1 مرفق
المقالات في الصحف المحلية 244
ما بعد قرارات «لجنة القدس»
بقلم: حديث القدس – القدس
الشعب المصري يكشف حقيقة المواجهة
بقلم: علي جرادات – القدس
وماذا بعد الرفض..؟
بقلم: هاشم عبد العزيز – القدس
500 بليون دولار أمريكي تعويض عن 418 قرية فلسطينية دمرت عام 1948
بقلم: ابراهيم مطر – القدس
ما هي حدود إسرائيل ؟!
بقلم: فيصل ابو خضرا – القدس
العرب من التوريط الى التفريط... إلى متى؟
بقلم: محمد جلال عناية - القدس
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.jpg[/IMG]
المثقف العربي: تناسل المآزق، وأفول التأثير
بقلم: د. خالد الحروب – الايام
المصالحة ودفن الرأس في الرمال
بقلم: د. عاطف أبو سيف – الايام
واشنطن تريد حلاً ينقذ إسرائيل ويؤسس لاستراتيجية أميركية جديدة
بقلم: أحمد سيف – الايام
مسار المفاوضات وثمارها !!!
بقلم: سميح شبيب – الايام
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.jpg[/IMG]
تغريدة الصباح - سوف يبحثون عن سبب
بقلم: محمد علي طه - الحياة
قبل هبوب الرياح العاتية
بقلم: عدلي صادق – الحياة
مفاوضات السياسة الإسرائيلية
بقلم: يحيى رباح – الحياة
أزمة حركة التحرر العربية
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
العراق و«الداعشية»
بقلم: فخري كريم – الحياة
ما بعد قرارات «لجنة القدس»
بقلم: حديث القدس – القدس
بعد أن اختتمت «لجنة القدس» دورتها العشرين في مراكش بإصدار عدة قرارات شملها البيان الختامي واهمها التأكيد على ان القدس هي مفتاح السلام وان صنع هذا السلام يتطلب انسحاب اسرائيل من المدينة المقدسة بحيث تكون القدس العربية المحتلة منذ عام 1967 عاصمة لدولة فلسطين وان أي مساس بالقدس والاقصى يعني القضاء على فرص السلام، عدا عما تضمنه البيان من قرارات بشأن دعم المقدسيين سواء على الصعيد الرسمي او الشعبي، فإن السؤال الذي يطرح هو كيف يمكن ترجمة هذه القرارات الى تحرك عربي - اسلامي فاعل يسهم فعلاً في دعم صمود المقدسيين ومواجهة المخططات الاسرائيلية وفي دفع المجتمع الدولي للتحرك لإلزام اسرائيل بضرورة الانسحاب من القدس العربية المحتلة حتى يمكن ارساء دعائم سلام عادل وشامل ودائم.
من الواضح ان هناك مقومات ومتطلبات لتعزيز صمود المقدسيين في مواجهة ما يتعرضون له من تضييق وحملات لدفعهم الى ترك المدينة المقدسة ومن ضمن ذلك الملاحقات الضريبية على اختلاف اشكالها ومحاولة منع رخص البناء عن اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وضرب اقتصاد المدينة المقدسة وتفشي البطالة عدا عن محاولات ضرب النسيج الاجتماعي في القدس.. الخ مما تقوم به اسرائيل.
هذا يعني ان دعم الصمود الفلسطيني في القدس يجب ان يأخذ بالاعتبار مختلف اشكال التضييق الاسرائيلية ومعالجتها وهذا يشمل تعزيز وتشجيع البناء الفلسطيني في القدس، واذا كانت اسرائيل تضع شروطا مختلفة للحصول على ترخيص بناء وان الحصول على مثل هذا الترخيص يتطلب مبلغا لا يستطيع المواطن المقدسي العادي توفيره نظراً للوضع الاقتصادي المتردي فما الذي يمنع لجنة القدس من ايجاد حلول ابداعية تتيح حركة بناء فلسطيني واسعة بالقدس لا تقتصر على المقتدرين وهم قلة من ابناء المدينة؟ هذا عدا عن مشكلة الاراضي واسعارها في المدينة المقدسة وهي ايضا مشكلة بحاجة الى حلول.
واذا كان الاقتصاد الفلسطيني يتعرض لأزمة خانقة في القدس سواء جراء الضرائب الباهظة او الحصار الذي تفرضه اسرائيل على مدينة القدس او اجبار الكثيرين من اصحاب المحال والحرف على اغلاق محالهم فإن هذه المشكلة ايضا تتطلب حلولا من لجنة القدس حتى يمكن تعزيز صمود التجار واصحاب الحرف وغيرهم سواء يتشجيع الاستثمار في المدينة المقدسة او مساعدة التجار والحرفيين في مواجهة ازمة الضرائب او انشاء مشاريع اقتصادية تسهم في التخفيف من ازمة البطالة من جهة وتنعش الاسواق الفلسطينية من الجهة الاخرى.
واذا كان النسيج الاجتماعي ايضا هدف من اهداف الاحتلال فإن الخبرات والقدرات العربية والاسلامية «بما فيها الفلسطينية» لن تقدم الوسيلة في انشاء واقامة المؤسسات القادرة على تعزيز لحمة النسيج الاجتماعي ومعالجة مختلف الظواهر السلبية.
واذا كان المقدسيون محرومون من بنى تحتية اساسية ومؤسسات مختلفة سواء للشباب او المسنين فما الذي يمنع دعم انشاء مثل هذه المؤسسات او تحسين البنى التحتية في مختلف انحاء القدس؟ او على الاقل التخفيف من حدة الضائقة الحالية؟
ان ما يجب ان يقال هنا اننا ونحن نثمن ونقدر مواقف «لجنة القدس» وقراراتها وحرصها على المدينة المقدسة واهلها فإننا نؤكد ان المقدسيين المرابطين المتمسكين بعروبة القدس والحريصين على الحفاظ على مقدساتهم في مواجهة اية مخاطر بحاجة الى ترجمة هذه القرارات الى فعل يطال مختلف مناحي حياتهم ويخفف من معاناتهم ويعزز وجودهم وصمودهم في المدينة المقدسة، فلا يعقل ان تبني اسرائيل المزيد من الوحدات الاستيطانية في القدس يوميا فيما يقف المواطن الفلسطيني عاجزا عن البناء سواء بفعل القيود الاسرائيلية او غياب الدعم المالي القادر على اطلاق حركة بناء فلسطينية واسعة في القدس.
وفي نفس الوقت فإن الموقف السياسي الذي عبرت عنه «لجنة القدس» لا يقل اهمية عن قرارات الدعم المالي ولذلك نقول ان ترجمة هذا الموقف السياسي يجب ان تتمثل في تحرك مكثف عربي - اسلامي على الساحة الدولية لنصرة فلسطين وللدفاع عن القدس ونقل رسالة واضحة للمجتمع الدولي ان الامتين العربية والاسلامية تعتبران القدس خطاً احمر لا يمكن لأحد تجاوزه وان السلام الحقيقي يتطلب انسحاب اسرائيل من القدس العربية المحتلة وباقي الاراضي المحتلة عام 1967 والاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية.
الشعب المصري يكشف حقيقة المواجهة
بقلم: علي جرادات – القدس
بإجراء الاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور، البند الأول في "خريطة المستقبل" انكشف مضمون المواجهة الدائرة في مصر منذ الموجة الثانية للثورة في 30 حزيران الماضي . ذلك ليس- فقط - لأن إجراء الاستفتاء يؤكد التزام السلطة الانتقالية بتنفيذ ما وعدت شعبها والعالم به، وحسب الجدول الزمني المحدّد، بل أيضاً - وهنا الأهم - لأن الشعب المصري - تحت حماية قواته المسلحة وإشراف قضاته وتغطية وسائل إعلامه الوطني - استجاب لدعوات حركته السياسية والمجتمعية والشبابية الوطنية، وشارك في الاستفتاء على مشروع هذا الدستور بنسبة هي الأعلى مقارنة بنسب مشاركته في الاستفتاء على ما عُرِضَ عليه من مشاريع دساتير منذ العام 1971 وليس مقارنة بنسبة مشاركته في الاستفتاء على مشروع "دستور الإخوان" في العام 2012 فقط .
كل هذا من دون أن ننسى دلالات أن انجاز هذا الاستحقاق الدستوري الديمقراطي تم في ظل مواقف ودعوات المقاطعة التي اتخذتها جماعة "الإخوان" و"أخواتها" التكفيرية، عدا ما قامتا به سوياً من عمليات عنف وترهيب وتخويف وترويع لإفشال الاستفتاء . ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أن المواجهة الدائرة في مصر هي مواجهة بين أغلبية ساحقة من أبناء الشعب المصري وحركته السياسية والمجتمعية والشبابية الوطنية وأبناء أعمدة دولته العريقة الراسخة: الجيش والقضاء والثقافة والفن والإعلام، من جهة، والتنظيم الدولي لجماعة "الإخوان المسلمين" و"أخواتها" بدعم من دول وقوى عربية وإقليمية ودولية تملك نفوذاً سياسياً كبيراً وعوامل قوة أمنية ومالية وإعلامية هائلة، من جهة ثانية .
إذاً، لسنا أمام مواجهة بين طرف يتمسك بالتداول السلمي للسلطة السياسية وطرف انقلابي يرفضه، كما تشيع -بقصد التضليل- قيادة "الإخوان" ومن والاها، إنما بين طرف يدافع عن هذا المبدأ الديمقراطي وطرف يستعمله ويستخدم قدسية دين سمْحٍ "أُنزِل للناس كافة" ومشروعية ثورة شعبية اختطفها للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية وتغيير هويتها وتزييف تاريخها الوطني والقومي وتفصيل دستورها على مقاس مصالحه الحزبية الضيقة، بل طرف لا يتورع عن الاستقواء بالخارج وممارسة العنف التكفيري وتوفير الغطاء السياسي لممارسته على يد جماعات خرج جلُّها، إن لم يكن كلها، من عباءته . ما يعني أننا أمام مواجهة مفصلية معقدة ومركبة وذات مضامين وانعكاسات وتداعيات وتأثيرات استراتيجية، وربما تاريخية، إن في داخل مصر أو في محيطها العربي وغلافها الإقليمي . أما لماذا؟
* أولاً: لأن المواجهة تدور في مصر التي أثبتت تجربتها الحديثة والمعاصرة، على الأقل، أنها "إن قامت قام العرب وإن نامت نام العرب" . ما يعني أن وجهة حسم المواجهة الدائرة في مصر تحدد بدرجة كبيرة مصير المواجهة الدائرة في أكثر من قطر عربي من دون أن ننسى انعكاسات كل ذلك على بقية الأقطار العربية وعلى قضايا الأمة المركزية، وأولاها القضية الفلسطينية التي يعلم الجميع أن ثمة حاجة لوقفة وطنية فلسطينية وقومية عربية لإحباط مخطط - اسرائيلي أمريكي جديد يروم تصفيتها وتعزيز مكانة الجانب الاسرائيلي وتشريع أبواب التطبيع العربي المجاني معه .
* ثانياً: لأن المواجهة الدائرة في مصر، فضلاً عن انعكاساتها على مجمل الحالة العربية، غير منفصلة عما يشهده ميزان القوى الدولي والإقليمي من تحولات كبرى . ما يعني أن وجهة حسم المجابهة في مصر تحدد بدرجة كبيرة وزن مراكز القوة
العربية ومكانتها ونفوذها في ميزان قوى النظام الدولي والإقليمي الجديد .
* ثالثاً: لأن المواجهة الدائرة في مصر غير منفصلة عما لجماعة "الإخوان" من تقارب مع الولايات المتحدة التي تشهد حالة تراجعٍ جلية ووثيقة الصلة بأزمتها الاقتصادية وبفشل حروبها وسياساتها الخارجية عموماً، والشرق أوسطية، خصوصاً . ما يعني أن وجهة حسم المواجهة تحدد بدرجة كبيرة مصير توق الشعب المصري المنتفض للنهوض والتخلص من علاقة التبعية والارتهان للسياسة الأمريكية .
* رابعاً: لأن المواجهة الدائرة في مصر إن هي إلا حلقة من حلقات صراع قديم متعدد الأبعاد والمواقع والمخاطر بين مشروع حركات "الإسلام الحزبي" التكفيرية وأصلها جماعة "الإخوان المسلمين"، والمشروع العربي الديمقراطي الحداثي التحديثي التحرري بمشاربه الوطنية والقومية والليبرالية والتقدمية . حلقة فجرها حراك شعبي عربي يشكل في جوهره العام حالة استفاقة تعزز الأمل بالتغيير على المدى البعيد وربما المتوسط، رغم كل محاولات اختطافه وإجهاضه وحرف مساره عن أهدافه الحقيقية .
ما يعني أن وجهة حسم هذه الحلقة من حلقات هذا الصراع في مصر بالذات تحدد بدرجة كبيرة حسم المآل النهائي لانتفاضات الشعوب العربية التي ركبت موجتها وحاولت اختطاف ثمارها، بدعم "غربي" عام وأمريكي خاص، جماعة "الإخوان المسلمين" وكل ما خرج من عباءتها من حركات "الإسلام الحزبي" التكفيرية الجاهلة المتطرفة التي شوهت صورة الحراك الشعبي العربي، وما انفكت تنشر القتل والتدمير والتخريب والتقسيم الديني والطائفي والمذهبي والجغرافي والمجتمعي في أرجاء الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه، بل في غلافه الإقليمي أيضاً .
ولعل المرء لا يحتاج إلى ذكاء كبير كي يكتشف صلة كل ذلك بمخطط نشر "الفوضى الخلاقة" وتطبيقاته متعددة الأشكال والذرائع والمسميات في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والسودان، والحبل على الجرار .
إن نجاح الشعب المصري المبهر في "عبور" محطة استحقاقات وتحديات ومكائد الاستفتاء على مشروع الدستور وإحباط كل محاولات منعه من التعبير عن إرادته وتطلعاته بحرية وشفافية، إنما يؤكد قدرته على "عبور" استحقاقات وتحديات ومكائد محطتيْ الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلتيْن، ما يبرهن - مرة أخرى - على عبقرية هذا الشعب وعراقة حضارته ورسوخ دولته وقوة إرادته ووطنية قواته المسلحة وسعة وعمق مخزون عوامل "قوته الناعمة" في السياسة والفكر والثقافة والفن والصحافة والإعلام . . . إلخ
على ما تقدم، ثمة سؤال كبير على قيادة جماعة "الإخوان المسلمين" وكل من والاها لمصلحة أو لجهل داخل مصر وخارجها، فحواه: إلى متى يبقى العناد وتجاهل حقيقة أن مَن يكسب ثقة الشعب وصوته الحر على برنامج يستجيب لمصالحه وهمومه ومطالبه هو الجدير بإدارة شؤونه؟
بقي القول: مرحى للشعب المصري الذي كشف للعالم المضامين الفعلية للمواجهة، وأكد مرة أخرى قدرته على حسمها لمصلحته .
وماذا بعد الرفض..؟
بقلم: هاشم عبد العزيز – القدس
هذه إطلالة على خطوة لجنة متابعة المبادرة العربية لقاء وزير الخارجية الأمريكية جون كيري الأحد الماضي في العاصمة الفرنسية باريس .
حسب وزير الخارجية الفلسطيني قدمت اللجنة للوزير الأمريكي "موقفاً عربياً موحداً" رفض الشروط الإسرائيلية التي تحمل الفلسطينيين تحت مظلة التسوية التخلي عن قضاياهم المسلوبة وإقامة دولتهم المستقلة كاملة السيادة الوطنية، وفي أبرز تلك الشروط: الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية الذي يعني فيما يعني قطع الطريق أمام عودة اللاجئين إلى بيوتهم وأرضهم، وفتح نفق مظلم أمام فلسطينيي 1948 لأنهم يصيرون في هويتهم الفلسطينية التاريخية والوطنية من غير مواطني هذه الدولة الدينية .
إضافة إلى شرط بقاء وجود عسكري إسرائيلي في منطقة غور الأردن تحت ذرائع أمنية وسيطرة كاملة على مدينة القدس التي تشهد عملية تهويد مركزة وواسعة لتحويلها إلى عاصمة إسرائيل، علاوة على ما يجري تسويقه من مطالب وشروط أمنية تقوم بالأساس على جعل الجانب الفلسطيني يتحمل مسؤولية حماية الاحتلال الذي يعاني الشعب الفلسطيني انتهاكاته والاحتلال هو السبب للمخاطر والأضرار وعدم الاستقرار في هذه المنطقة بما يعني ذلك على أمن واستقرار ومصالح عالمنا بأسره .
في النظرة العامة قدمت لجنة المتابعة العربية دعماً للفلسطينيين في مواجهة الضغوط والابتزاز التي تزايدت لحملهم على تنازلات تذهب باتجاه تصفية القضية الفلسطينية، وأهمية الموقف أنه يأتي في ظل ظروف عربية صعبة ودقيقة، ربما لم يكن في حسبان لا الإسرائيليين ولا الأمريكيين وإذا به يأتي على هذا النحو الذي يستعيد فيه موقفاً عربياً لا في التصلب الاسرائيلي وحسب، بل وتجاه الإفراط في الاستفراد في الشأن الفلسطيني، كما لو أن العرب لم يعد عليهم مسؤولية تجاه هذا الشعب استعادة حقوقه .
السؤال الآن: ماذا بعد هذه الخطوة؟
بالطبع لم يعد الأمر يحتمل إعادة إطلاق الأمنيات دونما النظر إلى الحقائق والتعامل معها، وفي هذا السياق ثمة حقيقتان: الأولى أن الاحتلال رفض حقوق الشعب الفلسطيني ويناهض السلام لأن سياسته في هذا الشأن تتكرس على الأرض بأوجه عديدة من الممارسات، ويكفي أن نشير هنا إلى الاستيطان الذي يتزايد في الأراضي الفلسطينية من دون اعتبار لا للمواثيق الدولية ولا الإدانة ولا المطالبة ولا حتى المناشدة بإيقاف هذه القاطرة المندفعة إضافة إلى التوغلات الأمنية وتلكم هي النتيجة لهذا الجانب بطبيعته..
أما الحقيقة الثانية فهي أن المطالب والشروط الاسرائيلية التي تعني إرغام الفلسطينيين التسليم بالأمر القائم على الاحتلال هي ثمرة الرعاية الغربية لما يسمى التسوية أو عملية السلام .
إلى هذا اتبعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ مؤتمر مدريد للسلام واستفرادها بهذه الأزمة تحت مظلة التسوية سياسة شراء الوقت، وهذا وحده على الأقل كان أقرب إلى منحة للاحتلال الذي استثمره في غير مجال ومن ذلك موجة الاستيطان . وهي بعد أن تجاهلت قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام واستبدلتها باتفاقات بمسميات مرحلية وحتى خطة خريطة الطريق لم تعن بتنفيذها وكان الاحتلال يبدأ بإعادة إنتاجها ومن ثم التنصل عنها، وراهناً كان وزير الخارجية الأمريكية جون كيري قدم ما سمي "اتفاق إطار" وعلى رأس أولوياته الجانب الأمني الذي يطالب به الاحتلال وأطلق ما اعتبره "البدائل" للمطالب والشروط الإسرائيلية في شأن الوجود العسكري في غور الأردن وتجاه السيطرة الإسرائيلية على كامل مدينة القدس .
كيري اقترح أن تكون هناك إما قوات دولية أو شرطة فلسطينية وإسرائيلية مشتركة في غور الأردن وأعلن عن "القدس الكبرى" .
في القراءة لهذه الطروحات الأمريكية يرى مراقبون أن ثمة صفقة ستحدث لتراجع إسرائيلي القبول بقوات أمريكية في غور الأردن، كما أن كيري أعلن عما أسماه "القدس الكبرى" وهي لا تقوم على القدس الشرقية والغربية وحسب بل وعلى إيجاد مدينة جديدة للفلسطينيين، ما يعني أن القدس القائمة ستكون جزءاً من الأراضي الإسرائيلية .
هنا تكمن عقدة الطروحات الأمريكية، ففي الظاهر هي بدائل للشروط الإسرائيلية لكنها في الواقع بدائل للحقوق وفي الأهم السيادة الفلسطينية .
500 بليون دولار أمريكي تعويض عن 418 قرية فلسطينية دمرت عام 1948
بقلم: ابراهيم مطر – القدس
قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدى استقباله لوفد مقدسي في مقر الرئاسة في رام الله:" لن نقبل ولن نعترف بيهودية الدولة " في اسرائيل، كما كشف وزير خارجية دولة فلسطين د. رياض المالكي في حديث للصحف المحلية ان وفد لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية قد ابلغ وزير الخارجية الامريكي جون كيري في اجتماع عقد في العاصمة الفرنسية رفض مطلب الاعتراف بإسرائيل ك "دولة يهودية".
كان ذلك رداُ على الحملة التي يقودها رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو ويطالب فيها بالاعتراف باسرائيل كدولة يهودية كشرط اساسي لإحلال السلام مع الفلسطينيين.
فقد ردد نتنياهو هذا المطلب في خطابه امام الجامعات الإسرائيلية والكنيست والمحافل الدولية وزعم بأن فلسطين هي " ارض اجداده".
وكرر هذا المطلب وزير دفاعه موشي يعالون الذي اضاف ان لا سلام مع الفلسطينيين دون تنازلهم ايضاُ عن حق العودة. وجاء وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان بتصريح اضافي يطالب بالاعتراف باليهود الذين هاجروا الى اسرائيل من الدول العربية بأنهم لاجئون ومقايضة املاكهم بأملاك اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم بالقوة ، اي يطالب بمساواة المهاجر الى بلد آخر وبمحض إرادته باللاجئ الذي اجبر على ترك وطنه.
وبهذا المنطق، لماذا لا يطالب ليبرمان بتعويض عن املاك مليون روسي يهودي هاجروا الى اسرائيل خلال الاعوام السابقة وأملاكه الشخصية التي هجرها من بيلاروس.
والهدف من هذه الحملة المركزة هو طمس اي حقوق فلسطينية في ارض فلسطين التاريخية، وان الشعب الفلسطيني لم يكن " موجوداً " وان فلسطين هي أرض بلا شعب الى شعب بلا ارض كما ادعوا في أوائل القرن الماضي.
وامام هذه الحملة المحمومة لطمس الحقوق التاريخية نقول انه " لا يكفي رفض يهودية الدولة" ، بل المطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد والشرعي لشعب فلسطين ودولة فلسطين المعترف بها دوليا في الامم المتحدة الرد على هذه الحملة بإعلان واضح بان " لا سلام مع اسرائيل" بدون اعترافهم الصريح بتشريد 750000 فلسطيني من ارضهم ووطنهم وتدمير 418 قرية فلسطينية عام 1948، كما على اسرائيل ان تعتذر عن هذا التدمير الذي يعتبر من اكبر انتهاكات القرن العشرين.
ونذكر نتنياهو بما قاله رعنان فايتس من الوكالة اليهودية للاستيطان في مقابلة مع صحيفة «الجيروزالم بوست» عام 1997: " انا الذي امرت بتدمير ما يزيد عن 300 قرية عربية فلسطينية عام 1948"، وانا الذي حولت فلسطين الى تراب".
وأضاف: وعلى انقاض هذه القرى بنينا 500 موشاف وكيبوتس ( قرى يهودية اقيمت في فلسطين وكانت نواة الهجمة اليهودية المسلحة على شعب فلسطين) من الجليل وحتى النقب وأكد بأنه اقترف هذا العمل " وهو مسرور".
كما نذكر ما بما قاله وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق موشه ديان في خطاب له امام طلاب جامعة التخنيون في حيفا عام 1969 ، اذ قال انه لا يوجد مستعمرة يهودية في فلسطين إلا وأقيمت على انقاض قرية عربية.
