ذكرى استشهاد فيصل الحسيني
فيصل عبد القادر الحسيني (17 يوليو 1940-31 مايو 2001 م)
شهيد القدس
يشعر الكثيرون بمدى الفراغ الكبير الذي تركه غياب القائد فيصل الحسيني لاسيما في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة في حياة مدينة القدس المحتلة بل باستمرار وجودنا الإسلامي - المسيحي والعربي – الفلسطيني.
وإن كان كثير ممن درسوا تاريخنا الفلسطيني خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قد سجلوا غياب “المؤسسة” بمفهومها العام، وخصوصاً صفة الاستمرار والديمومة، سواء في ظل وجود الأفراد البارزين أو عند غيابهم، فإن إجماعاً عاماً يعتبر ذلك سبباً أساسياً لنجاح الحركة الصهيونية، وهي الأكثر تنظيماً وأكثر اعتماداً على وجود المؤسسات من الحركة الوطنية الفلسطينية، في تحقيق أهدافها.
لا يغيب عن بالنا الجهد الكبير الذي بذل من قبل القيادات الوطنية الفلسطينية في المراحل المختلفة في إيجاد “مؤسسات” فلسطينية - عربية (إسلامية/ مسيحية) لمواجهة الحركة الصهيونية.
قلة من رموزنا الوطنية أدركت هذه الحقائق، وعملت بكل تواضع واستمرارية على تبنيها كمنهج عام للعمل الوطني.
ولعل أبرز تلك القلة هو فيصل الحسيني.
فمن يسترجع مراحل حياة فيصل الحسيني واحدة تلو الأخرى، يدرك كم كان ذلك الرجل مدركاً لدوره في العمل الوطني الفلسطيني.
وهنا نستذكر انتماءه في الخمسينات لتنظيم عربي، متفاعلاً مع رفاقه من أقطار عربية مختلفة في عملية بناء جماعية وذاتية، فكرية وتنظيمية ونضالية، ليتشكل منها حصيلة عقلانية كانت دوماً في صميم نضالات فيصل الحسيني على اتساع المراحل اللاحقة.
فيصل الحسيني تاريخ عريق لعائلة مناضلة :
"لا يمكن الحديث عن فيصل الحسيني دون البدء من القدم من اصل هذه العائلة الفلسطينية العريقة والتي لها تاريخ طويل في محاربة الاحتلال الإنجليزي واليهودي لمدينة القدس، جده هو موسى كاظم الحسيني، الذي وضعه الإنجليز في منصب رئيس بلدية القدس لكي يبعدوه عن السياسية وعندما رفض ضغطوا عليه فاستقال من منصبه، وترأس 'المؤتمر العربي الفلسطيني' أول تنظيم فلسطيني للمقاومة بعد وعد بلفور، وقاد الحاج موسى مظاهرات كبرى ضد الإنجليز في القدس، وأصيب بجروح في احدها المظاهرات سنة 1933، وهو في الثمانين من عمره ما لبث أن توفي متأثرا بهذه الجراح أما والد فيصل فهو عبد القادر الحسيني الذي حمل لواء الجهاد ضد الإنجليز واليهود، أصيب أثناء ثورة 1936 وألقت القوات البريطانية القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار إلى دمشق حيث عولج هناك. تدرب على استعمال المتفجرات في بغداد وألمانيا، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941 ثم عاد ليعمل قائدا لجيش الجهاد المقدس وحاربهم حتى استشهد في معركة القسطل في الثامن من نيسان 1948 وعمه الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، الذي حمل لواء القضية الفلسطينية لسنوات عديدة داخل وخارج فلسطين حتى وافته المنية 1974م.
"فيصل الحسيني" زعيم فلسطيني، وهب حياته لقضية القدس والدفاع عن عروبة المدينة، وكانت أسلحته: الحجج، والوثائق، والصمود. تصدى للممارسات الإسرائيلية الهادفة لتهويد المدينة، واستصرخ العرب والمسلمين، وكانت صرخته الشهيرة "واقدساه". كان حلمه دولة فلسطينية عاصمتها "القدس"، القدس الموحدة والمفتوحة للجميع.
