-
أقلام وآراء 189
اقـلام واراء
( 189)
المستبدّون والديمقراطيون يتجاهلون جذر المأساة العربية
نصر شمالي - القدس العربي
ماذا تريد الولايات المتحدة من «الإخوان المسلمين»؟
حمود حمود - الحياة اللندنية
الأب.. والابن "ونروح القدس"!
حسين شبكشي - الشرق الأوسط
نعم .. لإعلان الدولة الفلسطينية
أسرة التحرير - الدستور الأردنية
تضامن يزداد سخونة
حلمي موسى - السفير البيروتية
لماذا "المساعدات" الأمريكية؟
أمجد عرار - الخليج الإماراتية
المستبدّون والديمقراطيون يتجاهلون جذر المأساة العربية
بقلم:نصر شمالي* عن القدس العربي
مهما تفاقمت وتعاظمت أزمات العرب الداخلية، ومهما اشتدّت معاناتهم وتضاعفت عذاباتهم وتضحياتهم في كلّ دويلة وفي كلّ قطر على حدة، فإنّ ذلك لا يبرّر التخلّي عن سلّم الأولويات في نضالهم التاريخي العام، أي إغفال الجذر الأساسي الأطلسي، الذي تسبّب وما زال يتسبّب في استفحال مآسيهم بأدقّ تفاصيلها.
وبالطبع فإنّ الأولوية التي تحتل المركز الرئيس في سلّم أولويات العرب هي قضية الحرية والاستقلال التي لا يمكن أن تحقّقها دويلة بمعزل عن الأخرى ولا قطر بمعزل عن الآخر، وإنّ لنا في ما أظهرته الانتفاضات الأخيرة من وحدة الأمة ووحدة الأنظمة التي تمزّقها وتضطهدها أكبر دليل واقعي ملموس على ذلك.
إنّ الأمة العربية، في وضعها الجغرافي/السياسي الراهن، ليست حرّة ولا مستقلة، لا بمجملها ولا قطراً قطراً. إنّ أيّة دويلة من هذه الدويلات الكثيرة، الفقيرة والثريّة، لا تملك أيّاً من الشروط الأساسية للحياة الطبيعية، لا جغرافياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً ولا سياسياً.
وها هي سورية الحالية، التي هي مجرّد جزء من بلاد الشام أو من سورية الطبيعية التاريخية (وإن حمل هذا الجزء بفضل دمشق عنوان بلاد الشام بأكملها) تجد نفسها جزءاً مضطرباً في مهبّ الرياح الإقليمية والدولية. لماذا؟ لأنّ سورية الحالية لا تملك في حدّ ذاتها شروط الحياة الطبيعية كدولة تامة، وكذلك حال لبنان والأردنّ، ناهيكم عن فلسطين المغتصبة. غير أنّ البعض يتجاهل هذه الحقيقة القاطعة، ويسعى إلى تنظيم الحياة الداخلية في سورية الحالية هذه تنظيماً نهائياً يكرّسها دولة نهائية تامة، بهذه الصيغة والصورة أو تلك إنّ هذا البعض يتعامل مع سورية الحالية بصفتها الوطن الوحيد والمآل النهائي للسوريين 'المستقلين المتميّزين المعتزّين بسوريّتهم'..الخ.ِ
في هذا الوضع العربي الجغرافي/السياسي الراهن، الذي هو سجن كبير تشكّل حدوده الجغرافية قيوداً ودويلاته السياسية زنزانات، والذي لم تختره الأمة بل فرض عليها من خارجها بتواطؤ من داخلها، يجري تجاهل جذر المأساة العظمى، ويجري التسليم ضمناً أو علناً بالواقع المصطنع، وتنطلق الدعوات (الاستبدادية أو الديمقراطية) إلى جعل الأولوية لترتيب الوضع الداخلي والعلاقات الداخلية لهذه الدويلة أو تلك ترتيباً نهائياً، الأمر الذي يعني الضلال بعينه إن لم نقل الخيانة بعينها، لأنّ ذلك يكرّس الكيانات المصطنعة، ويكرّس تبعيّتها للخارج حكماً بسبب افتقارها لشروط الحياة الطبيعية المستقلة.
إنّ القضية العربية الأولى القائمة، في الأمس واليوم وإلى زمن نرجو أن لا يطول، هي قضية الحرية والاستقلال التي ترفع الجماهير اليوم راياتها. إنّه لمن الواضح أنّ هذه الجماهير تلحّ على نيل حريتها في المقام الأول كخطوة نحو تحرير فلسطين ونحو استرداد العلاقات الطبيعية الوحدوية ولو في حدّها الأدنى بين العرب في مختلف ديارهم.
