ ما يريد من اتفاق الشاطئ، بدأ في معزوفة المعبر، وبعد معزوفة المعبر ستكون الحدود مع مصر، وبعد الحدود مع مصر سيكون سلاح المقاومة، وهكذا حتى يكتمل مشروعه في غزة على شاكلة مشروعه في الضفة.
يقول قيادي في اليسار الفلسطيني: من حق حماس أن تكون شريكة في إدارة المعبر، ولكن يجدر بها أن تتنازل عن حقها في الشراكة لرفع المعاناة عن السكان؟!, وهذا في نظري قول منمق، ولكنه ليس منطقيًا، لأن حماس حين تنازلت عن حكومتها لم تحقق الشراكة، وألقت حكومة التوافق الموظفين في الشارع، واضطرت حماس إلى تدبر أمرها بالممكن، ووقف اليسار متفرجًا على المشكلة؟!.
الجاهل يلدغ من الجحر مرات، والمؤمن يلدغ مرة واحدة فقط. مشكلة المعبر مشكلة خلقها عباس، وعباس فقط, والموظفون مشكلة خلقها عباس وعباس فقط، لأن ما في رأس عباس مشروعًا خاصًا لا شراكة فيه حتى لفتح حين تخالفه، ولا تنسوا أن من في العبر الآن هم فلسطينيون وليسوا يهودًا محتلين, كما قالها موسى أبو مرزوق في تغريدته مؤخرًا.
التخويف من انهيار السلطة الفلسطينية
بقلم فايز أبو شمالة عن فلسطين اونلاين
يتخوف بعض الفلسطينيين من حل السلطة أو انهيارها، ويتخوف بعض السياسيين الإسرائيليين من حل السلطة أو انهيارها.
أما الفلسطينيون الذين يتخوفون من حل السلطة أو انهيارها فهم أولئك الذين غدت مصالحهم الحياتية والاقتصادية والوظيفية مرتبطة ببقاء السلطة، وهم في قلق دائم على معيشتهم ومستقبل أبنائهم في حالة اختفاء السلطة، ولهؤلاء الناس الحق في تخوفهم، ولكنهم يبالغون في القلق على مستقبلهم الوظيفي، دون أن يفطنوا إلى أن الجهة التي ستتولى إدارة حياة الناس في حالة اختفاء السلطة ستلتزم بالقانون الذي يكفل سبل العيش لكل من عمل في الوظيفة العمومية، وستتحمل مرغمة كل المسئوليات المالية التي كانت تتحملها السلطة المنهارة.
أما الإسرائيليون الذين يتخوفون من انهيار السلطة فهم أولئك الذين يدركون أهمية وجود السلطة لحفظ أمن اليهود، وهؤلاء هم قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الذين أوصوا المستوى السياسي قبل أيام بتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية، وتزويدها بالمدرعات والأسلحة والذخيرة، وتقديم بعض الامتيازات لقادتها، مع إطلاق سراح بعض الأسرى، وتحسين شروط حياة الناس اليومية بزيادة فرص العمل، وإعطاء تصاريح بناء في المنطقة (ج)، ولا يحذر هذا المستوى الأمني الإسرائيلي من حل السلطة، وإنما يتخوف من انهيارها.
الفلسطينيون الذين يتخوفون من اختفاء السلطة لا يشغلهم البعد السياسي في هذا الأمر؛ فهم يدركون أن واقع حال القضية الفلسطينية لم يكن مع وجود السلطة بأفضل منه مع غيابها، وهم يدركون أن القضية الفلسطينية ستأخذ حضوراً وتأثيراً وفرصاً لتعديل مساراتها التنظيمية والسياسية بما يتواءم مع عودة الاحتلال الإسرائيلي، وقد أثبتت التجارب أن المواجهة المباشرة مع الجيش الإسرائيلي ومستوطنيه ستكون أرحم ألف مرة من المواجهة مع قوات الأمن الفلسطيني، وأن التعامل المباشر مع منسق شئون المناطق سيكون أيسر في إنجاز معاملات الناس اليومية من التعامل مع وزارة الشئون المدنية التي اكتفت بدور ساعي البريد.
أما الإسرائيليون الذين يتخوفون من انهيار السلطة فتشغلهم النتائج السلبية لانهيار السلطة، ومستوى تطور الأحداث على الأرض، لذلك انقسم المجلس الوزاري السياسي والأمني الإسرائيلي على نفسه، حين ناقش مدة يومين سيناريو انهيار السلطة، وسبل التعامل مع ذلك، ولم يحسم الخلاف بين المؤيدين لانهيار السلطة والمعترضين على ذلك إلا رئيس الوزراء نتنياهو حين قال في باريس: "لا أتمنى انهيار السلطة الفلسطينية، ونقوم بخطوات تمنع تحقق هذا السيناريو، السلطة الفلسطينية سيئة، ولكن انهيارها سيأتي لنا ببديل أسوأ، لذلك نطالب السلطة بتغيير سلوكها".
