-
1 مرفق
اقلام واراء محلي 530
اقلام محلي 530
26/10/2013
في هذا الملـــــف:
المصالحة السبيل الوحيد لانهاء معاناة الأهل في القطاع
بقلم: المحامي راجح ابو عصب – القدس
انتخابات المجالس المحلية... و"يهودية الدولة"
بقلم: المحامي جواد بولس – القدس
هل يفتح الرئيس التشيكي الباب أمام تهويد القدس ؟
بقلم: رغيد الصلح – القدس
غزة: حلم سنغافورة، كابوس تورا بورا؟
بقلم: حسن البطل – الايام
الاستيطان بصق مُتعمّد في وجه العالم!!
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
لاقي يا أبو مازن هنية في غزة وفضّوا الموضوع
بقلم: حسين حجازي – الايام
تغريدة الصباح - نيران.. صديقة
بقلم: عدلي صادق – الحياة
من يتحمل مسؤولية الفشل والانفجار
بقلم: يحيى رباح – الحياة
حماس في خدمة من؟
بقلم: بهاء رحال - الحياة
خصخصة السلطة الفلسطينية
بقلم: عمر شحادة – معا
المصالحة السبيل الوحيد لانهاء معاناة الأهل في القطاع
بقلم: المحامي راجح ابو عصب – القدس
يعيش الأهل في قطاع غزة هذه الايام ظروفا بالغة القسوة والشدة , ويعانون اشد معاناة , وقد ازدادت تلك المعاناة وتعاظمت بعد اسقاط حكم الاخوان المسلمين في مصر وعزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي . اذ توترت العلاقات بين الحكومة المصرية الجديدة وحركة حماس وحكومتها , لان حركة حماس جزء من حركة الاخوان المسلمين العالمية , وقد وجهت عدة جهات مصرية : مدنية وعسكرية اتهامات الى حماس بانها تناصر حركة الاخوان المسلمين في مصر , وانها تأوي عددا من قيادات الاخوان الذين فروا الى قطاع غزة عبر
الانفاق . وان تلك القيادات تساهم في الاضطرابات والقلاقل التي تعيشها مصر منذ عزل الرئيس السابق مرسي ومنذ فض قوات الامن المصرية اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة , وتهاجم افراد الجيش المصري ورجال الشرطة المصرية في شبه جزيرة سيناء وتشن وسائل الاعلام المصرية والخاصة حملة ضارية على حركة حماس وحكومتها في قطاع غزة , وتوجه اليها اتهامات بأن بعضا من كوادر الحركة وحركات اخرى متطرفة موجودة في القطاع تشارك في قتل مجندين مصريين ورجال شرطة في العريش ورفح المصرية واجزاء اخرى من ارض سيناء المصرية, بعد ان اصبحت سيناء مرتعا لجماعات تكفيرية متطرفة تنتمي الى تنظيم القاعدة وتنظيمات اخرى "جهادية " , تلك الجماعات التي تشن هجمات على رجال الجيش والشرطة المصريين , والتي تعمل تحت كتائب " انصار بيت المقدس " .
والذي زاد المشكلة تعقيدا وتوترا بين حماس والحكومة المصرية ان قيادات عسكرية عليا , وفي مقدمتهم قائد الجيش المصري الثاني , المسؤول عن منطقة قناة السويس وصحراء سيناء , قالت انها اعتقلت فلسطينيين تسللوا من قطاع غزة عبر الانفاق وساهموا مساهمة فاعلة في الهجمات التي تشن على الجيش المصري , بل ان الادعاء العام المصري وجه الى قيادي كبير في كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس المشاركة في اقتحام السجون المصرية , خاصة سجن وادي النطرون , وقتل عدد من ضباط وجنود ذلك السجن وتحرير محمد مرسي وعدد من قادة الاخوان المسلمين الذين كانوا معتقلين في ذلك السجن , وذلك خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير "كانون الثاني " عام 2011 التي ادت الى اسقاط نظام حكم الرئيس الاسبق محمد حسني مبارك , وتسلم المجلس العسكري ادارة حكم البلاد عقب تلك الثورة .
وقد ادانت المحكمة المصرية تلك محمد مرسي الرئيس السابق ومن كان معه من قيادات الاخوان في ذلك السجن , وكذلك القيادي العسكري الحمساوي الكبير بجريمة اقتحام السجن والفرار منه , ما ادى الى مقتل عدد من الضباط والجنود من حراس السجن والاستيلاء على اسلحتهم , وكذلك مقتل عدد من السجناء خلال عملية الاقتحام , كما شملت تلك الادانة عضوا من حزب الله كان مسجونا ايضا في ذلك السجن .
والواقع ان عددا من قيادات حماس , خاصة الجناح العسكري للحركة ساهم في زيادة حدة التوتر مع النظام المصري الجديد , ومن ذلك ان كتائب القسام قامت باستعراض عسكري في القطاع رافعة شعار "رابعة العدوية" الذي اصبح شعار الاخوان المسلمين في مصر , بعد فض اعتصامهم في رابعة العدوية , وكذلك وضعوا لافتات تحمل اسم حركة الاخوان المسلمين على المركبات العسكرية التي ظهرت في ذلك العرض العسكري .
وكان التوتر بصورة خاصة محتدا بين قيادة الجيش المصري وحركة حماس , بعد سقوط العديد من شهداء الجيش قتلى بيد الجماعات المتطرفة في شبه جزيرة سيناء ؟ الامر الذي حمل الجيش المصري على الشروع بحملة واسعة لهدم الانفاق التي زاد عددها على الف نفق . كما قامت الحكومة المصرية باغلاق معبر رفح لفترات طويلة عقب تلك الهجمات , حيث تتهم المهاجمين المتطرفين بانهم يتخذون من القطاع نقطة ارتكاز لشن هجماتهم تلك على القوات المصرية ورجال الشرطة المصرية .
وقد ادى اغلاق معبر رفح لفترات طويلة الى تفاقم معاناة الاهل في القطاع , حيث انه المتنفس الوحيد لاهل القطاع , وسبيلهم الوحيد للخروج الى العالم الخارجي , كما ساهم هدم الانفاق في احداث ازمة انسانية كبيرة , حيث تقلصت الى حد كبير المواد الاساسية التي كان يتم تهريبها من مصر الى القطاع عبر تلك الانفاق , وفي مقدمتها المواد الغذائية والمحروقات ومواد البناء وغيرها من المواد الحياتية الاساسية وهكذا اصبح يعاني القطاع من ازمة شديدة جراء نقص الوقود , حيث اصبحت المركبات تصطف في طوابير طويلة امام محطات الوقود للحصول على جزء يسير من البنزين والسولار وكذلك اصبحت محطة الكهرباء الرئيسية تعاني شحا كبيرا جراء نقص الوقود , ما ادى الى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة , ما هدد المشافي العاملة في القطاع , هذا عدا عن توقف العديد من المصانع عن العمل , علما ان عددا كبيرا من تلك المصانع متوقف عن العمل اصلا منذ مدة طويلة جراء الحصار الذي يعيشه القطاع , ما فاقم من نسبة البطالة المرتفعة اصلا حيث ان الاف الاسر تعيش على المساعدات التي تقدمها المنظمات الانسانية .
ان السبب الاساسي لمعاناة الاهل في القطاع انما جاء نتيجة الخلاف الذي قامت به حركة حماس قبل اكثر من سبعة اعوام , علما ان الحياة كانت تسير بصورة منتظمة وطبيعية قبل ذلك الخلاف , وكان معبر رفح يعمل بصورة طبيعية عملا بالاتفاقية التي وقعتها السلطة الفلسطينية واسرائيل والاتحاد الاوروبي والحكومة المصرية , وكانت حركة المغادرين والقادمين تسير بحركة انسيابية دون اي عراقيل , على غرار ما يجري به العمل في معبر الكرامة على جسر الاردن , حيث يغادر مواطنو الضفة الى الاردن بكل راحة وبشكل طبيعي دون مشاكل , حيث تقوم ادارة المعابر والحدود الفلسطينية بتنظيم العمل على المعبر بسهولة ويسر وفق احدث التقنيات الحديثة . ووفق ما هو متبع للمعابر في دول العالم المختلفة .