إنّ الجماهير العربية تعي بالفطرة وتلقائياً أنّ خلاصها الحقيقي يتحقق فقط بنجاحها في استرداد وضعها الطبيعي الجغرافي/السياسي، وتعي بالفطرة وتلقائياً أنّ معاناتها الداخلية الرهيبة من الاستبداد، أو من الديمقراطيات المشوّهة، ليست إلاّ محصلة للوضع الجغرافي/ السياسي الاستعماري الذي فرض عليها من خارجها وبتواطؤ من داخلها، ولذلك نرى الفجوة
واسعة بين موقفها وهي تلحّ على الحرية في المقام الأول، وبين مواقف نخبها وهي تلحّ على الديمقراطية أو على الاستبداد في المقام الأول.
وبالمناسبة، فإنّ احتكار السلطة عنوة واقتداراً، والحيلولة دون تداولها ودون تنظيم علاقات داخلية متكافئة عادلة، وكذلك إيذاء الأفراد والجماعات وهدر كراماتهم ودمائهم، ليس وقفاً على الأنظمة الفردية أو الشمولية. ففي الولايات المتحدة تحتكر الشركات السلطة (إلى الأبد) بوساطة حزبها الواحد المنقسم تضليلاً إلى حزبين يتظاهران كذباً بالاختلاف، وكذلك الحال في بريطانيا، ولو حدث وخسرت هاتان الدولتان الديمقراطيتان مركزهما الدولي الذي يمكنهما من نهب العالم، ومن تصدير أزماتهما الداخلية إلى الخارج، لرأينا أيّ استبداد وحشي سوف يمارس ضدّ شعبيهما عندما يعاني من الحرمان ويخرج مطالباً بحقوقه.
غير أنّ الاستبداد الكامن والاحتكار المقنّع للسلطة في البلدان الديمقراطية ليس عذراً للسكوت عن الاستبداد المتوحش السافر في البلاد العربية وغيرها، بل إنّ السكوت هنا يمكن أن يبلغ مستوى التواطؤ والخيانة، لكنّ الأولوية تبقى، قطعاً، لقضية نيل الحرية وتحقيق الاستقلال، حيث عندما تكون ثروات الأمة منهوبة، وأراضيها مجزّأة ومسلوبة ومستباحة، وإرادتها معطّلة، وكرامتها الوطنية/القومية تمسّ وتمتهن على مدار الساعة، أي عندما تكون الأمة بمجموعها محرومة من تحقيق ذاتها والتصرف بمقدّراتها والتنقّل بحرية في أراضيها، فإنّ الوضع يصبح أعظم خطراً بما لا يقاس من مسألة غياب العلاقات الديمقراطية وإيذاء الأفراد والجماعات في هذه الدويلة أو تلك.
وما هو أخطر أنّ الأعداء يدخلون في روع النخب العربية أنّ الأولوية هي لتنظيم العلاقات الداخلية، وأنّ بالإمكان تجاهل قضية الأمة عموماً، وتجاهل قضية فلسطين في أساسياتها التاريخية، وتحقيق مصالح الدويلة في حدّ ذاتها وعلى أكمل وجه، وهذا محال طبعاً، الأمر الذي تصبح معه قضية كرامة الأمة فوق قضية كرامة الأفراد والجماعات والدويلات، وتصبح الأولوية لها، لأنّ معالجة قضية الأفراد والجماعات والدويلات علاجاً نهائياً حقيقياً لا يتحقّق إلاّ بمعالجة قضية الأمة.
إنّ النضال من أجل تحقيق علاقات داخلية عادلة، ديمقراطية، ينبغي أن لا يتوقف، إنّما في إطار وسياق النضال من أجل قضية الحرية والاستقلال التي تبقى الأولوية لها، والتي يجب أن يكون معلوماً أنّ عدم تحقيقها لا يمكن أن يسمح بتنظيم علاقات داخلية ديمقراطية جدّية وحقيقية في هذه الدويلة أو تلك وفي هذا القطر أو ذاك.
وبالطبع، فإنّ قضية الحرية والاستقلال هي قضية صراع الوجود الذي تخوضه الأمة في مواجهة الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، وإنها لكارثة كبرى أن يأخذ النضال العربي شكل مواجهة رئيسة مع الصين وروسيا وفنزويلا، وتركيا وإيران وأثيوبيا، ومع غيرها من المستعمرات وشبه المستعمرات السابقة، مهما كان حجم الخلاف مع هكذا بلدان بصدد هذه القضية العابرة أو تلك، وأن يجري تجاهل حلف الأطلسي وقاعدته الإسرائيلية وحلفائه الإقليميين، وتجاهل حربه الإبادية السرمدية ضدّ العرب، والتعامل معه كأنّما هو طرف محايد، يمكن أن يمدّ يد العون بإخلاص ونزاهة للعرب ولغيرهم.