فإذا كان نتنياهو الذي يمثل أعلى مستوى سياسي في الكيان العبري لا يتمنى انهيار السلطة؛ فلماذا لم تأخذ حكومته بتوصيات المستوى العسكري الذي أوصى في تقريره بتعزيز مكانة السلطة في أوساط الفلسطينيين خشية انهيارها؟
أزعم أن لرئيس وزراء الاحتلال مصلحة في إثارة موضوع انهيار السلطة، وهي المصلحة نفسها التي ينطلق منها بعض السياسيين والكتاب الفلسطينيين والعرب، وتصور انهيار السلطة الفلسطينية بالنكبة التي لا تعادلها إلا نكبة سنة 1948م، وكأن السلطة في حد ذاتها هي غاية النضال الفلسطيني، وكأن بقاء السلطة مغنم كبير يفوق تحرير فلسطين، وأزعم أن لا هدف من هذا التهويل المقصود لبقاء السلطة إلا رأس انتفاضة القدس، وذلك عن طريق:
أولاً: تخويف قيادة السلطة الفلسطينية من بروز قيادات ميدانية جديدة، تنتزع القرار السياسي، وتكون لها الكلمة العليا في الشأن الفلسطيني، وهذا ما تخشاه السلطة، وما حذر منه نتنياهو.
ثانياً: تشكيك المجتمع الفلسطيني بقدرته على البقاء حيّاً في حالة انهيار السلطة، وتخويفه من حركة "داعش" وقدرتها على التمدد والسيطرة، وملء الفراغ الناجم عن انهيار السلطة.
لقد نسي كل أولئك الذين يقدسون السلطة على حساب الوطن أن الشعب الفلسطيني بات مدركاً أن السلطة الفلسطينية التي أسست سنة 1994م، لمدة خمس سنوات مؤقتًا؛ هذه السلطة انتهت سنة 1999م مع انتهاء المرحلة الانتقالية، وأن الذي ظل منها مجموعة من المسئولين الإداريين والأمنيين والماليين الذين تنكروا للواقع، وتجمدوا على حافة الزمن، وتوهموا استمرار قدرتهم على البقاء، متجاهلين حجم الوعي الفلسطيني المتنامي في عقول الأجيال الشابة، ومتجاهلين حجم الغضب الفلسطيني النابت في صدر الصبايا والشباب، الذين لم يعد يهمهم بقاء السلطة بمقدار ما يهمهم حرية الإنسان الفلسطيني وتحرير أرضه.
كيف نقرأ عملية "داعش" في باريس ودلالاتها؟
بقلم منير شفيق عن فلسطين اون لاين
يمكن استخدام عبارة العمليات الإرهابية، لما تعرّضت له باريس في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ليس اقتناعا بدقة الوصف والتسمية، وإنما تجاوزا وتجنبا للخوض في جدل حول المصطلح على خطورته وضرورة تصحيحه.
العمليات الإرهابية التي تمارسها حركة داعش، وفي أي مكان ضربت فيه. تختلف اختلافا نوعيا عن مختلف العمليات الإرهابية أو الحالات الإرهابية التي عُرِفَت في الماضي، ولا سيما في القرن العشرين حتى بروز داعش، وعلى التحديد، إلى تمكّنها من السيطرة على المنطقة الممتدة من الموصل في العراق إلى الرقة في سوريا، ثم إعلانها قيام "دولة الخلافة" وتسمية "أبو بكر البغدادي" خليفة لها.
اتسّمت العمليات الإرهابية التي عُرِفَت في الماضي بوجود دولة كبرى أو وسطى أو حتى صغيرة وراءها، وكانت تحمل مغزى في توقيتها، وفي الهدف الذي تضربه، وفي ما تريد أن تبلغه من سياسة لمن يعنيه الأمر. أما العمليات الإرهابية التي مارستها قوى محلية فقد حملت هدفا معينا يخصّ ذلك البلد ونظامه ورئيسه. ولم تكن قد جعلت كل البلدان في العالم هدفا لها. فالحركة الفوضوية عندما قدّمت نفسها كحركة أممية إنما حدّدت لنفسها هدف ضرب وجود الحكومة، أيّة حكومة، من حيث أتى.