فتدمير القرى الفلسطينية هو تدمير للوجود الفلسطيني على الاراضي الفلسطينية لآلاف السنين، اذ دمر في هذه القرى تراث وحضارة عريقتان تمتد من اليبوسيين والكنعانيين ثم الى حضارة اليونان والرومان والبيزنطيين واخيراً تراث الحضارة العربية والاسلامية.
وكما سبق لا يكفي الاعتذار عن هذا الجرم بل ايضاً يجب الطلب من اسرائيل الآن وليس غداً بتعويض الى دولة فلسطين بتقدير اولي 500 بليون دولار امريكي، اذ ان القرى التي تم تدميرها في فلسطين التاريخية لا تقدر بثمن. ولمعرفة التفاصيل عن القرى المدمرة يمكن مراجعة كتاب للمؤرخ الفلسطيني الدكتور وليد الخالدي، هذا الكتاب يبين بالأرقام والمعلومات هذه القرى ، كعدد البيوت التي دمرت وعدد السكان ومساحة الاراضي التي تملكها هذه القرى.
والجدير بالذكر أن بلدية بيت ساحور قررت اقامة متحف لذكرى القرى المدمرة وخصصت قطعة ارض لهذا المشروع وأعدت المخططات الأولية.
وقد ذكرت تقارير ظهرت في الصحف الاسرائيلية بأن اسرائيل قد دمرت او استولت عام 1948 على اكثر من 73000 غرفة وما يزيد عن 8000 مخزن ومكتب بالاضافة الى ما يزيد عن 4 مليون دونم زراعي يملكها الفلسطينيون الذين طردوا من وطنهم ومنعوا حتى يومنا هذا من العودة إليها.
والقرى والاحياء الفلسطينية التي لم يتم تدميرها يقطنها اليوم اليهود مثل احياء في صفد ويافا والقدس الغربية في القطمون والبقعة الفوقا والتحتا، والطالبية وابو طور الفوقا والمصرارة وقرى بأكملها والمحيطة بالقدس الغربية وهي عين كارم، دير ياسين، المالحة ولفتا، وهذه أمثلة وليس للحصر.
والمعلوم ان اسرائيل استولت على هذه الاملاك بموجب قانون الغائبين لعام 1950، اذ اعتبرت كل فلسطيني لم يكن موجودا في دولة اسرائيل بعد ايلول من عام 1948 غائباً وأملاكه تعود الى حارس املاك الغائبين وسمحت لهذا «الحارس» ان يتصرف بهذه الاملاك كما يشاء بالبيع او التأجير للهيود فقط.
وبالرغم من ان كثيرين من اهل القدس موجودون في القدس الشرقية غير انهم ما زالوا يعتبرون غائبين ولا يحق لهم استعادة املاكهم في القدس الغربية.
وملاحظة هامة اود ذكرها هنا انه بالنسبة لدولة اسرائيل فإن الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم لا تعتبرهم لاجئين بل غائبين حتى يتسنى لها سلب املاكهم بموجب هذا القانون غير الشرعي.
وهذا المطلب للتعويض عن القرى المدمرة هو مطلب قومي لدولة فلسطين ولا يشمل حق التعويض الفردي او العودة الذي نص عليه قرار 194 للهيئة العامة للامم المتحدة في كانون اول عام 1948. ونشير هنا الى ان المانيا دفعت تعويضات عن «المحرقة» لدولة اسرائيل وللأفراد اليهود المتضررين حتى يومنا هذا.
وتدمير قرى فلسطين من قبل اسرائيل لم يتوقف عام 1948 بل بعد حرب حزيران عام 1967 حيث دمرت بالكامل ثلاث قرى في وادي اللطرون في الضفة الغربية من فلسطين وهي يالو وعمواس وبيت نوبا والاستيلاء على 20000 دونم زراعي يملكها اصحاب هذه الاراضي في القرى الثلاث، وقد تم بناء مستوطنة مفو حورون على انقاضها.
لقد حان الوقت للرد على الهجمة المحمومة للاسرائيليين لطمس اي حقوق للشعب الفلسطيني في ارض فلسطين التاريخية. والانسان الذي لا يطالب بحقه فإن حقه يضيع ولن يغفر له التاريخ ولا الاجيال القادمة، ونكرر انه لا يكفي رفض " يهودية الدولة " بل يجب التأكيد بأن لا سلام مع اسرائيل بدون الاعتذار والتعويض عن أكبر انتهاكات القرن العشرين وان فلسطين ليست ارض اجداد نتنياهو كما يدعي.
وحتى لا ننسى اقترح تدريس مساق خاص في المدارس والجامعات الفلسطينية عن القرى المدمرة كما نطالب الرئيس محمود عباس بإعلان وسن تشريع للوقوف حداداً لدقيقة صمت في يوم الاستقلال.
ما هي حدود إسرائيل ؟!
بقلم: فيصل ابو خضرا – القدس
*لا حدود لإسرائيل ما دامت لم تحقق بعد "اسرائيل الكبرى" وقد كتب بن جوريون في مذكراته اثناء مرحلة ظهور دولة اسرائيل:" لسنا مضطرين لرسم حدود اسرائيل". كما قالت أيضاً جولدا مائير عام 1969م:" حيث سنقيم ستكون هناك حدودنا" ويقول موشي دايان في الاتجاه نفسه:" اذا كنا نعتبر اننا شعب التوراة فلا بد لنا من امتلاك اراضي التوراة
أيضاً". وبقدر ما تستطيع اسرائيل مد حدودها وتركيز امنها، بقدر ما تستطيع الدعوة الى المزيد من الهجرة اليهودية اليها. هذا هو منطق " المجال الحيوي" الذي هو منطقها، وهذا هو منطق" الوطن التوراتي" الذي ترتكز عليه. اما الهدف المباشر الان هو بلع ما تبقى من فلسطين بما فيها الاغوار ،وليس حروب الاستيطان، وحروب التوسع، وحروب التفكيك والتقسيم، بالحداثة الطارئة في زمانها والمنبثقة عن حاضرها. كلا، ليست هي كذلك، فهي كلها مرسومة في المشروع الصهيوني من الاساس، وكلها جاهزة ومخطط لها منذ زمن طويل، في انتظار ان يحل الوقت الاكثر ملاءمة لتنفيذها، فما المسالة سوى مسألة وقت.
ان ما حدث من احتلال وتوسع في حرب 1967 كان يمكن ان يحدث سنة 1948م لو توفرت للحركة الصهيونية المعطيات الملائمة، والمذكرات والنصوص الصادرة عن بن جوريون منذ عام 1948، وعن موشي دايان منذ 1954، تظهر ان حرب 1967 كانت مرسومة بكل أهدافها قبل وقوعها بكثير. ومخطط تقسيم المنطقة، ومخطط مد الحدود الاسرائيلية الى نهر الاردن مرسوم مسبقاً.
هذه هي الحركة الصهيونية في مكيافيليتها وقوتها، تبقى الحركة الصهيونية في ضعفها، وهي تنطوي على نقاط ضعف ثلاثة: ضعف حجتها التاريخية اولا، وتهافت أيدولوجيتها ثانيا، ومازق دولتها ثالثا.
الحجة التاريخية،اي حقها في ارض فلسطين الذي قامت عليه الحركة الصهيونية دعوتها.اذا كان هو حق الأقدمية الاولى فاليهود في التاريخ الأقدم لم يكونوا اول شعب استوطن فلسطين، ومن بين الشعوب التي سبقتهم اليها الشعب الفلسطيني الذي أعطى لهذه الارض اسمها. واذا كان هو حق العودة الى مكان بعد 3500 سنة فهناك اكثر من من 12 شعباً معروفا سكنوا هذا المكان وتمازجوا فيه قبل ذالك التاريخ وبعده، وفي اي حال ما علاقة اليهود الأوروبيين و سواهم بتلك القبيلة اليهودية التي مرت تاريخياً من هنا مثلها مثل سائر الأقوام والقبائل؟ وكان هرتسل مستعد للذهاب الى أوغندا، او الأرجنتين او موزمبيق او قبرص، وكانت فلسطين احدى الاحتمالات فقط.
من جهة الأيديولوجيا، اي اساس يرجى لمفهوم " العرق اليهودي"، واليهود مثلهم مثل أبناء سائر الديانات يتألفون من جميع الأعراق التي وصلت اليها دعوتهم عبر الأجيال، من الصين الى بولونيا؟ وأي اساس يرجى لمفهوم " ارض الميعاد" وهو روحي المعنى، رمزي المدلول" مثله مثل كل ما هو وارد في التوراة، وقد فسرته الحركة الصهيونية تفسيراً سياسياً مشوها لا يمت للأصل بصلة؟ لقد كان هذا التشوية موضع استنكار اللاهوتيين اليهود أيضاً ممن رفضوا في حينه التحريف السياسي للتوراة الذي حملته الصهيونية، كما رفضوا تحويل الديانة اليهودية الى مشروع دولة.
وتاريخ الحركة الصهيونية في الثلث الاول من القرن العشرين هو أيضاً تاريخ صراعها مع هذا التيار اليهودي الذي يرى في اليهودية" دين روحي الهدف وإنساني الدعوة" لا يمكن تحويله الى دولة مغلقة، وتحويله الى دولة مغلقة يعني الغاءة. ولم تنتصر الحركة الصهيونية نهائياً الا بعد بروز النازية وما قامت به ضد يهود اوروبا. مع ان الحركة الصهيونية كانت مراهنة من الاساس على اللاسامية . وقبل بروز النازية كان عدد كبير من يهود اوروبا الغربية، والعدد الاكبر من يهود امريكا، يرون في الصهيونية خطرا على اندماجهم في مجتمعاتهم، وأداة تحريض دائمة عليهم. وكان معظم أنصار الحركة الصهيونية في حينه من يهود اوروبا الشرقية ممن توترت علاقاتهم بمجتمعاتهم.
من جهة دولة اسرائيل، ليست الصورة زاهية أيضاً... فليس من دولة مرتهنة اقتصادياً وماليا للخارج مثل هذه الدولة التي لا تتوافر فيها مقومات وجودها والتي تعاني من العزلة الكاملة في محيطها حتى لو أقامت علاقات سياسية مع هذه الدول، ناهيك عن ما تقاسيه
اليوم من عزلة دولية اليوم وبعد ان انكشفت للعالم اجمع انها دولة عنصرية من الطراز الاول. وليس من دولة مرتبطة عسكرياً أيضاً بالخارج مثل هذه الدولة. والدولة الاسرائيلية التي ارادت طمأنة يهود العالم وضمان امنهم هي دولة الحروب الأبدية وهي الدولة التي يشعر اليهودي فيها انه مهدد في امنه اكثر من اي مكان في العالم. فإلى متى تستطيع اسرائيل الهرب الى الامام؟ فصورة اسرائيل الواثقة من مستقبلها، والتي انتشرت بعد حرب 1967م لم تعد راسخة في الخارج خصوصاً بعد هزيمتها في حرب العبور، ولولا تدخل امريكا السريع لكانت اسرائيل في وضع صعب جداً. وهجرة اليهود السوفيات ويهود افريقيا لإسرائيل لا تلغي المأزق الذي تعيشه بين شعب راسخ في ارضه وارض اجداده وهو الشعب الفلسطيني، خصوصاً بعد عطف العالم لقضيته واعتراف العالم بدولته المستقلة، فأين ستكون حدود هذه الدولة التي اخترعها العالم الغربي؟.....
العرب من التوريط الى التفريط... إلى متى؟
بقلم: محمد جلال عناية - القدس
الحقيقة التي تجب كل الأقاويل، هي أنه لم يكن للفلسطينيين في يوم من الأيام اي لون من ألوان السيطرة على أرضهم. إنهم أناس «ونحن افراد منهم» قد صقلهم المراس، ولكن التحديات كانت دائماً فوق طاقتهم.
مع اننا أرض وشعب ككل الناس الذين عاشوا في اوطانهم، الا اننا «كأرض وشعب» مكثنا اربعة قرون تحت سيطرة العثمانيين، ثم تلقفتنا بريطانيا والحركة الصهيونية، اللتين خطتا حدودنا وسيطرتا على ارضنا، ثم اصبحنا اسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة. ومنذ ذلك الوقت، ظل الوطن الفلسطيني الذي نطلبه شعراً وهتافاً واغاني واناشيد، ودماً مسفوحاً ودماراً، وذلاً واضطهاداً، ومن كان منهم بلا خطيئة فليرمنا بحجر.
فماذا عن ثورة تحرير فلسطينية تواصلت على امتداد نصف قرن؟ في بحثنا عن طريق للخروج من المتاهة كفلسطينيين، لابد من ريادة لا يكذب فيها الرائد اهله، وأول خطوة في هذه الريادة تتمثل في البحث الموضوعي في ماهية الثورة التي انطلقت بتشكيل حركة «فتح» في الكويت في العام 1959، واستمرت حتى هذا العام 2014.
حتى يتضح طريقنا ويستقيم خطونا، لابد من ان نستحضر سوية عقلنا التصحيحي للإجابة على اسئلة سهلة وواضحة، ولكن الإجابة عليها صعبة وعلى درجة من التعقيد، ويبدو من المستحيل تحقيقها.
هل يحيط اي منا بعدد التنظيمات الفلسطينية التي تواجدت في السر والعلن، على امتداد نصف القرن الماضي، وعلاقاتها وارتباطاتها والاغراض الحقيقية التي اقيمت من اجلها؟ والسؤال الآخر: هل يحيط احد منا بأنماط الثوار من اعضاء هذه التنظيمات، هذه الانماط التي تمتد في سلسلة عصية على التصنيف تبدأ بالاستشهاديين والضحايا وتنتهي بالخونة والعملاء.
لقد صنعنا الثورة لتحقيق هدف معين، فهل برعنا في صنعها، او بالأحرى، هل اتيحت لنا الظروف لصنعها بإتقان؟
ان الذين تنادوا للثورة اناس طيبون، ولكن ليس لدرجة الغفلة للاعتقاد بأن في إمكان الشعب الفلسطيني، وهو على تلك الحال من الضعف والتمزق، والضغوط النفسية في اجواء استبدادية «من قبل القريب والغريب» كممت فمه وشلت يده، ان يوفر الظروف لانشاء جهاز يتكون اسمه من ثلاث كلمات، هي: «ثورة»، و«تحرير»، و«فلسطين»، تتوفر له اسباب القوة لتحرير فلسطين.
كان كل ما يطمح اليه الفلسطينيون الطيبون ان يوقدوا شرارة تلهب الحدود العربية لإشعال ثورة تحرير على المستوى القومي لتحرير فلسطين، حيث لم تتوفر الظروف لتعاون طوعي مع انظمة عربية استبدادية للرد على التحدي الاسرائيلي، فلم يكن امام الفلسطيني الضعيف سوى التحايل. وحتى نتفهم الظروف التي كان يتحرك فيها الرواد الطيبون، يسهل ذلك من خلال العامل الجغرافي، لنسأل انفسنا: لماذا تشكلت حركة تحرير فلسطين «1959» في امارة الكويت التي لم تكن قد استقلت بعد، وكانت في ذلك الوقت خالية من البؤر الامنية العربية، بعيداً في اقصى المشرق العربي؟
ولكن، الى اين وصل بنا الحال من خلال عملية التجاذب والتدافع بين الفلسطينيين والانظمة العربية على امتداد نصف القرن الماضي؟
في المسار التصحيحي نفسه نريد ان نؤكد مرة بعد اخرى، ان كل ما لفلسطين وللفلسطينيين من رصيد في الوطن العربي هو مشاعر الشعوب العربية، التي كلما حاولت الانظمة العربية اطفاءها يعود اليمين الاسرائيلي ويمين اليمين الى اشعالها من جديد.
اذا كنا ندرك ان الصهيونية بملحقاتها، والاستيطان الاسرائيلي بشرهه هما من يلهب المشاعر العربية، نريد النظر في العوامل التي فعلت افاعيلها، على امتداد نصف القرن الماضي، لإطفاء هذه المشاعر، فقد تحرك طابور خامس، في الدول العربية الراديكالية والمحافظة على حد سواء، لمحاربة فكرة الارتباط بين الشعوب العربية والقضية الفلسطينية، بالايحاء للشعوب العربية الفقيرة بأن هذا الارتباط هو السبب في سوء احوالها الاقتصادية والايحاء للشعوب العربية الغنية بأن هذا الارتباط سوف يحرمها من الرفاهية التي تنعم بها.
ولكن الانقلاب الكبير الذي حدث، هو غرق الفلسطينيين في الحوض العربي بدلا من توريط العرب في حرب ضد اسرائيل.
الورطة الثانية التي وقعت فيها القيادة الفلسطينية هي التهليل لقرار مؤتمر قمة الرباط (1974) باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. اما الجزء الصامت من القرار فهو "لحمل عبء الاعتراف باسرائيل وتقديم التنازلات لها". وليس للاستئثار بكعكة الحكم في الدولة الفلسطينية المنتظرة.
الورطة الثالثة التي وقعت فيها القيادة الفلسطينية هي توقيع اتفاق اوسلو 1995، واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية.
فبعد الاجتياح الاسرائيلي 1982 للبنان، وترحيل القوات الفلسطينية الى تونس واليمن والسودان، لم يعد الحديث عن تحرير فلسطين عسكريا من قبل القيادة الفلسطينية ذي جدوى، وبشكل خاص بسبب هبوط الروح المعنوية بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل (1979).
كان اصحاب العلاقة على الجانب الفلسطيني يدركون ان شيئا لن يتحرك فيما يتعلق بتسوية فلسطينية اسرائيلية دون ان تعترف القيادة الفلسطينية باسرائيل. وقد استغرقت هذه القيادة في التمهيد لتمرير هذا الاعتراف على الشعب الفلسطيني مدة خمس سنوات بدأت في العام 1988 بالاعتراف بقرارات الامم المتحدة 181 و 242 و 338.
على هذا المسار نريد ان نشير الى قصر نظر القيادة الفلسطينية التي سارعت الى الاعتراف باسرائيل (1993) مقابل فقط اعتراف اسرائيل بأن المنظمة تمثل الفلسطينيين. واننا نعتب على القيادة الفلسطينية، بأنها قبلت بهذا الثمن البخس لاعترافها باسرائيل واهملت حق تقرير المصير، وحدود المناطق المحتلة، ووقف الاستيطان، مدفوعة بسباقها على السلطة مع الاحتواء السوري والبديل الاردني. وبسبب إفلاسها السياسي حيث قدمت اثمن ما لديهما وهو الاعتراف باسرائيل، هذا الاعتراف الذي كان ثمنه على اقل تقدير، دولة فلسطينية تامة الارض كاملة السيادة، ظلت تعاني من المراوغة الدبلوماسية الاسرائيلية منذ اكثر من عشرين عاما،انشغل خلالها الفلسطينيون بالتنازع على السلطة الوطنية الفلسطينية التي اصبحت الورطة الفلسطينية، بما هو عليه الحال الذي وصل اليه الفلسطينيون.
والآن جاء وقت اشعال مواقد المطبخ السياسي الفلسطيني، والاستعداد لنأخذ دورنا في المعمعة السياسية والدبلوماسية الدائرة في منطقة الشرق الاوسط، لعلنا نحقق بعض مصالحنا اذا ما استطعنا تنظيم قوانا لتحقيق هذه المصالح، ... بالتعامل مع الحقائق من حيث هي حقائق.
وهذا لن يتم الا من خلال حركة وطنية تصحيحية نبدأ فيها بمحاسبة الذات. لقد وعد الحاج امين الحسيني بإقامة دولة عربية في فلسطين فانتهت حربه بنقل الفلسطينيين من مدنهم وقراهم الى معسكرات اللاجئين. ووعدت قيادة حركة فتح بتحرير فلسطين فانتهت حربها بإقامة السلطة الوطنية مقابل اعترافها باسرائيل. ووعدت حماس بتحرير فلسطين من البحر الى النهر وانتهت حربها بمناشدة المجتمع الدولي للضغط على اسرائيل لتطبق قوانين الاراضي المحتلة على «غيتو» غزة.
وهنا تأتي ضرورة الحركة الوطنية التصحيحية، لأن كل التنظيمات المساومة والممانعة التي تشغل الساحة الوطنية بضجها وضجيجها، سواء كانت مجتمعة او منفردة لا تستطيع منع اقامة بيت لمستوطن اسرائيلي، ولا تستطيع منع هدم بيت لمواطن فلسطيني. فأين هي مفاتيح الحركة في الشأن الفلسطيني؟
انه غضب الشعوب العربية. ان غضب الشعوب العربية هو الذي دفع الرئيس الاميركي باراك اوباما للقول خلال خطابه في جامعة القاهرة: «ان وضع الفلسطينيين لا يطاق ولن تدير امريكا ظهرها للتطلعات المشروعة للفلسطينيين الا وهي تطلعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم». وفي تصريحات لاحقة ذهب الرئيس اوباما الى ابعد من ذلك عندما قال ان قيام دولة فلسطينية يحقق مصلحة اميركية.
ان موقف اوباما ليس طفرة في السياق الاميركي، فإنه ينسق تماما مع موقف كل من وزير الخارجية جورج مارشال ووزير الدفاع جيمس فورستال (1947) اللذين عارضا بقوة قيام دولة يهودية في فلسطين لأنه يضر بالمصلحة الامريكية. ولا احد يستطيع القول بأن الجنرال جورج مارشال، الذي كان رئيس اركان القوات الامريكية قبل ان يصبح وزيرا للخارجية، ووصفه ونستون تشرتشل بأنه مهندس النصر في الحرب العالمية الثانية، والذي ينسب اليه مشروع مارشال، لا أحد يستطيع القول بأنه لا يعرف اين هي المصلحة الامريكية عندما يعترض على اقامة دولة يهودية في فلسطين، مع انه هو والجنرال ايزنهاور انقذا اليهود من هتلر، ولكن كان ترومان صاحب الحق في التوقيع.
عندما يقول الرئيس الامريكي باراك اوباما :«ان متانة الاواصر الرابطة بين امريكا واسرائيل معروفة على نطاق واسع ولا يمكن قطع هذه الاواصر ابدا»، نفهم انه ليس رئيسا انقلابيا ولا يمكنه ان يكون كذلك ضمن قواعد اللعبة الامريكية التي يتغير فيها اللاعبون ولكن قواعدها تبقى ثابتة، وضمن هذه القواعد يرى الرئيس اوباما «ان السبيل الوحيد للتوصل الى تحقيق طموحات الطرفين يكون من خلال دولتين يستطيع فيهما الاسرائيليون والفلسطينيون ان يعيشوا في سلام وأمن» ولعل هذه اقصى حدود التوازن التي يطبقها باراك اوباما الرئيس الحالي للولايات المتحدة الامريكية.
اما المهمة الآنية الموكلة للمطبخ السياسي الفلسطيني فهي الابداع الدبلوماسي في حالتي المبادرة والمجابهة، فنحن اليوم احوج ما نكون الى رجال دولة يتحركون متسلحين برؤية ثاقبة وشجاعة اتخاذ القرار، بعيدا عن الموروث الهالك، وازدواجية المضمر والمعلن من المواقف.
في نطاق المبادرة يجب ان نبدأ بطلب شديد الوضوح ودقيق التحديد، مدعوم بالشرعية الدولية ونتقاسم المسؤولية عنه مع الاشقاء عرب، وهو رسم حدود الدولة الفلسطينية، فإن هذه الحدود مثبتة في اتفاقيات هدنة رودس (1949) بين كل من مصر واسرائيل والاردن واسرائيل، ولا مجال لطمسها قانونيا لا بالجدار ولا بالمستوطنات، وتدخل القدس الشرقية في نطاقها.
وفي مجال المجابهة، فإننا سوف نعترف بأن اسرائيل دولة يهودية، ولكن المدخل الى ذلك هو تطبيق قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 181 بتاريخ 1947/11/29 (قرار التقسيم). فإذا تراجعت اسرائيل الى خط الحدود الذي حدده قرار التقسيم فأهلا بها دولة يهودية. ولن تعود قضية اللاجئين الفلسطينيين مرفوعة، لأنهم سيعودون الى الدولة العربية التي منحها لهم قرار التقسيم.