الـنـشـــــــــــــ ـــــــــــــــــــأة :
انتقل والده للعيش في بغداد سنة 1939، بعد فشل ثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني، وشاءت الأقدار أن يرى فيصل نور الحياة في 17 يوليو 1940، ووالده في ظلمات السجن، بعدما اعتقلته السلطة العراقية، التي لم تفرج عنه إلا إذا أبدى بلد آخر استعداده لاستقباله كلاجئ سياسي، فأبدى الملك "عبد العزيز آل سعود" استعداده لاستقبال عبد القادر وأسرته، فانتقلوا إلى السعودية. تعلم خلالها فيصل مبادئ القراءة والكتابة على يد والده، الذي كان يهتم بتنشئة ابنه، فكان يصطحبه معه في رحلات؛ لتسلق الجبال، والتعرف على أنواع الصخور. واستفاد من والدته ذات الذوق الرفيع، التي كانت تهتم بالرسوم التوضيحية المزينة بالفسفور؛ حتى تكوّن مادة شيقة في تعليم أطفالها.
انتقل مع والده إلى القاهرة، الذي اهتم بتنمية الوعي السياسي عند ابنه؛ فكان يُحفّظه القصائد الشعرية الوطنية، ويدربه على التحدث أمام الجمهور. ولما استشهد عبد القادر كان فيصل في القاهرة، وقرأ نبأ استشهاد والده في الصحف، وكان وقع النبأ مؤثرا على الطفل، وهو في الثامنة من عمره. لكن المأساة غرست فيه قوة الإرادة والصمود، فأصبح يُختار دائما لإلقاء كلمة أُسر الشهداء في حفلات التأبين التي كانت تقام آنذاك، وكأنه يناجي والده الشهيد لا جمهور الحاضرين.
وفي القاهرة حصل على الابتدائية والثانوية، وتعرف على ياسر عرفات طالب الهندسة في "جامعة فؤاد الأول"، القاهرة حاليا، وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 تقدّم بطلب للانضمام للقوات المسلحة المصرية، واشترك في حركة القوميين العرب عام 1957. كذلك شارك في إنشاء وتأسيس المنظمة الطلابية الفلسطينية عام 1959، والتي أصبحت فيما بعد نواة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كان الجهاد والتضحية والرغبة في الاقتداء بوالده الشهيد عوامل دفعته للانخراط في التدريب العسكري، فحاول الالتحاق بكلية سلاح الطيران المصرية، لكنه أخفق في اختبارات اللياقة البدنية، فانتقل إلى سوريا ودرس الهندسة في الأكاديمية العسكرية بحلب، وحصل على شهادة العلوم العسكرية سنة 1966.
وقد انضم إلى صفوف حركة "فتح" منذ بدايتها الأولى في عام 1964، ثم انضم إلى قوات جيش التحرير الفلسطيني المرابط في سوريا، أوائل عام 1967، وكان قبلها يعمل في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في القدس حتى عام 1966، في قسم التوجيه الشعبي.
الـــعــــــــــــو دة لــلــقـدس :
بعد حرب حزيران "يونيو" 1967، وقعت القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي، فقرر فيصل العودة إلى معشوقته "القدس" بعد شهر ونصف من الحرب، عبر نهر الأردن، واستقر في حي "الصوانة" بالقدس الشرقية المحتلة، وأهّلته المرحلة المبكرة من العمل الوطني إلى قيادة العمل السياسي في القدس، فاعتقل لأول مرة في أكتوبر 1967، ثم حُكم عليه بالسجن لمدة عام بتهمة حيازة أسلحة. وبعد خروجه تعرض للحبس والمضايقة والاعتقال من جانب السلطات الإسرائيلية لصلاته بمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة النضال والعمل الوطني، رغم تنقله بين مهن مختلفة، حتى إنه عمل فني أشعة في مستشفى المقاصد الخيرية.