والعمليات الإرهابية التي مارستها الدول الكبرى من خلال مخابراتها، وضدّ بعضها بعضا، كانت تحمل هدفا محدّدا تريد تحقيقه. ولم تكن مفتوحة الأبواب لتضرب كيفما لاح لها أن تضرب.
لذلك كان المحللون السياسيون في مواجهة وقوع عملية إرهابية، يتبارون في معرفة اليد الخفيّة وراءها، ثم يَنكبّون على قراءة الأبعاد السياسية التي حملها التوقيت، والمكان، كما الضحية التي استُهدِفَت، أو الضحايا. وكان يسهل، في الماضي، توقع الردّ عليها من جانب الذي وَجَّهت إليه رسالتها. ومن ثم يُصار إلى إعادة تنظيم أصول اللعبة في الصراع إذا لم يقتضِ الأمر إعادة تكرارها، وإعادة الردّ على المكرِّر من أجل الوصول إلى تنظيم أصول اللعبة أخيرا.
الوضع الآن اختلف اختلافا جوهريا عما كان عليه الحال، أو الحالات في الماضي. فمن جهة اختلفت موازين القوى في ما بين الدول الكبرى والإقليمية والعربية فالسيطرة على النظام العالمي والإقليمي والعربي أصبحت مفقودة، وغدا الوضع أقرب إلى اللانظام والفوضى والارتباك العام. ولعل أخطر ما يتسّم به الوضع الراهن هو عدم استعداد أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أن تُرسِلَ جيوشها وتكتسح البلدان الأخرى. فإن أقصى ما أصبح بمقدورها، أو ضمن استراتيجيتها العسكرية أن تفعله هو التدخل من خلال الطيران، والمخابرات (التي فقدت قدرتها على صناعة الانقلابات). وهذا يعني عدم القدرة على الحسم في مواجهة أيّة قوّة صغيرة متمردّة أكانت إرهابية أم لم تكن كذلك. فحركة مثل داعش مثلا لم تكن تحتمل في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين حتى 2003 أن تصمد أمام جيش من جيوش الغرب أكثر من أيام معدودات حتى تصبح مشرّدّة مطاردة في الجبال.
والوضع الآن، من جهة ثانية، ولا سيما في البلاد العربية عموما، ونتيجة للخلل الذي حدث في موازين القوى العالمية والإقليمية والعربية، أصبح يُواجِه حالات لم يسبق لها مثيل من ناحية التفكك في علاقات الدول العربية بعضها مع بعض، كما من ناحية ضعف قبضة الدولة القطرية العربية وما راحت تواجهه في عدد من أقطارها الرئيسية من تصدّع وانقسامات وفقدان للسيطرة، مما راح يهدّد التجزئة العربية بما يمكن تسميته تجزيء المجزّأ.
ويجب أن يُشارَ هنا إلى التراجع الذي أصاب الكيان الصهيوني نتيجة ما حلّ بالسيطرة الغربية العالمية من ضعف في ميزان القوى ومن عجز عن التدخل العسكري الميداني المباشر، ثم نتيجة هزيمة جيشه في أربع حروب 2006 في لبنان و2008/2009 و2012 و2014 في قطاع غزة ومن قبل اندحار احتلاله لجنوب لبنان عام 2000 ومن بعده اندحار الاحتلال وتفكيك مستوطناته في قطاع غزة 2005. فالجيش الصهيوني منكفئ مندحر، ولم يعد ذلك الجيش الذي يصل قناة السويس بسرعة الدبابة ويتهدّد أيّة عاصمة عربية بالاحتلال والقصف.
ضمن هذه الأوضاع الجديدة وما شهدته البلاد العربية في ظلها من تغيّرات واهتزازات خلال الخمس سنوات الماضية، دخلت العمليات الإرهابية من خلال داعش مرحلة مختلفة إلى حدّ بعيد عما كانت عليه الحال، أو الحالات، في السابق. وقد اتسّمت بصورة أساسية بطبيعة داعش الشاذة عن كل ما سبقها. ومن ثم لم تعد المناهج السابقة في قراءة العمليات الإرهابية صالحة لقراءة عمليات داعش.
فعندما تحدث عملية إرهابية في أي بلد عربي أو إسلامي أو دولي، لا تبحث عن لماذا استُهدِفَ هذا البلد بعينه، ولا تبحث عن التوقيت أو أبعاده، ولا عن الهدف المحدّد وراءه. فبالنسبة إلى داعش فالقرار مأخوذ ضدّ الجميع، وحيثما توفرّ، وفي أي وقت أمكن الضرب. فالإعداد للعمليات مفتوح على مصراعيْه في كل مكان، والمنهج الذي يُطبّق هو نفسه، وليس هنالك من سقف أو حدود أو محاذير. والهدف هو نفسه، على العموم، في كل مكان. فأينما وُجِدَت نقطة ضعف أو توفرّ الإمكان، تقرّر التنفيذ.