وقد عرضت الحكومة في القطاع على الفصائل الفلسطينية عندما اشتدت الازمة الخانقة مؤخرا في القطاع , ان تشاركها في ادارة القطاع وتسيير اموره , ولكن تلك الفصائل رفضت المشاركة في حكم القطاع , حتى لا تتحمل مسؤولية الضائقة الشديدة التي يعيشها اهلنا في قطاع غزة . وكان الاولى بحركة حماس ان تستعيض عن هذا العرض على الفصائل الفلسطينية , بأن تتوجه الى القيادة الفلسطينية وان تعلمها بقبول تنفيذ اتفاقات المصالحة العديدة التي وقعتها مع حركة فتح , والتي تنصلت من تنفيذ بنودها . واول بنود تلك الاتفاقات تشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة , التي استحقت منذ اكثر من ثلاثة اعوام , وكذلك اجراء انتخاب اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني , وبذلك يتم اعلان انهاء الانقسام بين جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة , واعادة الامر الى طبيعته كما كان. وقد اعلن الرئيس عباس اكثر من مرة ان السبيل الوحيد لانهاء الانقسام واعادة اللحمة الى جناحي الوطن وانهاء معاناة اهلنا في القطاع انما يكون بالمسارعة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية من كفاءات وطنية مستقلة تشرف على اجراء تلك الانتخابات , بحيث يقول الشعب الفلسطيني كلمته في من يمثله عبر صناديق الاقتراع , في اجواء من الحرية والديمقراطية والنزاهة والشفافية.
وقد اكد الرئيس انه مستعد لقبول نتائج تلك الانتخابات ايا كانت نتيجتها وانه مستعد لتسليم السلطة الى حركة حماس اذا فازت فيها تماما كما فعل في عام 2006 .
ان اهلنا في قطاع غزة يدفعون ثمنا باهظا جراء هذا الوضع القائم , خاصة بعد قيام الجيش المصري مؤخرا بتدمير الانفاق , التي كان يتم من خلالها تهريب المواد الغذائية والمحروقات ومواد البناء الى القطاع , وكذلك اثر قيام الجيش المصري باغلاق معبر رفح لفترات طويلة عقب الهجمات التي شنت على افراده ومقتل العديد منهم ومن رجال الشرطة المصرية , وقد ادى ذلك الاغلاق الى ازمة انسانية خانقة , حيث لم يستطع الكثير من الطلاب الدارسين وكذلك الموظفين العاملين في الخارج والمرضى المحولون الى مستشفيات مصرية من مغادرة القطاع , لولا ان القيادة المصرية استجابت لطلب الرئيس عباس وفتحت المعبر للحالات الانسانية .
ولكن المشكلة ما زالت قائمة جراء انعدام الثقة بين حكومة حماس والسلطات المصرية الجديدة, وقد تمثل هذا الجو من انعدام الثقة اخيرا في الدعوة التي وجهها العقيد اركان حرب احمد محمد علي المتحدث العسكري باسم القوات المصرية المسلحة الى المتحدث باسم حركة حماس ايهاب الغصين بان تقوم حكومة حماس بالتزاماتها تجاه تأمين الحدود مع مصر حيث ان هناك مخاطر وتهديدات للامن المصري على الحدود مع قطاع غزة , واكد المتحدث العسكري المصري ان هناك مشاركة من عناصر من قطاع غزة في الهجمات الارهابية التي شنت على الشرطة والجيش المصريين في سيناء , وشدد المتحدث العسكري على ان مصر لن تسمح لاحد بالعبث بأمنها القومي , ولدينا من القدرات ما يجعلنا نحمي امننا القومي .
ان من حق مصر الشقيقة الكبرى ان تتخذ كافة الاجراءات لتامين حدودها خاصة من قطاع غزة , وذلك بعد الاعتداءات والعمليات التي تعرضت لها قواتها الامنية في شبه جزيرة سيناء وكان على حركة حماس ان تنأى بنفسها عن الصراع الداخلي في مصر والانحياز الى حركة الاخوان المسلمين والى الرئيس المعزول محمد مرسي , ذلك الذي ادى الى اتخاذ مصر اجراءات امنية مشددة على حدودها مع القطاع ما دفع ثمنه الباهظ الاهل في غزة . ولا بد هنا من الاشادة بالسياسة الحكيمة للرئيس محمود عباس الذي يرفض اي تدخل في الشؤون الداخلية لاي بلد عربي , وعدم الزج بالقضية الفلسطينية في الخلافات العربية , لان ذلك هو السبيل الوحيد لابقاء هذه القضية قضية العرب الاولى .
ان على حركة حماس ان تغلب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني على المصالح الفصائلية وان تسارع الى تنفيذ بنود اتفاقات المصالحة مع القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني وذلك لانهاء معاناة الاهل المتفاقمة في القطاع .
انتخابات المجالس المحلية... و"يهودية الدولة"
بقلم: المحامي جواد بولس – القدس
ربّما من الأجدر أن لا أحاول إجراء قراءة في نتائج انتخابات مجالسنا وبلديّاتنا المحلّية، وإرجاء ذلك إلى ما بعد أن يهدأ الصخب وتتمكّن الحياة من استعادة سيادتها وإيقاعاتها اليومية.
في مقالي الأخير عن "يهودية الدولة" كتبت عمّا نجحت به قيادات إسرائيل، وحوّلته واقعًا تلحّ لتتويجه وتطالب العالم والعرب أوّلًا أن يعترفوا به صاغرين ويقبلوا أنّ إسرائيل "دولة يهودية".
يتشعّب نشاط إسرائيل ويغطي جبهات متعددة، لا هوادة ولا أعذار. سهامهم تطير مع الريح ولا تكلّ. كم قلنا وقالوا إن بقاء بعض عرب فلسطين في وطنهم أفسد "نقاء" حلم الصهيونية. لذلك استثمر قادة إسرائيل منذ يومها الأول مجهودات استهدفت اقتلاع من بقوا وإلحاقهم بقوافل النازحين وتحويلهم سكّان خيم وأحلام، ومن جهة أخرى مارسوا كمّية من المشاريع التي عمدت إلى إبقاء هذه الأقلّية رخويّات ضعيفة لن تنجح في إعمار مجتمع ذي كيان متماسك وهوية جامعة.
في سنوات المخاض الأولى أخضعتنا الدولة لحكمها العسكري. قصص التجبّر والظلم لم تردمها السنون ويحكيها طير البلاد وترابها، مراياها أجمل لأنها تريك ما لامس المعجزات من حكايا صمود وبقاء وحياة. لم يصغ الباقون إلّا إلى ما قالته خوابي الزيت وما غنته العنادل؛ لا ترحلوا، ابقوا شهودًا على الجرح، حرّاس وعد وأصحاب قضية.
عشرون مستحيلاً وأكثر هي سيرة بني جليل ومثلث ونقب، تهليلة تموج وتعيد: "لكل فعل رد فعل/ اقرأوا ما جاء في الكتاب"، من قرأ اعتبر ومن أغفل حتمًا يصير صفحة من خبر.
أنهت إسرائيل حكمها العسكري وأبطلته بعد ثماني عشرة سنة لتستحدث وسائل جديدة تتعمد ما رسمته منذ البدايات؛ سيطرة أكثر على الأرض، تضييق أكثر على السكان لإرغامهم على الرحيل أو الخنوع، ضغوطات أكثر على الجماهير من أجل عرقلة بناء كيانها الجمعي وهويتها الوطنية الجامعة. كل الوسائل كانت مباحة. كل مؤسسات الدولة تجنّدت في سبيل إنجاح ما خطّط ورسم. حاولوا لكنّهم أفشلوا. قيادات الجماهير العربية أبصرت المخاطر وتصدّت لها بعناد وحنكة وحكمة. وحدة الجماهير كانت السلاح الذي لا يخيّب والانتماء إلى الأرض والوطن ضمانتين للصمود، عززتا سلامة المجتمع وأمنه وأعلتاه فوق كل مصلحة. أسراب العملاء فشلت من زرع نار الفرقة والتيئيس وما إلى ذلك من أدوار أنيطت بهم، محاولة الإبقاء وتكريس المخترة التقليدية أفشل وأحبط استغلالها كمؤسسة تفرّق عائلات وتمزق شمل حارات وبلدات وطوائف. اهتدى الشيوخ والكهنة بما ساد من مناخات وطنية سليمة، بعضهم تقدّم المشهد الوطني وآخرون حصروا أدوارهم داخل المعابد.
لقد كان واضحًا أن ما أنجزته الجماهير العربية أعيا ويعيي حكّام إسرائيل، يقلقهم ويستفزهم، لا بل بدا من أهم المعوّقات التي قد تفسد على القيادات اليمينية الناشئة ما تؤمن به وتعلنه تجاه أرض إسرائيل الكبرى ومكانة الفلسطينيين عليها، لا سيّما مكانتنا نحن كما بدأت تتأثر وتتبلور في مجموعة القوانين التي سنّت وما زالت في فرن المشرّع الإسرائيلي.
