-
اقلام و اراء (452)
أقلام وآراء
(452)
عسى أن تكرهوا 'دولتهم' وهي حل لكم
بقلم: مالك التريكي عن القدس العربي
دولة فلسطين بين ترومان وأوباما
بقلم: سليم نصار عن الحياة اللندنية
خضوع لنتانياهو أم مصلحة إستراتيجية حيوية!
بقلم: مأمون الحسيني عن الحياة اللندنية
خيارات نتنياهو
بقلم: عصام نعمان عن الخليج الإماراتية
الخطاب المتنازع عليه
بقلم: خيري منصور عن الخليج الاماراتية
مفاوضات لقتل الدولة
بقلم: سميح صعب عن النهار البيوتية
الشعب والدولة واقعاً على الأرض!
بقلم: تحسين الأسطل عن المستقبل البيروتية
من كتب خطاب نتنياهو؟
بقلم: حنين زعبي عن الدستور الأردنية
عسى أن تكرهوا 'دولتهم' وهي حل لكم
بقلم: مالك التريكي عن القدس العربي
يؤيد كثير من المثقفين والسياسيين الليبراليين في بلاد الغرب قيام دولة فلسطينية 'تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل' في كنف السلام. وكثيرا ما يعبر هؤلاء عن موقفهم في صيغة معادلة بين 'حق إسرائيل في الأمن' وحق الفلسطينيين في إقامة 'دولتهم'. ولهذا فقد نشروا في الأسابيع الماضية مقالات فردية وبيانات جماعية تدعم مسعى محمود عباس إلى استصدار قرار من الأمم المتحدة بإعلان الدولة الفلسطينية. لكن لم يكن بينها ولو مقال أو بيان وحيد يضع المسألة في نصابها الصحيح، باعتبارها قضية تحرر وطني ضد آخر معاقل الكولونيالية الغربية (بصرف النظر عن أمانيّ القوة الاستعمارية ومزاجها الرسمي أو الشعبي الذي يغالي الخطاب الغربي في التذرع به تذرعا يثبت أنه خارج الموضوع!)، بل إن معظم ما نشر لا يعدو أن يكون تمرينا في محاولة استدراج إسرائيل وإغرائها بالقبول البراغماتي بفكرة السماح للفلسطينيين بإقامة 'دولتهم'. لا على أساس الاستحقاق التاريخي، بل على أساس 'عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم'.
ماذا يقول هؤلاء الغربيون الطيبون؟ يقولون لحكام إسرائيل إن كثيرا من الدول والشعوب أصبحت تحمل عنكم انطباعا بأنكم متشددون وغير مستعدين لتقديم 'التنازلات' اللازمة للتوصل إلى السلام. لكن حرصنا على دولة إسرائيل يجعل من واجبنا أن نصارحكم بأن إحلال السلام يستوجب تنازلات. نعرف أن هذه التنازلات سوف تكون 'أليمة'، لكن ليس هناك من حل آخر. فإما أن تقبلوا قيام دولة فلسطينية 'تعيش جنبا إلى...' وإلا فستنغلق آفاق الحل السلمي تماما. وإننا قلقون على مصير إسرائيل لو بلغت الأمور هذا الحد. ويقول بعضهم، لمزيد من التوضيح، إن 'حل الدولتين' هو، بكل بساطة، في مصلحة إسرائيل، لأن انعدام حل الدولتين لا يترك من حل تاريخي آخر سوى الدولة الواحدة التي سوف تجعلها 'القنبلة الديمغرافية' الفلسطينية أمرا حتميا.
وقد كتبوا أخيرا يقولون إن من 'الحيوي'، أكثر من أي وقت مضى، بالنسبة لإسرائيل 'أن تفتح ذراعيها للدولة الفلسطينية'. لماذا؟ أولا لأن 'الربيع العربي' (حسب العبارة السائدة غربيا) قلب الموازين الإقليمية الموروثة من فترة تصفية الاستعمار، بحيث أن بروز نخب سياسية عربية تعشق الحرية والديمقراطية قد أصبح يمثل بالنسبة لإسرائيل 'الديمقراطية' فرصة تاريخية لفتح علاقات جديدة مع جيران سيكون قادتهم في المستقبل ذوي ثقافة سياسية أقرب إلى ثقافة إسرائيل. ويضيف هؤلاء 'لكن خلطة الأوراق الجديدة في العالم العربي تمثل، ولنكن صريحين، النهاية المبرمجة للتعاطف الذي كانت تحظى به إسرائيل حتى الآن لدى كثير من أنصارها الغربيين، بحكم ما كان يبدو من التعارض بينها وبين دكتاتورية الأنظمة العربية المجاورة. فلا يستبعد إذن أن يأخذ هذا التعاطف مع إسرائيل في التناقص'.
أما السبب الثاني، فهو أن إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للبقاء قد أصبحت ملموسة أكثر من أي وقت مضى، حيث أن البنك الدولي وصندوق النقد يقدران أن لدى السلطة الفلسطينية مؤسسات تليق بدولة فعلية. كما يلاحظ الدبلوماسيون الغربيون أنه يوجد في 'فلسطين' (أي الضفة الغربية) قدر أكبر من وظائف الدولة الكبرى - مثل الحوكمة، والميزانية والأمن - مما هو متوفر في عدد من الدول القائمة. السبب الأخير، وهذه هي قمة محاولة الإغراء الغربي لإسرائيل، هو أن الاحتجاجات الشعبية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ إسرائيل، والتي تضع التوازنات الاقتصادية والاجتماعية موضع السؤال في بلد تمثل النفقات العسكرية 8 بالمئة من ناتجه المحلي، إنما تبين أن تحقيق السلام مع الفلسطينيين سوف يكون أحد محركات النمو الاقتصادي الذي يسهل، بدوره، بروز نموذج اجتماعي أكثر توازنا ونجاعة.
هذا هو أشجع موقف يمكن أن يجود به الغرب عندما يخاطب إسرائيل: عسى أن تكرهوا أن يكون للفلسطينيين 'دولتهم'، وهي حل تاريخي بخس الثمن لكم! والطريف أن بنية هذا الخطاب لا تعبأ ولو بمحاولة التستر على تحيزات أسطورية غربية مأخوذة مأخذ البديهيات: هكذا لا يحضر عدو إسرائيل في هذا الخطاب إلا أعزل من كل شيء، حتى من... الاسم. لذلك يوسم بـ'الفلسطينيين'، تشتيتا للمعنى الوطني أو تشكيكا فيه. أما الدولة، فيشار إليها بـ'دولتهم'، حشرا للمعنى الكياني في جحر خصوصية تهميشية لا تتجاوز بعد الملكية العقارية الافتراضية المتوقفة على سلطة المنح والمنع الإسرائيلية.