* كاتب سوري
ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
ماذا تريد الولايات المتحدة من «الإخوان المسلمين»؟
بقلم: حمود حمود * عن الحياة اللندنية
كثيراً ما وصفت علاقة واشنطن بالإخوان المسلمين، بأنها علاقة تتسم بالالتباس والغموض، وبخاصة مع عدم اتخاذ واشنطن إلى الآن موقفاً رسمياً ثابتاً بما يخص هذا التنظيم، كما هو الأمر في موقفها من تنظيمات قريبة إيديولوجياً منه وفرع عنه كحركة حماس، أو بعيدة منه سياسياً وحركياً (وليس إيديولوجياً) كتنظيم القاعدة. هذان التنظيمان ما زالا مدرجين بوصفهما منظمتين «إرهابيتين». ويعود جزء كبير من هذا الغموض إلى غموض سياسة التنظيم نفسه حيال قضايا كثيرة تبدأ بالقضية الإستراتيجية الكبرى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ولا تنتهي بقضايا حقوق الإنسان والمرأة والأقليات... الخ.
لكن الشيء الأهم أن موقف واشنطن من الإخوان تتحدد مقتضياته بما يجري على الأرض وبما يخص مصالحها استراتيجياً في المنطقة ومناطق أخرى يكون للإخوان حضور وتأثير فيها. وكثيراً ما نشر ضمن تقارير، استخباراتية وغيرها، عن اتصالات تتم بين الطرفين منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين (مثلاً عام 1953 - قبل عام من حظر عبدالناصر لنشاط الإخوان - عقد مؤتمر في جامعة برينستون الأميركية، ومقابلات ايزنهاور الرئيس الأميركي مع سعيد رمضان الذي كان يعرف حينها بأنه «وزير خارجية» التنظيم، وهذا بهدف مكافحة الشيوعية).
لكن هذه الاتصالات التي كان يتم معظمها من تحت الطاولة، لم يكن لها أي طابع «رسمي»، إلى أن أعلنتها صراحة هيلاري كلينتون ورفعت تلك الاتصالات رسمياً لمستوى فوق الطاولة، معلنة أنها سـ «تستأنف» تلك الاتصالات ومدافعة في الوقت نفسه عن هذه السياسة بكونها ليست «سياسة جديدة»، بل إجراء كانت تقوم به واشنطن منذ خمس أو ست سنوات.
لكن كلينتون وعلى رغم تأكيدها أن هذه الاتصالات ستتم في شكل «محدود»، إلا أنها لم تفصح عن طبيعة تلك الاتصالات «السابقة» مع الإخوان، ما يضع إشارات استفهام جديدة حول مدى أو حجم تلك الاتصالات (ربما كانت في إطار تعاوني أمني كما تكشف الكثير من التقارير) والتي تعمقت بعد فوزهم بـ 88 مقعداً في الانتخابات البرلمانية 2005 من جهة، وإشارات استفهام على آفاق الاتصالات (السياسية) المحدودة الجديدة، التي سيكون لها انعكاسها على واقع مصر السياسي في المستقبل القريب من جهة أخرى.
ما هو الجديد إذاً في هذه الأخبار؟ الأخبار بحد ذاتها ليست جديدة؛ تكمن الجدة في إعطاء هذه الاتصالات «مظلة سياسية رسمية»، أتت بفعل ما فرضته انتفاضة مصر من آفاق سياسية جديدة، وواقع إخواني بدأ يلوح في المستقبل (انتخابات أيلول (سبتمبر) المقبلة)، إضافة إلى عدم وضوح إستراتيجية واشنطن مع هذا الواقع.
فإذا كانت واشنطن لم تقطع في يوم من الأيام علاقتها «البراغماتية» الخفية مع الإخوان، فإن إعلان كلينتون يعد بمثابة علامة على تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة، وتأثيرها المحدود فيها، بعد أن فقدت حليفها الاستراتيجي، نظام مبارك. هذا فضلاً عن أنها أصبحت أمام منعطف جديد، آخذ بالتبلور على أرض الواقع، ولم تتحدد معالمه بعد.
إنّ كلاً من واشنطن والإخوان أمام اختبار هذا النوع من الاتصالات. فمن جهة تحاول الولايات المتحدة استعادة ما فقدته في المنطقة في إطار إعادة صوغ لاستراتيجياتها بعد فقدان أو تخلخل حلفائها الاستراتيجيين فيها، وتركيا «العدالة والتنمية» تبرز وكأنها مفتاح لها لقوى المنطقة ومن بينها الإخوان؛ ومن جهة ثانية، تضع هذه الاتصالات الإخوان أمام خيارات صعبة من شأنها وضع الإخوان في مواجهة المجتمع الدولي (إذا كان لهم نصيب كبير في انتخابات أيلول المقبلة) وتوضيح موقفهم في
شكل واضح وصريح في خصوص إسرائيل وقضية الصراع الفلسطيني معها والسلام...، ومواجهة أيضاً مع أحزاب ليبرالية مصرية، والتي يشكك بعضها في الأصل بسلوكية الإخوان السياسية وانتهازيتهم «الوصولية»، هذا فضلاً عن أنه يحتّم على الإخوان التخلي عن أجندتهم السرية المشهورين بها، ليتم العمل ضمن بيئة سياسية منفتحة، وإشهار مواقفهم في شكل واضح من مسائل لم يجدوا إلى الآن حلاً لها بعد، مثل قضايا الأقليات، وموقفهم من تولي الأقباط الحكم أو المرأة... الخ.