مـعـهـد الـدراســــات الــعـربـيـة :
انخرط في العمل السياسي والأكاديمي، فأسس عام 1979 معهد الدراسات العربية في "بيت الشرق" بالقدس المحتلة، وبيت الشرق هو المقر غير الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس الشرقية. ونذر جهده البحثي في التنقيب عن التراث الفلسطيني، وإعداد الخرائط التي تثبت أحقية الفلسطينيين في القدس، وكذلك التنقيب عن المستندات الدالة على ملكية الفلسطينيين للمباني والمنازل والأراضي، وخاصة تلك التي في القدس الغربية؛ لذا حظي بشعبية كبيرة في الأوساط العربية في القدس، ودرس العبرية حتى أتقنها كسبيل للتفاهم والتعامل مع الإسرائيليين.
وكان الإسرائيليون يصفونه "بالإرهابي الكبير"، و"الإرهابي ابن الإرهابي"؛ لذا كان يتعرض للسجن والضرب وتحديد الإقامة، كما أن نشاطه لم يتوقف أثناء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، فاتُّهم بالقيام بدور رئيسي في توجيه النضال الفلسطيني، وقضى عامين في السجن.
مـــــــفـــــاوضـــ ـات الــــســــــــــــــــلام :
أجرى مباحثات مبكرة مع بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية لوضع أسس التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولأول مرة تخرج من مكتبه وثيقة استقلال فلسطين سنة 1988. كما رأس الوفد الفلسطيني الذي اجتمع مع وزير الخارجية الأمريكي "جيمس بيكر"، وهو الاجتماع الذي مهد لبدء محادثات السلام في مدريد في أكتوبر 1991م. وعندما قام فيصل بتشكيل وفد فلسطيني من الضفة الغربية للذهاب إلى مدريد، فاجأه "ياسر عرفات" بتعيين الدكتور "حيدر عبد الشافي" رئيسًا لوفد التفاوض الفلسطيني.
وفي إبريل 1993 أصبح رئيسا للوفد الفلسطيني في محادثات واشنطن، خلفا "لحيدر عبد الشافي". وبعد اتفاقات أوسلو رفضت إسرائيل أن ينضم إلى زعامة السلطة الفلسطينية، بحجة أنه يعيش في القدس.
وقد عُين الحسيني عام 1996 في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مسئولا عن ملف القدس. ومن هذا الموقع ساهم في اجتماعات مجلس وزراء السلطة الفلسطينية، وشهدت علاقته بالرئيس الراحل "عرفات" بعض التوترات، فكان "عرفات" دائم الانتقاد له في اجتماعات المجلس، ونشبت بين الاثنين مشادة كلامية، قام خلالها عرفات بتجميد تمويل مكتب "فيصل" في بيت الشرق، وتعيين وزير لشئون القدس في السلطة الفلسطينية هو "زياد أبو زياد". ورغم ذلك لم تتوقف نشاطات فيصل الخيرية والاجتماعية؛ فكان يقدم المساعدة للعائلات المحتاجة في القدس، ويساعد في توظيف الشباب في بعض المشروعات.
تعرض لبعض محاولات الاغتيال من جانب المستوطنين اليهود؛ ففي صيف 1995م أطلقوا الرصاص على منزله، وهو بداخله؛ فحطموا بعض السيارات، كما أن سيارة إسرائيلية حاولت أن تصطدم بسيارته، لكنه نجا من المحاولتين. وعندما اتخذت الحكومة الإسرائيلية بزعامة "بنيامين نتنياهو" قرارا ببناء مستوطنة إسرائيلية في" جبل أبو غنيم" بالقدس، تصدّى فيصل لهذا القرار، وقاد مظاهرة ومسيرة انتهت إلى الموقع الذي تبني فيه إسرائيل المستعمرة، فتعرض هو ومن معه لضرب مبرح من القوات الإسرائيلية، وكان يكفي وجود فيصل الحسيني في أي مسيرة؛ حتى تنتفض السلطات الإسرائيلية لمنع هذه المسيرة ووقفها.