دولة فلسطين بين ترومان وأوباما
بقلم: سليم نصار عن الحياة اللندنية
بعد مرور أكثر من 63 سنة على قبول إسرائيل دولة جديدة داخل أسرة الأمم المتحدة، طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قبول فلسطين عضواً في الأمم المتحدة، ثم ألقى خطابه في الجمعية العامة (23 أيلول – سبتمبر – 2011) وقدّم نسخة إلى الأمين العام بان كي مون، يسأله فيها دعم المنظمة العالمية قبولَ فلسطين دولة شرعية على حدود الرابع من حزيران 1967 عاصمتها القدس الشريف.
ومع أن طلب أبو مازن لا يختلف من حيث ديباجته عن الطلب الذي قدمه أبا إيبان سنة 1947، إلا أن الاختلاف بينهما يبقى أعمق من كل تصور. والسبب أن إسرائيل هي أول دولة لم تكن موجودة على خريطة دول العالم قبل 1947، بل هي أول دولة توجد بقرار من الأمم المتحدة، وفوق أرض دولة أخرى كانت موجودة ومستمرة منذ مئات السنين.
في ضوء هذا الواقع الذي ولد من رحم قرار التقسيم، لا بد من مراجعة حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين، وما وفّرته من أرضية إدارية وسياسية مطلوبة لاستيعاب المهاجرين اليهود. وقد عبّرت صحف لندن يومها عن استيائها العميق من التزام الحكومة تنفيذ وعد بلفور. وحول هذا الموضوع كتبت جريدة الـ «تايمز» (23 تموز/ يونيو 1922) افتتاحية عنوانها: «انتداب فلسطين». وهذا بعض ما جاء في الافتتاحية: «إن فلسطين ليست بلداً خالياً من السكان. وعدد سكانها كبير. لغتهم هي العربية. وحتى ما جاء في وعد بلفور فإنه يحتم على الإدارة البريطانية حماية هؤلاء السكان بالكامل. إن سياستنا وقعت في شكل خطير وغير محسوب، تحت تأثير الصهيونية السياسية في بلد مثل فلسطين يتمتع بموقع حساس في قلب العالم الإسلامي الناهض. كما أنه يقع على الطريق الاستراتيجي المؤدي إلى الشرق».
وكتب رئيس الوفد الفلسطيني إلى لندن، موسى باشا كاظم الحسيني، رسالة إلى صحيفة الـ «تايمز» جاء فيها:
من المجدي إبداء وجهة النظر العربية المتعلقة بفلسطين:
أولاً – إن العربي ليس معادياً لليهود، ففي الوقت الحاضر (أي مطلع سنة 1921) توجد 46 مستوطنة يهودية في فلسطين سمح لها بالنمو والازدهار من دون تدخل جيرانها العرب. وطبقاً للإحصاء الأخير فإن عدد اليهود لا يزيد على ستين ألف نسمة من مجموع عدد السكان البالغ ثمانيمئة ألف نسمة. ولم يسبق لليهود أن أظهروا سياسة عدوانية نحونا إلا بعد إعلان وعد بلفور.
ثانياً – في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1918، أصدر اللورد اللنبي بلاغاً جدياً طمأن فيه الشعب الفلسطيني بأنه لن يتخذ أي إجراء بصدد وضع فلسطين من دون الأخذ برغبات هذا الشعب واستشارته أولاً.
ونحن من جهتنا نتساءل: هل هناك فرق بين وعد وآخر؟ واحد للصهيونية من النوع المقدس الذي يتوجب الإيفاء به، وآخر للعرب لا قيمة له!
ثالثاً – في مؤتمر كارل سباد حدد الدكتور وايزمان ما يعنيه بلفور بـ «الوطن القومي اليهودي». وهو إيجاد ظروف في فلسطين تمكننا من استقبال خمسين إلى ستين ألف مهاجر سنوياً وتوطينهم على الأرض، وتوفير الظروف الملائمة لهم حتى تصبح فلسطين يهودية مثلما أميركا هي أميركية وبريطانيا هي بريطانية.
رابعاً – قدم الدكتور وايزمان تفسيره للمادة الثانية من صك الانتداب بالقول: يجب أن تصبح يهودا مرة أخرى كياناً سياسياً ووطناً يهودياً. إن الصهانية موجودون في فلسطين لإعادة تكوين الوطن القومي اليهودي.
ودعم هذه الرؤية، الدكتور ايدر، رئيس اللجنة اليهودية في القدس، عندما أدلى بشهادته أمام لجنة التحقيق في اضطرابات يافا. قال حرفياً: «لن يكون هناك إلا وطن قومي واحد في فلسطين. كما أن لن تكون هناك مساواة في الشراكة بين اليهود والعرب، ولن تكون هناك إلا السيادة اليهودية حالما يتزايد عدد هذا الشعب بما فيه الكفاية».
بعد انقضاء قرن تقريباً على إعلان وعد بلفور، رفض بنيامين نتانياهو قبول طلب محمود عباس إدخال الدولة الفلسطينية بين مجموعة الأسرة الدولية المؤلفة من 193 دولة، وحجته أن حدود 1967 لم تكن حدوداً نهائية، وإنما خطوط هدنة.
واستعان رئيس وزراء إسرائيل بثلاثة الآف سنة من التاريخ ليذكر يهود الولايات المتحدة بأن اسم نتانياهو يمثل الامتداد لحزقياهو ويشعيا هو، وأن تطبيق القرار 242 يعني تخلي دولة اليهود عن عاصمتها الأبدية الموحدة «أورشليم».
ومن أجل تثبيت فكرة العاصمة الموحدة لدولة اليهود، قرّر نتانياهو قبل مغادرته إلى نيويورك، المصادقة على بناء 900 وحدة استيطانية جديدة. وحرصت حكومته على توزيع الوحدات الاستيطانية على عدد من مستوطنات القدس المحتلة بهدف فرض أمر واقع ينسف مشروع محمود عباس. ولم يكن هذا القرار مخالفاً لاتفاقيات جنيف الرابعة التي تمنع نقل مواطنين تحت الاحتلال... بقدر ما كان مخالفاً لرؤية الرئيس أوباما الذي قال في القاهرة إن المنطقة لن تعرف الاستقرار من دون قيام دولة فلسطينية.