لكن وعلى رغم الإعلان عن رفع الاتصالات إلى مستوى «رسمي»، يبقى الغموض يلف طبيعة هذا الإعلان عن استئناف «اتصالات محدودة» والأفق السياسي والأمني الذي تتحمله. هذا الغموض الأميركي قابلته أيضاً نبرة سياسية من طرف الإخوان، معبرة عن ترحيب حذر، لا بل غامض. سابقاً استفاد كل من الطرفين الأميركي والإخواني، من سياسة الغموض التي كانت تلف اتصالاتهما ببعضهما بعضاً، بغض النظر عما كان يصدر على السطح بكيل الاتهامات كل منهما ضد الآخر. حتى تصريح كلينتون الأخير، جاء ضمن هذا الإطار بنحو غير واضح من حيث طبيعة أو مستوى الاتصالات التي أُعلن عنها مع الإخوان. وربما كان السبب وراء هذا هو الانقسامات داخل الإدارة الأميركية في شأن التعامل مع الإسلام السياسي.
إلى الآن، يبدو أنه ما زالت الانقسامات داخل الإدارة الأميركية – على مستوى المسؤولين والخبراء - في شأن التعامل مع حدث الربيع العربي في شكل عام والبروز القوي للإسلام الإخواني في شكل خاص: فإذا كان ثمة من هو مصرّ في واشنطن على أن حركة الإخوان هي حركة راديكالية وهي شقيقة منظمات إرهابية أخرى ولا يمكن التحاور معها، فإن هذه الاتصالات (جواباً على من يرفضون هذه الاتصالات) التي أعلنت عنها كلينتون هي مجرد «اتصالات محدودة» واستجابة للواقع المصري، ذلك أنه لا يمكن تجاهل طيف اجتماعي إسلامي واسع يقبض عليه الإخوان، وبالتالي فإن أي خطوة تتجاوز هذا الطيف يمكن أن تضر بالمصالح الإستراتيجية لأميركا داخل مصر ومحيطها. وهذا التيار الأميركي في الواقع، الذي يعبر عن ضرورة التعامل مع الإسلام المعتدل (لا ينتهج العنف) بدأ يتبلور ليس الآن، وإنما في ولاية بوش الثانية (في 2007)، كضرورة إستراتيجية وأمنية لمواجهة الحركات الإسلامية المتطرفة.
لكن هذا لا يمنع من أن هناك شكوكاً قائمة حتى داخل هذا التيار الأميركي الذي يفضل التعامل مع هذا النوع من الإسلام السياسي، وبخاصة في شأن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وقضايا مصيرية أخرى، ما زالت مواقف الإخوان غامضة حولها. هذا على رغم أن العريان (القيادي البارز في الإخوان) كان في 2007 قد طمأن الغرب وإسرائيل الى أن: «حزب
الإخوان سيتعامل مع إسرائيل عبر واقعية سياسية تتسق مع الواقع القائم الذي يرى أن إسرائيل دولة قائمة ولها وجود على أرض الواقع، وبالتالي سيتعامل مع الواقع السياسي الذي تفرضه هذه الظروف»، إضافة إلى اعترافه بالاتفاقات الدولية ومن ضمنها كامب ديفيد.
علاقة واشنطن بالإخوان لن تقتصر من الآن فصاعداً على مساعدات استخباراتية يسديها الإخوان للأميركيين كما هو الأمر في السابق (استخدامهم في محاربة الشيوعيين والحركات اليسارية والقومية، وفي مواجهة السوفيات في أفغانستان...)، ولا على محاولة واشنطن من خلال الإخوان التقرب من مسلمي أوروبا وتبييض صورتها لهم.
هذا كان في السابق قبل الربيع العربي؛ أما الآن وبمحاولتهم التربع على منجزات الثورة المصرية وما أفرزته من فسيفساء في مشهدها السياسي، فستكون هذه الاتصالات سياسية «ندية» إذا تصدّروا المشهد السياسي، وهو ما يسعى إليه الإخوان بكامل إرادتهم، ليس فقط حواراً مع الولايات المتحدة، بل كما شدد رشاد البيومي، نائب مرشد الإخوان على: «ضرورة أن يكون الحوار ندّياً».
* كاتب سوري
ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
الأب.. والابن ونروح القدس!