كان فيصل الشخصية الفلسطينية المحورية، التي يروق لكثير من القيادات الدولية التحدث إليها والتباحث معها، عندما يزورون القدس، وعُرف عن الرجل تسامحه في التعامل، والصلابة في الإرادة؛ فكانت نفسه طيبة كوجهه المشرق، وقد أجمعت الآراء على أنه كان مثالا للأخلاق العالية.
استولى حب القدس على قلبه وعقله، فوهب حياته لها، وعشق فيها المكان والتاريخ والمقدس، فكان لا يصبر على فراقها، ويشعر بالحنين إذا غادرها. فبالرغم من أنه يمتلك منزلاً أنيقًا في "عين سينيا" القريبة من القدس، فإنه فضل أن يعيش في بيت مستأجر بالمدينة القديمة، وكأنه يرى أن الوجود في القدس هو الصمود في وجه المحتل؛ لذلك كان يقول: لم أعد أشعر باستقرار إلا في القدس.
ودافع عن القدس وعروبتها. وأكد مرارا أن القدس الغربية عربية. وطالب بتوحيد المدينة بشطريها الشرقي والغربي، وفتحها أمام المجتمع. واعتبر الاستيطان اليهودي في المدينة إعلانًا للحرب على الشعب الفلسطيني.
مــرونـة ســـــيـاســــيــة :
امتلك فيصل الحسيني خلال مراحل حياته المختلفة -61 عاما - إيمانا مطلقا بعدالة القضية الفلسطينية، لكن هذا الإيمان لم يمنعه من إبداء المرونة السياسية وقت الضرورة.
فقد انتقل من العمل المسلح الذي آمن به وقت انطلاق الثورة الفلسطينية إلى معسكر التفاوض ونجح في مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي ومعسكر السلام بفضل إجادته للغة العبرية.
لم تعجب هذه المرونة اليمين الإسرائيلي المتطرف والمتشددين الفلسطينيين على حد سواء، لكنه ظل رغم ذلك الشخصية المحورية التي يروق لكثير من القيادات الدولية التحدث إليها والتباحث معها عندما يزورون القدس الشرقية.
الساعات الأخيرة في حياة “الحسيني” كما يرويها شقيقه :
قال موسى الحسيني أن شقيقه فيصل الحسيني أبلغه عبر الهاتف من الكويت أنه تعرض لبعض المضايقات من بعض اعضاء مجلس الامة الكويتي، لكن فيصل اعتبر أن «هؤلاء قلة لا يمثلون الشعب الكويتي، وان حقيقة الشعب الكويتي العربي الاصيل معروفة في مواقفه الداعمة للشعب الفلسطيني».
وأوضح موسى ان فيصل لم يكن يعاني من امراض صحية خطيرة وكان يعاني من ضيق تنفس وربو وهذا مرض غير قاتل وانه كان يتمتع بصحة جيدة عندما قابله في عمان وهو في طريقه إلى الكويت.
واشار موسى الى ان فيصل وصل قبل يومين الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل الى منزله في منطقة الدوار الخامس بعمان وتبادل معه اطراف الحديث حول الاوضاع في الاراضي الفلسطينية والمعاناة التي يعانيها ابناء الشعب الفلسطيني جراء مقاومتهم للاحتلال الاسرائيلي.
وقال موسى ان فيصل كان دائما متفائلا، رغم كل الصعوبات والمعاناة التي يلقاها الشعب الفلسطيني والتضحيات والدماء التي تنزف من أبنائه وان النتيجة في النهاية في صالح هذا الشعب الذي قدم التضحيات الجسام في سبيل القدس والاقصى والمقدسات وفلسطين.
واضاف: ان فيصل كان في آخر جلساته معي يتحدث عن صور التضحيات وانتفاضة الاقصى وان لكل فلسطيني صورة مستقلة عن الاخرى في التضحية والفداء من اجل دحر الاحتلال الاسرائيلي ونيل الاستقلال على التراب الوطني والتي يفخر بها كل انسان عربي ومسلم، مشيرا إلى ان فلسطين هي ملك العالمين العربي والاسلامي ومن حق الامة العربية والامة الاسلامية ان تفخر في نضال هذا الشعب.