واذا تم الاتفاق على موضوع تبادل الاراضي، فليطالب الفلسطينيون بأراض من مثلث (جنين - العفولة - بيسان) في الشمال، ومثلث (غزة - المجدل - الفالوجة) في الجنوب، وإعادة توطين اهل هذه المناطق من اللاجئين بها.
في موضوع فلسطين المسلحة، وفلسطين المجردة من السلاح، فإننا نحذر من الشرك الذي ينصبه نتانياهو للفلسطينيين من كافة الاطياف، لأنه حقا لا يريد دولة فلسطينية مسلحة، ولكنه يريد جماعات فلسطينية مسلحة يتذرع بوجودهم لتعطيل العملية السلمية لإقامة الدولة الفلسطينية، واستمرار الاستيطان حتى ابتلاع آخر شبر من فلسطين.
وآلية نتانياهو جاهزة للاستيطان بيد وضرب الفلسطينيين باليد الاخرى.
انه يمكن الخروج من مأزق التسليح بقيام حلف دفاعي بين مصر والاردن وفلسطين، وفي هذه الحالة فإن فلسطين سواء كانت مسالمة او مهادنة فإنها مرتبطة مصيريا بكل من مصر والاردن لأن صاحب العقل يدرك بأن فلسطين على امتداد ستين عاما لم تستطع دفعهما الى الحرب او منعهما من اقامة السلام.
يجب الا ننسى للحظة واحدة اننا في كل ما فعلناه، وما لم نفعله كفلسطينيين تم داخل النطاق العربي الذي يستحيل علينا الخروج منه، فهذا هو حالنا في الماضي والحاضر والمستقبل.
المثقف العربي: تناسل المآزق، وأفول التأثير
بقلم: د. خالد الحروب – الايام
الإعلام الجماهيري، التلفزيوني منه والانترنتي، هو الذي يوجه ناس اليوم، إلى حد كبير، ويتحكم في تكوين توجهاتهم وأمزجتهم و"أفكارهم" وميولهم السياسية.
هناك فواعل ولاعبون كثر بالتأكيد يؤثرون في الكتلة العريضة من الناس، لكن هؤلاء جميعا يحتاجون إلى الإعلام ولا حول لهم ولا نفوذ من دون جسور التواصل التي يوفرها إعلام اليوم.
في اللحظة الراهنة كل منا يستطيع أن يتذكر جدل برامج تلفزيونية عديدة، وما نوقش فيها من آراء وأفكار، ويستطيع ان يتذكر تفاصيل بعض النشرات الاخبارية التي غطت احداثا معينة، والشريحة الاكثر ميلا باتجاه الافكار والثقافة لعلها تتذكر بسهولة ايضا كتابا تابعت نقاشه على هذه الفضائية او تلك، او لقاء ادبيا او فكريا بُث مع هذا الاديب او ذاك الاديب. تأتي تلك "المتذكرات" وسط عاصفة لا تهدأ من الاعلام المتواصل والذي يتسم بالإيقاع السريع والحركة الدائمة التي ما ان تلبث ان تغطي حدثا ما، حتى تنتقل إلى آخر جديد.
لا وقت في هذا الاعلام السريع لإنضاج الافكار وتعميقها والاستطراد في تفكيك طبقات معانيها.
كل ذلك يعني مزيدا من الاحتكار للفكرة السريعة اللافتة والمخرجة بطريقة جذابة، ولا يهم مدى سطحيتها، فالمهم هو مدى جاذبيتها.
ليس جديدا القول ان الفكرة العميقة وكل ما له علاقة بها يسقط ضحية اولية وسط تلاطم بحر الاعلام السريع وفيضانه عبر الحدود وعبر نوافذ البيوت وشاشات الهواتف النقالة.
والضحية المرافقة بطبيعة الحال هي صاحب الافكار نفسه، المثقف. ذلك ان جسور التواصل بين هذا المثقف وفي اية بقعة في عالم اليوم اصبحت محدودة بوسائل الاعلام الجماهيري، ولا وسيلة اخرى يتواصل من خلالها هذا المثقف مع من يريد التواصل معهم، او إيصال افكاره لهم.
وحتى يحصل المثقف على نافذة صغيرة وسريعة يهرّب من خلالها ايا من افكاره وتداعياته عليه ان يتنافس مع اخبار ساخنة على مدار الساعة اكثر جذبا، ومع استعراضات غنائية ومقطوعات تقودها مذيعات جميلات قضين نصف النهار امام المرآة، ومع برامج خفيفة وبراقة وموسيقاها سريعة ولا ترحم تأني المثقف وتأمله وعدم انتباهه للوقت الذي يجري في ساعة المخرج، وهو يلعن الساعة التي استضاف فيها "المثقف الُممل".
يظل المثقفون بالتالي محشورين في كتبهم وابحاثهم، وتئن الافكار التي ينتجونها من كساد القراءة والاطلاع.
بيد أن مشكلة الوصول للجمهور والتأثير فيه ليست إلا جزءا من مشكلة اكبر تكمن في ضحالة انتاج الافكار في المشهد الفكري والثقافي العربي.
إذ حتى لو توفرت جسور التواصل على اوسع نطاق بين المثقفين وافكارهم والجمهور فإن ما سيتم نقله لن يكون بالشيء الكبير ولا العميق ولا المؤثر. ذلك انه من ناحية تأريخية وعمليه طبقة "المثقفين والمفكرين" في العالم العربي اصبحت رقيقة جدا، وليس هناك "مشهد فكري" تؤمه الافكار ويشهد اصطراعها وتعميقها وانضاجها.
الموجود هو مشهد انفصامي جزؤه الاول تكفيري، وجزؤه الثاني اقصائي، وكلاهما لا ينتج افكارا، بل آليات لقمع الآخر.
على صعيد انتاج الافكار ذاتها نحن في مواجهة انسداد حقيقي، إن لم يكن تراجعا.
وما يُكتب وُينشر بين الوقت والآخر هو إعادة تدوير لأفكار كتبت ونوقشت مرارا وتكرارا منذ حقبة ما تسمى "النهضة".
لم نستطع تفكيك الاشكاليات التي واجهها فكر النهضة منذ قرن ونصف: الدين والسياسة، العلاقة مع الغرب، وضع المرأة، التقاليد، العلاقة بين العلم والدين، الدولة الوطنية والامة، وهكذا.
كأننا اضعنا ذلك القرن ونصفا من قرن آخر ونحن لا نمتلك الشجاعة الكافية لحسم اي من تلك الاشكاليات، وعوضا عن ذلك نتلحف بتوفيقية تحاول ان تزاوج بين افكار متناقضة، فتتحول تكلسا حقيقيا على ارض الواقع وتحول حياتنا الفكرية والسياسية الى حالة حقيقية من الشلل.
وفي هذا السياق تنتقل المسؤولية إلى جانب المثقفين، وجانب انتاج الافكار، وليس فقط جانب الاعلام والجسر الناقل للافكار المُنتجة.
والواقع ان غياب الجرأة الفكرية عند الشريحة العريضة من المثقفين العرب أمر لافت، ولئن امكنت الإشارة إلى بعض اسباب ذلك الغياب، فإن ذلك لا يقدم تفسيرا مقنعا وشاملاً.
في كتابه الشهير عن المثقفين العرب والغرب والذي نُشر في سبعينيات القرن الماضي حاول هشام شرابي تحليل هذه "الظاهرة"، اي عدم جرأة المثقفين، وترددهم الكبير في القطع مع الفكر التقليدي والماضي المتكلس الذي يعيقهم ويعيق مجتمعاتهم.
شرائح المثقفين التي ناقشها شرابي انتمت إلى حقبة العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر والاوليين من القرن العشرين، والتي سماها شرابي حقبة التكوين.
مقاربة شرابي في فهم التردد الذي شاب اولئك المثقفين اعتمدت على تفكيك وتحليل السياق الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي عاش فيه اولئك المثقفون.
ارتباطاتهم الحياتية واحتياجاتهم الاقتصادية، وانتماؤهم للأغلبية العربية المسلمة في مجتمعاتهم كبل ايديهم وافكارهم، واضطرهم لأن يكونوا محافظين في طروحاتهم ويبقوا في اطار التوفيق بين الافكار المتضادة – او التلفيق في ما بينها.
على ذلك بقي الإرث القبلي والعائلي والديني وما يسميه شرابي البنية القروسطية مسيطرة على تفكيرهم، ومنعتهم من القطع الثوري مع واقعهم الاجتماعي والثقافي.
ثمة قرن ونصف القرن مرا على شريحة المثقفين التي ناقشها شرابي، ونحن اليوم امام شريحة اخرى، اقل تأثيرا وبروزاً، لكنها تعاني من نفس عوارض التردد وعدم الجرأة – إلا في حالات فردية هنا وهناك، وبما لا يشكل "مشهدا فكريا" عاماً ينتقل بالفكر المجتمعي من مرحلة إلى اخرى.
هل ما زال تحليل شرابي صائبا إزاء جبن طبقة المثقفين في مواجهة البنية القروسطية، أم اننا نحتاج إلى تطوير تحليله في ضوء العقود الطويلة التي مرت؟ هل يمكن القول ان تلك البنية التقليدية الصلدة ذات المعالم القروسطية استطاعت ان تبتلع اجزاء من العقل الجمعي والفردي وتعيد تأكيد احتلاله والسيطرة عليه، بحيث ما عاد بالإمكان التحرر منها؟ بل إن التوفيقية والتلفيقية على علاتهما صارتا تعانيان من التردي والتقهقر امام الزحف المتواصل للبنية والتفكير القروسطي.
كأن السياق الذي احاط بشرائح المثقفين في مرحلة زمنية ما، امتد إلى داخل طرائق التفكير وحول البنية العقلية ذاتها إلى بنية قروسطية، وبذلك وعوض ان يدحر العقل الناقد السياق القروسطي، تمكن هذا الاخير من العقل ذاته واحتله وضمه إلى بنيته المتخلفة.
المصالحة ودفن الرأس في الرمال
بقلم: د. عاطف أبو سيف – الايام
عاد الحديث الساخن عن المصالحة الذي ثار في الصحافة الشهر الماضي إلى ثلاجة الموتى، وخبت النار التي سرت للحظات، وظن البعض أنها ستتمخض عن دفع حقيقي لعملية المصالحة التي صار الناس، من وطأة الانقسام، ينسون أنها يمكن ان تحدث.
وللمرة بعد الألف نثبت أننا بارعون فقط في التصريحات والخطابات والوعود، وأن الذهاب الحقيقي للغايات والتطلعات دون مواربات إعلامية وحذلقات بلاغية أمر غير وارد، أو هو شيء لا نحترفه.
فالكلام المعسول والخطب الرنانة والابتهالات الخاشعة، والتي كلها أعطت إحساساً دافئاً أن ثمة حراكا حقيقيا لدفع المصالحة للأمام، كلها لم تعد إلا مجرد كلمات مثل ترنيمة تلك الأغنية الفرنسية الشهيرة التي تنتهي بـ"كلام كلام كلام كلام". وأظن ان ما جرى لم يكن أكثر من كلام.
فعند فحصه على أرض الواقع تبين أنه لم يؤسس فعلاً لنوايا حقيقية، او نجم عن رغبات صادقة، بل جاء من باب الاستعراض الوقتي لاحتمالات لن تحدث.
والمواطن الذي أكل الانقسام من عمره وشرب من سعادته سرعان ما يظن أن الجبل سيلد فجأة مولوداً يليق بحجم المعاناة.
لكن الحقيقة دائماً تأتي عكس ذلك، فاستعراض سريع لمسيرة "عملية المصالحة" التي باتت أعقد من مسيرة السلام تكشف كيف أن هذه العملية على ما اشتملت عليه من تعقيدات وتدخلات ومحاولات واستنجادات لم تفلح في أن تلبي يوماً رغبة الناس في إنجاز ما لا حاجة لبذل جهد لتحقيقه: المصالحة.
كل شعوب الأرض مرت بلحظات انقسام حادة في حياتها لفترات قصيرة كانت ضرورية من أجل استكمال مرحلة بناء الهوية الوطنية وتطوير تعريفات مشتركة للمصير المشترك، وتحديد الخيارات الوطنية خاصة المتعلق منها بشكل ونوع النظام السياسي.
ووصلت الأمور في الكثير من الأحيان إلى الاقتتال المسلح وانقسام الشعب بين مؤيد لهذا الطرف أو منحاز لذلك.
ويمكن لخبرات الشعوب أن تمدنا بالكثير من النماذج حول ذلك في كل قارات الأرض، إذ إن كلمة حرب أهلية ربما كانت كلمة أصلية وأساسية عند دراسة أي نظام سياسي لأنها تعكس كنه عمليات تطور النظام والشقاق الحاد في توجهاته الداخلية، حيث إن أي صيغ دستورية توافقية تعكس في الأساس مواقف طرفي الانقسام قبل كتابة الدستور، وهوية النظام الجديد ليست إلا زواجا قسريا لكنه مرغوب في الوقت ذاته (لأن غياب هذا الزواج سيقود إلى تدمير البلاد) بين الهويات المتنازع عليها.
لكن أيضا لم تكن هذه الانقسامات بسبب رغبة في تدمير البلاد، بقدر ما كانت بسبب وجهات نظر ورؤى حول أفضل السبل لمعالجة مشاكلها.
لا يقول لي أحد إن الخلاف الفلسطيني الداخلي على القيم والمثل والمصلحة الوطنية، ولا يحاول أحد بعد ثماني سنوات من المعاناة أن يقول لي إن أحداث حزيران الأسود العام 2007 كانت بحثاً عن أقصر الطرق لتحرير يافا ولم تكن من اجل الكرسي والكرسي فقط.
لا يبدو هذا الكلام لوماً أو عتاباً بل دعوة للمصارحة والإقرار بالخطأ، لأن ثمة حتى هذه اللحظة من يحاول أن يصور في خطابه ما جرى بوصفه دفاعاً عن "المقاومة" دون أن يدرك بأنه منذ حزيران 2007 لم تقاوم غزة بالمطلق بل كانت تدافع ببسالة عن نفسها، حتى وصل الأمر بإسرائيل أن تقول قبل أشهر إنها بصدد مقايضة أمنها بالخبز المرسل لغزة.
وعليه فبالقدر الذي وقع السياق الفلسطيني ضحية تصورات ذاتية عن نفسه بالقدر الذي يتشابه واقع حاله في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وليست الخطب الإعلامية وحديث البلغاء المفوهين إلا تضليلا يمكن للحظات قاسية من الاعتراف أن توضحه وتزيل غمامته.
هل نحن الشعب الوحيد على وجه الأرض الذي ينقسم على نفسه وهو تحت الاحتلال؟ من المؤكد أن هذه ظاهرة غريبة فشعب يرزح تحت نير قوة احتلال قاهرة لا يجد خياراً إلا أن يتقاتل مع نفسه.
مرة أخرى ليس مهماً السبب لأن خلف كومة الأعذار ثمة حقائق مؤلمة. لكن رغم قسوة الواقع ومرارته فإننا نتعامى عن كل شيء ونصر على إعادة انتاج خطاب الانقسام بكثير من العناد دون أن نلتفت إلى أن واقعنا ليس كما يجب وأننا نغوص في الوحل أكثر فأكثر.
حتى الرمل الذي ندفن فيه رؤوسنا لم يعد يكفي ليغطيها بشكل كامل.
فمن ينظر إلى غزة الآن يدرك كيف كانت فاتورة الانقسام قاسية وأن المباهج المؤقتة التي وفرها الانقسام للبعض سرعان ما ذهبت مع الريح وأن المواطن الغلبان عليه أن يدفع من مخزون سعادته المفقودة أصلا ثمناً لهذا الانقسام فيعاني من قلة الكهرباء والبنزين والغاز وشظف العيش وقسوة تقييد الحركة ناهيك عن تدني مستوى الخدمات خاصة مع نقص المعدات والأدوية وما إلى ذلك.
الخطابات والوعود لا تساعد في إخراج هذا الشعب من الضياع الذي فرضه عليه الانقسام. وعودة نائبين ولا ثلاثة من رام الله لغزة بعد موافقة حماس وسماحها لهم ليس بالخطوة الجبارة، لأن هؤلاء النواب ما كانوا ليغادروا غزة أصلاً لو فضلوا البقاء مع مواطنيهم الذين انتخبوهم حتى لو كلفهم ذلك ما كلف بقية المواطنين.
كما أن اللقاءات المتفرقة والمبعثرة لن تقود إلى مصالحة كما أن تفسير الماء بالماء لا يزيد المعني إيضاحاً.
المطلوب هو خطوات تذهب باتجاه الهدف مباشرة، بمعنى أن يتم تشكيل الحكومة مباشرة دون اعتراض وتحفظات واشتراطات ويتم تحديد جدول زمني ينتهي بإجراء انتخابات عامة.
وهنا لا حاجة للخطابات والوعود التي لا يرى النور كثيرها بل المطلوب هو الموافقة الفورية على تنفيذ ما اتفق عليه لا الحديث حوله.
وأظن أن توفر الإرادة لو وجدت وحده يكفي، فما بالك إذا نظرنا حولنا ورأينا صعوبة الحياة التي نحياها وأن المستقبل الوحيد الذي يمكن أن نحياه، وان يخرج غزة من نفق التيه، هو بالوحدة واستعادة المصالحة التي فقدت تحت سياط الانقسام المرير.
أظن ان ثمة خزاناً لم يقرع منذ زمن، وان ثمة أيادي مرتعشة لا تقدر للأسف على دق جدران الخزان.
واشنطن تريد حلاً ينقذ إسرائيل ويؤسس لاستراتيجية أميركية جديدة
بقلم: أحمد سيف – الايام
قد يأخذ اتضاح النوايا الأميركية، وما وراء إصرار البيت الأبيض على المفاوضات، ووصولها مرحلة دقيقة، المزيد من الوقت. وقد يتكرر في فترة التسعة أشهر ما حدث منذ مؤتمر مدريد قبل عقدين، أي فشل المحاولة مجددا. وهذا يعني استمرار الصراع بأشكال أخرى في مقدمتها ما سيترتب على فشل الجهود الأميركية الأكثر جدية منذ كامب ديفيد، من نهاية لحل الدولتين، ونهاية قبول الفلسطينيين بتقاسم فلسطين وفق نتائج حرب العام 67، والعودة بالقضية إلى جذورها، ونكبة العام 1948، حيث شطبت فلسطين، وقامت على أنقاضها دولة إسرائيل.
تدرك أميركا أن العالم يتغير، وأن الصيغة القديمة لحماية إسرائيل، اعتمادا على ولاءات الأنظمة، قد انتهت، وأن الثورات أو الفوضى، أطاحت وتطيح بالنظام العربي الرسمي، وتهدد بالانتشار في الجوار العربي في لبنان والأردن بعد سورية والعراق وغيرها، وهذا يضعف إسرائيل استراتيجياً، ويقربها من دائرة الفوضى، ويعرضها لمخاطر لا تقوى على مجابهتها منفردة أو مع حلفائها في الولايات المتحدة المنشغلة بمنافسات عالمية وقضايا وصراعات ملتهبة، ومضاعفات كلفة عالية لحروبها الفاشلة في العراق وأفغانستان، أو بمساعدة الحليف الأوروبي القديم، الذي فقد القدرة على احتمال سياسات إسرائيل العنصرية، وحيث يعارض قرابة 82 في المائة من مواطني الاتحاد، السياسات الإسرائيلية في الضفة، وفق استفتاء أوروبي رسمي نشر مؤخراً.
تبين لأميركا أيضا الثمن الباهظ الذي ساهم في إضعافها نتيجة تبنيها السياسات العدوانية الإسرائيلية في المنطقة، بما في ذلك إسقاط نظام مبارك، ويهدد المنظومة الأمنية الأميركية في الخليج والأردن والعراق، بل أبعد من ذلك، يتضح لواشنطن ولمنافسيها، أن ترتيباتها لبديل "عربي إسلامي معتدل" معرضة للانهيار، كما هي الحال مع مصر، وقد ولى زمن الضمانات.
أزمة نتنياهو و(واشنطن) الحقيقية تكمن في الثمن الذي يتوجب عليه دفعه مقابل السلام مع الفلسطينيين والعرب. إنه في ورطة لا مثيل لها، وأصبح الثمن الذي يتوجب عليه وعلى إسرائيل دفعه يشكل طوقا من العقد تلتف حول عنقه، وربما تمكن من حلحلة بعضها الآن إذا ما أدرك هو وقومه، أنها فرصتهم الأخيرة للتوصل إلى حل الدولتين.
يقينا إن أبو مازن لن يقبل بأقل مما اتفق عليه مع ياسر عرفات قبل مغادرته كامب ديفيد. ويقينا انه يرى ان ما يلوح في الأفق العربي والفلسطيني، كفيل بان يعزز في السنوات القادمة، ومهما بدت الصورة قاتمة الآن، معركة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية من اجل الاستقلال والتحرر.
أظن أن موقع ومكانة فلسطين وسط هذه التحولات هو رهانه الأكبر وورقة الفلسطينيين الرئيسة وقاطرتهم الى المستقبل. أظن ان إستراتيجية واشنطن الجديدة في المنطقة تتطلب حل الصراع بين فلسطين واسرائيل.
أظن أن الرجل، قليل الكلام هذه الأيام، يريد من أبناء شعبه تفويضا مبنيا على الثقة لاختبار المرحلة وحال لسانه يقول:
افهموني لبعض الوقت. بعض الوقت فقط من "ستة إلى تسعة أشهر لتنفيذ حل الدولتين"، وفق البند المنصوص عليه لاتفاق بدء المفاوضات، كما ابلغ الرئيس الفلسطيني نظيره الأميركي باراك اوباما عشية بدء المفاوضات. والتأكيد له مجددا قبل أيام على الشروط الفلسطينية للحل: دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كاملة على ما احتل من فلسطين العام 1967 وعاصمتها القدس المحتلة، وتنفيذ حق العودة وفق قرار 194، ولا تراجع عن متطلبات الحد الأدنى هذه، لم يحدث في الماضي، ويقينا انه لن يحدث في المستقبل لا قبل أبو مازن ليس معه ولا مع خليفته.
وعلى إسرائيل أن تدفع ثمن الاستقلال الفلسطيني وحق تقرير المصير لشعب لم تستطيع التخلص منه، أو بعثرة إرادته، بل انه جاثم على صدرها في الداخل، ويحيط بها من كل الجهات، ينظر إلى وطنه وهو يصر على ان لا سلام إن لم يتحقق العدل. وهذا هو جذر الفشل المزمن في المشروع الصهيوني برمته.
تحاول الولايات المتحدة الآن وقبل فوات الأوان إنقاذ حليفتها إسرائيل وما تبقى من المنظومة الأمنية الأميركية في المنطقة، عبر صياغة جديدة، إحدى ركائزها توفير أساس يقبله الفلسطينيون لحل الصراع العربي الإسرائيلي.
كل التقديرات تشير إلى المزيد من التدهور في المنطقة سيصل إسرائيل وجوارها، ولن يقتصر سوء الحال على الناس في الجوار، بل ستصل الإسرائيليين أيضاً.
إن صمدنا في مواجهة الضغوط الأميركية والعربية، لربما نجحت واشنطن والغرب في فرض إرادتهما على إسرائيل، وفرض سلام يلبي الحاجات الفلسطينية في دولة مستقلة حرة كاملة السيادة على منافذها ومصادرها وعلاقاتها، وإلا فإن من شأن استمرار الصراع استخدام الفلسطينيين والعرب وإدارته بطريقة جديدة بحيث ينهك إسرائيل ويجبرها في وقت قصير على أن تصبح كيانا عاديا متواضعا يعيش بالضمانات وليس بحد السيف.