بقلم: حسين شبكشي* عن الشرق الأوسط
في عالم الأعمال الحديث يعتبر عنصر التسويق أحد أهم عناصر نجاح السلعة، فأنت الآن لا يمكن أن تشتري معجون أسنان إذا لم يكن يحتوي على مادة «الفلورايد»، كذلك لا يمكن أن تشتري مسحوق غسيل إذا لم يحتو على «مبيض»، ولا يمكن أن تشتري صابونا إذا لم يكن به مرطب ومضاد للجراثيم. أقنعنا جهابذة التسويق بأننا لا غنى لنا عن هذه المركبات في المنتجات التي نشتريها، وبالتالي أصبحت ضرورة، و«اشترينا» الفكرة!.. والشيء نفسه ينطبق على عالم السياسة بلا شك، فأنظمته «تبيع وتسوق وتروج» نفسها على أنها اشتراكية، وأخرى على أنها دينية، وغيرها على أنها مقاومة. وقد لفت نظري دفاع حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني، عن النظام السوري في موقفه ضد شعبه الذي يواصل مسلسل القمع الدموي ويقتل ويجرح ويعتقل ويشرد الآلاف منه بشكل ينال سخط العالم الحر الأمين الصادق، ومع ذلك يصف حسن نصر الله النظام بأنه «مقاوم»، وحاولت جادا أن أراجع تاريخ أكثر من أربعين سنة من النظام الحالي لأرى ملامح المقاومة التي يشير إليها حسن نصر الله، فلم يظهر لي أي منها.
العدو الوحيد المتفق عليه هو إسرائيل، وهناك قطعة مهولة من الأراضي السورية محتلة منذ أكثر من أربعين عاما اسمها الجولان (أعتقد أن هذه معلومة لا تخفى على أحد)، والمقاومة ليست محصورة في تحرير أراضي الجنوب اللبناني الغالي، ولا أراضي مزارع شبعا (وهي أراض سورية بعلم اللبنانيين أنفسهم لكنها تحولت فجأة إلى لبنانية بقدرة قادر!)، لكن النظام السوري ابتدع فكرة «المقاومة من الباطن»، واستحدث فرقا وعناصر فلسطينية، كأحمد جبريل وميليشياته وأبو مرزوق وعناصره، لكي يكونوا بديلا لفتح نفسها أو «معكرا» للمزاج الفلسطيني، وطبعا دعموا حراك «أمل» في فترة من الفترات حتى انتهت صلاحيتها وتحول الدعم إلى غريمها الصاعد حزب الله، وكذلك الأمر بالنسبة للطوائف الأخرى المتناحرة في لبنان، وبقيت الجبهة السورية المواجهة للجولان أهدأ من منتجعات الكاريبي، لا يمر فيها مناضل ولا ناموس في فصل الصيف!
وإذا رغبنا في توضيح المقاومة وفعاليتها فها هي نراها تقاوم «جراثيم» الشعب المطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية ومقاومة الفساد والطغيان، وهي نتيجة حكم أكثر من أربعين عاما من التسلط والجبروت والطغيان وحرمان الشعب السوري من أبسط حقوقه، وبيع سلعة عجيبة وغريبة له بشكل يومي على أنها حق.. بيعت له الديكتاتورية على أنها حكم الشعب وإرادته، بيعت له منظومة الفساد المالي على أنها اشتراكية، بيعت له منظومة التوريث على أنها ديمقراطية، بيعت له منظومة المعتقلات على أنها أمن واستقرار.. ومع ذلك يخرج خامنئي وحسن نصر الله يبيعان للعالم المستمع لهما أن ما يحدث في سوريا اليوم هو مؤامرة مندسة، وأنه يجب دعم النظام المقاوم!
ابتدع حكام الثورة في إيران الاحتفال بيوم القدس بشكل سنوي «لحث» روح المقاومة، وباتت ترفع فيه أعلام حزب الله (وكأن حزب الله أصبحت لديه الوكالة الحصرية لموضوع فلسطين)، لكن الغريب أن الجولان لا تذكر أبدا في هذه الاحتفالات الكبرى التي تحصل في لبنان وإيران والبحرين والعراق وسوريا (وهي مواقع النفوذ الإيراني كما هو معروف)، فلماذا «تغيب» الجولان دوما عن ذكر المقاومة والمقاومين؟.. سؤال يستحق الطرح، خصوصا والحديث قائم وملح بحق النظام المقاوم كما وصف من أصدقائه.
حتى في حرب 1973، وبعدها الدخول السوري لقمع الحرب الأهلية في لبنان والمعارك التي حدثت هناك وما أكثرها مع مختلف الفرق بشتى الأساليب، لم يسمح أو يرى أحد العتاد العسكري السوري يتحرك، سوى للمشاركة في تحرير الكويت مع
قوات التحالف العالمي، والآن ها هو يُرى ويُسمع ويُشاهد في كل مدينة وقرية على التراب السوري بحق مواطنيه، بالدبابات والمدرعات والطائرات والعسكر والمشاة وبشكل منظم وموجه، لقمع المنادين بالحرية والعدل والديمقراطية والمساواة.