هذا الأسبوع أحيل طلب الرئيس الفلسطيني على لجنة خاصة بغرض دراسة شروط الاعتراف بالدولة التي رفضت قرار التقسيم (الرقم 181) الصادر عن الجمعية العامة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947.
يومها كان كميل شمعون يتناول طعام العشاء إلى مائدة رئيس مجلس إدارة سيتي – بنك في نيويورك. ولما انتهت الجلسة بالتصويت على قرار تقسيم فلسطين أصدر شمعون بياناً قال فيه: «لقد ورثت الأمم المتحدة مهمة عصبة الأمم بهدف نشر السلام ومنع الحروب. والمؤسف أن قرار التقسيم فتح باب الحروب على مصراعيه في الشرق الأوسط»، وهذا ما حصل عقب حرب التوسع والتهجير سنة 1948.
ولما حصلت إسرائيل على الاعتراف الدولي، أصدر أبا إيبان كتاباً بعنوان «شاهد شخصي»، روى فيه سلسلة الاستعدادات التي سبقت هذا اليوم التاريخي. وذكر في معرض مراجعة تلك الحقبة، أن الأمم المتحدة طلبت لجنة خاصة لدرس شروط قيام دولة مستقلة أسوة بسائر الدول. واختير إيبان مع ديفيد هورو يتز ليكونا عضوين في اللجنة التي سميت «لجنة يونسكوب».
وبعد التداول والنقاش قدمت اللجنة اقتراحها إلى الجمعية العامة مع تفسير مستفيض خلاصته: «إن نزاعاً يصعب كبح جماحه انفجر بين جاليتين داخل دولة صغيرة. وليس بين هاتين الجاليتين أي أرضية مشتركة. ذلك أنهما تختلفان في الدين واللغة والثقافة والحياة الاجتماعية وطريقة التفكير والسلوك والطموحات الوطنية. وإذا كان من الصعب أن يحكم أي فريق منهما بالعدل والمساواة كل فلسطين الموحدة... فلماذا لا يحكم كل فريق جزءاً من فلسطين؟».
مفوّض الأمم المتحدة استند إلى منطق اللجنة ليخرج بالاقتراح الآتي: عن طريق التقسيم فقط يمكن هذا النزاع أن يجد التعبير الشافي لشعبين يستطيعان أن يأخذا مكانهما كدولتين مستقلتين في المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة.
في ضوء هذا الاقتراح، إضافة إلى دعم الدول الكبرى، صدر قرار التقسيم (181) عن الجمعية العامة (29 تشرين الثاني 1947) الذي منح الشرعية ذاتها لقيام دولة عربية.
بقي السؤال المحير المتعلق بدوافع شن حرب 1948 عقب صدور الموافقة على قبول إسرائيل دولة شرعية داخل الأمم المتحدة؟!
المؤرخون يفسرون هذه الدوافع بمنطق الغزاة الأميركيين الذين نكلوا بالسكان الأصليين من الهنود الحمر، وأجبروهم على الفرار.
وفي «الكتاب الأسود» الذي أشرف على إعداده في بيروت، سليمان الشيخ رئيس قسم الدراسات في منظمة فلسطين لحقوق الإنسان، كامل المعلومات عن أهم المجازر الإسرائيلية. وقد ارتكبت عن سابق تصور وتصميم بأمر من ديفيد بن غوريون الذي شجع عمليات طرد السكان من طريق القتل والإرهاب والنسف والتدمير. ويكفي أن نذكر أن عدد سكان حيفا سنة 1948 كان يزيد على 75 ألف نسمة لم يبق منه سوى ثلاثة الآف لضرورات تتعلق بتشغيل الميناء. ومثل هذا المخطط تعرضت له مدينة يافا القريبة من تل أبيب.
ولما بلغت أصداء مجزرة دير ياسين، يهود الولايات المتحدة، بعث العالم ألبرت أينشتاين ببرقية إلى القيادة الإسرائيلية يستوضح منها عن مصير السكان الأصليين. وجاءه الجواب عبر الشعار الذي ابتكره يسرائيل زنغويل، القيادي الصهيوني الإنكليزي، وفيه يقول: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
والثابت أن عمليات الطرد والقتل والتهجير اشتدت واتسعت بسبب اقتراب موعد الخامس عشر من أيار (مايو) 1948. أي موعد انتهاء خطة احتلال المساحات المخصصة لإسرائيل وفق قرار التقسيم.
الكاتب الأميركي الشهير غور فيدال، اكتشف سبباً إضافياً مهماً، خلاصته أن هاري ترومان، قرّر خوض معركة الرئاسة سنة 1948. وفوجئ خلال إحدى جولاته الانتخابية بمتبرع صهيوني ينفحه نقداً وعدّاً مليوني دولار حملها له في حقيبة.
ويعلق فيدال على تلك الواقعة بالقول: لهذا السبب تغاضى ترومان عن المساحات الإضافية التي احتلتها إسرائيل بهدف توسيع رقعة أرضها، وكان سكوته بسبب الرشوة الضخمة التي حصل عليها.
طريقة الابتزاز التي مارستها قيادة إسرائيل على ترومان سنة 1948، يكررها نتانياهو مع الرئيس أوباما من طريق الابتزاز السياسي. علماً أن أوباما وعد العالمين الإسلامي والعربي في خطبة القاهرة بانبلاج فجر جديد يطل من أميركا جديدة، كما وعد الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة بعيدة عن مرارة الاحتلال واللجوء.
وبسبب الرغبة في تجديد ولايته، وتوقعاته بدعم «اللوبي اليهودي»، ألقى في الجمعية العامة خطبة أذهلت كل المستمعين بمن فيهم محمود عباس. ذلك أنه تبنى كل الحجج الإسرائيلية المطروحة ضد الاعتراف بدولة فلسطينية، وادعى أن دولة اليهود تواجه خطراً وجودياً أثقل من أعباء نكبة فلسطين!
بقي أن نذكر أن استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة، ترجح فوز أي مرشح جمهوري ضده.
خضوع لنتانياهو أم مصلحة إستراتيجية حيوية!
بقلم: مأمون الحسيني عن الحياة اللندنية
يبدو أن الغرابة المثقلة بالمرارة والعجرفة والعنصرية التي تسم رؤى معظم «صنّاع الرأي» الأميركيين وتوجهاتهم، حيال خطاب ابو مازن في الامم المتحدة، تتماهى مع حقيقة ما يدب على أرض السياسة والحراك الأميركيين. ذلك أن انقلاب الرئيس الأميركي على خطابه السابق وأمنياته، قبل نحو عام، بأن يجد فلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة خلال الدورة الحالية للمنظمة الدولية، لا يمكن تفسيره على قاعدة السعي إلى الاستحواذ على ولاية رئاسية ثانية فقط، وإنما كذلك بالاستناد إلى مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية.