العقل الإسرائيلي لا يصدق ولا يريد أن يرى أن السحر انقلب على الساحر أو يكاد، وأن نار أهل هذه البلاد الغاضبة لن تبقي مهربا لأحد ظالم، إن ظلت فلسطين بكل ما عنته وتعنيه على هذه الحال من التواطؤ والعبث الغربي والظلم والقهر الإسرائيلي وغياب الكرامة والمستقبل.
مسار المفاوضات وثمارها !!!
بقلم: سميح شبيب – الايام
لعله بات من الواضح، بأن مسار المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية الجارية، يمر في عقبات جدية، وممرات صعبة للغاية، وبأن التعنت الإسرائيلي، ومخالفته لأبسط قواعد العمل القانوني الدولي، يصطدم بسياسات دولية ـ أوروبية وأميركية على حد سواء، وبأنه في ظل تلك السياسات الإسرائيلية، يستحيل تحقيق أي تقدم في مسار تلك المفاوضات. السؤال الأبرز في ذلك هو: هل ستصل الأمور، كما وصلت سابقاً، إلى طريق مسدود؟! أم أن الإرادة الدولية هذه المرة، ستبلور حلاً مقبولاً من طرفي الصراع: الفلسطيني والإسرائيلي، وهل يحتمل الوضع الإقليمي والدولي، وصول تلك المفاوضات إلى طريق مسدود؟!
لعل المراقب لانطلاق تلك المفاوضات ومجرياتها، وما تم إطلاقه من تصريحات دولية وإسرائيلية وفلسطينية، يدرك، تمام الإدراك، بأن هنالك أزمة سياسية في إسرائيل، وتساؤلات تصل حد التساؤلات الوجودية، وبأن هنالك جدية أميركية قد تتطور إلى حد ممارسة الضغط الجاد والمباشر على إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى ذلك تقارب فلسطيني ـ فلسطيني، قد يصل رأب الصدع الداخلي.
صورة ما تبلور حد الآن، ومنذ بدء المفاوضات، هو انكشاف حقيقة العدوان الإسرائيلي، وتعنّت مواقف الحكومة الاسرائيلية، وعلى نحوٍ غير مقبول لا أميركياً ولا أوروبياً.. وفي ظل ذلك، ستتباعد المواقف الإسرائيلية عن المواقف الأوروبية والأميركية، الأمر الذي يساعد السياسة الفلسطينية، الواضحة والملتزمة بقواعد القانون الدولي، ومقررات الشرعية الدولية، على بلورة مواقف فلسطينية ـ أوروبية وأميركية بشأن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
كما يساعد الجانب الفلسطيني على استخدام حقه الطبيعي والقانوني في التوجه للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولمؤسسات العمل الدولي كافة... كما سيساعد على بلورة توجه فلسطيني ـ دولي، للدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام.
جوهر السياسة الإسرائيلية الراهنة، في ظل حكومة نتنياهو، يقوم على التعنت والاعتماد على القوة العسكرية والاعتزاز بما حققه الجيش الإسرائيلي في الحروب العربية ـ الإسرائيلية.
وهي في ظل هذا الاعتزاز واعتماد القوة، لا ترى أن حقوقاً وطنية مشروعة للفلسطينيين، ولا ترى القانون الدولي ومقررات الشرعية الدولية، بأن لها أثراً حقيقياً في مسار خياراتها وتوجهاتها.
يمكن اعتبار ما حدث في مسار هذه المفاوضات الجارية، بأن هنالك ثماراً سياسية قد تحققت، وهي تخدم التوجهات السياسية الفلسطينية وخياراتها وتوجهاتها، وربما تحمل الأسابيع القادمة، المزيد من تلك الثمار، في ظل استمرار العدوان والتعنت الإسرائيلي!!!
تغريدة الصباح - سوف يبحثون عن سبب
بقلم: محمد علي طه - الحياة
قالت العرب: الشّيء بالشّيء يذكر. وهذا ما ذكّرني بحكاية ومثل شعبيّين. تقول الحكاية انّ ثعلبا مرّ بذئبٍ عالقٍ في فخّ يعوي ويصرخ ألما فسأله: ما الذي يوجعك ؟ فأجاب: يشدّ الفخّ على ساقيّ. فقال الثعلب: هذا لا شيء مما ينتظرك عندما يأتي صاحب الفخّ. وأمّا المثل فهو: "واوي بلع منجل. قلنا عند خراه تسمع عواه". واستعمله الشّاعر توفيق زيّاد في قصيدة له عن حرب حزيران.
قادة اسرائيل في ورطة كبيرة في هذه المرحلة من المفاوضات ومن جولات كيري ويبحثون عن مخرج لإجهاض المفاوضات وتحميل الفلسطينيّين مسؤوليّة ذلك، وقادتهم عبقريتهم الفذّة الى موضوع التّحريض الفلسطينيّ على اسرائيل فخصّص له نتنياهو ساعتين كاملتين في جلسة حكومته في 5 كانون الثّاني 2014 كما انّ وزير الشّؤون الاستراتيجيّة يوفال شتاينتس المقرّب جدّا منه لا يشغله شيء في هذه الايّام سوى التّحريض الفلسطيني. يطوف دول العالم ويلتقي الدبلوماسيّين واجهزة الاعلام ليتحدث عنه، وبثّ التّلفزيون الاسرائيليّ عدّة مرّات لقطة لطفلة فلسطينيّة تخطب في احتفال ما وتنعت اليهود بابناء القردة والخنازير. ولا شكّ بانّ ابناء الشّعب العربيّ الفلسطينيّ يشجبون هذا الوصف ويستنكرونه لكونه يتنافى مع الحضارة العربيّة الانسانيّة ومع الدّيانتين المسيحيّة والاسلامية.
ينسى أو يتناسى ان نتنياهو وشتاينتس التّحريض الاسرائيليّ على الشّعب الفلسطينيّ الذّي شنّه ويشنّه قادة سياسيّون وعسكريّون اسرائيليّون، واودّ ان اذكّرهما بالنّزر اليسير منه اذا كانا يقرأان.
وصف الجنرال رفائيل ايتان العرب بصراصير مسمّمة في زجاجة. وقال الوزير بينيت: الفلسطينيّون مثل شظيّة في المؤخرة. وامّا الجنرال مردخاي غور فقال ان العرب سرطان في جسم الدّولة. وقال الزعيم الدينيّ الكبير الراب عوفاديا: العرب افاعٍ وعقارب وحيوانات مفترسة. وقال جنرال اسرائيليّ كبير: لا لقاء مع الفلسطينيّين الا في ساحة القتال ويجب ان يبيد طرف الطّرف الاخر ولن نكون المبادين. وتباهى عضو في الكنيست الاسرائيليّ قائلا: هل هناك اسرائيليّ قتل عربا اكثر مني؟!
ويصف الاعلام الاسرائيليّ وزعماء اسرائيل الاسرى الفلسطينيّين بالقتلة والمجرمين والوحوش الكاسرة في حملة اعلاميّة واسعة لوحشنة الانسان الفلسطينيّ. وما دام الشيء بالشيء يُذكر فيحق لي ان أسألهم: هل الذين نسفوا فندق الملك داوود في القدس ملائكة قدموا من المرّيخ؟ وهل الذين وضعوا المتفجرّات في معامل تكرير البترول في حيفا وفي بلد الشيخ شياطين جاءوا من عطارد؟ وهل الذين ارتكبوا مجازر دير ياسين والدّوايمة والطّنطورة وعيلبون وكفر قاسم وصلوا من المشتري؟ وهل كان رئيس حكومة اسرائيل يتسحاك شامير مطلوبا للعدالة لانّه زرع الياسمين في حديقة منزله؟
تساءلت الصحفية البارزة سيما كدمون بجرأة وبسخرية في مقالها الاسبوعيّ في صحيفة "يديعوت احرونوت" 10 كانون الثاني 2014: "قلنا خلال سنوات، ليترك الفلسطينيّون الارهاب كي نستطيع ان نعمل سلاما معهم. واليوم نقول عندما يتركون التّحريض سنعمل سلاما معهم، فاذا تركوا التّحريض ماذا سنشترط؟"
لن يعجز العقل الاحتلاليّ الاستيطانيّ عن ايجاد سبب جديد !!!
قبل هبوب الرياح العاتية
بقلم: عدلي صادق – الحياة
يقلقنا التصعيد الإسرائيلي المتدحرج ضد غزة، ونعلم أنه يأتي ضمن السياق المرسوم لعمل حكومة المحتلين المتطرفين. وقد بتنا في حاجة الى خطاب سياسي يُلقي الضوء، على حقيقة ما يجري، لكي يتفهم العالم ويعرف، أسباب ردود أفعال فصائل فلسطينية مقاومة، ولكي تتنبه الأمم الى أن سياسة إسرائيل تريد تجزئة المشهد الفلسطيني والتعامل مع كل جزئية على حدة، وكأن ثمة هدنة في غزة، إن خرقتها إسرائيل في الضفة فلا يُعد خرقها خرقاً، بل إن خرقت إسرائيل الهدنة في غزة، يكون فهمها للخرق أنه يحدث عند تسجيل ردود أفعال بإطلاق صواريخ. فإسرائيل تطمح الى جعل كل جزء فلسطيني يتنصل من الجزء الآخر، وحال الانقسام الذي نحن فيه، يساعدها على ذلك. لذا نقول بصراحة، إننا نفتقر الى استراتيجية إجماع فلسطيني، تجعل الصديق قبل العدو يتعامل معنا باعتبارنا كُلاً فلسطينياً لا يتجزأ. وفي هذا الإطار من التمني، ليس عيباً ولا جبناً أن نحسب حسبتنا المتعلقة بالشكل العسكري من المقاومة، وأن نكف عن الكلام ذي المفردات الأكبر حجماً من قدراتنا وسيوفنا. فنحن في مرحلة صعبة لم تتعطل فيها فاعلية الأوطان الشقيقة وشعوبها وحسب، وإنما أُعطبت لغتها وبات مجرد الشجب أو المؤازرة اللفظية صعباً على الأنظمة، هذا إن لم نأخذ في الحسبان، حشرجات ما تزال جارية في بطون المجتمعات العربية. واجبنا أن نبني على عناد شعبنا في التمسك بحقوقه وبالبقاء على أرضه، ما يجعلنا قادرين على مواجهة عواصف وشيكة، ستهب بعد أن يصصدم المسعى الأميركي المحابي لإسرائيل، برفضنا التخلي عن حقوقنا غير القابلة للتصرف. تتوافر لنا الآن، ميزة الصمود الشعبي الاجتماعي والسياسي، مع رأي عام من شأنه مساندة المستوى السياسي عندما يرفض أية مقترحات تنتقص من الحق الفلسطيني المقرر في المواثيق الدولية، وتُخل بأسس عملية التسوية.
ندعو "حماس" في هذه الظروف الصعبة والمعقدة، الى وفاق وطني على أسس قانونية ودستورية بالمعنى الحقيقي لكل المحددات الدستورية وبالنفاذ التام للقانون، على النحو الذي لا يُبقي شكاية للناس في الداخل، أو شكاية واعتراضاً على الوفاق في الجوار العربي. فلم تعد "حماس" تملك ترف المفاضلة بين تيار وتيار في أوطان الأشقاء، ولا ترف التمادي في نُصرة "الإخوان" في العالم العربي حتى عندما تكون هذه النُصرة بثرثرات متلفزة عبر القنوات الفضائية. فدولة قطر ــ مثلاً ــ تملك مثل هذا الترف، وهي لا تشتبك في الواقع لا مع جوار قريب ولا بعيد، ولا يتهددها خطر، وفي مقدورها إبرام مصالحة في يوم وليلة، مع كل من تخاصمهم وتحرض عليهم، وهذا ترف لا تملكه "حماس" مثلما لا تملكه "فتح" ولا السلطة. ولن تنجح عملية الوفاق، ما لم يسهم الجميع بجدية في تعزيز مكانة وهيبة السلطة نواة الدولة، على أن يكون من حق الجميع المشاركة في صياغة السياسات مع مراعاة معطيات الواقع. وعندما نقول إن المصالحة ينبغي أن تتم على أسس قانوينة ودستورية، فمعنى ذلك أن التنازل عن الحق العام واجب، لكن الحقوق الخاصة والشخصية للناس، لا بد من ردها وأخذ المقتضى القانوني، وعلى من ارتكب جرماً من أي طرف، أن يتحمل مسؤولية جرمه. فإن لم نبادر الى إعادة بناء صرح الكيانية الوطنية؛ لن نكون قادرين على خوض معركة الدفاع عن وحدة المشهد الفلسطيني التي هي ضمانة إحباط مسعى المحتلين الى أخذنا جزءاً جزءاً، بحيث لا تكون ثمة علاقة في روايتهم، بين خروقاتهم اليومية في جنوبي الخليل أو في جنين، وردود الأفعال من غزة. فالمحتلون يوهمون العالم أن لهم معارك مع جزيئات فلسطينية لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر. فهذه هي واحدة من ثوابت سياستهم، ذلك علماً بأن تاريخ النضال الفلسطيني، الشعبي والمسلح، يتشكل من فصول الانتفاضات والهبات الشعبية، التي جاءت كردود أفعال على عربدة الاحتلال وجرائمه في أية منطقة، لأن الوجدان الفلسطيني لا يتجزأ.
مفاوضات السياسة الإسرائيلية
بقلم: يحيى رباح – الحياة
في الأسبوع الماضي، بدأ المأزق الإسرائيلي في ظل حكومة نتنياهو يتضح أكثر وأكثر، من خلال مفارقات حادة، ومن خلال التصعيد والتراجع في الخطاب السياسي، وقد عبر هذا المأزق عن نفسه في موقفين أولهما أن وزير الجيش الإسرائيلي شرب حليب السباع كما يقولون، وهاجم جون كيري وزير الخارجية الاميركي هجوماً مقذعاً خارجاً عن سياق العلاقات الإسرائيلية الأميركية، حين وصف خطته التي لم تتبلور بعد في سياق المفاوضات وعملية السلام، بأنها لا تساوي الخبر الذي كتبت به، ولكن بعد ساعات قليلة، وعندما وصلت الرسالة، وجدنا وزير الدفاع الاسرائيلي نفسه يعود وينضغط إلى حجمه الحقيقي، ويبالغ إلى حد الاسهال في الاعتذار عن هجومه المقذع الذي شنه ضد جون كيري.
الموقف الثاني: قامت به وزارة الخارجية الإسرائيلية التي يرأسها أفيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا وأكبر حليف لنتنياهو الذي أوصله إلى مكتب رئيس الوزراء، والموقف يتلخص في أن خمس دول أوروبية رئيسية في الاتحاد الأوربي وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا قامت باستدعاء سفراء إسرائيل لديها وأبلغتهم احتجاجها على استمرار سياسات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، فما كان من وزارة الخارجية الإسرائيلية إلا أن قامت باستدعاء سفراء هذه الدول الخمس لديها، وأبلغتهم احتجاجاً على سلوك بلدانهم.
إذن هو مأزق، وهو مأزق مرتبط بمعركة ديبلوماسية شديدة الوطأة، وأن صانع القرار الإسرائيلي قرر الانحناء أمام أميركا حتى يحيدها عن المعركة مع الاتحاد الأوربي، ولكن بداية هذه المعركة بداية مهينة لإسرائيل إلى حد الإذلال لأنها كشفت عن الحقيقة الكبرى، بأن إسرائيل لا تستطيع احتمال أي قدر من الضغط الحقيقي من أميركا، ولو أن أميركا أصرت على تطبيق قناعاتها المعلنة بشأن حل الدولتين، وخارطة الطريق، وجهودها الكبيرة التي بذلتها، وخاصة في جولات كيري التي بلغت عشر جولات، فإن هذا الائتلاف سوف يتشقق إلى حد الانهيار أو يتقدم بشكل أفضل في المفاوضات التي تكاد تنهي شهرها السادس بدون أي اختراق حقيقي.
هل نستطيع أن نسهم في تعميق المأزق الإسرائيلي؟ وهل نستطيع فلسطينياً وعربياً أن نسهم في هذه المعركة إلى جانب الاتحاد الأوروبي؟
نعم، هذا ممكن جداً، من خلال الإبقاء على وضوح وعدالة خطابنا السياسي، ومن خلال استخدام الثقل العربي سياسياً واقتصادياً في التعامل مع الجار الأقرب لنا وهو الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن موقف الاتحاد المعارض للاستيطان بصفته غير شرعي وعائق رئيسي أمام تقدم المفاوضات، ليس بعيداً عن الموقف الأميركي، وإن كان الحليفان الأوروبي والأميركي لديهما وسائل مختلفة في المقاربات باتجاه عملية السلام.
ولكن في أي حال، فإن المأزق الإسرائيلي يذهب إلى الأخطر، لأن الرواية الإسرائيلية لم تعد مقنعة، وأبشع ما فيها أنها لا تعطي أدنى اعتبار لمصالح الآخرين، حتى مصالح حلفائها الأوروبيين والأميركيين، وأن القيادة الإسرائيلية الحالية اكتفت بالاختباء وراء التطرف وإلا إنهار الائتلاف، وفي الحقيقة فإن هذه مشكلة إسرائيلية مئة في المئة وليس مطلوباً منا أو من العالم أن يدفع ثمن اختيارات نتنياهو في بناء ائتلافه الحاكم.
أزمة حركة التحرر العربية
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
مضى زمن طويل غابت فيه كليا حركة التحرر العربية عن الحياة السياسية. حتى ليبدو للمراقب أن تلك الحركة وقواها السياسية، باتت من الماضي. وغرقت القوى والاحزاب السياسية منفردة ومجتمعة في متاهة اللعبة السياسية للانظمة المتهالكة، والغارقة في متاهة التبعية للغرب الاستعماري بمكوناته واتجاهاته المختلفة، والمندلقة بتهافت على دولة التطهير العرقي الاسرائيلية بعمليات تطبيع متسارعة تتجاوز حدود المقبول في الوعي السياسي العربي. ومتجاوزة حدود ما رسمته تلك الانظمة لنفسها في العلاقة مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، لاسيما ان ما اعتبرته اساسا للتطبيع (الموافقة على مبادرة السلام العربية) ليس سوى الغطاء الممزق للتسربل المهين في نفق التطبيع المجاني.
قوى حركة التحرر العربية المثخنة بجروح الهزيمة، باتت فاقدة الاهلية الوطنية والقومية في الدفاع عن مصالح الشعوب العربية، لانها أمست أسيرة سياسات الانظمة العربية البوليسية والثيوقراطية، ليس هذا فحسب، بل انها أصبحت جزءا من عملية التشرذم والانقسام الديني والطائفي والمذهبي، وتساوقت مع قوى الاسلام السياسي وخاصة جماعة الاخوان المسلمين تحت حجج وذرائع واهية وغبية، موهمة الذات والجماهير بأن تلك القوى جزء "أصيل" من قوى التحرر والمقاومة العربية.
النظرة الموضوعية لدور ومكانة قوى التحرر الوطني العربية خلال العقود الثلاثة الماضية، تكشف عن إفلاس سياسي، وعجز حتى الكساح والشلل النصفي إن لم يكن الشلل الكلي. ولم يبق من تلك القوى منفردة ومجتمعة سوى شعارات غوغائية باهتة، لم تعد تنطلي على أي مواطن بسيط من الشارع العربي. وحتى مؤتمراتها بمستوياتها المحلية والعربية، لم تعد تحمل أية دلالة بالنهوض، وانما تحمل معنى واحداً يتمثل في المزيد من الغرق في سراديب الموت الإكلينيكي والتحنط، لانها تلوك ذات البرامج الساقطة، وتنتج ذات القيادات، حتى لو أدخلت الى صفوفها ما يسمى بالدم الجديد، لان كل مشتقات الدم الموجودة في الهيئات القيادية والكادرية، ليست سوى مشتقات فاسدة، لا تصلح لتجديد الذات الوطنية والقومية.
الصورة والتشخيص آنف الذكر، لا يعني أن موت حركة التحرر الوطني العربية محتم، بل يمكن لتلك الحركة النهوض من سباتها القاتل، في حال تمكنت من الآتي: اولا: تطهير الذات من كل الادران العالقة بجسد فصائل الحركة على المستويين الوطني والقومي، وتصفية كل نقاط الضعف في التكوين القيادي والكادري، ومن خلال إعادة نظر جدية في المنطلقات الفكرية والسياسية وآليات العمل الروتينية؛ ثانيا: الانفصال عن الانظمة السياسية القائمة، وإيجاد مسافة بينها وبين تلك الانظمة وسياساتها، وعدم التساوق معها، والعمل على استنهاض حركة الجماهير العربية في كل الساحات الوطنية وعلى المستوى القومي؛ ثالثا: قطع الصلة بالاسلام السياسي، وفضح قواه التخريبية وخاصة الاخوان المسلمين وقوى التكفير بتلاوينها واسمائها المختلفة، وفضح دورها التآمري على مستقبل الاوطان والامة العربية ككل؛ والتصدي الحازم لكل الدعوات التقسيمية على اساس ديني او طائفي او مذهبي او عرقي في الوطن العربي؛ رابعا: تصعيد المقاومة ضد الدولة الاسرائيلية، وتحشيد الاطر والقوى والقطاعات الجماهيرية في فعاليات وانشطة تصاعدية وفي كل المناسبات ذات الصلة بالصراع العربي الاسرائيلي؛ خامسا: تصعيد النضال ضد التبعية العربية للولايات المتحدة وللسوق الرأسمالية، والمناداة بالندية والتكافؤ في العلاقة مع دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، ومطالبة الانظمة بقطع العلاقات كليا مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية ما لم تقبل بتطبيق مبادرة السلام العربية؛ سادسا: حماية الدولة الوطنية، والدفاع عنها في مواجهة المخطط الاميركو إسرائيلي "الشرق الاوسط الكبير". وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والامنية العربية وعلى اسس ديمقراطية.
العراق و«الداعشية»
بقلم: فخري كريم – الحياة
شكرني قارئ عزيز، لأنني «انتشلته» من الواقع المرير الذي نعيشه، باستذكار مرحلة افلام كاوبوي مثيرة كانت تعرض في سينمات روكسي والسندباد واطلس التي اغلقت ابوابها الان، وصارت مثل كل الاشياء الجميلة اطلالاً ليس بمقدورنا ان نبكي عليها، خشية بطلان وضوء بعض قادة دولتنا الفاشلة بامتياز !
وفات الصديق ان الواقع العراقي بمشاهده اليومية، التراجيدية والكوميدية، اصبح هو «سينما اكشن» مفتوحة للمشاهدين المغامرين الذين لا يخشون ان يكونوا ضحايا افلام «اكشن الواقع» بعروض مفخخات الارهابيين والاحزمة الناسفة، ومطاردات قوات سوات وخشونة افراد سيطرات «الكاشف المسخرة».
ومن دون مبالغة أو تجن، فان العراق على امتداده بات مسرحاً لا يحتاج الى تحضير ديكورات، ولا مؤثرات صوتية، ولا ممثلين ابطال او ثانويين او كورس، ولا حتى لممثلين «بدائل» للمشاهد والعروض الخطيرة. فكل ذلك مُمهد ومتوفر في غاية الاتقان على مسرح الحياة اليومية وعلى امتداد العراق الاسير. تصوير افلام كوميدية وتراجيدية على مدار الساعة لا يكلف منتج فيلم الاكشن الراغب بنقل واقعنا لعرضه في دور السينما في البلدان الاخرى، سوى كاميرا فيديوية عادية كالتي يستعملها الهواة، وقد يكفيه جهاز هاتف نقّال متطور يحتوي على كاميرا.