في عالم التسويق مبدأ سري يعلمه ويطبقه المختصون بإتقان، وهو أنه إذا أضفت أيا من الكلمات الثلاث السرية التالية سيباع منتجك فورا، والكلمات هي «طبيعي» و«الترا» و«اكسترا»، وفي عالم السياسة ضع فلسطين في أي جملة فستكسب المصداقية والجماهير، وسيكررونها مرات كثيرة بحيث تتحول إلى حقيقة مطلقة غير قابلة للتشكيك!.. أهم فرع للمخابرات في سوريا اليوم هو باسم فلسطين، ولا علاقة له بفلسطين نفسها لكنه اسم مناسب جدا، وحتى العلم الخاص بحزب البعث ألوانه شديدة الشبه بالعلم الفلسطيني نفسه، فيقنع الناظر بأنه يرى الشيء نفسه، وبالتالي هناك توأمة ذهنية لهما!
المقاومة باسم فلسطين (وليس الجولان) تحولت إلى سلعة وإلى منتج يتفوق ويتألق في الترويج له بعض النظم السياسية العربية بامتياز، وبنوا جدارتهم ومصداقيتهم عبر السنوات الطويلة من خلاله، لكن تستطيع أن تبيع السلعة لبعض الناس ولبعض الوقت، وليس لكل الناس لكل الوقت. إذا ضاعت البضاعة وانكشفت راحت عليها السوق، وهذا ما يحدث اليوم. الفلسطينيون أنفسهم أصبحوا الأقدر حكما على أن يقيموا من تاجر بهم ومن لم يتاجر.
* كاتب سعودي
ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
نعم .. لإعلان الدولة الفلسطينية
بقلم: أسرة التحرير عن الدستور الأردنية
يدور جدال ساخن في الدوائر العربية والاقليمية.. وفي عواصم القرار حول نية السلطة الفلسطينية تحويل قضية اعلان الدولة الفلسطينية الى الأمم المتحدة، في ظل الفيتو الاميركي المتوقع خلال عرض القضية على مجلس الامن.
وفي هذا الصدد.. فلا بد من التأكيد على حقيقة مهمة، وهي ان هذا التوجه الذي أقرته المجموعة العربية، كرد على توقف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني، بعد أن رفضت عصابات الاحتلال وقف الاستيطان، والالتزام بالرؤية الدولية، وقرارات الرباعية، التي تنص على ضرورة تحديد سقف زمني محدد للمفاوضات، ومرجعيات معتمدة متفق عليها، وبحث قضايا الوضع النهائي «القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات والمياه»، وصولا الى اتفاق سلام شامل يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني، ويضع حداً للارهاب والقرصنة الصهيونية.
ومن ناحية أخرى، فان رفض العدو الصهيوني اعلان قيام الدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس، يبدو مفهوما ويأتي منسجماً، ومتوافقاً مع استراتيجيته القائمة على العمل بكل الوسائل والاساليب لمنع قيام هذه الدولة، والاقتصار على منح الشعب الفلسطيني الحكم الذاتي.
وهذا ما تؤكده الوقائع على الارض.. حيث تصب ممارسات العدو، وسياساته الاستيطانية الاجرامية، وخاصة مصادرة الاراضي، وتهويد القدس، وتسمين المستوطنات, واقامة البؤر الاستيطانية، والطرق الالتفافية، ما حوّل الأرض المحتلة الى مجرد كانتونات وجزر معزولة يصعب معها اقامة دولة متواصلة جغرافيا، اضافة الى تغيير جذري في طابع مدينة القدس العربي - الاسلامي، وتحويلها الى مدينة توراتية بأغلبية يهودية، بعد قيام عصابات الاحتلال بجرائم تطهير عرقي مما اسفر عن خلل كبير في الديمغرافيا، إذ لأول مرة يزيد عدد اليهود في القدس عن عدد العرب، وهذا ما أكدته تقارير السفراء الاوروبيين الى عواصمهم، ودعوتهم لدولة الاحتلال بضرورة الكف عن هذه الاساليب الاجرامية المخالفة لمعاهدة جنيف الرابعة التي تحظر أي تغييرات ديمغرافية أو جغرافية في الارض الفلسطينية المحتلة.