وقال موسى «انني عندما ودعته في المطار قال فيصل انه متفائل بزيارته للكويت التي ستفتح آفاقا جديدة في العلاقات الثنائية، موضحا انه تلقى دعوة رسمية من الكويت لحضور مؤتمر مقاومة التطبيع فيها وانه كان سيقوم بزيارة الى دولة الامارات العربية المتحدة».
وقال موسى انه تحدث مع شقيقه قبل وفاته عبر الهاتف وكان بصحة جيدة وابلغه عن بعض المضايقات من بعض اعضاء مجلس الامة الكويتي وان فيصل ابلغه انه يتفهم الموضوع وان حقيقة الشعب الكويتي العربي الاصيل معروفة في مواقفه الداعمة للشعب الفلسطيني وان المساعدات التي قدمها ويقدمها للشعب الفلسطيني معروفة.
اما ابنة عمه ريما الحسيني فقد ابلغت «الشرق الأوسط» ان فيصل قال لها عبر الهاتف من الكويت قبل وفاتة ان جميع الامور ممتازة وجيدة.
واشارت ريما الى انه «كان يضحك ويمزح عبر الهاتف، اضافة الى انه ابلغني بخبر منشور في الصحافة الكويتية في تصريح لي حول المساعدات الكويتية التي وصلت قبل ايام الى الاردن لتسليمها الى السلطة الوطنية الفلسطينية».
وقالت «لقد سألته عن صحته عبر الهاتف واجاب ان صحته جيدة وسيتوجه الى الامارات العربية المتحدة بعد الكويت وانتهت المحادثة الهاتفية بكلمة سنراكم في عمان قريبا».
الـــكـــويــت والـــوفـــــاة :
توفي فيصل الحسيني في الكويت في 31 مايو 2001؛ حيث كان يقوم بأول محاولة من نوعها لإنهاء الخصومة بين الكويت والسلطة الفلسطينية، وهي الخصومة القائمة منذ عام 1990، إلا أنه أصيب بأزمة قلبية ووافته المنية. وذكر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن الحسيني كان مصابا بمرض الربو، وأنه تعرض- من أيام قبل سفره للكويت- للغازات التي يطلقها الجيش الإسرائيلي في القدس، وأنه توفي بسببها.
وحُمل جثمانه إلى القدس، وشيعه إلى مثواه الأخير 20 ألفًا من أبناء القدس في جنازة مهيبة، حيث دُفن في باحة الحرم القدسي الشريف بجوار أبيه وجده. وهذه هي المرة الأولى التي يُدفن فيها فلسطيني في هذا المكان منذ احتلال إسرائيل للقدس عام 1967.
ورفضت الحكومة العليا في إسرائيل طلبًا تقدم به زعيم حركة "أمناء جبل الهيكل" وأحد المسئولين في حركة "كاخ" المتطرفة، بمنع دفنه في باحة المسجد الأقصى، بحجة أن ذلك انتهاك للوضع القائم في المكان المقدس، وانتهاك للقانون. وبررت المحكمة حكمها بأن أي عراقيل أمام مراسم التشييع سيكون من شأنه إثارة حوادث خطيرة. وهكذا شاء القدر أن يولد "فيصل الحسيني" في بغداد، ويتعلم في القاهرة، ويعيش في القدس، ويموت في الكويت، ويدفن في باحة المسجد والحرم المقدس، بجوار أبيه وجده.
الصحافة الإسرائيلية عن فيصل الحسيني: عاقل وسط العاصفة :
مثلما فعلت الصحافة الالكترونية والاذاعة والتلفزيون الاسرائيلي في العام 2001 اظهرت الصحافة المكتوبة اهتماما بالغا بنبأ وفاة القائد الفلسطيني المقدسي، فيصل الحسيني. فتصدرت صوره الصفحات الاولى لجميع الصحف المستقلة، باللغات المختلفة، العبرية والروسية والانجليزية والعربية، ونشرت في الصفحات الداخلية مجموعة كبيرة من صوره مع عدد من القادة الاسرائيليين البارزين.