في سبيل تذليل ما يعيق تحقيق أحلامها، شرعت قيادات إسرائيل بتنفيذ سياسات بدأت منذ أكثر من عقدين بطرح جناها. نجحت بما فشل به الأوائل وأعادت لصفوف جماهيرنا منظومات من "العمالة المقنعة" التي تقوم ببث ما يناط بها من مهام وأدوار. إلى ذلك نشهد خرابًا خطيرًا في منظومة القيم السائدة. دور بعض المفاعيل الرجعية بدأ يزحف ليحتل رأس المشهد، بينما نشهد انكفاء قوى تقدمية ونخب تتراجع حتى غدا صمتها زيتًا يدار على ما يشتعل من حرائق في مطارحنا. أغرقوا بعض مؤسساتنا، بعض حركاتنا وبعض أحزابنا بأموال غدت كواتم صوت ومقصات إجهاض لكل دور وطني فاعل. مؤسسات المجتمع المدني صارت مشاغل تستوعب الأكاديميين وتحتويهم، مجموعات من الأفراد "اصطيدت" بشبكة ما سمي "سياسة التمييز الإيجابي" فجنّدوا لشركات كبيرة ومؤسسات حكومية وصاروا "مخلصين".
قلت مرارًا، إننا نهرول على منزلق خطر، وإن قلاعنا نخرت وأبراجنا هدمت وتساءلت قبل شهرين "من يدلّني على قرية أو مدينة ستُجرى فيها الانتخابات البلدية كما جرت في تلك السبعينيات عندما كانت الحناجر تهتف "بالطول بالعرض..." وتشق حجاب السماء؟ دلّوني على موقع ستُخاض فيه الانتخابات على أسس حزبية سياسية قيمية عامة واضحة؟ أين لا تتحكّم الطائفية والعائلية والبلطجية والسمسرة؟ أين من عيني تلكم القلاع يوم كان الفقراء، الكادحون، الشغيلة، الأحرار، المثقفون، الحرفيون الوطنيون، التقدميون، اليساريون، النساء الديمقراطيّات .. يهبون قللًا من حديد وفولاذ ليقودوا البلاد بكرامات تضمن الخدمات؟
كلّنا نرى ما هو حاصل وجميعنا يعرف من المستفيد من ذلك؟ حكّام إسرائيل بالطبع ولكنّهم ليسوا وحيدين".
جاءت معركة الانتخابات فجرى ما جرى. رئيس حزب يصرّ على كونه القوة السياسية الأولى بين العرب وراعي القومية العربية في ديارنا، يسقط سقوطًا مدويًا في انتخابات قريته. عضوة برلمان توصف أنها صاحبة مكانة رفيعة بين جماهيرنا العربية، تفوز بأربعة آلاف صوت في مدينتها ليتقدم عليها بمسافات منافسان. محاولات الجبهة الديمقراطية لفوز مرشحيها تعود عليها بالخيبة والحسرة والفشل المدوّي فيلحق عدد جديد من المواقع بإخوته ليصبحوا في خبر كان، وهذا غيض من فيض.
لن أسهب حول نتائج هذه الانتخابات لأنني سأفعل ذلك بروية، لكنني من بابها عدت الى تساؤلي حول "يهودية الدولة" هل هي واقع أم حلم؟ ما رأيك؟ يتبع
هل يفتح الرئيس التشيكي الباب أمام تهويد القدس ؟
بقلم: رغيد الصلح – القدس
بعد أن ينتخب التشيكيون ممثليهم إلى مجلس النواب الجديد، تتهيأ حكومة بنيامين نتنياهو للاحتفال بأهم إنجاز لها على صعيد السياسة الخارجية خلال المرحلة الراهنة، ألا وهو نقل سفارة دولة التشيك من “تل أبيب” إلى القدس . هذا ما وعد به زيمان، الرئيس التشيكي قبيل زيارته إلى إسرائيل في مطلع شهر تشرين الأول الحالي .
إن هذا الحدث يتساوى من حيث أهميته، من وجهة نظر إسرائيلية، مع اعتراف العراق خلال السبعينات بدولة ألمانيا الشرقية . فهذا الاعتراف اخترق مبدأ هالشتاين الذي وضعته ألمانيا الغربية والذي تضمن مقاطعة أي بلد يعترف بألمانيا الشرقية ويقيم معها علاقات دبلوماسية .
وحتى السبعينات نجحت ألمانيا الغربية في حصر الاعتراف بألمانيا الشرقية بعدد محدود من الدول، كان أكثره ضمن المعسكر الاشتراكي . ولكن بعد الاعتراف العراقي بألمانيا الشرقية، كرت مسبحة الاعترافات بدءاً بالدول العربية ومروراً بدول عدم الانحياز، بحيث فاق عدد المعترفين بمرات عدد غير المعترفين . عندئذ، اضطرت ألمانيا الغربية إلى القبول بالواقع المر وسحب مبدأ هالشتاين من التداول، والتعايش مع واقع الاعتراف بالألمانيتين .
هل يتكرر هذا المشهد ولكن معكوساً هذه المرة؟ هل تنقل براغ سفارتها في إسرائيل إلى القدس المحتلة فتكر مسبحة الانتقالات، خاصة في العالم الأطلسي، بدءاً من الولايات المتحدة مروراً ببعض الدول التي تقف اليوم على شفير الاعتراف بالقدس؟ وهل تؤدي هذه التداعيات إلى تدعيم موقف الجماعات اليهودية التي تريد وضع يدها على الأقصى تمهيداً لتبديل هويته وصلته باسرائيل؟
السفير التشيكي في القاهرة سارع إلى التخفيف من وقع تصريحات زيمان . وأعلن أن الإعلام لم يحسن نقل هذه التصريحات، بحيث أخرجت من مضمونها . وللتأكيد، أعلن السفير أن الحكومة التشيكية لم تتخذ أية إجراءات عملية لنقل سفارة بلاده من مكانها الحالي.
إضافة إلى هذه التصريحات، سارعت العديد من القيادات والهيئات العربية المعنية إلى التحذير من مغبة تنفيذ قرار من هذا النوع . لقد هدد نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية بمقاطعة الجمهورية التشيكية إذا نفذت الاقتراح، وانتقد صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، وإحسان أوغلو، الأمين العالم لمنظمة المؤتمر الإسلامي، تصريحات زيمان ووصفاها بأنها تعرقل المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ودعت الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب إلى التصدي له . هل تستطيع هذه الأطراف ترجمة مواقفها إلى تدابير فعلية إذا نفذ زيمان تعهداته إلى الإسرائيليين؟
في رد فعله على تصريحات زيمان استند الأمين العام للجامعة إلى مقررات قمة عمان عام 1980 التي هددت بمقاطعة أي بلد يعترف بإسرائيل، أو ينقل سفارته إلى القدس، فهل يكون مصير هذا القرار شبيهاً بمصير مبدأ هالشتاين عندما أطلقت عليه رصاصة الرحمة؟
إن الأوضاع العربية اليوم تختلف اختلافاً جذرياً عن أوضاع الثمانينات، فهل يعتقد د .العربي أن الدول العربية هي في وارد اتخاذ خطوة جماعية بحق براغ إذا نقلت سفارتها إلى القدس؟ إن الانقسام الشديد الذي يسود الدول العربية يعرقل اتخاذ أي تحرك فعال ومباشر من أجل الرد على حكومة براغ إذا قررت الالتزام الذي قطعه زيمان على بلده .
ولكن مع ذلك فإن المرء يأمل أن تحول المعطيات الإقليمية والدولية دون تنفيذ هذه الخطوة . خلافاً لهذا الحال، فإن نقل السفارات الغربية إلى القدس سوف يضاعف من العداء للغرب في المنطقة، وسوف ينقل هذا العداء على نحو أشد إلى الدول الإسلامية في تركيا وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى . هذا الاحتمال سوف يحد من قدرة الولايات المتحدة على الانسحاب من أفغانستان خلال العام المقبل، ويجبرها على إبقاء عدد أكبر من القوات فيها .
إن تكريس القدس كعاصمة لإسرائيل وما يجر هذا الواقع من احتمالات على حال الأقصى سوف يلهب مشاعر المسلمين، ويدفع بالعديد منهم إلى الانضمام إلى المنظمات الدينية المتطرفة، وهذا ما تخشاه واشنطن . استطراداً، يتوقع بعض المراقبين أن تعمد القيادة الأمريكية إلى الضغط على الرئيس التشيكي للتخلي عن مشروعه . ولما كانت براغ حريصة على إرضاء واشنطن فإنه من المحتمل أن تطوى مسألة نقل السفارة التشيكية إلى القدس . ولكن هل يكفي أن يعتمد المرء على تدخل واشنطن من أجل حماية القدس من التهويد؟
المفروض أن يقوم العرب واعتماداً على إمكاناتهم الذاتية بالدفاع عن حقوقهم وعن مصالحهم . إن هذه الواقعة جديرة بأن تنبه الزعامات العربية إلى تداعيات الأوضاع الدولية الخطرة على العرب، وأن تستحثهم على الوصول إلى حد مقبول من التفاهم في ما بينهم من أجل النظر بصورة مشتركة إلى هذه الأوضاع . إن استمرار الأوضاع العربية على حالها يزيد من حجم خطر تهويد القدس . إن هذا الواقع لا يصطدم بالموقف العربي تجاه الصهيونية فحسب، ولكنه يصطدم أيضاً بموقف دولي تجاه القدس . فوجهة النظر العربية هي في الأساس الحفاظ على الطابع التعددي للمدينة، بالمقارنة مع وجهة النظر الإسرائيلية الأحادية .