فإسرائيل تزعم أن ثمة تداعيات سياسية وميدانية وقانونية وقضائية عدة يمكن أن تترتب على اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، من بينها إمكانية انطلاق ديناميكية شعبية فلسطينية للمطالبة بتجسيد هذا الاعتراف على ارض الواقع، وتطورها إلى انتفاضة جديدة ثالثة تضع الدولة العبرية أمام خيارات صعبة وربما كارثية، ولا سيما في ظل ترجيح وقف التعاون الأمني من جانب الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، ودخول أطراف عربية وإقليمية على خط المواجهات، ورفع منسوب العداء لإسرائيل في الشارع العربي المنتفض الذي ستضطر قياداته الحزبية والميدانية إلى أخذ هذا المستجد في نظر الاعتبار في توجهاتها وشعاراتها. فيما يتجسد الخطر الثاني في ازدياد العزلة الدولية الإسرائيلية بعد أن يتاح للدولة الفلسطينية المعترف بها الانضمام إلى المنظمات الدولية المختلفة ومقارعة إسرائيل من داخلها، فضلاً عن إمكان تفعيل وتعزيز المقاطعة الأهلية القائمة في الكثير من دول الغرب ضد تل أبيب.
على أن الأهم والأخطر، هو تغيير الإطار القانوني للعلاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وتحول الضفة الغربية، بما فيها القدس، من أراضٍ متنازع عليها إلى أراض محتلة وفقاً للقانون الدولي، ناهيك عن أن الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية يتيح انضمام هذه الدولة إلى أطر ومنظمات دولية، مثل اتفاقية قانون البحار ومنظمة الطيران المدني الدولي اللتين تفسحان المجال أمام المطالبة بالحقوق السيادية على الأجواء والمياه الإقليمية في بحر غزة، والمحكمة الجنائية الدولية التي ستُفتح أبوابها أمام الشكاوى المتصلة بجرائم إسرائيل المتواصلة.
غير أن كل هذه المخاوف المصطنعة التي تتناقض وواقع الأطر والمنظمات الدولية التي يترجم بنيانها وأداؤها ميزان القوى الذي تهيمن عليه دول الغرب في شكل جلي وواضح، لا تفسر تلك الخشية الإسرائيلية (والأميركية) من إمكانية الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية التي سيتواصل الجدل في شأنها في مجلس الأمن أسابيع عدة، وفق ما أكد رئيس السلطة أبو مازن. ما يعني أن الخشية الفعلية، وعلى رغم ترجيح استخدام الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن، وانتقال ملف الاعتراف إلى الجمعية العامة للحصول على صفة «الدولة المراقبة»، تكمن في استعادة القضية الفلسطينية، وعنوانها الراهن «الدولة الفلسطينية» التي زعم بنيامين نتانياهو أنها خطر على وجود إسرائيل «اليهودية»، وهجها في الفضاء الإقليمي والدولي، وترجيح عودة تصدرها جدول أعمال الاحتجاجات والانتفاضات العربية التي تتخبط في متاهات انقسامية خطرة، بعد كسر الاحتكار الأميركي لملف التفاوض العبثي السابق، وارتفاع منسوب الدعوات الفلسطينية لإغلاق مسار المفاوضات السابق، واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تتيح التصدي للإجراءات الإسرائيلية المرتقبة.
خيارات نتنياهو
بقلم: عصام نعمان عن الخليج الإماراتية
يدرك بنيامين نتنياهو وأعوانه أنه أمام تحديين خطيرين: الأول، مواجهة غضبة الفلسطينيين على رفضه الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتصعيده الاستيطان بخطة لبناء 1100 وحدة استيطانية جديدة في مستعمرة جيلو في محيط القدس الشرقية .
الثاني، مواجهة غضبة المؤسسة العسكرية على تقليص الميزانية الأمنية لتوفير الأموال اللازمة لحل المشكلات الاجتماعية في “إسرائيل” .
نتنياهو ووزراؤه المتصلبون كانوا هددوا الفلسطينيين بعقوبات شتى إذا ما قدّم محمود عباس طلب الاعتراف إلى الأمم المتحدة . باكورة العقوبات، على ما يبدو، هي الخطة المعلنة لبناء 1100 وحدة استيطانية جديدة . هذه الخطوة ستعقبها خطوات أخرى عقابية مع تطور غضبة الفلسطينيين المحتجّين، سياسياً وميدانياً . غير أن ثمة من يعتقد بين “الإسرائيليين” أنفسهم أن نتنياهو لن يكتفي، مع تعاظم الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، بعقوبات سياسية واقتصادية، وأنه قد يعمد إلى ما هو أخطر وأسوأ، فماذا تراه يكون؟
نتنياهو يعاني تحدياً مقلقاً في مواجهة المحتجّين “الإسرائيليين” المطالبين بالعدالة الاجتماعية . ذلك أنه اضطر إلى تأليف لجنة ضمت فريقاً من الخبراء المهنيين برئاسة البروفيسور مانويل تراختنبرغ مهمتها إعداد خطة لتغيير السياسة الاقتصادية الاجتماعية للحكومة . “لجنة تراختنبرغ”، كما أصبحت تدعى، قدمت توصياتها إلى الحكومة، وهي تقضي بتقليص الميزانية الأمنية بمبلغ 3 مليارات شيكل سنوياً بدءاً من السنة المقبلة (2012) .
المؤسسة العسكرية استشاطت غضباً على اللجنة وعلى من يقف وراءها . مصدر رفيع فيها قال لصحيفة “معاريف” (27/9/2011) إن توصيات اللجنة ستؤدي إلى إنشاء “لجنة فينوغراد رقم 2” للتحقيق، ولكن هذه المرة مع موظفي وزارة المالية . لم يكتفِ المصدر القيادي العسكري بذلك بل خوّف المسؤولين بتنظيمات المقاومة العربية وإيران بقوله: إن أول ما يجب على اللجنة فعله هو أن تنسق هذا التقليص مع كل من “حزب الله” و”حماس” و”إيران”!