وخصصت كل من الصحف الاربع الكبرى «هآرتس» و«معاريف» و«يديعوت احرونوت» و«جيروساليم بوست» صفحة كاملة للحسيني اشتملت على سيرة حياته، اضافة الى التعليقات حوله وردود الفعل على وفاته. وكتبت «معاريف» مقالا افتتاحيا عنه، بينما نشرت «يديعوت احرونوت» مقالا ليوسي بيلين، وزير القضاء السابق وأحد ابرز شخصيات معسكر السلام الاسرائيلي، بعنوان «صوت العقل وسط الايام العاصفة».
«يديعوت أحرونوت» قال بيلين في مقاله «فيصل الحسيني كان وطنيا فلسطينيا حمل صوت العقل في معسكره. كونه ابن عبد القادر الحسيني كان بالنسبة لنا رمزا للعدو، وهو لم يسارع الى تغيير هذا الانطباع، لا بل انه عندما التقى مع حلقة «مشوف» (احدى الحلقات الفكرية في حزب العمل الاسرائيلي) قبل حوالي عشر سنوات، استهل خطابه بالقول: «انا عدوكم»، فصدم مستمعيه. لقد حرص على ان يبقي مسافة واضحة بيننا، وفي الوقت نفسه حرص على اظهار امكانية ردم هذه المسافة.
«في المفاوضات كان عنيدا، ولكنه كان عمليا ايضا. خلال فترة المفاوضات حول اوسلو (التي لم يشارك فيها فيصل الحسيني ولم يكن يعرف بها) سألته ان لم يكن من الافضل التوصل الى حل دائم، فقال: لا، نحن لسنا ناضجين لاقامة دولة ديمقراطية بعد، وعلينا المرور بمرحلة انتقالية نقيم فيها المؤسسات والشرطة وغيرها.
«بالنسبة للكثير من الاسرائيليين كان فيصل الحسيني كالشوكة في الحلق، ومع ذلك، في الوضع الذي نعيشه الآن حيث كابوس العنف يتغلب على العقل، سيشعرون هم ايضا بالخسارة».
وكتب مراسل الصحيفة في الضفة الغربية، روني شكيل، تقريرا عن الحسيني ذكر فيه آخر تصريحات ادلى بها الفقيد امامه قال فيها: «تسوية النزاع هي بالفصل بين الشعبين واقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل. فهذا الفصل يجهض الحلم الاسرائيلي حول ارض اسرائيل الكاملة ويجهض الحلم الفلسطيني حول العودة الى حيفا ويافا وعكا، فاذا لم نحسن تطبيق ذلك، ستحطم الحرب كلا الشعبين».
وكتب المراسل السياسي للصحيفة، ناحوم برنياع، عن لقائه الاخير مع الحسيني: «اوسلو اقنعت الفلسطينيين باختيار طريق المفاوضات، لكن ليس جميعهم اقتنعوا. ومنذ مقتل اسحق رابين زادت قوة المتطرفين في اسرائيل، واستمر بناء المستوطنات، واهمل المسار التفاوضي، فاشتدت المقاومة، وها نحن في دوامة سفك دماء، فاعلموا انه اذا رفض الاسرائيليون رؤية حدود 1967 مقدسة للفصل بين الشعبين، فلماذا يقدسها الفلسطينيون؟ اذا لم تتخلوا عن احلامكم تجاه الشرق، فلماذا نتخلى نحن عن احلامنا تجاه الغرب (يقصد شرق فلسطين وغربها). انكم تعيشون في هوس، ولهذا لن تفهموا ابدا موقفنا من موضوع حق اللاجئين في العودة. ترون في الاعتراف بهذا الحق انتحارا. نحن نريد اعترافا، ومن ثم حلا واقعيا. لا نقصد خداعكم. نعرف ان عودة 4.5 مليون فلسطيني غير ممكنة، لكن اعلموا انه في عام 2025 سيصبح الفلسطينيون اكثرية، وعندها، عليكم ان تفتشوا بسراج وفتيل عن نيلسون منديلا فلسطيني».