من هذه الناحية، فإن الموقف العربي أقرب إلى التجاوب مع موقف العديد من المراجع السياسية والدينية في العالم (مثل الفاتيكان والكنائس الإنجيلية) التي ترغب في الحفاظ على طابع المدينة التعددي . هذا التقارب يشكل أساساً مناسباً لحملة تقوم بها المراجع السياسية والثقافية والدينية في المنطقة العربية ضد المشاريع الصهيونية في القدس، واستطراداً في كل بلدة فلسطينية يظللها الطابع الثقافي والحضاري المميز لهذه المنطقة العريقة عبر التاريخ .
غزة: حلم سنغافورة، كابوس تورا بورا؟
بقلم: حسن البطل – الايام
من لا يعرف أن الست راوية الشوا غزية أباً عن جد؟، وفي تغريدة لها على صفحتها في "الفيسبوك" أعادت تذكيرنا أن ٩٠٠٠ مصنع (ومشغل وما شابه) في غزة توقف من مجموع ٣٩٠٠. المنطقة الصناعية الواعدة في بيت حانون صارت للذكرى.
د. صبري صيدم، نائب أمين سر المجلس الثوري - فتح، ومستشار الرئيس لتكنولوجيا المعلومات، خرج بانطباعات منذرة، بعد زيارة عيد عائلية للقطاع. الهجرة هي ما يحلم به شباب غزة، ونقل قول أحد الأصدقاء: غزة قد تتحول في أحلامنا من سنغافورة الى تورابورا (مقاطعة في أفغانستان).
اليوم او غداً "تتماوت" محركات كهرباء غزة بعد ان "نشف ريقها" من حاجتها للطاقة، نتيجة أزمة الأنفاق من جهة، والقيود الإسرائيلية على التوريدات وأسعارها التجارية، ولا حل سوى ان تشتري سلطة رام الله من إسرائيل حاجة المحطة، أو تعود غزة الى نظام ٦ ساعات كهرباء يومياً. مولدات الطاقة للمنازل والمؤسسات لن تعمل بكامل طاقتها، لأن أسعار المحروقات الإسرائيلية غيرها أسعار المحروقات المصرية المهربة.
إلى ذلك، تجددت تفجيرات المقاهي في غزة، وهي فرصة الشباب للتمتع بكهرباء المولدات، ومتابعة مباريات الرياضة العالمية.
تناول محللون سياسيون محليون الخطبة الأخيرة لرئيس حكومة حماس، إسماعيل هنية، من حيث نظرة جديدة ومراوغة للمصالحة، او ثرثرة مخلوطة بالبلاغة .. ولا شيء تقريباً عن أزمات غزة الفعلية، أي العمالة والبطالة، وما ينفع الناس في أمور حياتهم ومستقبلهم. خطبة يوم جمعة في يوم سبت كما قيل.
لكن خبيراً دولياً من "معهد واشنطن للشرق الأدنى" تحدث عن أمل واقعي لإنعاش غزة، أو أمل متجدد يعود الى العام ٢٠٠٠، اي استثمار حقل "غزة مارين" البحري للغاز، واكتشافه العام ٢٠٠٠ سابق على كشوفات حقول غاز بحرية إسرائيلية اكبر، بدأت في الإنتاج ربيع هذا العام.
من شأن تشغيل واستثمار "غزة مارين" لشركة bg البريطانية، ان يؤدي الى تشغيل محطة توليد الكهرباء بكامل طاقتها، و محركاتها مصممة للعمل حسب طاقة النفط، او السولار الصناعي الإسرائيلي والمصري، او الغاز .. ومن ثم تصير غزة مصدرة للطاقة والغاز الى الضفة، عبر ربط إسرائيلي.
يعود حلم تحويل غزة الى سنغافورة للسنوات الأولى للسلطة، اي الاعتماد على التطوير التكنولوجي للاقتصاد، وتجددت هذه الأحلام بعد الانسحاب الإسرائيلي، حيث عقد مؤتمر دولي لتنمية غزة مع خطط بإنشاء ميناء عميق، وتوسيع المطار، واستقلال الغاز، ورفع معامل ومشاغل وفابريكات غزة من ٣٩٠٠ بعشرات النسب، بما يقضي على البطالة، ويلغي حاجة شباب غزة الى الهجرة، وتحلية المياه وتدوير بعضها للزراعة بدل هدرها.
الحديث كثير ووافر ومتشعب عن أضرار الانقسام الغزي على المصلحة الوطنية، لكن الأهم ربما هو تأثيره السلبي على تطوير غزة، وهذا لا يتم عبر اقتصاد الأنفاق، ولا عبر خطابات بلاغية حول الشروط السياسية للمصالحة.
غزة تحتاج عملية انقاذ شاملة، لأنه يقال انها قد تغدو "غير قابلة للعيش" خلال عقدين من السنوات من حيث الموارد وحاجات سكانها، وربط الانقاذ بالمصالحة، وهذه بشروط سياسية، لا يعني إهمال الإنقاذ الاقتصادي، اي مصلحة الناس أولاً، قبل شعارات القضية وبرامجها. السلطة مهتمة بهذا، وكذلك مشروع كيري.
إن وفاق - روسيا وأميركا حول سورية كان وفاقاً حول اقتصاد الغاز والنفط أولاً، وليست السلطة او حماس هي روسيا وأميركا، لكن المصالح الاقتصادية هي التي قد تعجّل الوفاق على ما ينفع الناس اولاً، وليس ما يرضيهم من برامج وشعارات وطنية وسياسية.
الاستيطان بصق مُتعمّد في وجه العالم!!
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
يُعد الإعلان الأخير عن بناء مئات الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية والمطالبة بتكثيف الاستيطان أكثر من بصقة في وجه العالم دون استثناء، وعلى رأسه واشنطن والاتحاد الأوروبي.
هذا الإعلان يعد استمراراً لسياسة تحدي العالم التي ينتهجها نتنياهو تحت ادعاءات مختلفة، مع أن حقيقة الأمر أنها في الأساس تأكيد على مبدأ القوة.. هذا المبدأ الذي يتيح لصاحبه أن يفعل ما يُريد في أي مكان أو زمان.. ويشير إلى أن الضغوط الأميركية أو الأوروبية أو اللجنة الرباعية، ما هي إلاّ مُجرّد أوهام يتم تسويقها للشعب الفلسطيني.
ماذا يعني أن يصرخ العالم كله بأعلى صوته: الاستيطان غير شرعي، في الوقت الذي تتواصل فيه عمليات البناء وسلب الأراضي وخلق سياسة الأمر الواقع وتفتيت الضفة الغربية.
الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسها نتنياهو وغالبية أعضاء الكنيست، ضد فكرة إقامة دولة فلسطينية، ويعتبرون أن طرح الفكرة لا يأخذ بُعداً جدّياً، لأن إستراتيجية الأحزاب اليمينية الصهيونية وحتى الوسطية ترفض قيام دولة ثانية بين النهر والبحر.. ولكن السؤال: لماذا سيقبل نتنياهو تقديم ما يسمونه تنازلاً للفلسطينيين في ظل هذا "الربيع العربي" الممحل، والتطورات الدراماتيكية في المنطقة، والصعوبات التي تواجهها واشنطن وانحسار دورها.. أي في الوقت الذي لم تعد فيه القضية الفلسطينية هي القضية الأولى في المنطقة.
في العقود الماضية كنا نتحدث عن الجبهات العربية بصرف النظر عن مدى سخونتها أو برودتها، وعن القوة العسكرية والتوازن الإستراتيجي.. والبعد الجماهيري والثوري العربي، ولكن اليوم لم نعد نملك من هذه الأدوات شيئاً، حتى الحديث عن ذلك أصبح ضرباً من الوهم.
قد يقول البعض إن توقيت البناء الجديد يأتي قبل إتمام عملية الإفراج عن الأسرى القدامى، أو أنه يأتي كما في مرات سابقة قبل أو بعد الاجتماع مع مسؤولين أميركيين.. ولكن هل فعلاً هذا منطقي؟! إسرائيل لا تحتاج مطلقاً لمبررات، وسياسة الاستيطان والتهويد المستمرة منذ اليوم الأول للاحتلال في العام 1967 لا تحتاج إلى أي سبب، سوى تكريس سياسة التهويد والاقتلاع والإصرار على قتل عملية السلام.