مجمل القول : ان تحويل ملف اعلان الدولة الفلسطينية الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها المقبل في الخريف القادم، هو الرد الحقيقي على رفض العدو الالتزام بالقرارات الدولية، ورفضه وقف الاستيطان، واصراره على تكريس الامر الواقع القائم على سرقة الارض وتهويد القدس، ما يفرض على المجموعة العربية، ان ترمي بثقلها للحصول على قرار أممي بالاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف، ووضع العالم كله وخاصة واشنطن، أمام الحقيقة التي طالما تآمرت مع حليفتها اسرائيل على اغتيالها، مؤكدين ان لا سلام، ولا استقرار في المنطقة الا باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين.
ـــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
تضامن يزداد سخونة
بقلم: حلمي موسى * عن السفير البيروتية
لم تنه إسرائيل بعد معركتها مع المتضامنين مع الشعب الفلسطيني. ومع اقتراب يوم 29 أيلول، وهو اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، تزداد المعركة لهيبا. فالموضوع في نظر القيادة الإسرائيلية ليس أقل من خطر وجودي، وهو عندها يندرج في نطاق محاولات نزع الشرعية الدولية عنها. ولذلك تشن على المتضامنين ما يشبه الحرب العالمية التي لا مكان محدد لها، لأنها تنتشر على كل القارات وفي البر والبحر والجو.
عمدت إسرائيل إلى ترتيب أمر عرقلة انطلاق سفن قافلة الحرية 2 بوسائل شتى، دبلوماسية وأمنية وعسكرية واقتصادية. ودفعت العديد من الدول، خصوصا الغربية، إلى إصدار تحذيرات لمواطنيها من المشاركة في القافلة. كما ضغطت، مع الولايات المتحدة، على تركيا لمنعها من تسهيل انطلاق القافلة من موانئها أو مشاركة مواطنيها فيها. ودفعت قبرص واليونان إلى إغلاق الطريق أمام محاولات انطلاق القافلة من هذين البلدين، بل نالت تسهيلات من الأمن اليوناني لتعطيل سفن. ولا يقل أهمية عن ذلك، أنها دفعت اليونان للمشاركة العسكرية في منع انطلاق هذه السفن.
ولكن إسرائيل نجحت كذلك، بالتوافق مع حكومات دول أوروبية، في محاربة القافلة اقتصاديا. وهكذا فإن سفينة كانت ستحمل إمدادات بآلاف الأطنان وجدت نفسها يوم بدء الشحن فارغة، لأن الشركة المزودة اعتذرت في نهاية المطاف عن الوفاء بالصفقة المبرمة وأعادت الأموال للمتضامنين.
وبلغ الأمر ذروته على هذا الصعيد، في الجهد الإسرائيلي لمنع ما أسمته ب«حملة التضامن الجوية». فقد طلبت من شركات الطيران تزويدها بقوائم المسافرين على متن طائراتها إلى إسرائيل. وعمدت إلى مطالبة هذه الشركات بمنع نقل أفراد معينين، بلغ عددهم بالمئات، في رحلاتها إلى إسرائيل.
ويمكن القول أن حكومة نتنياهو قررت أن تجعل من محاربة المتضامنين هدفا أوليا لها، بعد أن صار التضامن مع الفلسطينيين عنوانا لإظهار الصورة البشعة لإسرائيل. فإسرائيل التي تزداد يمينية وعنصرية لم تعد تمثل عنصر اجتذاب للتأييد الشعبي خصوصا في الغرب. وقد انتهى الزمن الذي كانت تنظم فيه الرحلات البحرية والجوية التي تحمل آلاف الشباب الأوروبي للتضامن مع إسرائيل، عبر العمل والعيش في كيبوتساتها. اكتشف كثيرون أن تلك الصورة لإسرائيل انتهت وحلت مكانها صورة مستعمر يذكر الأوروبيين بظلم استعمارهم لشعوب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وما يزيد الطين بلة في نظر الإسرائيليين أن قضية الشعب الفلسطيني وكفاحه صارا يشكلان نموذجا يحب المتضامنون اختباره والعيش فيه. فالمتضامنون عن طريق البحر لكسر الحصار عن قطاع غزة يشكلون رأس حربة لتيارات يسارية وليبرالية ودينية، ترى في الوقوف إلى جانب الفلسطينيين فعلا أخلاقيا من الدرجة الأولى. كما أن المتضامنين عن طريق الجو، يصلون كل صيف إلى مدن وقرى الضفة الغربية للمشاركة في حملات التضامن مع المسلوبة أراضيهم من أجل المستوطنات، أو المنهوبة حقوقهم لصالح المستوطنين، كما كان الحال في تظاهرات بلعين. ولكن للمتضامنين في الصيف هدف آخر في الضفة الغربية وهو مشاركة الفلسطينيين حياتهم. ويمكن القول أن موسم جمع الزيتون والتراث الفلسطيني الدائر حوله، خصوصا «العونة» ومهرجاناتها القروية، يجعل للتضامن معنى جديداً يرهب الإسرائيلي. فترسيخ حياة الفلسطيني التي يحاول الاحتلال تبديدها صارت وجها للتضامن الذي يتعارض مع هدف إسرائيل الأول.