وكان رئيس أركان الجيش “الإسرائيلي” الجنرال بني غانتس صرح، بعد مداولات جرت في هيئة الأركان، أن تقليص الميزانية العسكرية سيعيد الجيش إلى الأوضاع التي كانت عليه قبل “حرب لبنان الثانية” صيف ،2006 مؤكداً أن تقليص الميزانية سيضطر الجيش إلى تقليص تدريباته وإلى إرجاء تزوده بمنظومات أسلحة ضرورية، وفي مقدمها منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ قصيرة المدى .
زاد حرج نتنياهو بإعلان قادة حملة الاحتجاج الاجتماعية والمطلبية أن توصيات “لجنة تراختنبرغ” مخيبة للآمال، وأنهم سيستمرون في حملة الاحتجاج وتصعيدها .
كيف سيواجه نتنياهو هذا التحدي الاجتماعي والعسكري في آن؟
تتعدّد تخمينات الكتّاب السياسيين والخبراء الاستراتيجيين “الإسرائيليين” في هذا المجال . لعل أبرزها اثنان: الأول للمحلّل السياسي لدى صحيفة “هآرتس” (16/9/2011) رؤوبين بدهستور، والثاني للمحلّل السياسي لدى الصحيفة نفسها (27/9/2011) صافي ريخلفسكي .
بدهستور لاحظ أن نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني، قال خلال مقابلة أجرتها معه قناة “نيوزماكس “ لمناسبة إطلاق كتابه الجديد عن سيرة حياته، إن “إسرائيل” ستوجّه ضربة عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية . لدّي انطباع أنهم سيفعلون ذلك . تشيني، بحسب بدهستور، لم يكتفِ بتسجيل هذا الانطباع، بل أبدى تفهمه للخطوة “الإسرائيلية” وتأييده العملي لها بقوله: “إن إيران تشكّل تهديداً وجودياً ل”الإسرائيليين”، وهم سيفعلون كل ما هو مطلوب للدفاع عن بقائهم وأمنهم” .
الجدير بالذكر أن تشيني كان يعارض توجيه ضربة عسكرية “إسرائيلية” إلى إيران عندما كان في الإدارة الأمريكية قبل عامين ونصف العام . لكنه لم يوضح سبب تغيير رأيه أو انطباعه، كما رفض أن يذكر اسم مسؤول “إسرائيلي” بعينه التقاه . ومع ذلك قال إنه قابل العديد من المسؤولين وكوّن انطباعاً بوجود إجماع داخل القيادة “الإسرائيلية” في هذا الشأن .
بدهستور تمنّى ألاّ يكون انطباع تشيني صحيحاً، لأنه مدعاة للقلق الشديد نظراً لوجود تباينٍ في وجهات النظر بين نتنياهو ورئاسة المؤسسة العسكرية بشأن توجيه ضربة إلى إيران، وأن رئيس الموساد السابق، مئير داغان، عارض توجيه مثل هذه الضربة، معتبراً أن إيران لن تحصل على السلاح النووي قبل سنة 2015 .
ريخلفسكي يخشى هو الآخر أن يفعلها نتنياهو مدفوعاً بنزعته الخلاصية . يستدل على ذلك باستشهاد نتنياهو في خطبته في الأمم المتحدة بأقوال الحاخام العنصري “من لوبافيتش” الذي اشتهر بمعارضته الشديدة لانسحاب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها حتى لو كان ذلك في مقابل السلام الشامل . ففي رأيه ينبغي عدم التنازل عن أي شبر من “أرض إسرائيل” للعرب لئلا ينصبوا فيها الصواريخ، وقد استخدم نتنياهو هذه الحجة في الأمم المتحدة . يختتم ريخلفسكي تحليله بالقول: “في الخلاصة، يظهر نتنياهو كممثل لحركة “حباد” الأصولية، فهو عاد من الولايات المتحدة ولديه شعور بأن الإدارة الأمريكية ركعت أمام رجليه، ولا شيء يمكن أن يكبح التشدّد في مخططاته . ومن الواضح أن هذا الشعور يشكّل الآن خلفية موقفه من الموضوع الأهم في الوقت الحالي الذي يكمن وراء زيارة وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا، إذ يبدو أن نتنياهو مصمم على مهاجمة إيران قبل مجيء الشتاء، متجاهلاً تحذيرات “البنتاغون” وزراة الدفاع الأمريكية” .
تحذيرات “البنتاغون”؟ ليس ما يشير إلى أن ثمة تحذيرات أمريكية جادة في هذا المجال، ولعل غيابها يشجع نتنياهو على ركوب، بل على ارتكاب، مغامرة جديدة وفي ظنه أنها خير طريقة للتغطية على غضبة المحتجين الفلسطينيين المتصاعدة وغضبة المحتجين “الإسرائيليين” المطالبين بالعدالة الاجتماعية وتنفيسهما بصنع حدث مدو أكبر من الغضبتين معاً . هذا فضلاً عن تنفيس غضبة جنرالات هيئة الأركان العامة الذين يعارضون المس بالميزانية العسكرية وبامتيازاتهم الناتجة منها .
. . . أم أن هذه التخوّفات والتحذيرات مجرّد تهويلات على الفلسطينيين والعرب ليس إلاّ؟
الخطاب المتنازع عليه
بقلم: خيري منصور عن الخليج الاماراتية
يدرك العالم الآن باستثناءات قليلة تصرّ على الخلط بين ظل العصا والثعبان، أن عبارة الأرض المتنازع عليها من اختراع الاحتلال وحده، وهي حكر على قاموسه الخاص . لهذا فما يجري في فلسطين من ألفه إلى يائه هو احتلال واستيطان ولا شيء آخر . لكن المفارقة هي أن هناك خطاباً فلسطينياً متنازعاً عليه، وحسب القراءات الأمريكية والأوروبية فإن لفلسطين الآن خطابين متباعدين: أحدهما براغماتي سياسي تمثله السلطة الوطنية، والآخر راديكالي وتراجيدي إلى حد ما تمثله حركة حماس .
الأول يعترف بالدولة بحدود الرابع من يونيو/حزيران عام ،1967 والثاني يصر على المساحة التاريخية والجغرافية الكاملة لفلسطين من البحر إلى النهر، وحين تقبل حماس، كما عبّر عن ذلك رئيس حكومتها إسماعيل هنية تعقيباً على خطاب عباس في الأمم المتحدة، بدولة فلسطينية، فإنها تشترط في الوقت ذاته عدم الاعتراف ب “إسرائيل”، وهذا خطاب يبدو تعجيزياً بالنسبة إلى السلطة، لهذا علق أحد خصوم حماس على هذا الشرط مستشهداً بمثل معروف هو “لا تقسم رغيف الخبز، ولا تأكل ما هو مقسوم منه”، أي ابقَ جائعاً حتى لو سال لعابك من فرط الجوع على الرغيف .