ولكي لا تذهب «سدى» تضحيات شهدائنا وجرحانا، والدمار الذي يحل بالبيوت والمباني والاحياء والجسور والبنى التحتية، نتيجة الاعمال الاجرامية التي يرتكبها الارهابيون التكفيريون من فضلات البشر، فعلى الحكومة ان تشجع شركات الانتاج السينمائي والتلفزيوني على «الاستفادة» من مشاهد القتل اليومي والتفجيرات والتفخيخات واللقطات الفريدة التي لا نظير لها، ولا تستطيع محاكاتها اكبر الشركات، مهما خصصت من ميزانيات ضخمة، اذ تعمد في مثل هذه الحالات الضرورية الى «تصنيع» مشاهد مفبركة لا ترقى الى ما تستطيع الحصول عليه كل يوم في بغداد والمدن الاخرى.
ان اي مشهد للقتل او الانتحار او الحرائق او التفجيرات الحية او ضرب الاحياء بالصواريخ او الخطف والاغتيال بالكواتم، او تطويق المظاهرات بآلاف المسلحين من قوات سوات، واثارة الغبار عليهم من خلال طائرات تحلق فوق رؤوسهم على مستوى منخفض، في عملية تحرمها الدول المحترمة لانها تشكل خطراً على المواطنين والممتلكات بسبب احتمال سقوطها... كل هذه المشاهد مباحة تتكرر على مدار الساعة، وليس على المصور السينمائي والتلفزيوني سوى أخذ اذن خاص من مكتب رئيس مجلس الوزراء والمقربين من الحاشية الحاكمة ليوفر بذلك مادة خام صالحة لانتاج كل انواع افلام الاكشن، بل اكثر من ذلك تأمين ارشيف حي يمكن استخدام مشاهده في الافلام الحربية، والكاوبوي، وافلام رامبو ورنكو معاصرة.
ان كل مشهد مماثل لا يستغرق في الشريط السينمائي او المسلسل التلفزيوني بضع ثوانٍ، ولا يزيد في الاغلب على بضع دقائق متقطعة، يكلف الشركات المنتجة ملايين الدولارات وازيد في حالات خاصة حين تحتاج اللقطة الى مؤثرات صوتية وديكورات بالغة الضخامة. وتستطيع الحكومة تقديم عروض وتسهيلات مغرية للشركات المذكورة، من خلال ترتيب مشاهد حسب الحاجة، باعتماد ما لدى الاجهزة الامنية والمخابراتية من معطيات ومعلومات عن تحركات الارهابيين واحتمالات «بالغة الدقة» حول توقيتات تفجير او تفخيخ او حزام ناسف. وكذلك سرعة القاء القبض على المتورطين من الانتحاريين بعد تنفيذ عمليات الانتحار بساعات!
لقد استغربت كيف لم ينتبه مكتب السيد المالكي، ومساعدوه، الى الاهمية البالغة للاعتراف الذي ادلى به «داعشي» زنديق، وتقييمه لحكمة القيادة العراقية التي قامت ب»ضربة استباقية» في الانبار، بفضها الاعتصام وملاحقتها عصابات داعش والقاعدة ، اذ لولا «بصيرة» القادة وعلى رأسهم القائد العام للقوات المسلحة، ومباغتة المعتصمين، لاستطاعت داعش اعلان المنطقة الغربية امارة اسلامية، ومدت خطوط المواصلات العسكرية للزحف على كربلاء والنجف الاشرف، كما ورد في تصريحات السيد المالكي لوكالة دولية! كيف لم ينتبه هؤلاء الى ان عرض هذا الاعتراف على اي قناة اميركية، بل على قناة الجزيرة، من شأنه تحقيق مردود مالي يتجاوز عشرات الملايين من الدولارات؟
وفي السياق ذاته يرى قارئ آخر، ان اسقاطات افلام الكاوبوي، مثل: رنكو لا يتفاهم، او بطولات رامبو، لا تتناسب مع حجم المأساة التي يضيع في اتونها الشعب العراقي. فالمتابع الاجنبي بل والعربي لما آلت اليه الاوضاع في بلدنا، دون ان يكون على دراية كافية بحجم المساحة المظلمة فيه، قد يقع ضحية التباس، ويتبادر الى ذهنه، كما لو ان الامر لا يتجاوز حدود فيلم كاوبوي، حيث يتساقط في كل واقعة فيلمية، على وقع مسدسات المتعاركين والبطل، بضعة افراد او بضعة عشرات من القتلى الممددين في الشارع او المتساقطين من السطوح ومن فوق الخيول المتراكضة. مما سيقلل في نظره من خطورة ما نحن فيه، ويضعف بالتالي من تعاطفه مع شعبنا، وتحركه لتعبئة الرأي العام لفضح المتواطئين من الطرفين على سفك دمائنا وتخريب ما تبقى لنا مما بنته الاجيال السابقة.
ويستطرد القارئ النبيه، فيقول ان رنكو المسكين لم يكن يملك سوى مسدسه وحصانه الاثير، وحصاد معاركه كلها لم يكن يتجاوز في زمنه بضعة الاف من الدولارات. ومعارك الكاوبوي في مراحلهم الذهبية كانت تنتهي بحفنة من الدولارات، أفلا يؤدي استذكار هذه الافلام الى اسقاطات مخلة، مقارنة باتلاف مئة مليار دولار خلال السنوات الماضية في حمى استشراء الفساد ونهب خزينة الدولة، والسلسلة اللامتناهية من الاستباحات التي ترتكبها السلطة السياسية واجهزتها بحق المواطنين الابرياء، بالاضافة الى مهرجانات القتل اليومي على ايدي مجرمي داعش والقاعدة؟
اكثر من قارئ فضل ايراد تشبيهات اخرى، من خزين افلام المافيا المعاصرة، حيث تدخل عصاباتها في بُنية الدولة وتتماهى فيها، بحيث يستحيل تمييزها عضوياً عنها وعن تجلياتها.
لكن احد القراء يستدرك فيقول: لا حاجة لمثل هذه التشبيهات، فانها مخلة، مهما بلغت فيها بشاعة الجرائم المرتكبة، سواء تمثلت بالقتل او السرقة او الفضائح المجلجلة. ثم من لديه القدرة بعد ان تداخل التكوينان، المافيا المليشياوية على تنوعها وأضلاع الدولة الفاشلة المتكسرة التي تتكئ على حزام امانٍ يستحيل اماطة اللثام عن الاقنعة التي تختفي خلفها؟
ويختم القارئ بالقول: ان المشهد العراقي اليومي، هو اقرب الى المسلسل الاميركي المشهور «دالاس»، وليس لنا غير ان نتمنى ان لا تستمر حلقاته واجزاؤه ، كما دالاس، عدة اجيال.. فالمسلسل الاميركي الشهير ما زال مستمراً حتى الان..!
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.gif[/IMG][IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image003.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image005.gif[/IMG]
ما بعد قرارات «لجنة القدس»
بقلم: حديث القدس – القدس
الشعب المصري يكشف حقيقة المواجهة
بقلم: علي جرادات – القدس
وماذا بعد الرفض..؟
بقلم: هاشم عبد العزيز – القدس
500 بليون دولار أمريكي تعويض عن 418 قرية فلسطينية دمرت عام 1948
بقلم: ابراهيم مطر – القدس
ما هي حدود إسرائيل ؟!
بقلم: فيصل ابو خضرا – القدس
العرب من التوريط الى التفريط... إلى متى؟
بقلم: محمد جلال عناية - القدس
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.jpg[/IMG]
المثقف العربي: تناسل المآزق، وأفول التأثير
بقلم: د. خالد الحروب – الايام
المصالحة ودفن الرأس في الرمال
بقلم: د. عاطف أبو سيف – الايام
واشنطن تريد حلاً ينقذ إسرائيل ويؤسس لاستراتيجية أميركية جديدة
بقلم: أحمد سيف – الايام
مسار المفاوضات وثمارها !!!
بقلم: سميح شبيب – الايام
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.jpg[/IMG]
تغريدة الصباح - سوف يبحثون عن سبب
بقلم: محمد علي طه - الحياة
قبل هبوب الرياح العاتية
بقلم: عدلي صادق – الحياة
مفاوضات السياسة الإسرائيلية
بقلم: يحيى رباح – الحياة
أزمة حركة التحرر العربية
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
العراق و«الداعشية»
بقلم: فخري كريم – الحياة
ما بعد قرارات «لجنة القدس»
بقلم: حديث القدس – القدس
بعد أن اختتمت «لجنة القدس» دورتها العشرين في مراكش بإصدار عدة قرارات شملها البيان الختامي واهمها التأكيد على ان القدس هي مفتاح السلام وان صنع هذا السلام يتطلب انسحاب اسرائيل من المدينة المقدسة بحيث تكون القدس العربية المحتلة منذ عام 1967 عاصمة لدولة فلسطين وان أي مساس بالقدس والاقصى يعني القضاء على فرص السلام، عدا عما تضمنه البيان من قرارات بشأن دعم المقدسيين سواء على الصعيد الرسمي او الشعبي، فإن السؤال الذي يطرح هو كيف يمكن ترجمة هذه القرارات الى تحرك عربي - اسلامي فاعل يسهم فعلاً في دعم صمود المقدسيين ومواجهة المخططات الاسرائيلية وفي دفع المجتمع الدولي للتحرك لإلزام اسرائيل بضرورة الانسحاب من القدس العربية المحتلة حتى يمكن ارساء دعائم سلام عادل وشامل ودائم.
من الواضح ان هناك مقومات ومتطلبات لتعزيز صمود المقدسيين في مواجهة ما يتعرضون له من تضييق وحملات لدفعهم الى ترك المدينة المقدسة ومن ضمن ذلك الملاحقات الضريبية على اختلاف اشكالها ومحاولة منع رخص البناء عن اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وضرب اقتصاد المدينة المقدسة وتفشي البطالة عدا عن محاولات ضرب النسيج الاجتماعي في القدس.. الخ مما تقوم به اسرائيل.
هذا يعني ان دعم الصمود الفلسطيني في القدس يجب ان يأخذ بالاعتبار مختلف اشكال التضييق الاسرائيلية ومعالجتها وهذا يشمل تعزيز وتشجيع البناء الفلسطيني في القدس، واذا كانت اسرائيل تضع شروطا مختلفة للحصول على ترخيص بناء وان الحصول على مثل هذا الترخيص يتطلب مبلغا لا يستطيع المواطن المقدسي العادي توفيره نظراً للوضع الاقتصادي المتردي فما الذي يمنع لجنة القدس من ايجاد حلول ابداعية تتيح حركة بناء فلسطيني واسعة بالقدس لا تقتصر على المقتدرين وهم قلة من ابناء المدينة؟ هذا عدا عن مشكلة الاراضي واسعارها في المدينة المقدسة وهي ايضا مشكلة بحاجة الى حلول.
واذا كان الاقتصاد الفلسطيني يتعرض لأزمة خانقة في القدس سواء جراء الضرائب الباهظة او الحصار الذي تفرضه اسرائيل على مدينة القدس او اجبار الكثيرين من اصحاب المحال والحرف على اغلاق محالهم فإن هذه المشكلة ايضا تتطلب حلولا من لجنة القدس حتى يمكن تعزيز صمود التجار واصحاب الحرف وغيرهم سواء يتشجيع الاستثمار في المدينة المقدسة او مساعدة التجار والحرفيين في مواجهة ازمة الضرائب او انشاء مشاريع اقتصادية تسهم في التخفيف من ازمة البطالة من جهة وتنعش الاسواق الفلسطينية من الجهة الاخرى.
واذا كان النسيج الاجتماعي ايضا هدف من اهداف الاحتلال فإن الخبرات والقدرات العربية والاسلامية «بما فيها الفلسطينية» لن تقدم الوسيلة في انشاء واقامة المؤسسات القادرة على تعزيز لحمة النسيج الاجتماعي ومعالجة مختلف الظواهر السلبية.
واذا كان المقدسيون محرومون من بنى تحتية اساسية ومؤسسات مختلفة سواء للشباب او المسنين فما الذي يمنع دعم انشاء مثل هذه المؤسسات او تحسين البنى التحتية في مختلف انحاء القدس؟ او على الاقل التخفيف من حدة الضائقة الحالية؟
ان ما يجب ان يقال هنا اننا ونحن نثمن ونقدر مواقف «لجنة القدس» وقراراتها وحرصها على المدينة المقدسة واهلها فإننا نؤكد ان المقدسيين المرابطين المتمسكين بعروبة القدس والحريصين على الحفاظ على مقدساتهم في مواجهة اية مخاطر بحاجة الى ترجمة هذه القرارات الى فعل يطال مختلف مناحي حياتهم ويخفف من معاناتهم ويعزز وجودهم وصمودهم في المدينة المقدسة، فلا يعقل ان تبني اسرائيل المزيد من الوحدات الاستيطانية في القدس يوميا فيما يقف المواطن الفلسطيني عاجزا عن البناء سواء بفعل القيود الاسرائيلية او غياب الدعم المالي القادر على اطلاق حركة بناء فلسطينية واسعة في القدس.
وفي نفس الوقت فإن الموقف السياسي الذي عبرت عنه «لجنة القدس» لا يقل اهمية عن قرارات الدعم المالي ولذلك نقول ان ترجمة هذا الموقف السياسي يجب ان تتمثل في تحرك مكثف عربي - اسلامي على الساحة الدولية لنصرة فلسطين وللدفاع عن القدس ونقل رسالة واضحة للمجتمع الدولي ان الامتين العربية والاسلامية تعتبران القدس خطاً احمر لا يمكن لأحد تجاوزه وان السلام الحقيقي يتطلب انسحاب اسرائيل من القدس العربية المحتلة وباقي الاراضي المحتلة عام 1967 والاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية.
الشعب المصري يكشف حقيقة المواجهة
بقلم: علي جرادات – القدس
بإجراء الاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور، البند الأول في "خريطة المستقبل" انكشف مضمون المواجهة الدائرة في مصر منذ الموجة الثانية للثورة في 30 حزيران الماضي . ذلك ليس- فقط - لأن إجراء الاستفتاء يؤكد التزام السلطة الانتقالية بتنفيذ ما وعدت شعبها والعالم به، وحسب الجدول الزمني المحدّد، بل أيضاً - وهنا الأهم - لأن الشعب المصري - تحت حماية قواته المسلحة وإشراف قضاته وتغطية وسائل إعلامه الوطني - استجاب لدعوات حركته السياسية والمجتمعية والشبابية الوطنية، وشارك في الاستفتاء على مشروع هذا الدستور بنسبة هي الأعلى مقارنة بنسب مشاركته في الاستفتاء على ما عُرِضَ عليه من مشاريع دساتير منذ العام 1971 وليس مقارنة بنسبة مشاركته في الاستفتاء على مشروع "دستور الإخوان" في العام 2012 فقط .
كل هذا من دون أن ننسى دلالات أن انجاز هذا الاستحقاق الدستوري الديمقراطي تم في ظل مواقف ودعوات المقاطعة التي اتخذتها جماعة "الإخوان" و"أخواتها" التكفيرية، عدا ما قامتا به سوياً من عمليات عنف وترهيب وتخويف وترويع لإفشال الاستفتاء . ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أن المواجهة الدائرة في مصر هي مواجهة بين أغلبية ساحقة من أبناء الشعب المصري وحركته السياسية والمجتمعية والشبابية الوطنية وأبناء أعمدة دولته العريقة الراسخة: الجيش والقضاء والثقافة والفن والإعلام، من جهة، والتنظيم الدولي لجماعة "الإخوان المسلمين" و"أخواتها" بدعم من دول وقوى عربية وإقليمية ودولية تملك نفوذاً سياسياً كبيراً وعوامل قوة أمنية ومالية وإعلامية هائلة، من جهة ثانية .
إذاً، لسنا أمام مواجهة بين طرف يتمسك بالتداول السلمي للسلطة السياسية وطرف انقلابي يرفضه، كما تشيع -بقصد التضليل- قيادة "الإخوان" ومن والاها، إنما بين طرف يدافع عن هذا المبدأ الديمقراطي وطرف يستعمله ويستخدم قدسية دين سمْحٍ "أُنزِل للناس كافة" ومشروعية ثورة شعبية اختطفها للسيطرة على مفاصل الدولة المصرية وتغيير هويتها وتزييف تاريخها الوطني والقومي وتفصيل دستورها على مقاس مصالحه الحزبية الضيقة، بل طرف لا يتورع عن الاستقواء بالخارج وممارسة العنف التكفيري وتوفير الغطاء السياسي لممارسته على يد جماعات خرج جلُّها، إن لم يكن كلها، من عباءته . ما يعني أننا أمام مواجهة مفصلية معقدة ومركبة وذات مضامين وانعكاسات وتداعيات وتأثيرات استراتيجية، وربما تاريخية، إن في داخل مصر أو في محيطها العربي وغلافها الإقليمي . أما لماذا؟
* أولاً: لأن المواجهة تدور في مصر التي أثبتت تجربتها الحديثة والمعاصرة، على الأقل، أنها "إن قامت قام العرب وإن نامت نام العرب" . ما يعني أن وجهة حسم المواجهة الدائرة في مصر تحدد بدرجة كبيرة مصير المواجهة الدائرة في أكثر من قطر عربي من دون أن ننسى انعكاسات كل ذلك على بقية الأقطار العربية وعلى قضايا الأمة المركزية، وأولاها القضية الفلسطينية التي يعلم الجميع أن ثمة حاجة لوقفة وطنية فلسطينية وقومية عربية لإحباط مخطط - اسرائيلي أمريكي جديد يروم تصفيتها وتعزيز مكانة الجانب الاسرائيلي وتشريع أبواب التطبيع العربي المجاني معه .
* ثانياً: لأن المواجهة الدائرة في مصر، فضلاً عن انعكاساتها على مجمل الحالة العربية، غير منفصلة عما يشهده ميزان القوى الدولي والإقليمي من تحولات كبرى . ما يعني أن وجهة حسم المجابهة في مصر تحدد بدرجة كبيرة وزن مراكز القوة
العربية ومكانتها ونفوذها في ميزان قوى النظام الدولي والإقليمي الجديد .
* ثالثاً: لأن المواجهة الدائرة في مصر غير منفصلة عما لجماعة "الإخوان" من تقارب مع الولايات المتحدة التي تشهد حالة تراجعٍ جلية ووثيقة الصلة بأزمتها الاقتصادية وبفشل حروبها وسياساتها الخارجية عموماً، والشرق أوسطية، خصوصاً . ما يعني أن وجهة حسم المواجهة تحدد بدرجة كبيرة مصير توق الشعب المصري المنتفض للنهوض والتخلص من علاقة التبعية والارتهان للسياسة الأمريكية .
* رابعاً: لأن المواجهة الدائرة في مصر إن هي إلا حلقة من حلقات صراع قديم متعدد الأبعاد والمواقع والمخاطر بين مشروع حركات "الإسلام الحزبي" التكفيرية وأصلها جماعة "الإخوان المسلمين"، والمشروع العربي الديمقراطي الحداثي التحديثي التحرري بمشاربه الوطنية والقومية والليبرالية والتقدمية . حلقة فجرها حراك شعبي عربي يشكل في جوهره العام حالة استفاقة تعزز الأمل بالتغيير على المدى البعيد وربما المتوسط، رغم كل محاولات اختطافه وإجهاضه وحرف مساره عن أهدافه الحقيقية .
ما يعني أن وجهة حسم هذه الحلقة من حلقات هذا الصراع في مصر بالذات تحدد بدرجة كبيرة حسم المآل النهائي لانتفاضات الشعوب العربية التي ركبت موجتها وحاولت اختطاف ثمارها، بدعم "غربي" عام وأمريكي خاص، جماعة "الإخوان المسلمين" وكل ما خرج من عباءتها من حركات "الإسلام الحزبي" التكفيرية الجاهلة المتطرفة التي شوهت صورة الحراك الشعبي العربي، وما انفكت تنشر القتل والتدمير والتخريب والتقسيم الديني والطائفي والمذهبي والجغرافي والمجتمعي في أرجاء الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه، بل في غلافه الإقليمي أيضاً .
ولعل المرء لا يحتاج إلى ذكاء كبير كي يكتشف صلة كل ذلك بمخطط نشر "الفوضى الخلاقة" وتطبيقاته متعددة الأشكال والذرائع والمسميات في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والسودان، والحبل على الجرار .
إن نجاح الشعب المصري المبهر في "عبور" محطة استحقاقات وتحديات ومكائد الاستفتاء على مشروع الدستور وإحباط كل محاولات منعه من التعبير عن إرادته وتطلعاته بحرية وشفافية، إنما يؤكد قدرته على "عبور" استحقاقات وتحديات ومكائد محطتيْ الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلتيْن، ما يبرهن - مرة أخرى - على عبقرية هذا الشعب وعراقة حضارته ورسوخ دولته وقوة إرادته ووطنية قواته المسلحة وسعة وعمق مخزون عوامل "قوته الناعمة" في السياسة والفكر والثقافة والفن والصحافة والإعلام . . . إلخ
على ما تقدم، ثمة سؤال كبير على قيادة جماعة "الإخوان المسلمين" وكل من والاها لمصلحة أو لجهل داخل مصر وخارجها، فحواه: إلى متى يبقى العناد وتجاهل حقيقة أن مَن يكسب ثقة الشعب وصوته الحر على برنامج يستجيب لمصالحه وهمومه ومطالبه هو الجدير بإدارة شؤونه؟
بقي القول: مرحى للشعب المصري الذي كشف للعالم المضامين الفعلية للمواجهة، وأكد مرة أخرى قدرته على حسمها لمصلحته .
وماذا بعد الرفض..؟
بقلم: هاشم عبد العزيز – القدس
هذه إطلالة على خطوة لجنة متابعة المبادرة العربية لقاء وزير الخارجية الأمريكية جون كيري الأحد الماضي في العاصمة الفرنسية باريس .
حسب وزير الخارجية الفلسطيني قدمت اللجنة للوزير الأمريكي "موقفاً عربياً موحداً" رفض الشروط الإسرائيلية التي تحمل الفلسطينيين تحت مظلة التسوية التخلي عن قضاياهم المسلوبة وإقامة دولتهم المستقلة كاملة السيادة الوطنية، وفي أبرز تلك الشروط: الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية الذي يعني فيما يعني قطع الطريق أمام عودة اللاجئين إلى بيوتهم وأرضهم، وفتح نفق مظلم أمام فلسطينيي 1948 لأنهم يصيرون في هويتهم الفلسطينية التاريخية والوطنية من غير مواطني هذه الدولة الدينية .
إضافة إلى شرط بقاء وجود عسكري إسرائيلي في منطقة غور الأردن تحت ذرائع أمنية وسيطرة كاملة على مدينة القدس التي تشهد عملية تهويد مركزة وواسعة لتحويلها إلى عاصمة إسرائيل، علاوة على ما يجري تسويقه من مطالب وشروط أمنية تقوم بالأساس على جعل الجانب الفلسطيني يتحمل مسؤولية حماية الاحتلال الذي يعاني الشعب الفلسطيني انتهاكاته والاحتلال هو السبب للمخاطر والأضرار وعدم الاستقرار في هذه المنطقة بما يعني ذلك على أمن واستقرار ومصالح عالمنا بأسره .
في النظرة العامة قدمت لجنة المتابعة العربية دعماً للفلسطينيين في مواجهة الضغوط والابتزاز التي تزايدت لحملهم على تنازلات تذهب باتجاه تصفية القضية الفلسطينية، وأهمية الموقف أنه يأتي في ظل ظروف عربية صعبة ودقيقة، ربما لم يكن في حسبان لا الإسرائيليين ولا الأمريكيين وإذا به يأتي على هذا النحو الذي يستعيد فيه موقفاً عربياً لا في التصلب الاسرائيلي وحسب، بل وتجاه الإفراط في الاستفراد في الشأن الفلسطيني، كما لو أن العرب لم يعد عليهم مسؤولية تجاه هذا الشعب استعادة حقوقه .