أما السلطة الوطنية الفلسطينية، فهي اليوم في وضع لا تُحسد عليه، فهي غير قادرة - في ظل المتغيرات العربية والدولية - على رد قوي.. هل تُوقِف المفاوضات؟ بمعنى هل هي قادرة على تحمُّل إفشال هذه المحادثات، رغم أن إسرائيل هي سبب هذا الإفشال؟! لا يوجد بالمطلق خيار آخر أمام السلطة غير الاستمرار بهذه المفاوضات الميتة حتى انتهاء المهلة المحددة لذلك من قبل الراعي الأميركي.. ولا بدّ لها من استمرار تجرُّع المُرّ لأن البديل أكثر مرارة.
هل يكون الرد، أيضاً، تفعيل المقاومة الشعبية، التي ما زالت دون الحدّ الأدنى المطلوب، والمتمركزة في عدة قرى ولفترات محدودة أسبوعياً.. ويبدو أن هذا الخيار، أيضاً، أكثر صعوبة مما يتوقع البعض أو الذي يصرخ دائماً من أجل أن تكون هذه المقاومة شاملة ومتواصلة في كل المحافظات الفلسطينية.
ربما نحن اليوم في حاجة ماسة للجلوس مع الذات وإعادة تقييم إستراتيجياتنا في مجال الاستيطان والمواجهة.. خاصة في ظل الاعتداءات الاستيطانية المتعددة.. حيث إن البناء لم يعد هو الشكل الوحيد لهذه الاعتداءات، فهناك إرهاب المستوطنين المتمثل باقتلاع عشرات آلاف الأشجار المثمرة وخاصة الزيتون، وحرق الحقول الزراعية، والاستيلاء على الأراضي المجاورة لبؤرهم الاستيطانية، والاعتداء على المقدسات.
تقييم الإستراتيجية الوطنية في مواجهات الاستيطان يستدعي إشراك القوى والفعاليات والشخصيات المؤثرة، واتخاذ موقف واضح، قادر على إحداث الفعل وليس فقط التوجه نحو ردّات الفعل، وبما يتناسب مع مفهوم الصمود والمقاومة في آن واحد فهل يتحقق ذلك؟!
لاقي يا أبو مازن هنية في غزة وفضّوا الموضوع
بقلم: حسين حجازي – الايام
لو كنت المستشار السياسي لسيادة الرئيس الأخ أبو مازن، لأشرت عليه أن يلاقي يد إسماعيل هنية الممدودة ويتفق معه وحماس، ان يأتي الجميع هنا الى غزة العزة ويتوّجان المصالحة لا بالحوار وانما بتقبيل اللحى، نعم ببوس اللحى على الطريقة الشعبية الخالصة ولكن الأخوية الصادقة، ويفضّان هذا الموضوع بعد ان يصلي الجميع على النبي ويقرؤون الفاتحة.
صحيح سيدي الرئيس ان البعض يمكن أن يهزأ من هذه الدعوة ويقول ان حماس وحكومة السيد هنية في غزة يمرون في مأزق، وكنا نحن قد اشرنا الى ذلك من قبل خطاب السيد هنية الاخير، حتى وان لم يعترف هنية والاخوان في حماس بهذا المأزق، وهو انكار اظنك سيدي الرئيس كسياسي حصيف لا تجد فيه اي غضاضة، حين يتوجب دوما على السياسي انكار بعض الحقائق المؤلمة لأجل الحفاظ على التماسك والروح المعنوية العامة، وهذا جائز ومقبول. وقد كان عرفات أستاذاً في تحويل حتى الهزائم الى انتصارات، ولكني لا اظنك تخالفني ايضا لو همست لك سرا بأننا نحن ايضا نمر في مأزق، وان هذا المأزق الفلسطيني لا يقتصر على حماس وحدها بل هو مأزق متبادل ومشترك ومزدوج اي مركب للأسف. حتى لو كنت هنا لا اقترح عليك موافقتي على هذا التوصيف والاقرار بهذا المأزق في العلن.
والواقع انك من الحصافة وبعد النظر ان تسبقني الى عدم الاعتراف هذا في العلن، حينما صرّحت ان المفاوضات لا تمر في طريق مسدودة ولم تصل بعد الى حافة الانهيار، وانه لا زال لدينا وقت كافي مبددا الشكوك الاعلامية والصحافية، والمتمنين افشالك بأن استراتيجيتك التفاوضية لا يمكن الرهان عليها، وانك ايضا في ورطة اشبه بالمتاهة.
لكني يا سيدي الرئيس لا أرى ان المشكلة او المأزق هو في اختيارك التفاوض، حتى لو كان التفاوض مع اعداء برهنوا انهملا يريدون حل الموضوع، بل اكثر من ذلك اقول انه حتى لو كان الثمن الوحيد مقابل هذه الملهاة الجديدة والعابثة لمدة تسعة شهور، تحرير هذه المئة رقبة من معتقلي ما قبل اوسلو، فهذا جيد لمواصلة هذه المفاوضات السخيفة التي يقوم فيها كل منا بالضحك على الآخر.
ولكن مأزقنا الآخر والحقيقي الثنائي والمركب كلينا فتح وحماس، التي لا يجدر بنا ان يضحك الواحد منا فيه على الآخر، لأنه مأزق من طبيعة وطنية يشدنا كلينا الى هاوية. انما يتمثل اليوم فيما يمكن اعتباره مجموع المتغيرات والعوامل الحاسمة في البيئة الاستراتيجية، التي نتصارع معها في لحظة من انكشاف حيلتنا الدفاعية الجماعية للتفاعل معها، بسبب انقسامنا وتفككنا الراهن الذي يضاعف من تأثير هذه التحولات سلباً علينا دون ان يتوفر لنا جانب المبادرة او المناورة للاستفادة من بعض التناقضات التي تنطوي عليها في اطار سياسة فلسطينية موحدة ومتداعمة تعيد اطراح القضية الفلسطينية على الاجندة الاقليمية والدولية، بما يتفق او يخدم استراتيجيتنا وبما يؤدي الى وقف التدهور الحاصل.
فهل هو تزامن بمحض الصدفة مثل صرخة يائسة تلك شهقة الموت غرقاً في عرض البحر لفلسطينيين منا، لم يجدوا سوى هذا الخيار المر للنجاة على المستوى الفردي ليجدوا البحر يبتلعهم. كما لو ان مأساة جدار الخزان بملاقاة المصير نفسه تحت شمس الصحراء الحارقة، يتكرر المرة الاولى على شكل دلالة رمزية خطها قلم روائي عبقري هو غسان كنفاني، ليحذرنا مسبقا من هذا المصير المشؤوم. وفي المرة الثانية كحقيقة مأساوية تحدث امامنا اليوم لتعبر عن مستوى هذا التدهور الذي وصلنا اليه، وعن حقيقة اننا من غزة الى القدس ورام الله وجنين والخليل ومخيمات اللجوء في سورية ولبنان والفلسطينيين العالقين على معبر رفح، واولئك العالقين في الاسر وحتى في المفاوضات الماراثونية انما نواجه معا مأزقا واحدا ومشتركا قوامه ان الطاقة وسعة الفعل والصدر والعقل التي نبديها لا تتناسب وحجم التحديات والمخاطر والتكليف التاريخي الذي انتدبنا الله والشعب والقضية له.
وهل نحيلكم ايها الاخوة المحترمون في فتح وحماس الى بعض الحقائق السياسية الخالصة، التي تعيد تشكيل التوازن الجيوسياسي العالمي والاقليمي امام اعيننا، من دون ان تكونوا انتم ممثلي القضية الفلسطينية لاعبين مؤثرين في تحديد اتجاهها.
وحيث يبدو للأسف هذا التراجع بل السقوط والانزياح المريع لأول مرة لوحدانية القضية الفلسطينية ومركزيتها على جدول الاعمال، الاجندة ولو كشعار فيما اسرائيل تواصل مناورتها الكبرى الثانية بعد المناورة الاولى التي انتهت عام 1948، باستكمال السيطرة التدريجية على الضفة والقدس عن طريق المخاتلة والقضم .
وهاكم هذه الحقائق :
1- الحقيقة الاولى ان هذه هي المرة الاولى منذ انهيار الحرب الباردة واظن انها منذ قمة يالطا الشهيرة، قرب نهاية الحرب العالمية الثانية التي يتم فيها عقد مثل هذا التوافق الدولي، الذي يقوم على مبدأ الاقرار بالتوازن لتسوية ازمة تتعلق بالشرق الاوسط. كما هي التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر جنيف الثاني حول الازمة السورية، وهو ما يعيد تسليط الضوء حول تجاهل اطار هذه التسوية، كما الاقرار بمبدأ التوازن تسوية اصل الازمة الشرق اوسطية اي القضية الفلسطينية. والجواب واضح ان الجميع هناك بما في ذلك ايران، لكن الجميع هنا في رام الله وغزة على حد سواء، اتفقا منذ البداية على الا يكونا هناك، بخلاف مذهب عرفات لو كان على قيد الحياة وبخلاف دعوة صريحة وجهناها لهم هنا في هذا المكان مرارا، والنتيجة انه بإقرار هذا التوازن الذي سيغيّر خارطة المنطقة والعالم، ولكن مع تجاهل واضح للقضية الفلسطينية.