هذا سجال قد لا ينتهي، لهذا علينا أن نحترز من الانجذاب إليه، فالمصالحة الآن ليست فقط بين حزبين أو حركتين وطنيتين، بقدر ما هي مطلوبة بين خطابين .
وإن كان هناك تفسير محظور الاقتراب منه لتعثر كل محاولات المصالحة والالتئام الوطني بين فتح وحماس، فهو المصالحة الفكرية التي يجسّدها خطابان متباعدان وليست المصالحة بين أشخاص، ومن دون التوقف عند هذا التباعد الأيديولوجي، ستبقى المصالحات موسمية وتراوح لتعود بعد تفسير الماء إلى الماء ولا شيء آخر . وتاريخياً ثمة صيغة لتعايش خطابين متباعدين كهذين الخطابين الصادرين عن غزة ورام الله، لأنه ما من شعب أو دولة في العالم تتيح له الديمقراطية، في حال ترجمتها إلى واقع سياسي، أن يحوّل الناس كلهم إلى واقعيين أو براغماتيين أو أية صفة مرادفة لهذه .
لقد شاهدنا على العديد من الشاشات الفضائية في أعقاب خطاب محمود عباس، سجالات بين من يمثل هذا الخطاب أو ذاك، وبدت المصالحة للوهلة الأولى على الأقل وقد نأت مجدداً، فثمة مفردات أعادت المتساجلين إلى مربع الخلاف الأول، وهذا كان أشبه بشعرة سقطت في الحساء أو كأس الماء التي جاءت بعد أن جفّ الريق، وشقّق الظمأ الشفاه .
إن منطق المفاضلة بين الخطابين ليس مقترباً صحيحاً ومن شأنه أن يعمّق الهوة ويعطي للخلاف بعداً شبه قبائلي أو عشائري، فالمسألة أبعد من ذلك وأعقد، فإذا كان التباعد بين الخطابين بسبب اجتهاد الطرفين على أقصر الطرق وأسلمها إلى فلسطين، فاللقاء في منتصف الطريق ممكن وربما في ربعه الأول، لأن الطريق طويل وسوف يستطيل أكثر بعد المعركة الدبلوماسية في مقر الأمم المتحدة .
إن فلسطين الآن أرض محتلة وليس متنازعاً عليها، كما يقول المحتل، لكن المتنازع عليه فلسطينياً هو خطاب يراوح بين الأيديولوجيا والبراغماتية .
مفاوضات لقتل الدولة
بقلم: سميح صعب عن النهار البيوتية
مرة جديدة يعود ما يسمى المجتمع الدولي الى المراوغة في الموضوع الفلسطيني. فاسرائيل يريحها التفاوض الابدي الذي بات فنا تتقنه منذ 20 عاما. وتمكنت بطريقتها المخادعة في ادارة المفاوضات من احراج الفلسطينيين واخراجهم منها. لذا هي اليوم تتمسك بالعودة الى التفاوض كي تقتل ما تبقى من الطموح الفلسطيني الى دولة مستقلة.
والتفاوض في المبدأ يقوم بين طرفين يمسك كل منهما بأوراق رابحة تشكل له نقاط قوة عندما يجلس الى الطاولة. لكن المتأمل في أحوال الفلسطينيين، بعد كل هذه الاعوام من المفاوضات العبثية، يسهل عليه الاستنتاج أن اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تمكنت من نزع الكثير من الاوراق التي كانت في أيدي الفلسطينيين، بينما كان الطرف الآخر يعزز موقعه في المفاوضات وعلى الارض. عندما ذهب الفلسطينيون الى أوسلو كانت لديهم الانتفاضة في الاراضي المحتلة. وفي مقابل أوسلو، الذي كان يفترض ان يكون نقطة مرحلية نحو الحل النهائي المتمثل في اقامة الدولة، ارتضى الفلسطينيون وقف الانتفاضة.
ولكن سرعان ما تبين ان اسرائيل أرادت من أوسلو وقف الانتفاضة التي كانت أكبر تحد تواجهه منذ احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. وبعدما اطمأنت الى وقف الانتفاضة، استدارت على أوسلو لتفرغه من محتواه ولتعيد الفلسطينيين الى الدائرة المفرغة والى المربع الاول.
لم تكتف اسرائيل بذلك، بل هي تتقدم يوميا بلائحة مطالب لا قدرة للفلسطينيين على تلبيتها مثل الاعتراف باسرائيل دولة يهودية، مع ما يمكن أن يرتب ذلك من تبعات على ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات وعلى مليون ونصف مليون فلسطيني لا يزالون يعيشون داخل الاراضي المحتلة عام 1948.
من هنا أن لا أفق لأي مفاوضات يدخلها الفلسطينيون اليوم ما لم تكن محكومة بسقف محدد سلفا. وفي المقابل، ترى اسرائيل في التفاوض خير وسيلة للتهرب من تقديم التنازلات وهي لن تعدم وسيلة كي تحرج الفلسطينيين وتدفعهم الى وقف التفاوض كما يجري منذ عام 1991. ومن طريق جولة التفاوض الجديدة ستسعى اسرائيل الى نزع آخر ما تبقى من أوراق في أيدي الفلسطينيين، ستزيد الضغوط عليهم كي يعترفوا بالامر الواقع الذي تعمل اسرائيل على فرضه منذ 1967 وحتى منذ 1948، وهو القبول بها دولة قائمة على أساس ديني لا مكان لغير اليهود فيها. وعندها لن يقتصر الخطر على ضياع فلسطين بكاملها بل ان الخطر سيتعدى ذلك ليطاول المنطقة بكاملها وسيكون مبررا لنشوء دول دينية أخرى في المحيط. وكثير من تداعيات "الربيع العربي" لا تبعث على الاطمئنان!
الشعب والدولة واقعاً على الأرض!
بقلم: تحسين الأسطل عن المستقبل البيروتية
اوجد الخطاب التاريخي والحر الذي القاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الامم المتحدة، الدولة الفلسطينية واقعا سياسيا وفي وجدان العالم الحر، من خلال نيل ثقة واعتراف العالم بالتصفيق والوقوف تقديرا لنضال الشعب الفلسطيني، الذي تجسد في شخص الرئيس عباس.