السؤال الآن: ماذا بعد هذه الخطوة؟
بالطبع لم يعد الأمر يحتمل إعادة إطلاق الأمنيات دونما النظر إلى الحقائق والتعامل معها، وفي هذا السياق ثمة حقيقتان: الأولى أن الاحتلال رفض حقوق الشعب الفلسطيني ويناهض السلام لأن سياسته في هذا الشأن تتكرس على الأرض بأوجه عديدة من الممارسات، ويكفي أن نشير هنا إلى الاستيطان الذي يتزايد في الأراضي الفلسطينية من دون اعتبار لا للمواثيق الدولية ولا الإدانة ولا المطالبة ولا حتى المناشدة بإيقاف هذه القاطرة المندفعة إضافة إلى التوغلات الأمنية وتلكم هي النتيجة لهذا الجانب بطبيعته..
أما الحقيقة الثانية فهي أن المطالب والشروط الاسرائيلية التي تعني إرغام الفلسطينيين التسليم بالأمر القائم على الاحتلال هي ثمرة الرعاية الغربية لما يسمى التسوية أو عملية السلام .
إلى هذا اتبعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ مؤتمر مدريد للسلام واستفرادها بهذه الأزمة تحت مظلة التسوية سياسة شراء الوقت، وهذا وحده على الأقل كان أقرب إلى منحة للاحتلال الذي استثمره في غير مجال ومن ذلك موجة الاستيطان . وهي بعد أن تجاهلت قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام واستبدلتها باتفاقات بمسميات مرحلية وحتى خطة خريطة الطريق لم تعن بتنفيذها وكان الاحتلال يبدأ بإعادة إنتاجها ومن ثم التنصل عنها، وراهناً كان وزير الخارجية الأمريكية جون كيري قدم ما سمي "اتفاق إطار" وعلى رأس أولوياته الجانب الأمني الذي يطالب به الاحتلال وأطلق ما اعتبره "البدائل" للمطالب والشروط الإسرائيلية في شأن الوجود العسكري في غور الأردن وتجاه السيطرة الإسرائيلية على كامل مدينة القدس .
كيري اقترح أن تكون هناك إما قوات دولية أو شرطة فلسطينية وإسرائيلية مشتركة في غور الأردن وأعلن عن "القدس الكبرى" .
في القراءة لهذه الطروحات الأمريكية يرى مراقبون أن ثمة صفقة ستحدث لتراجع إسرائيلي القبول بقوات أمريكية في غور الأردن، كما أن كيري أعلن عما أسماه "القدس الكبرى" وهي لا تقوم على القدس الشرقية والغربية وحسب بل وعلى إيجاد مدينة جديدة للفلسطينيين، ما يعني أن القدس القائمة ستكون جزءاً من الأراضي الإسرائيلية .
هنا تكمن عقدة الطروحات الأمريكية، ففي الظاهر هي بدائل للشروط الإسرائيلية لكنها في الواقع بدائل للحقوق وفي الأهم السيادة الفلسطينية .
500 بليون دولار أمريكي تعويض عن 418 قرية فلسطينية دمرت عام 1948
بقلم: ابراهيم مطر – القدس
قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدى استقباله لوفد مقدسي في مقر الرئاسة في رام الله:" لن نقبل ولن نعترف بيهودية الدولة " في اسرائيل، كما كشف وزير خارجية دولة فلسطين د. رياض المالكي في حديث للصحف المحلية ان وفد لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية قد ابلغ وزير الخارجية الامريكي جون كيري في اجتماع عقد في العاصمة الفرنسية رفض مطلب الاعتراف بإسرائيل ك "دولة يهودية".
كان ذلك رداُ على الحملة التي يقودها رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو ويطالب فيها بالاعتراف باسرائيل كدولة يهودية كشرط اساسي لإحلال السلام مع الفلسطينيين.
فقد ردد نتنياهو هذا المطلب في خطابه امام الجامعات الإسرائيلية والكنيست والمحافل الدولية وزعم بأن فلسطين هي " ارض اجداده".
وكرر هذا المطلب وزير دفاعه موشي يعالون الذي اضاف ان لا سلام مع الفلسطينيين دون تنازلهم ايضاُ عن حق العودة. وجاء وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان بتصريح اضافي يطالب بالاعتراف باليهود الذين هاجروا الى اسرائيل من الدول العربية بأنهم لاجئون ومقايضة املاكهم بأملاك اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم بالقوة ، اي يطالب بمساواة المهاجر الى بلد آخر وبمحض إرادته باللاجئ الذي اجبر على ترك وطنه.
وبهذا المنطق، لماذا لا يطالب ليبرمان بتعويض عن املاك مليون روسي يهودي هاجروا الى اسرائيل خلال الاعوام السابقة وأملاكه الشخصية التي هجرها من بيلاروس.
والهدف من هذه الحملة المركزة هو طمس اي حقوق فلسطينية في ارض فلسطين التاريخية، وان الشعب الفلسطيني لم يكن " موجوداً " وان فلسطين هي أرض بلا شعب الى شعب بلا ارض كما ادعوا في أوائل القرن الماضي.
وامام هذه الحملة المحمومة لطمس الحقوق التاريخية نقول انه " لا يكفي رفض يهودية الدولة" ، بل المطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الوحيد والشرعي لشعب فلسطين ودولة فلسطين المعترف بها دوليا في الامم المتحدة الرد على هذه الحملة بإعلان واضح بان " لا سلام مع اسرائيل" بدون اعترافهم الصريح بتشريد 750000 فلسطيني من ارضهم ووطنهم وتدمير 418 قرية فلسطينية عام 1948، كما على اسرائيل ان تعتذر عن هذا التدمير الذي يعتبر من اكبر انتهاكات القرن العشرين.
ونذكر نتنياهو بما قاله رعنان فايتس من الوكالة اليهودية للاستيطان في مقابلة مع صحيفة «الجيروزالم بوست» عام 1997: " انا الذي امرت بتدمير ما يزيد عن 300 قرية عربية فلسطينية عام 1948"، وانا الذي حولت فلسطين الى تراب".
وأضاف: وعلى انقاض هذه القرى بنينا 500 موشاف وكيبوتس ( قرى يهودية اقيمت في فلسطين وكانت نواة الهجمة اليهودية المسلحة على شعب فلسطين) من الجليل وحتى النقب وأكد بأنه اقترف هذا العمل " وهو مسرور".
كما نذكر ما بما قاله وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق موشه ديان في خطاب له امام طلاب جامعة التخنيون في حيفا عام 1969 ، اذ قال انه لا يوجد مستعمرة يهودية في فلسطين إلا وأقيمت على انقاض قرية عربية.
فتدمير القرى الفلسطينية هو تدمير للوجود الفلسطيني على الاراضي الفلسطينية لآلاف السنين، اذ دمر في هذه القرى تراث وحضارة عريقتان تمتد من اليبوسيين والكنعانيين ثم الى حضارة اليونان والرومان والبيزنطيين واخيراً تراث الحضارة العربية والاسلامية.
وكما سبق لا يكفي الاعتذار عن هذا الجرم بل ايضاً يجب الطلب من اسرائيل الآن وليس غداً بتعويض الى دولة فلسطين بتقدير اولي 500 بليون دولار امريكي، اذ ان القرى التي تم تدميرها في فلسطين التاريخية لا تقدر بثمن. ولمعرفة التفاصيل عن القرى المدمرة يمكن مراجعة كتاب للمؤرخ الفلسطيني الدكتور وليد الخالدي، هذا الكتاب يبين بالأرقام والمعلومات هذه القرى ، كعدد البيوت التي دمرت وعدد السكان ومساحة الاراضي التي تملكها هذه القرى.
والجدير بالذكر أن بلدية بيت ساحور قررت اقامة متحف لذكرى القرى المدمرة وخصصت قطعة ارض لهذا المشروع وأعدت المخططات الأولية.
وقد ذكرت تقارير ظهرت في الصحف الاسرائيلية بأن اسرائيل قد دمرت او استولت عام 1948 على اكثر من 73000 غرفة وما يزيد عن 8000 مخزن ومكتب بالاضافة الى ما يزيد عن 4 مليون دونم زراعي يملكها الفلسطينيون الذين طردوا من وطنهم ومنعوا حتى يومنا هذا من العودة إليها.
والقرى والاحياء الفلسطينية التي لم يتم تدميرها يقطنها اليوم اليهود مثل احياء في صفد ويافا والقدس الغربية في القطمون والبقعة الفوقا والتحتا، والطالبية وابو طور الفوقا والمصرارة وقرى بأكملها والمحيطة بالقدس الغربية وهي عين كارم، دير ياسين، المالحة ولفتا، وهذه أمثلة وليس للحصر.
والمعلوم ان اسرائيل استولت على هذه الاملاك بموجب قانون الغائبين لعام 1950، اذ اعتبرت كل فلسطيني لم يكن موجودا في دولة اسرائيل بعد ايلول من عام 1948 غائباً وأملاكه تعود الى حارس املاك الغائبين وسمحت لهذا «الحارس» ان يتصرف بهذه الاملاك كما يشاء بالبيع او التأجير للهيود فقط.
وبالرغم من ان كثيرين من اهل القدس موجودون في القدس الشرقية غير انهم ما زالوا يعتبرون غائبين ولا يحق لهم استعادة املاكهم في القدس الغربية.
وملاحظة هامة اود ذكرها هنا انه بالنسبة لدولة اسرائيل فإن الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم لا تعتبرهم لاجئين بل غائبين حتى يتسنى لها سلب املاكهم بموجب هذا القانون غير الشرعي.
وهذا المطلب للتعويض عن القرى المدمرة هو مطلب قومي لدولة فلسطين ولا يشمل حق التعويض الفردي او العودة الذي نص عليه قرار 194 للهيئة العامة للامم المتحدة في كانون اول عام 1948. ونشير هنا الى ان المانيا دفعت تعويضات عن «المحرقة» لدولة اسرائيل وللأفراد اليهود المتضررين حتى يومنا هذا.
وتدمير قرى فلسطين من قبل اسرائيل لم يتوقف عام 1948 بل بعد حرب حزيران عام 1967 حيث دمرت بالكامل ثلاث قرى في وادي اللطرون في الضفة الغربية من فلسطين وهي يالو وعمواس وبيت نوبا والاستيلاء على 20000 دونم زراعي يملكها اصحاب هذه الاراضي في القرى الثلاث، وقد تم بناء مستوطنة مفو حورون على انقاضها.
لقد حان الوقت للرد على الهجمة المحمومة للاسرائيليين لطمس اي حقوق للشعب الفلسطيني في ارض فلسطين التاريخية. والانسان الذي لا يطالب بحقه فإن حقه يضيع ولن يغفر له التاريخ ولا الاجيال القادمة، ونكرر انه لا يكفي رفض " يهودية الدولة " بل يجب التأكيد بأن لا سلام مع اسرائيل بدون الاعتذار والتعويض عن أكبر انتهاكات القرن العشرين وان فلسطين ليست ارض اجداد نتنياهو كما يدعي.
وحتى لا ننسى اقترح تدريس مساق خاص في المدارس والجامعات الفلسطينية عن القرى المدمرة كما نطالب الرئيس محمود عباس بإعلان وسن تشريع للوقوف حداداً لدقيقة صمت في يوم الاستقلال.
ما هي حدود إسرائيل ؟!
بقلم: فيصل ابو خضرا – القدس
*لا حدود لإسرائيل ما دامت لم تحقق بعد "اسرائيل الكبرى" وقد كتب بن جوريون في مذكراته اثناء مرحلة ظهور دولة اسرائيل:" لسنا مضطرين لرسم حدود اسرائيل". كما قالت أيضاً جولدا مائير عام 1969م:" حيث سنقيم ستكون هناك حدودنا" ويقول موشي دايان في الاتجاه نفسه:" اذا كنا نعتبر اننا شعب التوراة فلا بد لنا من امتلاك اراضي التوراة
أيضاً". وبقدر ما تستطيع اسرائيل مد حدودها وتركيز امنها، بقدر ما تستطيع الدعوة الى المزيد من الهجرة اليهودية اليها. هذا هو منطق " المجال الحيوي" الذي هو منطقها، وهذا هو منطق" الوطن التوراتي" الذي ترتكز عليه. اما الهدف المباشر الان هو بلع ما تبقى من فلسطين بما فيها الاغوار ،وليس حروب الاستيطان، وحروب التوسع، وحروب التفكيك والتقسيم، بالحداثة الطارئة في زمانها والمنبثقة عن حاضرها. كلا، ليست هي كذلك، فهي كلها مرسومة في المشروع الصهيوني من الاساس، وكلها جاهزة ومخطط لها منذ زمن طويل، في انتظار ان يحل الوقت الاكثر ملاءمة لتنفيذها، فما المسالة سوى مسألة وقت.
ان ما حدث من احتلال وتوسع في حرب 1967 كان يمكن ان يحدث سنة 1948م لو توفرت للحركة الصهيونية المعطيات الملائمة، والمذكرات والنصوص الصادرة عن بن جوريون منذ عام 1948، وعن موشي دايان منذ 1954، تظهر ان حرب 1967 كانت مرسومة بكل أهدافها قبل وقوعها بكثير. ومخطط تقسيم المنطقة، ومخطط مد الحدود الاسرائيلية الى نهر الاردن مرسوم مسبقاً.
هذه هي الحركة الصهيونية في مكيافيليتها وقوتها، تبقى الحركة الصهيونية في ضعفها، وهي تنطوي على نقاط ضعف ثلاثة: ضعف حجتها التاريخية اولا، وتهافت أيدولوجيتها ثانيا، ومازق دولتها ثالثا.
الحجة التاريخية،اي حقها في ارض فلسطين الذي قامت عليه الحركة الصهيونية دعوتها.اذا كان هو حق الأقدمية الاولى فاليهود في التاريخ الأقدم لم يكونوا اول شعب استوطن فلسطين، ومن بين الشعوب التي سبقتهم اليها الشعب الفلسطيني الذي أعطى لهذه الارض اسمها. واذا كان هو حق العودة الى مكان بعد 3500 سنة فهناك اكثر من من 12 شعباً معروفا سكنوا هذا المكان وتمازجوا فيه قبل ذالك التاريخ وبعده، وفي اي حال ما علاقة اليهود الأوروبيين و سواهم بتلك القبيلة اليهودية التي مرت تاريخياً من هنا مثلها مثل سائر الأقوام والقبائل؟ وكان هرتسل مستعد للذهاب الى أوغندا، او الأرجنتين او موزمبيق او قبرص، وكانت فلسطين احدى الاحتمالات فقط.
من جهة الأيديولوجيا، اي اساس يرجى لمفهوم " العرق اليهودي"، واليهود مثلهم مثل أبناء سائر الديانات يتألفون من جميع الأعراق التي وصلت اليها دعوتهم عبر الأجيال، من الصين الى بولونيا؟ وأي اساس يرجى لمفهوم " ارض الميعاد" وهو روحي المعنى، رمزي المدلول" مثله مثل كل ما هو وارد في التوراة، وقد فسرته الحركة الصهيونية تفسيراً سياسياً مشوها لا يمت للأصل بصلة؟ لقد كان هذا التشوية موضع استنكار اللاهوتيين اليهود أيضاً ممن رفضوا في حينه التحريف السياسي للتوراة الذي حملته الصهيونية، كما رفضوا تحويل الديانة اليهودية الى مشروع دولة.
وتاريخ الحركة الصهيونية في الثلث الاول من القرن العشرين هو أيضاً تاريخ صراعها مع هذا التيار اليهودي الذي يرى في اليهودية" دين روحي الهدف وإنساني الدعوة" لا يمكن تحويله الى دولة مغلقة، وتحويله الى دولة مغلقة يعني الغاءة. ولم تنتصر الحركة الصهيونية نهائياً الا بعد بروز النازية وما قامت به ضد يهود اوروبا. مع ان الحركة الصهيونية كانت مراهنة من الاساس على اللاسامية . وقبل بروز النازية كان عدد كبير من يهود اوروبا الغربية، والعدد الاكبر من يهود امريكا، يرون في الصهيونية خطرا على اندماجهم في مجتمعاتهم، وأداة تحريض دائمة عليهم. وكان معظم أنصار الحركة الصهيونية في حينه من يهود اوروبا الشرقية ممن توترت علاقاتهم بمجتمعاتهم.
من جهة دولة اسرائيل، ليست الصورة زاهية أيضاً... فليس من دولة مرتهنة اقتصادياً وماليا للخارج مثل هذه الدولة التي لا تتوافر فيها مقومات وجودها والتي تعاني من العزلة الكاملة في محيطها حتى لو أقامت علاقات سياسية مع هذه الدول، ناهيك عن ما تقاسيه
اليوم من عزلة دولية اليوم وبعد ان انكشفت للعالم اجمع انها دولة عنصرية من الطراز الاول. وليس من دولة مرتبطة عسكرياً أيضاً بالخارج مثل هذه الدولة. والدولة الاسرائيلية التي ارادت طمأنة يهود العالم وضمان امنهم هي دولة الحروب الأبدية وهي الدولة التي يشعر اليهودي فيها انه مهدد في امنه اكثر من اي مكان في العالم. فإلى متى تستطيع اسرائيل الهرب الى الامام؟ فصورة اسرائيل الواثقة من مستقبلها، والتي انتشرت بعد حرب 1967م لم تعد راسخة في الخارج خصوصاً بعد هزيمتها في حرب العبور، ولولا تدخل امريكا السريع لكانت اسرائيل في وضع صعب جداً. وهجرة اليهود السوفيات ويهود افريقيا لإسرائيل لا تلغي المأزق الذي تعيشه بين شعب راسخ في ارضه وارض اجداده وهو الشعب الفلسطيني، خصوصاً بعد عطف العالم لقضيته واعتراف العالم بدولته المستقلة، فأين ستكون حدود هذه الدولة التي اخترعها العالم الغربي؟.....
العرب من التوريط الى التفريط... إلى متى؟
بقلم: محمد جلال عناية - القدس
الحقيقة التي تجب كل الأقاويل، هي أنه لم يكن للفلسطينيين في يوم من الأيام اي لون من ألوان السيطرة على أرضهم. إنهم أناس «ونحن افراد منهم» قد صقلهم المراس، ولكن التحديات كانت دائماً فوق طاقتهم.
مع اننا أرض وشعب ككل الناس الذين عاشوا في اوطانهم، الا اننا «كأرض وشعب» مكثنا اربعة قرون تحت سيطرة العثمانيين، ثم تلقفتنا بريطانيا والحركة الصهيونية، اللتين خطتا حدودنا وسيطرتا على ارضنا، ثم اصبحنا اسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة. ومنذ ذلك الوقت، ظل الوطن الفلسطيني الذي نطلبه شعراً وهتافاً واغاني واناشيد، ودماً مسفوحاً ودماراً، وذلاً واضطهاداً، ومن كان منهم بلا خطيئة فليرمنا بحجر.
فماذا عن ثورة تحرير فلسطينية تواصلت على امتداد نصف قرن؟ في بحثنا عن طريق للخروج من المتاهة كفلسطينيين، لابد من ريادة لا يكذب فيها الرائد اهله، وأول خطوة في هذه الريادة تتمثل في البحث الموضوعي في ماهية الثورة التي انطلقت بتشكيل حركة «فتح» في الكويت في العام 1959، واستمرت حتى هذا العام 2014.
حتى يتضح طريقنا ويستقيم خطونا، لابد من ان نستحضر سوية عقلنا التصحيحي للإجابة على اسئلة سهلة وواضحة، ولكن الإجابة عليها صعبة وعلى درجة من التعقيد، ويبدو من المستحيل تحقيقها.
هل يحيط اي منا بعدد التنظيمات الفلسطينية التي تواجدت في السر والعلن، على امتداد نصف القرن الماضي، وعلاقاتها وارتباطاتها والاغراض الحقيقية التي اقيمت من اجلها؟ والسؤال الآخر: هل يحيط احد منا بأنماط الثوار من اعضاء هذه التنظيمات، هذه الانماط التي تمتد في سلسلة عصية على التصنيف تبدأ بالاستشهاديين والضحايا وتنتهي بالخونة والعملاء.
لقد صنعنا الثورة لتحقيق هدف معين، فهل برعنا في صنعها، او بالأحرى، هل اتيحت لنا الظروف لصنعها بإتقان؟
ان الذين تنادوا للثورة اناس طيبون، ولكن ليس لدرجة الغفلة للاعتقاد بأن في إمكان الشعب الفلسطيني، وهو على تلك الحال من الضعف والتمزق، والضغوط النفسية في اجواء استبدادية «من قبل القريب والغريب» كممت فمه وشلت يده، ان يوفر الظروف لانشاء جهاز يتكون اسمه من ثلاث كلمات، هي: «ثورة»، و«تحرير»، و«فلسطين»، تتوفر له اسباب القوة لتحرير فلسطين.
كان كل ما يطمح اليه الفلسطينيون الطيبون ان يوقدوا شرارة تلهب الحدود العربية لإشعال ثورة تحرير على المستوى القومي لتحرير فلسطين، حيث لم تتوفر الظروف لتعاون طوعي مع انظمة عربية استبدادية للرد على التحدي الاسرائيلي، فلم يكن امام الفلسطيني الضعيف سوى التحايل. وحتى نتفهم الظروف التي كان يتحرك فيها الرواد الطيبون، يسهل ذلك من خلال العامل الجغرافي، لنسأل انفسنا: لماذا تشكلت حركة تحرير فلسطين «1959» في امارة الكويت التي لم تكن قد استقلت بعد، وكانت في ذلك الوقت خالية من البؤر الامنية العربية، بعيداً في اقصى المشرق العربي؟
ولكن، الى اين وصل بنا الحال من خلال عملية التجاذب والتدافع بين الفلسطينيين والانظمة العربية على امتداد نصف القرن الماضي؟
في المسار التصحيحي نفسه نريد ان نؤكد مرة بعد اخرى، ان كل ما لفلسطين وللفلسطينيين من رصيد في الوطن العربي هو مشاعر الشعوب العربية، التي كلما حاولت الانظمة العربية اطفاءها يعود اليمين الاسرائيلي ويمين اليمين الى اشعالها من جديد.
اذا كنا ندرك ان الصهيونية بملحقاتها، والاستيطان الاسرائيلي بشرهه هما من يلهب المشاعر العربية، نريد النظر في العوامل التي فعلت افاعيلها، على امتداد نصف القرن الماضي، لإطفاء هذه المشاعر، فقد تحرك طابور خامس، في الدول العربية الراديكالية والمحافظة على حد سواء، لمحاربة فكرة الارتباط بين الشعوب العربية والقضية الفلسطينية، بالايحاء للشعوب العربية الفقيرة بأن هذا الارتباط هو السبب في سوء احوالها الاقتصادية والايحاء للشعوب العربية الغنية بأن هذا الارتباط سوف يحرمها من الرفاهية التي تنعم بها.
ولكن الانقلاب الكبير الذي حدث، هو غرق الفلسطينيين في الحوض العربي بدلا من توريط العرب في حرب ضد اسرائيل.
الورطة الثانية التي وقعت فيها القيادة الفلسطينية هي التهليل لقرار مؤتمر قمة الرباط (1974) باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. اما الجزء الصامت من القرار فهو "لحمل عبء الاعتراف باسرائيل وتقديم التنازلات لها". وليس للاستئثار بكعكة الحكم في الدولة الفلسطينية المنتظرة.
الورطة الثالثة التي وقعت فيها القيادة الفلسطينية هي توقيع اتفاق اوسلو 1995، واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية.
فبعد الاجتياح الاسرائيلي 1982 للبنان، وترحيل القوات الفلسطينية الى تونس واليمن والسودان، لم يعد الحديث عن تحرير فلسطين عسكريا من قبل القيادة الفلسطينية ذي جدوى، وبشكل خاص بسبب هبوط الروح المعنوية بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل (1979).
كان اصحاب العلاقة على الجانب الفلسطيني يدركون ان شيئا لن يتحرك فيما يتعلق بتسوية فلسطينية اسرائيلية دون ان تعترف القيادة الفلسطينية باسرائيل. وقد استغرقت هذه القيادة في التمهيد لتمرير هذا الاعتراف على الشعب الفلسطيني مدة خمس سنوات بدأت في العام 1988 بالاعتراف بقرارات الامم المتحدة 181 و 242 و 338.