والواقع ان هنري كيسنجر دعا الى هذا المؤتمر الدولي في جنيف العام1975 غداة حرب تشرين، ولكنه ولد ميتا لأن اميركا لم تشأ ان تقر بهذا التوازن. ثم جرى عقد مؤتمر مدريد للسلام في 31 تشرين الاول عام 1991، ولكن جورج بوش الاب وجيمس بيكر وزير خارجيته كان في تصورهما آنذاك، اعادة ترتيب اسس النظام الامني الاقليمي مع انحلال وتفكك الاتحاد السوفياتي، الذي كان حاضرا بصورة رمزية مثل رجل مريض، ولذا فشل مؤتمر مدريد وقبله جنيف الاول في تحقيق تسوية عادلة للأزمة الجذرية.
2- الحقيقة الثانية: لما كان انعقاد جنيف الثاني بمثابة اعلان واضح عن انتصار المحور الدولي والاقليمي الذي يضم روسيا وايران وسورية وحزب الله على حساب المحاور الاقليمية الاخرى واوربا واميركا الغارقتين في فضائح حرب التجسس، فإن الحصاد الكئيب هنا ان لا فتح ولا حماس في صف الرابحين والمنتصرين، وان كانا ليسا في صف المنهزمين او الخاسرين للوهلة الاولى، ما يطرح السؤال عن جدارة هذه السياسة القائمة على العزوف والتعفف عن لعب دور في ازمة دولية كبرى كالأزمة السورية. وتاليا السؤال عن استراتيجيتنا اليوم في التفاعل مع نتائج هذه الازمة، والتداعيات التي ستطرحها على مستوى الاقليم، اي نحن غدا مع من وضد من؟
3- اي نحن مع اي محور من المحورين التاليين الآخذين في التشكل: مع المحور السعودي الاماراتي الاردني المصري ام مع المحور التركي القطري التونسي الاخواني؟ وحيث انتصار المحور الايراني السوري يجيء اليوم على طرف نقيض من مصالح هذين المحورين الاخيرين، اللذين جاءت التطورات الاخيرة في مصر لتضاعف من حدة الخصومة والعداء بينهما، بعد ان انتقلت مصر بثقلها من المحور القطري التركي الى المحور السعودي الاماراتي الاردني.
4- الحقيقة الرابعة: وآمل ان يكون تقديري هنا خاطئا، ان هذه التطورات الاخيرة في مصر التي نظر اليها هنا على انها تمثل اتجاها معاكسا لحماس، انما هي في الوقت نفسه تنطوي على تحول كارثي بالنسبة للقضية الفلسطينية والرئيس ابو مازن وفتح والامن القومي العربي على حد سواء. اذا كان انعدام الاستقرار في مصر الكبيرة ونذر الاحتراب الداخلي فيها، يمكن ان يكون اكثر فداحة في انعكاس مخاطره علينا وعلى العالم العربي من اي ازمة اخرى. والواقع انه قد يجوز القول اليوم انه على جميع اخطاء محمد مرسي وضعف خبرته والاخوان المسلمين في السياسة، الا ان مرسي لم يفض الاشتباك في ارتباط مصر القومي بالقضية الفلسطينية، وسعى الى تحقيق المصالحة الفلسطينية واوقف حربا على غزة بإظهار الفلسطينيين في وضع المنتصر.
ومن حسن الحظ ان اوباما العاقل يقف على خصومة مع هذا المحور الاخير، وربما كان هواه مع المحور التركي القطري الاخواني، لأن الامبراطورية التي اعترفت لروسيا في حل الازمة السورية هي اعقل من اسرائيل، وترى ان السلام ممكن فقط في اطار من الموافقة والرضى الشعبي والاستقرار السياسي لأنظمة الحكم، ولكي يمكن لأميركا ان تخرج من المنطقة بسلام وتتفرغ للصين في المحيط الهادئ.
اكتفي بهذا القدر، ولكن يا سادتنا اليس هذا قدرا كافيا لأن ندرك معا بأن الارض تميد وتهتز من حولنا، وان هذا سببا كافيا لئلا نغمض اعيننا عن المأزق المشترك، وان نلاقي بعضنا في منتصف الطريق لكي نعرف كيف يمكننا ان نتصارع ونتفاعل مع هذه التناقضات، نعم اللعب على كل هذه التناقضات المزدهرة لمصلحتنا، لئلا نظل نمارس السياسة في زواريب خلافاتنا الداخلية، في زقاق ضيق ونخرج الى الفضاء الواسع خارج رحمة التفرد الاسرائيلي الاميركي من جهة، ومن جهة اخرى ثنائية توتر العلاقة بين مصر وغزة، لكيما يكون للفلسطينيين كلمتهم الواحدة مع الجميع، ونحصل على احترام العالم لنا، فإذا لم نكن لنا فمن يكون لنا؟.
تغريدة الصباح - نيران.. صديقة
بقلم: عدلي صادق – الحياة
لعلاء الأسواني، القاص والروائي المصري، رصيده الكبير، من المآثر في المواقف، وفي السلوك الوطني والقومي الملتزم، وفي المثابرة المدهشة، التي جعلته علامة جديدة، فارقة، في تاريخ الرواية العربية. ذلك علماً بأن علاء، طبيب أسنان، أعطى لتخصصه هذا، اهتمام المنقطع اليه، إذ تعلمه في القاهرة ابتداءً، ثم تابع دراسته العليا في شيكاغو، ثم عاد الى مصر ولم يبرح عيادته حتى الآن!
لم أفاجأ بأن هاجمه ظلاميون ماكثون في باريس، مدينة الأنوار، أثناء ندوة أدبية له في "معهد العالم العربي" في منتصف الشهر الجاري. ففي يوم الهجوم اللفظي البذيء عليه، ومحاولة الاعتداء الجسدي التي أحبطتها الشرطة؛ طُلب منه أن يتطرق الى أحوال مصر. وقبل أن ينطق بكلمة، انفجر المتربصون بشتائم له ولجيش بلاده، فلم يجد أبلغ من رسم إشارة النصر مع الهتاف: "يسقط حكم المرشد"!
كانت أعمال علاء، الروائية، قد سبقته الى فسطاط "الجماعة" على الرغم من أنه لم يقصدها حصراً وسلباً في رواياته، وإنما كان يتعرض للمنافق مدعي الورع أياً كان. فللرجل رؤيته وآراؤه، وكذلك أعماله في تفكيك عناصر الشخصية الظلامية المتلطية بالدين، وذلك قبل أن يطفو "الإخوان" على سطح الحياة السياسية، وقبل أن يفيض "النيل" عليها، وتتلون جباه متطرفيها بـ "النيلة". وبالطبع، لم ولن تشفع للأسواني عندهم، مواقفه المبدئية ضد التطبيع مع إسرائيل، ولا حماسته اللافتة للقضية الفلسطينية. فمن يقف ضد منهجهم الحزبي، يكون في ناظرهم، مارقاً على دين الله، وليست له أية فضيلة. فما بالنا حين يكون هو صاحب المجموعة القصصية "نيران صديقة" التي أبدع فيها وهو يرسم أنموذج المتمسح بالدين، فيما الفساد وعفونة الطبع، يغمرانه من أعلى الرأس الى أسفل القدم، بخلاف الذاتية المفرطة، ونزعة الثأر الكامنة المتربصة بالآخرين؟!
أقول ذلك علماً بأنني لا أوافق علاء الأسواني، على نقده القاسي للشخصية المصرية عموماً. فعلى هذا الصعيد، تجاهل فيما كتب، العوامل الموضوعية التي تسببت في تراجع معدل الإسهام العربي عموماً، والمصري بشكل خاص، في مسار التقدم الحضاري الإنساني في العلوم والآداب. فلم يثبت صواب رؤيته، وهو يتحدث عن غياب ومضة واحدة من الشجاعة في حياتنا العربية لمواجهة الموت المحتم، والظلم الاجتماعي، أو الألم الناجم عن "نيران صديقة". فالثورات التي اندلعت ضد الاستبداد، بصرف النظر عن الذين ركبوا موجاتها أو اختطفوها؛ أظهرت من شجاعة الشباب ومن قدرتهم على المواجهة، ما يفرح قلب علاء ويغالط رأيه. فلم أكن أريد لعلاء أن يكون في اسشترافه وفي معالجاته الروائية، شبيهاً بطبيب الأسنان الرديء، الذي يتهكم عليه الإنجليز فيسمونه د. بولر، أي الطبيب "قلّيع" الأسنان وحسب، لا مُعالجها أيضاً!