راهن البعض ان الخطوة الفلسطينية هي مناورة تكتيكية، بعد ان اعتقدت الولايات المتحدة انها اصعدت الرئيس على الشجرة ، والذي لن يستطيع ان ينزل الا بمعرفتها بعد ان يخضع لشروطها، الا ان الرئيس بالأمس حلق في عنان الحرية، وهبط في رحاب الدولة الفلسطينية ، رقم 194 وسط احتفالية وتصفيق كل دول العالم ، واصعد الولايات المتحدة ، ومعها اسرائيل على الشجرة ، وبدت سوأتهما لكل الدنيا من سوء اعمالهما ، وتنكرهما لحقوق الشعب الفلسطيني، والذي بدا واضحا خلال خطاب رئيس دولة الاستيطان "نتنياهو" امام المقاعد الفارغة في قاعة الامم المتحدة، فلم يجد من يستمع الى اكاذيبه التي لم تعد تنطلي على احد.
بعد الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفلسطيني بقيادة الرئيس محمود عباس ، يستطيع الرئيس الاميركي "اوباما" ان ينزل عن الشجرة من خلال الانضمام الى العالم اجمع ، والاستماع لصوت الحرية والعدالة والمساواة، والتحرر ولو لمرة واحدة من عبودية جماعات الضغط الصهيونية ، والتصويت لصالح اقامة الدولة ، خاصة ان رفع مندوب الولايات المتحدة يده في وجه الحق والعدالة وارادة الشعوب لا يسيء للشعب الفلسطيني ، وانما يسيء لنفسه ولدولته ولشعبه بفعله المشين، والذي سيواجه حتما بغضب على المستويات الشعبية والرسمية ، لأنه باختصار تحد لإرادة الشعوب والدول على السواء.
اليوم الشعب الفلسطيني يبدأ في تقرير مصيره ، بعد تقديم الرئيس عباس الطلب رسميا الى الامم المتحدة ، والخطاب الفلسطيني الداخلي والخارجي بعد خطوة ايلول ، يجب ان يختلف عما قبل ايلول ، فنحن اليوم يجب ان نثبت للعالم اننا الاجدر بالدولة ، والاقدر في العيش بكرامة وحرية كباقي شعوب العالم ، المؤمنة بمبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية ، ولتذهب افات السيطرة ، والكراهية، والاحتلال، والاحلال، والاستيطان، والعنصرية بزعامة "نتنياهو" وزمرته الى مزابل التاريخ.
وعلينا ان نمضي في طريق المصالحة ، وان كانت في قلوبنا غصة لمنعنا في غزة من المشاركة في هذا الحدث التاريخي ، وهذا الانتصار، فالشعب الفلسطيني لن ينحرف مجددا الى الجدل والمهاترات ، وسيمضي في طريقه الى الحرية التي رسمها القادة الشهداء .
اننا اليوم لسنا بحاجة الى شهادة الولايات المتحدة وقرارها لنمارس حريتنا واستقلالنا ، فالشعب ورئيسه المفوض منه قال كلمته ، وطلب حقه ، ونال هذا الطلب قبول المجتمع الدولي ليس برفع الايدي للتصويت ، وانما بالوقوف والتصفيق ، ومن هنا تصبح الدولة واقعا سياسيا باعتراف المجتمع الدولي ، والتي تجسدت من خلال علاقة الشعب الفلسطيني بشعوب العالم الذي احتفل بهذا الاعلان ، ووقف الى جانبه طوال سنوات نضاله.
يسجل الشعب الفلسطيني اليوم انه اسقط رهان من اعتقد انه تنازل عن حقوقه ، وخضع للضغوطات الاميركية والتهديدات الاسرائيلية ، فالشعب الذي تتلمذ وتربى في مدرسة الشهيد ياسر عرفات ، لن يعرف الاستسلام او الركون او التخلي عن الحقوق ، ولن تجد اسرائيل والولايات المتحدة من يخضع لضغوطهما ، فالرئيس الشهيد ياسر عرفات قالها فينا في حياته ، وسنبقى نرددها الى الابد: "ليس فينا وليس منا من يتنازل عن حقوقنا ومقدساتنا".
والربيع الفلسطيني بدأ ، والنضال الفلسطيني اثمر ، وفجر الحرية بزغ ، وشمس فلسطين اشرقت، اليوم نحن ابناء الدولة ، وعلينا ان نطوي الماضي المظلم ، والافق الضيق ، ونصنع المستقبل ، الذي يعيش فيه كل ابناء الشعب الفلسطيني ، يتمتعوا فيه بالعدالة والمساواة والمشاركة السياسية الحرة ، البعيدة عن التشكيك او التخوين او عدم الثقة ، فمن وقف على المنصة الاممية بالأمس ، لا يبحث عن مجد شخصي ، او مكاسب شخصية، انما الامة الفلسطينية تجسدت في الرئيس عباس ، ومن لم يشعر ان خطاب الامس لا يمثله عليه ان يجدد ايمانه بعدالة قضيته ، ويعمل من اجل تحرير نفسه من اليأس وانسداد الافق ، فالمستقبل لفلسطين ، وعلينا ان نكون على مستوى الحدث ، وثقة العالم بنا الذي صفق لنا اكثر من 15 مرة .
فالدولة لم تعد حلما نوعد انفسنا بها ، بل واقعا ملموسا على الارض باعتراف العالم ، فالشعب الفلسطيني صامد على ارض دولته ، يحررها ويعمرها ، ولن تفلح كل قوى الظلم في اقتلاعه منها مهما اوتيت من قوة ، والعالم يشاركنا صنع الدولة ، ومن عارضنا واعترض على حريتنا وحقوقنا ، انحاز الى العار وجلبه الى نفسه، ولن يفلح في مواراة سوءته ، فورقة التوت سقطت عن كل من يدعي الحرية ، ويمنعها عن الشعب الفلسطيني.
من كتب خطاب نتنياهو؟
بقلم: حنين زعبي عن الدستور الأردنية
أثار خطاب أوباما غضب الفلسطينيين وحتى بعض المحللين والصحفيين الإسرائيليين، وقال البعض أن خطاب أوباما يبدو وكأنه وصل بالفاكس من مكتب نتانياهو. لكن ربما علينا أن نسأل أيضا، من كتب خطاب نتانياهو؟
يقولون أن الشعوب ترى في قوتها وهيبتها - ممثلة بقوة وهيبة نظامها- عوامل أهم من النجاح السياسي للنظام في تحقيق أمر ما، بمعنى أن الفشل في السياسة، أهون على الشعوب من قلة الحيلة السياسية.