على هذا المسار نريد ان نشير الى قصر نظر القيادة الفلسطينية التي سارعت الى الاعتراف باسرائيل (1993) مقابل فقط اعتراف اسرائيل بأن المنظمة تمثل الفلسطينيين. واننا نعتب على القيادة الفلسطينية، بأنها قبلت بهذا الثمن البخس لاعترافها باسرائيل واهملت حق تقرير المصير، وحدود المناطق المحتلة، ووقف الاستيطان، مدفوعة بسباقها على السلطة مع الاحتواء السوري والبديل الاردني. وبسبب إفلاسها السياسي حيث قدمت اثمن ما لديهما وهو الاعتراف باسرائيل، هذا الاعتراف الذي كان ثمنه على اقل تقدير، دولة فلسطينية تامة الارض كاملة السيادة، ظلت تعاني من المراوغة الدبلوماسية الاسرائيلية منذ اكثر من عشرين عاما،انشغل خلالها الفلسطينيون بالتنازع على السلطة الوطنية الفلسطينية التي اصبحت الورطة الفلسطينية، بما هو عليه الحال الذي وصل اليه الفلسطينيون.
والآن جاء وقت اشعال مواقد المطبخ السياسي الفلسطيني، والاستعداد لنأخذ دورنا في المعمعة السياسية والدبلوماسية الدائرة في منطقة الشرق الاوسط، لعلنا نحقق بعض مصالحنا اذا ما استطعنا تنظيم قوانا لتحقيق هذه المصالح، ... بالتعامل مع الحقائق من حيث هي حقائق.
وهذا لن يتم الا من خلال حركة وطنية تصحيحية نبدأ فيها بمحاسبة الذات. لقد وعد الحاج امين الحسيني بإقامة دولة عربية في فلسطين فانتهت حربه بنقل الفلسطينيين من مدنهم وقراهم الى معسكرات اللاجئين. ووعدت قيادة حركة فتح بتحرير فلسطين فانتهت حربها بإقامة السلطة الوطنية مقابل اعترافها باسرائيل. ووعدت حماس بتحرير فلسطين من البحر الى النهر وانتهت حربها بمناشدة المجتمع الدولي للضغط على اسرائيل لتطبق قوانين الاراضي المحتلة على «غيتو» غزة.
وهنا تأتي ضرورة الحركة الوطنية التصحيحية، لأن كل التنظيمات المساومة والممانعة التي تشغل الساحة الوطنية بضجها وضجيجها، سواء كانت مجتمعة او منفردة لا تستطيع منع اقامة بيت لمستوطن اسرائيلي، ولا تستطيع منع هدم بيت لمواطن فلسطيني. فأين هي مفاتيح الحركة في الشأن الفلسطيني؟
انه غضب الشعوب العربية. ان غضب الشعوب العربية هو الذي دفع الرئيس الاميركي باراك اوباما للقول خلال خطابه في جامعة القاهرة: «ان وضع الفلسطينيين لا يطاق ولن تدير امريكا ظهرها للتطلعات المشروعة للفلسطينيين الا وهي تطلعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم». وفي تصريحات لاحقة ذهب الرئيس اوباما الى ابعد من ذلك عندما قال ان قيام دولة فلسطينية يحقق مصلحة اميركية.
ان موقف اوباما ليس طفرة في السياق الاميركي، فإنه ينسق تماما مع موقف كل من وزير الخارجية جورج مارشال ووزير الدفاع جيمس فورستال (1947) اللذين عارضا بقوة قيام دولة يهودية في فلسطين لأنه يضر بالمصلحة الامريكية. ولا احد يستطيع القول بأن الجنرال جورج مارشال، الذي كان رئيس اركان القوات الامريكية قبل ان يصبح وزيرا للخارجية، ووصفه ونستون تشرتشل بأنه مهندس النصر في الحرب العالمية الثانية، والذي ينسب اليه مشروع مارشال، لا أحد يستطيع القول بأنه لا يعرف اين هي المصلحة الامريكية عندما يعترض على اقامة دولة يهودية في فلسطين، مع انه هو والجنرال ايزنهاور انقذا اليهود من هتلر، ولكن كان ترومان صاحب الحق في التوقيع.
عندما يقول الرئيس الامريكي باراك اوباما :«ان متانة الاواصر الرابطة بين امريكا واسرائيل معروفة على نطاق واسع ولا يمكن قطع هذه الاواصر ابدا»، نفهم انه ليس رئيسا انقلابيا ولا يمكنه ان يكون كذلك ضمن قواعد اللعبة الامريكية التي يتغير فيها اللاعبون ولكن قواعدها تبقى ثابتة، وضمن هذه القواعد يرى الرئيس اوباما «ان السبيل الوحيد للتوصل الى تحقيق طموحات الطرفين يكون من خلال دولتين يستطيع فيهما الاسرائيليون والفلسطينيون ان يعيشوا في سلام وأمن» ولعل هذه اقصى حدود التوازن التي يطبقها باراك اوباما الرئيس الحالي للولايات المتحدة الامريكية.
اما المهمة الآنية الموكلة للمطبخ السياسي الفلسطيني فهي الابداع الدبلوماسي في حالتي المبادرة والمجابهة، فنحن اليوم احوج ما نكون الى رجال دولة يتحركون متسلحين برؤية ثاقبة وشجاعة اتخاذ القرار، بعيدا عن الموروث الهالك، وازدواجية المضمر والمعلن من المواقف.
في نطاق المبادرة يجب ان نبدأ بطلب شديد الوضوح ودقيق التحديد، مدعوم بالشرعية الدولية ونتقاسم المسؤولية عنه مع الاشقاء عرب، وهو رسم حدود الدولة الفلسطينية، فإن هذه الحدود مثبتة في اتفاقيات هدنة رودس (1949) بين كل من مصر واسرائيل والاردن واسرائيل، ولا مجال لطمسها قانونيا لا بالجدار ولا بالمستوطنات، وتدخل القدس الشرقية في نطاقها.
وفي مجال المجابهة، فإننا سوف نعترف بأن اسرائيل دولة يهودية، ولكن المدخل الى ذلك هو تطبيق قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 181 بتاريخ 1947/11/29 (قرار التقسيم). فإذا تراجعت اسرائيل الى خط الحدود الذي حدده قرار التقسيم فأهلا بها دولة يهودية. ولن تعود قضية اللاجئين الفلسطينيين مرفوعة، لأنهم سيعودون الى الدولة العربية التي منحها لهم قرار التقسيم.
واذا تم الاتفاق على موضوع تبادل الاراضي، فليطالب الفلسطينيون بأراض من مثلث (جنين - العفولة - بيسان) في الشمال، ومثلث (غزة - المجدل - الفالوجة) في الجنوب، وإعادة توطين اهل هذه المناطق من اللاجئين بها.
في موضوع فلسطين المسلحة، وفلسطين المجردة من السلاح، فإننا نحذر من الشرك الذي ينصبه نتانياهو للفلسطينيين من كافة الاطياف، لأنه حقا لا يريد دولة فلسطينية مسلحة، ولكنه يريد جماعات فلسطينية مسلحة يتذرع بوجودهم لتعطيل العملية السلمية لإقامة الدولة الفلسطينية، واستمرار الاستيطان حتى ابتلاع آخر شبر من فلسطين.
وآلية نتانياهو جاهزة للاستيطان بيد وضرب الفلسطينيين باليد الاخرى.
انه يمكن الخروج من مأزق التسليح بقيام حلف دفاعي بين مصر والاردن وفلسطين، وفي هذه الحالة فإن فلسطين سواء كانت مسالمة او مهادنة فإنها مرتبطة مصيريا بكل من مصر والاردن لأن صاحب العقل يدرك بأن فلسطين على امتداد ستين عاما لم تستطع دفعهما الى الحرب او منعهما من اقامة السلام.
يجب الا ننسى للحظة واحدة اننا في كل ما فعلناه، وما لم نفعله كفلسطينيين تم داخل النطاق العربي الذي يستحيل علينا الخروج منه، فهذا هو حالنا في الماضي والحاضر والمستقبل.
المثقف العربي: تناسل المآزق، وأفول التأثير
بقلم: د. خالد الحروب – الايام
الإعلام الجماهيري، التلفزيوني منه والانترنتي، هو الذي يوجه ناس اليوم، إلى حد كبير، ويتحكم في تكوين توجهاتهم وأمزجتهم و"أفكارهم" وميولهم السياسية.
هناك فواعل ولاعبون كثر بالتأكيد يؤثرون في الكتلة العريضة من الناس، لكن هؤلاء جميعا يحتاجون إلى الإعلام ولا حول لهم ولا نفوذ من دون جسور التواصل التي يوفرها إعلام اليوم.
في اللحظة الراهنة كل منا يستطيع أن يتذكر جدل برامج تلفزيونية عديدة، وما نوقش فيها من آراء وأفكار، ويستطيع ان يتذكر تفاصيل بعض النشرات الاخبارية التي غطت احداثا معينة، والشريحة الاكثر ميلا باتجاه الافكار والثقافة لعلها تتذكر بسهولة ايضا كتابا تابعت نقاشه على هذه الفضائية او تلك، او لقاء ادبيا او فكريا بُث مع هذا الاديب او ذاك الاديب. تأتي تلك "المتذكرات" وسط عاصفة لا تهدأ من الاعلام المتواصل والذي يتسم بالإيقاع السريع والحركة الدائمة التي ما ان تلبث ان تغطي حدثا ما، حتى تنتقل إلى آخر جديد.
لا وقت في هذا الاعلام السريع لإنضاج الافكار وتعميقها والاستطراد في تفكيك طبقات معانيها.
كل ذلك يعني مزيدا من الاحتكار للفكرة السريعة اللافتة والمخرجة بطريقة جذابة، ولا يهم مدى سطحيتها، فالمهم هو مدى جاذبيتها.
ليس جديدا القول ان الفكرة العميقة وكل ما له علاقة بها يسقط ضحية اولية وسط تلاطم بحر الاعلام السريع وفيضانه عبر الحدود وعبر نوافذ البيوت وشاشات الهواتف النقالة.
والضحية المرافقة بطبيعة الحال هي صاحب الافكار نفسه، المثقف. ذلك ان جسور التواصل بين هذا المثقف وفي اية بقعة في عالم اليوم اصبحت محدودة بوسائل الاعلام الجماهيري، ولا وسيلة اخرى يتواصل من خلالها هذا المثقف مع من يريد التواصل معهم، او إيصال افكاره لهم.
وحتى يحصل المثقف على نافذة صغيرة وسريعة يهرّب من خلالها ايا من افكاره وتداعياته عليه ان يتنافس مع اخبار ساخنة على مدار الساعة اكثر جذبا، ومع استعراضات غنائية ومقطوعات تقودها مذيعات جميلات قضين نصف النهار امام المرآة، ومع برامج خفيفة وبراقة وموسيقاها سريعة ولا ترحم تأني المثقف وتأمله وعدم انتباهه للوقت الذي يجري في ساعة المخرج، وهو يلعن الساعة التي استضاف فيها "المثقف الُممل".
يظل المثقفون بالتالي محشورين في كتبهم وابحاثهم، وتئن الافكار التي ينتجونها من كساد القراءة والاطلاع.
بيد أن مشكلة الوصول للجمهور والتأثير فيه ليست إلا جزءا من مشكلة اكبر تكمن في ضحالة انتاج الافكار في المشهد الفكري والثقافي العربي.
إذ حتى لو توفرت جسور التواصل على اوسع نطاق بين المثقفين وافكارهم والجمهور فإن ما سيتم نقله لن يكون بالشيء الكبير ولا العميق ولا المؤثر. ذلك انه من ناحية تأريخية وعمليه طبقة "المثقفين والمفكرين" في العالم العربي اصبحت رقيقة جدا، وليس هناك "مشهد فكري" تؤمه الافكار ويشهد اصطراعها وتعميقها وانضاجها.
الموجود هو مشهد انفصامي جزؤه الاول تكفيري، وجزؤه الثاني اقصائي، وكلاهما لا ينتج افكارا، بل آليات لقمع الآخر.
على صعيد انتاج الافكار ذاتها نحن في مواجهة انسداد حقيقي، إن لم يكن تراجعا.
وما يُكتب وُينشر بين الوقت والآخر هو إعادة تدوير لأفكار كتبت ونوقشت مرارا وتكرارا منذ حقبة ما تسمى "النهضة".
لم نستطع تفكيك الاشكاليات التي واجهها فكر النهضة منذ قرن ونصف: الدين والسياسة، العلاقة مع الغرب، وضع المرأة، التقاليد، العلاقة بين العلم والدين، الدولة الوطنية والامة، وهكذا.
كأننا اضعنا ذلك القرن ونصفا من قرن آخر ونحن لا نمتلك الشجاعة الكافية لحسم اي من تلك الاشكاليات، وعوضا عن ذلك نتلحف بتوفيقية تحاول ان تزاوج بين افكار متناقضة، فتتحول تكلسا حقيقيا على ارض الواقع وتحول حياتنا الفكرية والسياسية الى حالة حقيقية من الشلل.
وفي هذا السياق تنتقل المسؤولية إلى جانب المثقفين، وجانب انتاج الافكار، وليس فقط جانب الاعلام والجسر الناقل للافكار المُنتجة.
والواقع ان غياب الجرأة الفكرية عند الشريحة العريضة من المثقفين العرب أمر لافت، ولئن امكنت الإشارة إلى بعض اسباب ذلك الغياب، فإن ذلك لا يقدم تفسيرا مقنعا وشاملاً.
في كتابه الشهير عن المثقفين العرب والغرب والذي نُشر في سبعينيات القرن الماضي حاول هشام شرابي تحليل هذه "الظاهرة"، اي عدم جرأة المثقفين، وترددهم الكبير في القطع مع الفكر التقليدي والماضي المتكلس الذي يعيقهم ويعيق مجتمعاتهم.
شرائح المثقفين التي ناقشها شرابي انتمت إلى حقبة العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر والاوليين من القرن العشرين، والتي سماها شرابي حقبة التكوين.
مقاربة شرابي في فهم التردد الذي شاب اولئك المثقفين اعتمدت على تفكيك وتحليل السياق الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي عاش فيه اولئك المثقفون.
ارتباطاتهم الحياتية واحتياجاتهم الاقتصادية، وانتماؤهم للأغلبية العربية المسلمة في مجتمعاتهم كبل ايديهم وافكارهم، واضطرهم لأن يكونوا محافظين في طروحاتهم ويبقوا في اطار التوفيق بين الافكار المتضادة – او التلفيق في ما بينها.
على ذلك بقي الإرث القبلي والعائلي والديني وما يسميه شرابي البنية القروسطية مسيطرة على تفكيرهم، ومنعتهم من القطع الثوري مع واقعهم الاجتماعي والثقافي.
ثمة قرن ونصف القرن مرا على شريحة المثقفين التي ناقشها شرابي، ونحن اليوم امام شريحة اخرى، اقل تأثيرا وبروزاً، لكنها تعاني من نفس عوارض التردد وعدم الجرأة – إلا في حالات فردية هنا وهناك، وبما لا يشكل "مشهدا فكريا" عاماً ينتقل بالفكر المجتمعي من مرحلة إلى اخرى.
هل ما زال تحليل شرابي صائبا إزاء جبن طبقة المثقفين في مواجهة البنية القروسطية، أم اننا نحتاج إلى تطوير تحليله في ضوء العقود الطويلة التي مرت؟ هل يمكن القول ان تلك البنية التقليدية الصلدة ذات المعالم القروسطية استطاعت ان تبتلع اجزاء من العقل الجمعي والفردي وتعيد تأكيد احتلاله والسيطرة عليه، بحيث ما عاد بالإمكان التحرر منها؟ بل إن التوفيقية والتلفيقية على علاتهما صارتا تعانيان من التردي والتقهقر امام الزحف المتواصل للبنية والتفكير القروسطي.
كأن السياق الذي احاط بشرائح المثقفين في مرحلة زمنية ما، امتد إلى داخل طرائق التفكير وحول البنية العقلية ذاتها إلى بنية قروسطية، وبذلك وعوض ان يدحر العقل الناقد السياق القروسطي، تمكن هذا الاخير من العقل ذاته واحتله وضمه إلى بنيته المتخلفة.
المصالحة ودفن الرأس في الرمال
بقلم: د. عاطف أبو سيف – الايام
عاد الحديث الساخن عن المصالحة الذي ثار في الصحافة الشهر الماضي إلى ثلاجة الموتى، وخبت النار التي سرت للحظات، وظن البعض أنها ستتمخض عن دفع حقيقي لعملية المصالحة التي صار الناس، من وطأة الانقسام، ينسون أنها يمكن ان تحدث.
وللمرة بعد الألف نثبت أننا بارعون فقط في التصريحات والخطابات والوعود، وأن الذهاب الحقيقي للغايات والتطلعات دون مواربات إعلامية وحذلقات بلاغية أمر غير وارد، أو هو شيء لا نحترفه.
فالكلام المعسول والخطب الرنانة والابتهالات الخاشعة، والتي كلها أعطت إحساساً دافئاً أن ثمة حراكا حقيقيا لدفع المصالحة للأمام، كلها لم تعد إلا مجرد كلمات مثل ترنيمة تلك الأغنية الفرنسية الشهيرة التي تنتهي بـ"كلام كلام كلام كلام". وأظن ان ما جرى لم يكن أكثر من كلام.
فعند فحصه على أرض الواقع تبين أنه لم يؤسس فعلاً لنوايا حقيقية، او نجم عن رغبات صادقة، بل جاء من باب الاستعراض الوقتي لاحتمالات لن تحدث.
والمواطن الذي أكل الانقسام من عمره وشرب من سعادته سرعان ما يظن أن الجبل سيلد فجأة مولوداً يليق بحجم المعاناة.
لكن الحقيقة دائماً تأتي عكس ذلك، فاستعراض سريع لمسيرة "عملية المصالحة" التي باتت أعقد من مسيرة السلام تكشف كيف أن هذه العملية على ما اشتملت عليه من تعقيدات وتدخلات ومحاولات واستنجادات لم تفلح في أن تلبي يوماً رغبة الناس في إنجاز ما لا حاجة لبذل جهد لتحقيقه: المصالحة.
كل شعوب الأرض مرت بلحظات انقسام حادة في حياتها لفترات قصيرة كانت ضرورية من أجل استكمال مرحلة بناء الهوية الوطنية وتطوير تعريفات مشتركة للمصير المشترك، وتحديد الخيارات الوطنية خاصة المتعلق منها بشكل ونوع النظام السياسي.
ووصلت الأمور في الكثير من الأحيان إلى الاقتتال المسلح وانقسام الشعب بين مؤيد لهذا الطرف أو منحاز لذلك.
ويمكن لخبرات الشعوب أن تمدنا بالكثير من النماذج حول ذلك في كل قارات الأرض، إذ إن كلمة حرب أهلية ربما كانت كلمة أصلية وأساسية عند دراسة أي نظام سياسي لأنها تعكس كنه عمليات تطور النظام والشقاق الحاد في توجهاته الداخلية، حيث إن أي صيغ دستورية توافقية تعكس في الأساس مواقف طرفي الانقسام قبل كتابة الدستور، وهوية النظام الجديد ليست إلا زواجا قسريا لكنه مرغوب في الوقت ذاته (لأن غياب هذا الزواج سيقود إلى تدمير البلاد) بين الهويات المتنازع عليها.
لكن أيضا لم تكن هذه الانقسامات بسبب رغبة في تدمير البلاد، بقدر ما كانت بسبب وجهات نظر ورؤى حول أفضل السبل لمعالجة مشاكلها.
لا يقول لي أحد إن الخلاف الفلسطيني الداخلي على القيم والمثل والمصلحة الوطنية، ولا يحاول أحد بعد ثماني سنوات من المعاناة أن يقول لي إن أحداث حزيران الأسود العام 2007 كانت بحثاً عن أقصر الطرق لتحرير يافا ولم تكن من اجل الكرسي والكرسي فقط.
لا يبدو هذا الكلام لوماً أو عتاباً بل دعوة للمصارحة والإقرار بالخطأ، لأن ثمة حتى هذه اللحظة من يحاول أن يصور في خطابه ما جرى بوصفه دفاعاً عن "المقاومة" دون أن يدرك بأنه منذ حزيران 2007 لم تقاوم غزة بالمطلق بل كانت تدافع ببسالة عن نفسها، حتى وصل الأمر بإسرائيل أن تقول قبل أشهر إنها بصدد مقايضة أمنها بالخبز المرسل لغزة.
وعليه فبالقدر الذي وقع السياق الفلسطيني ضحية تصورات ذاتية عن نفسه بالقدر الذي يتشابه واقع حاله في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وليست الخطب الإعلامية وحديث البلغاء المفوهين إلا تضليلا يمكن للحظات قاسية من الاعتراف أن توضحه وتزيل غمامته.
هل نحن الشعب الوحيد على وجه الأرض الذي ينقسم على نفسه وهو تحت الاحتلال؟ من المؤكد أن هذه ظاهرة غريبة فشعب يرزح تحت نير قوة احتلال قاهرة لا يجد خياراً إلا أن يتقاتل مع نفسه.
مرة أخرى ليس مهماً السبب لأن خلف كومة الأعذار ثمة حقائق مؤلمة. لكن رغم قسوة الواقع ومرارته فإننا نتعامى عن كل شيء ونصر على إعادة انتاج خطاب الانقسام بكثير من العناد دون أن نلتفت إلى أن واقعنا ليس كما يجب وأننا نغوص في الوحل أكثر فأكثر.
حتى الرمل الذي ندفن فيه رؤوسنا لم يعد يكفي ليغطيها بشكل كامل.
فمن ينظر إلى غزة الآن يدرك كيف كانت فاتورة الانقسام قاسية وأن المباهج المؤقتة التي وفرها الانقسام للبعض سرعان ما ذهبت مع الريح وأن المواطن الغلبان عليه أن يدفع من مخزون سعادته المفقودة أصلا ثمناً لهذا الانقسام فيعاني من قلة الكهرباء والبنزين والغاز وشظف العيش وقسوة تقييد الحركة ناهيك عن تدني مستوى الخدمات خاصة مع نقص المعدات والأدوية وما إلى ذلك.
الخطابات والوعود لا تساعد في إخراج هذا الشعب من الضياع الذي فرضه عليه الانقسام. وعودة نائبين ولا ثلاثة من رام الله لغزة بعد موافقة حماس وسماحها لهم ليس بالخطوة الجبارة، لأن هؤلاء النواب ما كانوا ليغادروا غزة أصلاً لو فضلوا البقاء مع مواطنيهم الذين انتخبوهم حتى لو كلفهم ذلك ما كلف بقية المواطنين.
كما أن اللقاءات المتفرقة والمبعثرة لن تقود إلى مصالحة كما أن تفسير الماء بالماء لا يزيد المعني إيضاحاً.
المطلوب هو خطوات تذهب باتجاه الهدف مباشرة، بمعنى أن يتم تشكيل الحكومة مباشرة دون اعتراض وتحفظات واشتراطات ويتم تحديد جدول زمني ينتهي بإجراء انتخابات عامة.
وهنا لا حاجة للخطابات والوعود التي لا يرى النور كثيرها بل المطلوب هو الموافقة الفورية على تنفيذ ما اتفق عليه لا الحديث حوله.
وأظن أن توفر الإرادة لو وجدت وحده يكفي، فما بالك إذا نظرنا حولنا ورأينا صعوبة الحياة التي نحياها وأن المستقبل الوحيد الذي يمكن أن نحياه، وان يخرج غزة من نفق التيه، هو بالوحدة واستعادة المصالحة التي فقدت تحت سياط الانقسام المرير.