لكن علاء الذي يأخذه ألمه لتردي الأحوال، الى تعرية رياء المجتمع ومفاسده، فـ "يقلّع" صفوف الأسنان كلها، العفِن منها والعَفيْ؛ يرسم بانسيابية، وبتدفق ساخر، صورة طريفة لشخصية المواطن البسيط، الذي تغويه المزايدات الدينية الجوفاء، فينجرف معها. هو المضُلَل الذي "يقبضها" جدياً، بينما "الأمير" الفاسد المتنفذ، يُضاجع "الفراشات البائسات" في مكتبه، أو يقترن بمثنى وثلاث ورباع صغيرات، دون أن يتخلى عن مسبحته الطويلة الخضراء، ولا عن تأثيم الآخرين، واتهامه لهم بالجشع والخسة!
في كتاب علاء الأسواني، ليس ثمة اشتعال للنيران، بالمعنى الفيزيائي، ولا أقصوصة فيه بعنوان "نيران صديقة". ما يقصده هو نوع أعتى وأشد إيلاماً من النار المتلظيّة. النكران واللؤم والشُح والغدر العاطفي والتسلط. فمن أمثلة الصور، التي "نغتال فيها بعضنا بعضاً" هناك البخيل ومحدث النعمة، الذي يعمل في السعودية، ويضنُّ على أمه المريضة بثمن الدواء وأكلاف المشفى، معللاً نكرانه وشُحَّه، بأن الأعمار بيد الله. وهناك العاشق الذي يسحق قلب الفتاة الفقيرة التي أحبته، فيتركها فجأة ليقترن بميسورة الحال التي تساومه على مهرها وعلى أكلاف زفافها. وثمة طبيب نطاسي بارع، يأبى العمل إلا في وطنه، فيتآمر عليه في المشفى، زملاؤه غير المهرة. يحيلونه الى حطام و"مرمطون" كما هو عنوان الأقصوصة!
غير أن الهجوم الظلامي على علاء في باريس، وقد نفذه مصريون وعرب، هو لا يريد لهم سوى الرفعة والاستنارة؛ جاء بمثابة إصابة أخيرة له بـ "نيران صديقة"!
من يتحمل مسؤولية الفشل والانفجار
بقلم: يحيى رباح – الحياة
كل من له احتكاك مباشر بالقضية الفلسطينية من دول العالم، ابتداء من أميركا التي وقع اتفاق أوسلو برعايتها، أو الاتحاد الأوربي الذي لديه علاقات مهمة مع فلسطين وإسرائيل، أو روسيا أو الأمم المتحدة ومنظماتها، أو الدول العربية أو المجموعة الإسلامية، أصبحوا مثقلين بمعرفة تفصيلية وافية، أن هذه الحكومة الإسرائيلية الحالية، تعتبر الاستيطان بالأراضي الفلسطينية معركة حياة أو موت بالنسبة لها، وأن كل طرف من أطراف الائتلاف الذي تشكل منه هذه الحكومة، لا هم له سوى أن يزايد على غيره من الأطراف الأخرى في الحكومة نفسها، من خلال التشبث بعدوانية وعنصرية واستفزازية هذا الاستيطان، والسلوك اليومي الاستفزازي والتفجيري الذي يصاحب هذا الاستيطان، لدرجة بات معها من الصعوبة أن تميز إذا كان هذا الوزير أو ذاك عضو في حكومة تتفاوض مع الجانب الفلسطيني أم عضو في منظمة إرهابية.
فوزراء الحكومة الإسرائيلية يعلنون علناً عدم الاعتراف بحل الدولتين، ويعتبرون أن دولتهم ليست دولة احتلال، وأن القدس هي قدسهم وأنها واقعة في جبل الهيكل وهو جبلهم! وأن كل الجرائم التي يرتكبونها ضد الشعب الفلسطيني هي حقوق لهم لا يجب أن يلومهم أحد عليها! وأن السلوك العنصري العدواني الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية لا يقتصر على استفزاز السلطة الوطنية، بل يستفز كل مواطن فلسطيني موجود فوق أرضه، بحيث يتحول هذا الوجود شبه مستحيل.
ومعروف أن هذا السلوك الاستفزازي على المستوى السياسي والاستيطاني وتفاصيل الحياة اليومية موجود في التقارير الدولية سواء التي تصدر عن البنك الدولي أو إطارات المانحين أو منظمات الأمم المتحدة أو في القرارات التي تصدر عن بعض مكونات المجتمع الدولي مثل قرار الاتحاد الأوروبي ضد المستوطنات في الضفة الذي تقرر تنفيذه من بداية العام المقبل.
حتى هذه اللحظة ومنذ بدأت المفاوضات في نهاية الربع الأول من هذه السنة، فإن الولايات المتحدة، تمارس سياستها في المنطقة بعيداً عن هذه العقدة، عقدة فشل المفاوضات بسبب الاستيطان، فهي تفتح صفحة جديدة مع إيران دون أن ينعكس ذلك على سلوكها تجاه القضية الرئيسية وهي تعيد صياغة علاقاتها عربياً سلباً أو إيجاباً دون أن يظهر عليها أنها ترعى المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي تذهب بسرعة جديدة نحو الفشل, وهي تخوض أزمة علاقات مع الدول الكبرى دون أن تعبر عن أية بادرة جدية لصالح الضغط ولو شكلياً على إسرائيل التي تعتبر نفسها في ذروة اشتباك استيطاني حاسم في فلسطين.
هناك فلتان استفزازي إسرائيلي على كافة المستويات، فلا جدية في المفاوضات، ولا مراعاة أين وصل الاحتقان الشعبي الفلسطيني، لأن إسرائيل في اندفاعها في سباق محموم مع الاستيطان لا تراعي أي شيء ولا تحترم أية قواعد، بينما هي بالتجربة تعلم أن ذلك مستحيل أن يستمر على هذا النحو، فما العمل؟
عوامل القهر تتضاعف.. عوامل اليأس تتراكم.. ولا يمكن لكل ذلك أن يحدث بينما يبقى الجميع يلعبون اللعبة بنفس المعايير القديمة، لأننا نتحدث الآن عن قلق جماعي حقيقي على المصير، لأن شهوة الاستيطان المتوحشة فاقت كل الحدود، فمن يتحمل مسؤولية الفشل والانفجار؟ ومن يتحمل مسؤولية الانفجار؟؟؟
حماس في خدمة من؟
بقلم: بهاء رحال - الحياة
حماس تعمل لخدمة مَن سؤال يطرح نفسه ولا اجابة واضحة او كاملة او شافية على هذا التساؤل ولو بحثت وتحققت ووقفت على الحياد ولو انحزت الى جانبها قليلاً فإنك لن تجد اجابة تشفي بها تساؤلاتك وأنت تراها كل يوم تعلن عن موقف سياسي وكل يوم تجدها ترتهن لدولة عربية ولسياسة غير مفهومة وغير واضحة المعالم، منها ما هو مدفوع عربياً ومنها قادم من بلاد الفرس (ايران).
وعلى هذا الحال تمشي حماس في سياستها يوماً تكون في دمشق وتعلن مواقفها الداعمة لنظام الحكم فيها، ويوماً آخر تصل الى قطر ويتبدل موقفها في الشأن السوري لينحاز مع المعارضة ولا تدري غداً أين ستكون فهي على ما يبدو مصابة بهوس واضطرابات تجعلها لا ترى مصلحتها الا في المستوى القريب أو في الحاضر المؤقت ولا تنظر لأبعد من ذلك خاصة بعد أن انتكست بخروج الاخوان المسلمين من الحكم في مصر حيث بدأت تمارس دور المخادع في اللعبة في محاولة منها للتهرب من صورة الولاء والطاعة التي قدمتها فور فوز الاخوان المسلمين في مصر.
تلك الصورة التي عمدت حماس على اخفائها طوال السنوات الماضية ومنذ ان انطلقت في اواخر ثمانينيات القرن الماضي وحافظت على لعب دور المحايد وان تقف على مسافة بينها من جماعة الاخوان ومارست الكذب ونجحت فيه حتى على بعض الانظمة التي اوهمتها بأنها بعيدة كل البعد عن حركة الاخوان المسلمين وانها حركة مقاومة فلسطينية مستقلة الى ان صدّقها البعض ودافع عنها لسنوات طويلة قبل ان يكتشف حقيقتها ويكتشف انه كان مغفلاً ومضللا طوال ذالك الوقت، وهنا أتت ممارساتها على أرض الواقع والتي تمثلت في مواقف اعلن عنها قادتها وفي مشاهد التظاهر والتضامن التي كانت تقوم بها في شوارع القطاع لاعلان موقفها الداعم لجماعة الاخوان في مصر فانكشف أمرها وولاؤها وطاعتها، وهذه المواقف جعلها تتراجع على كل المستويات خاصة المستوى الشعبي الذي اصبح يعرف حقيقتها الواضحة التي ظلت مغيبة عنه بفعل سياسات حماس التي ضللت بها الشعب، وبالتالي فإنها فقدت أهم عناصر الثقة مع هذه الجماهير التي كانت تؤمن بها على انها حركة مقاومة فلسطينية مستقلة حتى خرجت عليهم وظهرت بحقيقتها بهذا الولاء وهذا الارتباط والطاعة لجماعة الاخوان.