* «معاريف» كتبت في مقالها الافتتاحي: «فيصل الحسيني كان اميرا فلسطينيا، ابن لعائلة عريقة بالمفاهيم المحلية. كونه ابن الشهيد عبد القادر الحسيني وحفيد شقيق المفتي الحاج امين الحسيني، منحه احتراما خاصا لدى الجمهور الفلسطيني، وبالمقدار نفسه أثار ذكريات قاسية لدى الكثير من الاسرائيليين. لكن قدراته الكبرى تمثلت في انه رغم كونه ابرز قادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني في القدس تمكن من بناء الجسور والوصول الى الكثير من الاسرائيليين ومحاورتهم واقناع قسم منهم بمواقفها من دون ان يتخلى قيد أنملة عن اصراره على اقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل القدس الشرقية والضفة والقطاع. ربما يعود ذلك الى كون الحسيني عرف لغة التخاطب مع الاسرائيليين، ليس لغويا فحسب، فعلى النقيض من قادة منظمة التحرير الفلسطينيين القادمين من تونس، وفي مقدمتهم ياسر عرفات، كان الحسيني هنا في البلاد بعد عام 1967، والتقى الكثير من قادة اسرائيل، واحتك باسرائيل، وتجاوب مع طلبات الصحافة الاسرائيلية لمقابلته، وكان يعرف كيف يقود المظاهرات الفلسطينية ضد الاحتلال في الصباح. ويلتقي بعد الظهر مع وزير الامن الداخلي، للتفاهم معه حول السبل للحفاظ على النظام في القدس».
وقالت الصحيفة ان اليسار في اسرائيل يرى في الحسيني شريكا شجاعا واليمين يراه عدوا لدودا، لكن لا احد يستطيع ان يتجاهله.
* «هآرتس» كانت الوحيدة التي انتبهت الى ان فيصل الحسيني اعتقل لاول مرة في السجن الاسرائيلي في عام 1967 اثر وصول وشاية عنه انه التقى ياسر عرفات سرا في رام الله وتسلم منه بندقيتين. وصودرت البندقيتان وحكم عليه بالسجن لمدة سنة. وكان قد اعتقل اداريا، معظم فترة الانتفاضة الاولى (1987 ـ 1989) ثم في عام 1991 قبيل مؤتمر مدريد للسلام.
وخصصت الصحيفة للحسيني وحياته تقريرا شاملا بقلم مراسلها للشؤون العربية، داني روبنشتاين، اكد فيه على شخصيته المستقلة «اختلف حتى مع عرفات، ولم يتردد في مناقشته في آرائه» وخطط معركته ضد الاحتلال بذكاء وبأسلوب علميا منظم «على سبيل المثال، جمعية الدراسات العربية التي اقامها سنة 1979، وفي اطارها اعدت دراسات بالغة الاهمية حول القدس وحول الاستيطان اليهودي وغيره. ومن ابرز الدراسات، خارطة المباني الفلسطينية التي بقيت تحت سيطرة اسرائيل منذ عام 1948 واصبحت جزءا من القدس الغربية».
* «جيروساليم بوست» نشرت الصحيفة الاسرائيلية اليومية الصادرة باللغة الانجليزية، نبأ وفاة الحسيني، تحت العنوان: «اسرائيل ايضا تفتقد الحسيني»، وهي الجملة التي قالها الخبير الاسرائيلي البارز في الشؤون الفلسطينية، مناحم كلان، في تصريح خاص لها قال فيه: «موت الحسيني شكل ضربة لاسرائيل تماما مثل السلطة الفلسطينية، اذ ان غياب التأثير المعتدل الذي كان يمارسه الحسيني، يمكن ان يؤدي الى انعدام الاستقرار والى تصعيد القتال».
واضاف كلاين: «لقد كان الحسيني اولا رجل سلام. وكان بالامكان ايجاد لغة تخاطب مشتركة معه. ولهذا، لم يكن صدفة، ان الكثير من المفاوضات بينه وبين مسؤولين اسرائيليين، انتهت الى تفاهات».<hr>