وهذا أيضا ما تقوله شعبية نتانياهو بعد خطابه، إذ لم يهتم المجتمع الإسرائيلي فيما إذا نجح الخطاب في أن يحمل أفقا سياسيا ما، بل اهتموا في «الكبرياء» والقوة اللذين عبر عنهما الخطاب.
لكن قراءة الخطاب بهذا الشكل تخفي معالم نجاح سياسي مكن نتانياهو من خطاب «اللاأفق»، الذي يصفه البعض بالفشل. ومن يصف خطاب نتانياهو بأنه يعكس فشلا سياسيا إسرائيليا، إنما هو يريد إخفاء عناصر نجاحه (ليس من مصلحة الطرفين لا الإسرائيلي ولا السلطة الفلسطينية الكشف عن عوامل نجاحه)، أكثر بكثير مما يريد وصف الواقع بأمانة.
والسؤال هو لماذا وصلت إسرائيل سلطة ورأيا عاما، إلى تحمل «اللاأفق السياسي»، بل وإلى انتهاجه كسياسة، وإلى التعامل مع استمرار الوضع القائم - ما يسمى باللاأفق- كمصلحة إسرائيلية. من المسؤول عن تشكيل وضع قائم لا يشكل لإسرائيل ضررا أو تهديدا أو عاملا من عوامل عدم الإستقرار؟
المحللون الإسرائيليون الذين وصفوا خطاب نتانياهو بخطاب «اللاأفق» ورأوا فيه فشلا سياسيا يتعلق بحل الصراع، يعرفون جيدا أنه بالمفهوم الإسرائيلي السائد فإن عدم حل الصراع، أو بالأحرى عدم الحاجة لحل الصراع، هو النجاح الإسرائيلي الكبير وهو ما يلخص السياسات الإسرائيلية.
إن سياسة «اللاأفق السياسي» هي الوجه الآخر لإستراتيجية نجحت في تحويل الإحتلال لواقع آمن إسرائيليا. بالتالي ليست الجرأة التي نحتاجها هي تلك التي «تكشف» عمن كتب خطاب أوباما، بل الجرأة التي نحتاجها هي تلك التي «تكشف» عمن كتب خطاب نتانياهو. إنه النهج الفلسطيني الذي تعاون بشكل كامل مع سياسة جعلت الإحتلال أمنا وسلاما على إسرائيل، ومن يجعل الاحتلال آمنا على المحتل، عليه أن يعرف أنه سيحصد في النهاية سياسة اللاأفق أو سياسة إدارة الصراع بدل حله.
لقد دعمنا قرار السلطة الفلسطينية التوجه للأمم المتحدة، كخطوة في مسار يعيد الاعتبار للمرجعيات الدولية، يحيد ويهمش الدور الأمريكي الذي علينا التعامل معه كطرف في الصراع وليس كوسيط له.
ودعمنا وسنستمر في دعم رفض السلطة للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية.
من جهة أخرى كسر خطاب أبو مازن لغة أوسلو فيما يتعلق بالتعامل مع الطرفين بموازنة، ووضع الخطاب، الواقع تحت الاحتلال حيث يجب أن يكون، أي في خانة صاحب المعاناة، كما اتخذ المحتل مكانته كمسؤول عن هذه المعاناة وكقامع وسارق وسجان ومنتهك لحياة الإنسان والشعب، ولا أظن أنه سبق لنتانياهو أو لطواقم المفاوضات أن سمعت هذا الكلام من قبل، ولا أظن أن لهجة خطاب أبو مازن الجديدة، من تحميل المحتل كل المسؤولية، هي اللهجة التي كانت سائدة بين طواقم المفاوضات أو داخل السلطة الفلسطينية نفسها.
لكن الذي يصف المحتل كمحتل في أروقة الأمم المتحدة، عليه أن يتعامل معه كمحتل في شوارع الضفة الغربية متقطعة الأوصال، وفي غزة المحاصرة، التي منعت بث خطاب أبو مازن، واستدعت أحد أصحاب المقاهي الذي أراد الاستماع للخطاب للتحقيق. من يمنع شعبه من الاستماع لخطاب قد يشكل علامة فارقة في نضاله، -وقد مشروطة بإرادة وقرار فلسطيني رسمي قبل كل شيء- ومن يرجع لكي ينسق أمنيا كيف يحاصر ويجهض المقاومة الشعبية، هو نفسه الذي كتب خطاب نتانياهو، خطاب إنسداد الأفق السياسي، بل وتعميق الاحتلال.
وإذا كان أبو مازن، قد سار طريق الضغوطات والتهديدات الأمريكية بعناد وإصرار -نحتاج تثبيتهما بكل ما أوتينا من قوة- فنحن نرجو ألا يكون ذلك تعويل على تنسيق مخابراتي آخر يطمئنه أن أسرائيل لن تعاقبه ماليا لأنها محتاجه له أمنيا. وإذا تحلي أبو مازن بالجرأة لكي يحمل إسرائيل كل المسؤولية، فعليه أن يتحلى بالجرأة لكي يعرف كم يتحمل نهج أوسلو المسؤولية عن خطاب نتانياهو، عبر إنتاج احتلال آمن لإسرائيل.
لقد رأى أبو مازن كم يحترم الشعب الفلسطيني ويدعم وقفات الصمود، وكما قرر أبو مازن أن يعيد الاعتبار للدعم الدولي، عليه الآن أن يقرر أن يعيد الاعتبار للنضال الشعبي. لا أحد يقرر متى تتحرك الشعوب، لم يقرر أحد موعد الانتفاضة الأولى، ولا موعد الانتفاضة الثانية، لكن المطلوب ألا تقف السلطة الفلسطينية في وجه الحراك الشعبي، المفروض وقف تام وحالي للتنسيق الأمني مع إسرائيل. لقد قرأنا الهدوء والاطمئنان الإسرائيليين من عدم تطور حراك شعبي، اطمئنان اعتمد بالكامل على التنسيق الأمني والمخابراتي بين أجهزة السلطة الفلسطينية وبين الجيش الإسرائيلي.
التنسيق الأمني مع المحتل، بالإضافة إلى أنه يحول السلطة لوكيل للإحتلال، فهو أيضا يجهض السياسة، وهو مقتل النضال الفلسطيني، وفقط باستثمار القوة الإستراتيجية للشعب الفلسطيني تستطيع أن تكتب الخطاب الإسرائيلي القادم.<hr>