أما ما قد ينجم عن هذه العملية من نتائج، ومن يمكن أن يفيد منها أو يستخدمها فكل ذلك لا يدخل في حساب داعش، عكس ما كان عليه وضع العمليات الإرهابية في السابق. فالهدف الأول أن تُثْبِت داعش قدرتها وهيبتها ووجودها في كل مكان. وأن تشيع الرعب في صفوف الجميع من الناس العاديين أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، أو أكانوا عربا أم غير عرب فالمهم هو الاعتماد على الوصول إلى هدف إخافة الجميع. فداعش تعتقد بمبدأ "أن النصر يأتي من خلال الرعب". وهذا يفسّر تعمّدها للوحشية القصوى وتوزيع ذلك من خلال الصوت والصورة وبأعلى درجات الإتقان الفتي في مشهد الجسد المحترق والرأس المقطوع والقتل الجماعي لأبرياء في شارع عام أو صالة، أو مقهى أو مسجد أو طائرة.
لذلك يصعب أن يُحدّد نسَق معيّن في عملياتها، أو في تحديد توقيتها، أو الهدف المباشر منها. فالضربة التي وجهتها في فرنسا كان يمكن أن تكون في لندن أو في برلين، أو في نيويورك أو موسكو أو شنغهاي. والضربة التي وجهتها للضاحية كان يمكن أن تكون قبل ذلك في أي وقت، والضربة الأخيرة التي استهدفت تونس كان يمكن أن تكون في غزة أو الجزائر أو الدار البيضاء أو في أي وقت آخر.
فأنت تتعامل مع استراتيجية في العمليات الإرهابية مفتوحة على توفّر الإمكان في أي مكان، وفي أي وقت، وبلا حساب لعدد الضحايا أو هويّتهم الدينية أو المذهب أو القومية أو القطرية أو القاريّة أو الجهوية. فكل من هو ليس بداعش أي لم يبايع "الخليفة" مرشح للذبح أو في أحسن الحالات يُعامَل باعتباره "مُسّخرا (مؤقتا)، ولو قدّم لها تسهيلات مرورية أو تجارية، أو ما شابه.
فلا نسَق هناك ولا توقيت ولا مكان ولا مجموعة إنسانية هناك. فليس هنالك غير هدف إثبات القدرة وتوسيع المنخرطين أو المبايعين وإشاعة الرعب. أما ردود الفعل الأخرى أكانت سلبية حتى على داعش فلا تدخل في الحساب والاعتبار، أم كانت إيجابية في مصلحة من تعتبرهم ألدّ أعدائها أم انقلب عليها، وكان يهادنها أو مسّخرا لها أم متجنبا لأفرادها، فأيضا خارج الحسابات والاعتبار (وهنالك أمثلة كثيرة على ذلك).
إذا صحّت هذه القراءة، فإن أول ما يجب أن يُواجَه به داعش هو إبطال إشاعة الرعب منها وتوسيع روح التحدّي، وذلك على مستوى الناس العاديين وفي كل مكان، كما على مستوى النخب والقوى السياسية التي تتصدّى لها. أما النقطة الثانية فموّجهة إلى كل من يحاول الإفادة من عمليات داعش لتحقيق سياسات أخرى غير هدف مواجهتها. وهذه النقطة بالذات آفة الدول الكبرى التي تتعاطى مع الموضوع كما دول أخرى.
وهذا يفسّر لماذا لازالت داعش قادرة على ممارسة كل هذا التحدّي والارتكابات. وهو أمر يتناقض مع حجمها وكل موازين القوى حين نُعدّد من يعلنون خصومتهم لها.
فالإشكال هنا ليس في قوّتها وإنما في التناقضات القائمة بين الأطراف الأخرى، مما يفسح لها مجال الوجود والبقاء، وحتى استمرار ما تقوم به من عمليات تشغل الواحدة منها العالم كله. وهذا خارج كل معقول إذا ما اعتمدنا على ما كان معقولا في الماضي. فإذا استمرّ كلٌ يغني على ليلاه وهو يُنْكِر ليلى الداعشية، فكل ما يجري من ضجيج في مواجهة داعش لن يؤدي إلى إصابة داعش في مقتلها، وإنما هو ضربٌ على الريش.
والسؤال الأخير، ولو خارج السياق، أين هي الاختراقات المخابراتية ولماذا لم تكشف عملية بحجم هجمات باريس؟