حالة الارتباك الشديد التي تعيشها حماس انعكست سلباً على المواطنين في قطاع غزة من خلال ارتفاع وتيرة الاعتقال السياسي والتضيق في مجال الحريات العامة والخاصة بالاضافة الى مواقفها الخاطئة التي يدفع احياناً المواطن ثمنها بشكل يومي ومباشر وفي شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والحياتية بكل تفاصيلها، وهذا دليل واضح على عجز حماس وقيادتها ولو تنكرت وحاولت رفض الحقيقة ولو دافع البعض هنا وهناك، فالحقيقة لا يمكن دفنها واخفاءها ولا يمكن ان تجد حماس فرصة أخرى للخروج من مأزقها الا اذا اغلقت باب الارتهان لهذه الدولة او تلك وعادت الى البيت الفلسطيني الجامع الذي يعني القرار المستقل والمصلحة العليا للشعب دون التدخل في شؤون الدول الصديقة والشقيقة ودون تحالفات مبنية على مصلحة حزبية ضيقة وبعض الدولارات الباهتة، فما زال الباب مفتوحاً لتصويب خطها الرئيسي وان تكون قبلتها فلسطين دولة حرة ومستقلة فهل ستمسك بحبل النجاة أم ستبقى تمسك براية رابعة الاخوانية؟.
خصخصة السلطة الفلسطينية
بقلم: عمر شحادة – معا
شكّلت انتفاضة الأقصى قبل ثلاثة عشر عاماً استفتاءً شعبياً وإيذاناً وطنياً بأن اتفاقات أوسلو والسلام الموعود والدولة الفلسطينية العتيدة هي أضغاث أحلام، فأطلقت بديلها الكفاحي الذي قاد لتفعيل قانون - جدلية - الاحتلال والمقاومة من جديد، وبعث الحياة في أوصال الجسم الفلسطيني الممتد بين النهر والبحر وداخل الوطن وخارجه، بعد أن تراءى للبعض أنه لا يقوى على النهوض، فأثمرت هروباً من المستوطنات في الضفة الغربية وانسحاب شارون ومستوطناته وإعادة انتشار جيشه من جانب واحد من داخل القطاع إلى محيطه، في محاولة يائسة منه لإعادة تاريخنا إلى الخلف.
راهن البعض بعد رحيل الرئيس عرفات في عام 2004 بأن مردود الانتفاضة و"عسكرتها" قياساً بالثمن المدفوع، لا ولن يضاهي مردود العودة للمفاوضات وللراعي الأمريكي للحصول على الدولة الفلسطينية، وها نحن نشهد اليوم بطلان هذا الرهان، حيث تدحض الحقائق المروعة المتشكلة على الأرض كل الادعاءات الوهمية والمزاعم الزائفة لخيار أوسلو وأنصاره العرب.
يجسد الاستيطان المنفلت من عقاله وارهاب الدولة والمستوطنين وسياسة التطهير العرقي وتهويد القدس ومخططات التقاسم المكاني والزماني للمسجد الأقصى على طريق بناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، تحت غطاء المفاوضات السرية القسرية المخادعة بالرعاية والمرجعية الأمريكية الوسيلة المعتمدة راهناً لتعبيد الاعتراف "بإسرائيل دولة للشعب اليهودي" على انقاض حق العودة والثوابت الوطنية والرواية الفلسطينية والعربية والامن القومي.
وما المليارات الأربع التي تلوح بها "المبادرة الاقتصادية" الأمريكية- وريثة مشروع "بناء مؤسسات الدولة" تحت الاحتلال، والرامية لاستخدام هذه الأموال كرافعة لاستثمارات القطاع الخاص في ثمان من الميادين الاقتصادية الفلسطينية الرئيسية وترسيخ سياسة الاقتصاد الريعي، وتوفير البيئة والحوافز الفريدة لجذب واستدخال الشركات متعددة الجنسيات، سوى الوسيلة لخصخصة السلطة الفلسطينية والقرار الوطني وتسليع القضية ومكونات منظمة التحرير والمقامرة بالرأسمال الوطني التحرري وتحويله إلى أسهم في البورصات المحلية والإقليمية والدولية،وهو بمثابة الأسلوب الأحدث والمبتكر لاستبدال دور قوى الثورة السياسي والسلطة الفلسطينية بوصفها المشغل الأكبر للعائلات الفلسطينية والمنظم لسوق العمالة الفلسطينية في مناطق 48، بالقطاع الخاص ورجال أعمال السلام الاقتصادي الكومبرادوري التطبيعي التابع الضالعين في تشبيك الاقتصاد المحلي والموارد الوطنية باقتصاد الاحتلال، وفرض سياسة الأمر الواقع، بالقبول بمحمية إسرائيلية تحت سطوة امن وجيش الاحتلال تنظم شبكة التجمعات السكانية خلف الجدار في الضفة الغربية،يسمونها الدولة الفلسطينية في إطار مشروع الحل الأمريكي المسمى بحل الدولتين المزعوم.
يوماً وراء يوم تتراكم المعاناة والسخط الشعبي ومبررات الرفض والتمرد على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية المزرية، ومعها مقدمات وإرهاصات الانتفاضة الثالثة الوريثة الشرعية لسابقاتها والجديدة نوعياً التي تلوح في الأفق، حيث نشهد تفاقماً متسارعاً لمجموع أسباب انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى، في وقت أصبحت فيه أوضاع ملايين الفلسطينيين على غير صعيد، داخل الوطن وفي مخيمات الشتات أسوأ بما لا يقاس منذ توقيع اتفاق أوسلو قبل عشرين عاماً.
دون انتظار للواهمين، هل تندلع أفقياً على حين غرة انتفاضة جديدة عنوانها تجسيد الاعتراف الأممي بدولة فلسطين على الأرض دون شروط، وفرض وحدة المقاومة الشعبية الشاملة في وجه الاحتلال والانقسام، دون أن يقودها تنظيم أو زعيم أو إطار وطني جامع منظم ودون إجماع فلسطيني لأول مرة، لا بل وبالضد من موقف شرائح اجتماعية وقوى ناشئة باتت مصالحها تتناقض مع اندلاعها؟ فتعيد القرار الوطني لجموع الشعب وتضفي الشرعية عليه باعتبار الشعب هو صاحب القرار ومصدر الشرعية وتنهي التفتيت والاختطاف القائم للقرار الوطني دون وجه حق سواء عبر سلطتي الأمر الواقع في غزة ورام الله او اغتصاب القرار في منظمة التحرير.
وهل تدفع خطورة هذا الخيار، الذي يجعل من هذه الانتفاضة المقبلة والمتدحرجة عرضة لخطر استفراد الاحتلال والغدر بها، وشتى الاحتمالات والنهايات بما فيها حروب داحس والغبراء، طلائع الشعب الفلسطيني ونضاله التحرري لرفع رايتها والاستعداد الحقيقي والجاد لقيادتها،وبحركتي فتح وحماس تحديداً للإصغاء لندائها قبل فوات الأوان؟ فيهتديا إلى الحقيقة الساطعة والحارقة بانتهاء عصر التفرد بقيادة أو تمثيل الشعب الفلسطيني، فننتصر أخيراً للانتفاضة في سباقها المحموم مع خصخصة السلطة والقضية الفلسطينية.
وهو أمر يتطلب اليوم من مثقفي شعبنا وكوادره السياسية وقواعد القوى الوطنية والإسلامية وقواعد حركتي فتح وحماس أولاً الكف عن اقتفاء اثر الذئب الذي يقف أمامنا لا بل يمسك بخناقنا، والانتقال لفرض الوحدة الكفاحية الشعبية والسياسية الميدانية في مقاومة الاحتلال، ومواصلة وتوسيع الحراك الشعبي داخل الوطن وخارجه دون تردد تحت شعار إسقاط أوسلو، من أجل الوقف الفوري للمفاوضات وإنهاء الانقسام والتهدئة والتنسيق الأمني وترتيب البيت الفلسطيني على أساس إستراتيجية تحررية وطنية ديمقراطية بديلة، سبيلاً لإنقاذ القضية الوطنية ووضعها من جديد على رأس جدول الأعمال الإقليمي والدولي باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، بعد أن نجحت أو تكاد دولة الاحتلال التي توصف بمصلحة أمريكا الإستراتيجية والتعبير المكثف عن سياستها في المنطقة، في طمس قضية فلسطين في مستنقع أوسلو، وباستبدالها بما يسمى الملف النووي الإيراني والصراع السني الشيعي، في مرحلة انتقالية تتشكل في غيابنا خلالها معادلات جيوسياسية إقليمية ودولية بديلة، لعالم جديد على أنقاض عالم عرفناه بعالم وحيد القطب.