* كاتب لبناني
ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
لماذا "المساعدات" الأمريكية؟
بقلم: أمجد عرار * عن الخليج الإماراتية
قبل بضع سنوات وضعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ال “usaid” شرطاً على المؤسسات الفلسطينية التي اعتادت على مساعدات هذه المؤسسة، أن توقّع على وثيقة تدين ما يسمى “الإرهاب” مقابل استمرار الدعم . لو كان للإرهاب مفهوم دولي متفق عليه، لما كان في مطلب هذه الوكالة ما يعيبه، فالشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية ترفض الإرهاب وتدينه، لأنها هي الأكثر اكتواءً بناره منذ عقود . لكن المؤسسة التابعة لوزارة الخارحية الأمريكية، تتبنى موقف واشنطن و”إسرائيل” من الإرهاب الذي يعني بنظرهم المقاومات العربية بما فيها الفلسطينية .
بعض المؤسسات التي لا تختلف مع الوكالة الأمريكية ولا عنها، وقّعت على وثيقة إدانة المقاومة، لأنها أيضاً تريد استمرار تدفق أموال الإفساد السياسي والأخلاقي، لكن مؤسسات أخرى رفضت وعانت، وبعضها تم بيعه، لجهات تستطيع توفير التمويل من دون معايير أو خطوط حمراء. هذه الأيام تشترط الوكالة على مقاولي قطاع غزة استخدام المنتج “الإسرائيلي” في مشروعاتهم المنفذة في القطاع . وبموجب هذا الشرط فإن على الجانب الفلسطيني الحصول على جميع المواد الخام اللازمة من “إسرائيل” بذريعة أن المواد التي تستخدم في غزة يتم إدخالها عن طريق الأنفاق . هذا يعني أن من يقفون وراء حصار غزة يرمون إلى صيد أكثر من عصفور بحجر واحد، فهم من خلال الحصار يريدون تحقيق أهداف سياسية في طليعتها الابتزاز وفرض الإملاءات وتفصيل السياسات حسب المقاسات والمعايير “الإسرائيلية” .
وككل المتسلقين على أكتاف الشعوب تتلطى الوكالة خلف المساعدات الإنسانية للشعوب وباسم الشعب الأمريكي، لتكوين صورة جميلة لها تساعدها في تحقيق أهدافها السياسية، وترسيخ انطباع بأنها مؤسسة خيرية . لكن المنظمة التي أنشئت في الخمسينات في إطار خطة مارشال لإعمار أوروبا . وتحت يافطة تقديم المساعدات الإنسانية للدول والشعوب المحتاجة أو المنكوبة، تكمّل الوكالة السياسة الخارجية لواشنطن من خلال الترويج للديمقراطية الغربية (الرأسمالية) والسوق الحرة في مواجهة اشتراكية المنظمومة الشرقية قبل انهيارها، والفكر الاشتراكي الذي ما زال يتبناه كثيرون في العالم، بما في ذلك عشرات الأحزاب والدول .
لا تكاد تخلو دولة في العالم من أصابع هذه الوكالة، مستغلة مآسي الصراعات والاحتلالات والكوارث الطبيعية في التمدد والترويج لدورها ومحاولة تجميل الوجه القبيح للسياسة الأمريكية بفعل التدخل الفج والمباشر في شؤون الشعوب، وبفعل الانتقائية وازدواجية المعايير التي تتبناها واشنطن كسياسة لا ثابت فيها إلا المصالح الأمريكية، و''إسرائيل'' على رأسها .
وفي حين لا تمنح هذه المؤسسة لأي فلسطيني الفرصة لوظيفة إلا إذا خلت السيرة الذاتية للمتقدم لها من أي “شبهة” ترتبط بمقاومة الاحتلال، فإنها تربط مساعداتها على نحو عام بالتطبيع مع “إسرائيل” وتأييد التسوية معها .
لكننا نذكّر بأن كل هذا الدور السيئ للوكالة لا يعبّر عن الشعب الأمريكي، وعندما ندين هذا الدور ونحاول تعريته، فإننا لا نعمم أحكامنا على الشعب الأمريكي الذي لا نجرده من إحساسه الإنساني، ونجزم أنه مستعد لمساعدة الشعوب المحتاجة، وعلى نحو نزيه، لو أتيحت له الفرصة لذلك بعيداً عن وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية . ولا شك في أن انضمام العديد من الأمريكيين لأساطيل الحرية، وقبلها في وفود التضامن التي توافدت إلى الضفة الغربية إبان الاجتياح الصهيوني الغاشم، يعبر عن المعدن الحقيقي لأغلبية الأمريكيين الذين كتبت عليهم الديمقراطية الأمريكية أن يختاروا بين حزبين لا يختلفان سوى في الاسم.
* كاتب سوري<hr>