أظن ان ثمة خزاناً لم يقرع منذ زمن، وان ثمة أيادي مرتعشة لا تقدر للأسف على دق جدران الخزان.
واشنطن تريد حلاً ينقذ إسرائيل ويؤسس لاستراتيجية أميركية جديدة
بقلم: أحمد سيف – الايام
قد يأخذ اتضاح النوايا الأميركية، وما وراء إصرار البيت الأبيض على المفاوضات، ووصولها مرحلة دقيقة، المزيد من الوقت. وقد يتكرر في فترة التسعة أشهر ما حدث منذ مؤتمر مدريد قبل عقدين، أي فشل المحاولة مجددا. وهذا يعني استمرار الصراع بأشكال أخرى في مقدمتها ما سيترتب على فشل الجهود الأميركية الأكثر جدية منذ كامب ديفيد، من نهاية لحل الدولتين، ونهاية قبول الفلسطينيين بتقاسم فلسطين وفق نتائج حرب العام 67، والعودة بالقضية إلى جذورها، ونكبة العام 1948، حيث شطبت فلسطين، وقامت على أنقاضها دولة إسرائيل.
تدرك أميركا أن العالم يتغير، وأن الصيغة القديمة لحماية إسرائيل، اعتمادا على ولاءات الأنظمة، قد انتهت، وأن الثورات أو الفوضى، أطاحت وتطيح بالنظام العربي الرسمي، وتهدد بالانتشار في الجوار العربي في لبنان والأردن بعد سورية والعراق وغيرها، وهذا يضعف إسرائيل استراتيجياً، ويقربها من دائرة الفوضى، ويعرضها لمخاطر لا تقوى على مجابهتها منفردة أو مع حلفائها في الولايات المتحدة المنشغلة بمنافسات عالمية وقضايا وصراعات ملتهبة، ومضاعفات كلفة عالية لحروبها الفاشلة في العراق وأفغانستان، أو بمساعدة الحليف الأوروبي القديم، الذي فقد القدرة على احتمال سياسات إسرائيل العنصرية، وحيث يعارض قرابة 82 في المائة من مواطني الاتحاد، السياسات الإسرائيلية في الضفة، وفق استفتاء أوروبي رسمي نشر مؤخراً.
تبين لأميركا أيضا الثمن الباهظ الذي ساهم في إضعافها نتيجة تبنيها السياسات العدوانية الإسرائيلية في المنطقة، بما في ذلك إسقاط نظام مبارك، ويهدد المنظومة الأمنية الأميركية في الخليج والأردن والعراق، بل أبعد من ذلك، يتضح لواشنطن ولمنافسيها، أن ترتيباتها لبديل "عربي إسلامي معتدل" معرضة للانهيار، كما هي الحال مع مصر، وقد ولى زمن الضمانات.
أزمة نتنياهو و(واشنطن) الحقيقية تكمن في الثمن الذي يتوجب عليه دفعه مقابل السلام مع الفلسطينيين والعرب. إنه في ورطة لا مثيل لها، وأصبح الثمن الذي يتوجب عليه وعلى إسرائيل دفعه يشكل طوقا من العقد تلتف حول عنقه، وربما تمكن من حلحلة بعضها الآن إذا ما أدرك هو وقومه، أنها فرصتهم الأخيرة للتوصل إلى حل الدولتين.
يقينا إن أبو مازن لن يقبل بأقل مما اتفق عليه مع ياسر عرفات قبل مغادرته كامب ديفيد. ويقينا انه يرى ان ما يلوح في الأفق العربي والفلسطيني، كفيل بان يعزز في السنوات القادمة، ومهما بدت الصورة قاتمة الآن، معركة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية من اجل الاستقلال والتحرر.
أظن أن موقع ومكانة فلسطين وسط هذه التحولات هو رهانه الأكبر وورقة الفلسطينيين الرئيسة وقاطرتهم الى المستقبل. أظن ان إستراتيجية واشنطن الجديدة في المنطقة تتطلب حل الصراع بين فلسطين واسرائيل.
أظن أن الرجل، قليل الكلام هذه الأيام، يريد من أبناء شعبه تفويضا مبنيا على الثقة لاختبار المرحلة وحال لسانه يقول:
افهموني لبعض الوقت. بعض الوقت فقط من "ستة إلى تسعة أشهر لتنفيذ حل الدولتين"، وفق البند المنصوص عليه لاتفاق بدء المفاوضات، كما ابلغ الرئيس الفلسطيني نظيره الأميركي باراك اوباما عشية بدء المفاوضات. والتأكيد له مجددا قبل أيام على الشروط الفلسطينية للحل: دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كاملة على ما احتل من فلسطين العام 1967 وعاصمتها القدس المحتلة، وتنفيذ حق العودة وفق قرار 194، ولا تراجع عن متطلبات الحد الأدنى هذه، لم يحدث في الماضي، ويقينا انه لن يحدث في المستقبل لا قبل أبو مازن ليس معه ولا مع خليفته.
وعلى إسرائيل أن تدفع ثمن الاستقلال الفلسطيني وحق تقرير المصير لشعب لم تستطيع التخلص منه، أو بعثرة إرادته، بل انه جاثم على صدرها في الداخل، ويحيط بها من كل الجهات، ينظر إلى وطنه وهو يصر على ان لا سلام إن لم يتحقق العدل. وهذا هو جذر الفشل المزمن في المشروع الصهيوني برمته.
تحاول الولايات المتحدة الآن وقبل فوات الأوان إنقاذ حليفتها إسرائيل وما تبقى من المنظومة الأمنية الأميركية في المنطقة، عبر صياغة جديدة، إحدى ركائزها توفير أساس يقبله الفلسطينيون لحل الصراع العربي الإسرائيلي.
كل التقديرات تشير إلى المزيد من التدهور في المنطقة سيصل إسرائيل وجوارها، ولن يقتصر سوء الحال على الناس في الجوار، بل ستصل الإسرائيليين أيضاً.
إن صمدنا في مواجهة الضغوط الأميركية والعربية، لربما نجحت واشنطن والغرب في فرض إرادتهما على إسرائيل، وفرض سلام يلبي الحاجات الفلسطينية في دولة مستقلة حرة كاملة السيادة على منافذها ومصادرها وعلاقاتها، وإلا فإن من شأن استمرار الصراع استخدام الفلسطينيين والعرب وإدارته بطريقة جديدة بحيث ينهك إسرائيل ويجبرها في وقت قصير على أن تصبح كيانا عاديا متواضعا يعيش بالضمانات وليس بحد السيف.
العقل الإسرائيلي لا يصدق ولا يريد أن يرى أن السحر انقلب على الساحر أو يكاد، وأن نار أهل هذه البلاد الغاضبة لن تبقي مهربا لأحد ظالم، إن ظلت فلسطين بكل ما عنته وتعنيه على هذه الحال من التواطؤ والعبث الغربي والظلم والقهر الإسرائيلي وغياب الكرامة والمستقبل.
مسار المفاوضات وثمارها !!!
بقلم: سميح شبيب – الايام
لعله بات من الواضح، بأن مسار المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية الجارية، يمر في عقبات جدية، وممرات صعبة للغاية، وبأن التعنت الإسرائيلي، ومخالفته لأبسط قواعد العمل القانوني الدولي، يصطدم بسياسات دولية ـ أوروبية وأميركية على حد سواء، وبأنه في ظل تلك السياسات الإسرائيلية، يستحيل تحقيق أي تقدم في مسار تلك المفاوضات. السؤال الأبرز في ذلك هو: هل ستصل الأمور، كما وصلت سابقاً، إلى طريق مسدود؟! أم أن الإرادة الدولية هذه المرة، ستبلور حلاً مقبولاً من طرفي الصراع: الفلسطيني والإسرائيلي، وهل يحتمل الوضع الإقليمي والدولي، وصول تلك المفاوضات إلى طريق مسدود؟!
لعل المراقب لانطلاق تلك المفاوضات ومجرياتها، وما تم إطلاقه من تصريحات دولية وإسرائيلية وفلسطينية، يدرك، تمام الإدراك، بأن هنالك أزمة سياسية في إسرائيل، وتساؤلات تصل حد التساؤلات الوجودية، وبأن هنالك جدية أميركية قد تتطور إلى حد ممارسة الضغط الجاد والمباشر على إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى ذلك تقارب فلسطيني ـ فلسطيني، قد يصل رأب الصدع الداخلي.
صورة ما تبلور حد الآن، ومنذ بدء المفاوضات، هو انكشاف حقيقة العدوان الإسرائيلي، وتعنّت مواقف الحكومة الاسرائيلية، وعلى نحوٍ غير مقبول لا أميركياً ولا أوروبياً.. وفي ظل ذلك، ستتباعد المواقف الإسرائيلية عن المواقف الأوروبية والأميركية، الأمر الذي يساعد السياسة الفلسطينية، الواضحة والملتزمة بقواعد القانون الدولي، ومقررات الشرعية الدولية، على بلورة مواقف فلسطينية ـ أوروبية وأميركية بشأن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
كما يساعد الجانب الفلسطيني على استخدام حقه الطبيعي والقانوني في التوجه للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولمؤسسات العمل الدولي كافة... كما سيساعد على بلورة توجه فلسطيني ـ دولي، للدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام.
جوهر السياسة الإسرائيلية الراهنة، في ظل حكومة نتنياهو، يقوم على التعنت والاعتماد على القوة العسكرية والاعتزاز بما حققه الجيش الإسرائيلي في الحروب العربية ـ الإسرائيلية.
وهي في ظل هذا الاعتزاز واعتماد القوة، لا ترى أن حقوقاً وطنية مشروعة للفلسطينيين، ولا ترى القانون الدولي ومقررات الشرعية الدولية، بأن لها أثراً حقيقياً في مسار خياراتها وتوجهاتها.
يمكن اعتبار ما حدث في مسار هذه المفاوضات الجارية، بأن هنالك ثماراً سياسية قد تحققت، وهي تخدم التوجهات السياسية الفلسطينية وخياراتها وتوجهاتها، وربما تحمل الأسابيع القادمة، المزيد من تلك الثمار، في ظل استمرار العدوان والتعنت الإسرائيلي!!!
تغريدة الصباح - سوف يبحثون عن سبب
بقلم: محمد علي طه - الحياة
قالت العرب: الشّيء بالشّيء يذكر. وهذا ما ذكّرني بحكاية ومثل شعبيّين. تقول الحكاية انّ ثعلبا مرّ بذئبٍ عالقٍ في فخّ يعوي ويصرخ ألما فسأله: ما الذي يوجعك ؟ فأجاب: يشدّ الفخّ على ساقيّ. فقال الثعلب: هذا لا شيء مما ينتظرك عندما يأتي صاحب الفخّ. وأمّا المثل فهو: "واوي بلع منجل. قلنا عند خراه تسمع عواه". واستعمله الشّاعر توفيق زيّاد في قصيدة له عن حرب حزيران.
قادة اسرائيل في ورطة كبيرة في هذه المرحلة من المفاوضات ومن جولات كيري ويبحثون عن مخرج لإجهاض المفاوضات وتحميل الفلسطينيّين مسؤوليّة ذلك، وقادتهم عبقريتهم الفذّة الى موضوع التّحريض الفلسطينيّ على اسرائيل فخصّص له نتنياهو ساعتين كاملتين في جلسة حكومته في 5 كانون الثّاني 2014 كما انّ وزير الشّؤون الاستراتيجيّة يوفال شتاينتس المقرّب جدّا منه لا يشغله شيء في هذه الايّام سوى التّحريض الفلسطيني. يطوف دول العالم ويلتقي الدبلوماسيّين واجهزة الاعلام ليتحدث عنه، وبثّ التّلفزيون الاسرائيليّ عدّة مرّات لقطة لطفلة فلسطينيّة تخطب في احتفال ما وتنعت اليهود بابناء القردة والخنازير. ولا شكّ بانّ ابناء الشّعب العربيّ الفلسطينيّ يشجبون هذا الوصف ويستنكرونه لكونه يتنافى مع الحضارة العربيّة الانسانيّة ومع الدّيانتين المسيحيّة والاسلامية.
ينسى أو يتناسى ان نتنياهو وشتاينتس التّحريض الاسرائيليّ على الشّعب الفلسطينيّ الذّي شنّه ويشنّه قادة سياسيّون وعسكريّون اسرائيليّون، واودّ ان اذكّرهما بالنّزر اليسير منه اذا كانا يقرأان.
وصف الجنرال رفائيل ايتان العرب بصراصير مسمّمة في زجاجة. وقال الوزير بينيت: الفلسطينيّون مثل شظيّة في المؤخرة. وامّا الجنرال مردخاي غور فقال ان العرب سرطان في جسم الدّولة. وقال الزعيم الدينيّ الكبير الراب عوفاديا: العرب افاعٍ وعقارب وحيوانات مفترسة. وقال جنرال اسرائيليّ كبير: لا لقاء مع الفلسطينيّين الا في ساحة القتال ويجب ان يبيد طرف الطّرف الاخر ولن نكون المبادين. وتباهى عضو في الكنيست الاسرائيليّ قائلا: هل هناك اسرائيليّ قتل عربا اكثر مني؟!
ويصف الاعلام الاسرائيليّ وزعماء اسرائيل الاسرى الفلسطينيّين بالقتلة والمجرمين والوحوش الكاسرة في حملة اعلاميّة واسعة لوحشنة الانسان الفلسطينيّ. وما دام الشيء بالشيء يُذكر فيحق لي ان أسألهم: هل الذين نسفوا فندق الملك داوود في القدس ملائكة قدموا من المرّيخ؟ وهل الذين وضعوا المتفجرّات في معامل تكرير البترول في حيفا وفي بلد الشيخ شياطين جاءوا من عطارد؟ وهل الذين ارتكبوا مجازر دير ياسين والدّوايمة والطّنطورة وعيلبون وكفر قاسم وصلوا من المشتري؟ وهل كان رئيس حكومة اسرائيل يتسحاك شامير مطلوبا للعدالة لانّه زرع الياسمين في حديقة منزله؟
تساءلت الصحفية البارزة سيما كدمون بجرأة وبسخرية في مقالها الاسبوعيّ في صحيفة "يديعوت احرونوت" 10 كانون الثاني 2014: "قلنا خلال سنوات، ليترك الفلسطينيّون الارهاب كي نستطيع ان نعمل سلاما معهم. واليوم نقول عندما يتركون التّحريض سنعمل سلاما معهم، فاذا تركوا التّحريض ماذا سنشترط؟"
لن يعجز العقل الاحتلاليّ الاستيطانيّ عن ايجاد سبب جديد !!!
قبل هبوب الرياح العاتية
بقلم: عدلي صادق – الحياة
يقلقنا التصعيد الإسرائيلي المتدحرج ضد غزة، ونعلم أنه يأتي ضمن السياق المرسوم لعمل حكومة المحتلين المتطرفين. وقد بتنا في حاجة الى خطاب سياسي يُلقي الضوء، على حقيقة ما يجري، لكي يتفهم العالم ويعرف، أسباب ردود أفعال فصائل فلسطينية مقاومة، ولكي تتنبه الأمم الى أن سياسة إسرائيل تريد تجزئة المشهد الفلسطيني والتعامل مع كل جزئية على حدة، وكأن ثمة هدنة في غزة، إن خرقتها إسرائيل في الضفة فلا يُعد خرقها خرقاً، بل إن خرقت إسرائيل الهدنة في غزة، يكون فهمها للخرق أنه يحدث عند تسجيل ردود أفعال بإطلاق صواريخ. فإسرائيل تطمح الى جعل كل جزء فلسطيني يتنصل من الجزء الآخر، وحال الانقسام الذي نحن فيه، يساعدها على ذلك. لذا نقول بصراحة، إننا نفتقر الى استراتيجية إجماع فلسطيني، تجعل الصديق قبل العدو يتعامل معنا باعتبارنا كُلاً فلسطينياً لا يتجزأ. وفي هذا الإطار من التمني، ليس عيباً ولا جبناً أن نحسب حسبتنا المتعلقة بالشكل العسكري من المقاومة، وأن نكف عن الكلام ذي المفردات الأكبر حجماً من قدراتنا وسيوفنا. فنحن في مرحلة صعبة لم تتعطل فيها فاعلية الأوطان الشقيقة وشعوبها وحسب، وإنما أُعطبت لغتها وبات مجرد الشجب أو المؤازرة اللفظية صعباً على الأنظمة، هذا إن لم نأخذ في الحسبان، حشرجات ما تزال جارية في بطون المجتمعات العربية. واجبنا أن نبني على عناد شعبنا في التمسك بحقوقه وبالبقاء على أرضه، ما يجعلنا قادرين على مواجهة عواصف وشيكة، ستهب بعد أن يصصدم المسعى الأميركي المحابي لإسرائيل، برفضنا التخلي عن حقوقنا غير القابلة للتصرف. تتوافر لنا الآن، ميزة الصمود الشعبي الاجتماعي والسياسي، مع رأي عام من شأنه مساندة المستوى السياسي عندما يرفض أية مقترحات تنتقص من الحق الفلسطيني المقرر في المواثيق الدولية، وتُخل بأسس عملية التسوية.
ندعو "حماس" في هذه الظروف الصعبة والمعقدة، الى وفاق وطني على أسس قانونية ودستورية بالمعنى الحقيقي لكل المحددات الدستورية وبالنفاذ التام للقانون، على النحو الذي لا يُبقي شكاية للناس في الداخل، أو شكاية واعتراضاً على الوفاق في الجوار العربي. فلم تعد "حماس" تملك ترف المفاضلة بين تيار وتيار في أوطان الأشقاء، ولا ترف التمادي في نُصرة "الإخوان" في العالم العربي حتى عندما تكون هذه النُصرة بثرثرات متلفزة عبر القنوات الفضائية. فدولة قطر ــ مثلاً ــ تملك مثل هذا الترف، وهي لا تشتبك في الواقع لا مع جوار قريب ولا بعيد، ولا يتهددها خطر، وفي مقدورها إبرام مصالحة في يوم وليلة، مع كل من تخاصمهم وتحرض عليهم، وهذا ترف لا تملكه "حماس" مثلما لا تملكه "فتح" ولا السلطة. ولن تنجح عملية الوفاق، ما لم يسهم الجميع بجدية في تعزيز مكانة وهيبة السلطة نواة الدولة، على أن يكون من حق الجميع المشاركة في صياغة السياسات مع مراعاة معطيات الواقع. وعندما نقول إن المصالحة ينبغي أن تتم على أسس قانوينة ودستورية، فمعنى ذلك أن التنازل عن الحق العام واجب، لكن الحقوق الخاصة والشخصية للناس، لا بد من ردها وأخذ المقتضى القانوني، وعلى من ارتكب جرماً من أي طرف، أن يتحمل مسؤولية جرمه. فإن لم نبادر الى إعادة بناء صرح الكيانية الوطنية؛ لن نكون قادرين على خوض معركة الدفاع عن وحدة المشهد الفلسطيني التي هي ضمانة إحباط مسعى المحتلين الى أخذنا جزءاً جزءاً، بحيث لا تكون ثمة علاقة في روايتهم، بين خروقاتهم اليومية في جنوبي الخليل أو في جنين، وردود الأفعال من غزة. فالمحتلون يوهمون العالم أن لهم معارك مع جزيئات فلسطينية لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر. فهذه هي واحدة من ثوابت سياستهم، ذلك علماً بأن تاريخ النضال الفلسطيني، الشعبي والمسلح، يتشكل من فصول الانتفاضات والهبات الشعبية، التي جاءت كردود أفعال على عربدة الاحتلال وجرائمه في أية منطقة، لأن الوجدان الفلسطيني لا يتجزأ.
مفاوضات السياسة الإسرائيلية
بقلم: يحيى رباح – الحياة
في الأسبوع الماضي، بدأ المأزق الإسرائيلي في ظل حكومة نتنياهو يتضح أكثر وأكثر، من خلال مفارقات حادة، ومن خلال التصعيد والتراجع في الخطاب السياسي، وقد عبر هذا المأزق عن نفسه في موقفين أولهما أن وزير الجيش الإسرائيلي شرب حليب السباع كما يقولون، وهاجم جون كيري وزير الخارجية الاميركي هجوماً مقذعاً خارجاً عن سياق العلاقات الإسرائيلية الأميركية، حين وصف خطته التي لم تتبلور بعد في سياق المفاوضات وعملية السلام، بأنها لا تساوي الخبر الذي كتبت به، ولكن بعد ساعات قليلة، وعندما وصلت الرسالة، وجدنا وزير الدفاع الاسرائيلي نفسه يعود وينضغط إلى حجمه الحقيقي، ويبالغ إلى حد الاسهال في الاعتذار عن هجومه المقذع الذي شنه ضد جون كيري.
الموقف الثاني: قامت به وزارة الخارجية الإسرائيلية التي يرأسها أفيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا وأكبر حليف لنتنياهو الذي أوصله إلى مكتب رئيس الوزراء، والموقف يتلخص في أن خمس دول أوروبية رئيسية في الاتحاد الأوربي وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا قامت باستدعاء سفراء إسرائيل لديها وأبلغتهم احتجاجها على استمرار سياسات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، فما كان من وزارة الخارجية الإسرائيلية إلا أن قامت باستدعاء سفراء هذه الدول الخمس لديها، وأبلغتهم احتجاجاً على سلوك بلدانهم.
إذن هو مأزق، وهو مأزق مرتبط بمعركة ديبلوماسية شديدة الوطأة، وأن صانع القرار الإسرائيلي قرر الانحناء أمام أميركا حتى يحيدها عن المعركة مع الاتحاد الأوربي، ولكن بداية هذه المعركة بداية مهينة لإسرائيل إلى حد الإذلال لأنها كشفت عن الحقيقة الكبرى، بأن إسرائيل لا تستطيع احتمال أي قدر من الضغط الحقيقي من أميركا، ولو أن أميركا أصرت على تطبيق قناعاتها المعلنة بشأن حل الدولتين، وخارطة الطريق، وجهودها الكبيرة التي بذلتها، وخاصة في جولات كيري التي بلغت عشر جولات، فإن هذا الائتلاف سوف يتشقق إلى حد الانهيار أو يتقدم بشكل أفضل في المفاوضات التي تكاد تنهي شهرها السادس بدون أي اختراق حقيقي.
هل نستطيع أن نسهم في تعميق المأزق الإسرائيلي؟ وهل نستطيع فلسطينياً وعربياً أن نسهم في هذه المعركة إلى جانب الاتحاد الأوروبي؟
نعم، هذا ممكن جداً، من خلال الإبقاء على وضوح وعدالة خطابنا السياسي، ومن خلال استخدام الثقل العربي سياسياً واقتصادياً في التعامل مع الجار الأقرب لنا وهو الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن موقف الاتحاد المعارض للاستيطان بصفته غير شرعي وعائق رئيسي أمام تقدم المفاوضات، ليس بعيداً عن الموقف الأميركي، وإن كان الحليفان الأوروبي والأميركي لديهما وسائل مختلفة في المقاربات باتجاه عملية السلام.
ولكن في أي حال، فإن المأزق الإسرائيلي يذهب إلى الأخطر، لأن الرواية الإسرائيلية لم تعد مقنعة، وأبشع ما فيها أنها لا تعطي أدنى اعتبار لمصالح الآخرين، حتى مصالح حلفائها الأوروبيين والأميركيين، وأن القيادة الإسرائيلية الحالية اكتفت بالاختباء وراء التطرف وإلا إنهار الائتلاف، وفي الحقيقة فإن هذه مشكلة إسرائيلية مئة في المئة وليس مطلوباً منا أو من العالم أن يدفع ثمن اختيارات نتنياهو في بناء ائتلافه الحاكم.
أزمة حركة التحرر العربية
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
مضى زمن طويل غابت فيه كليا حركة التحرر العربية عن الحياة السياسية. حتى ليبدو للمراقب أن تلك الحركة وقواها السياسية، باتت من الماضي. وغرقت القوى والاحزاب السياسية منفردة ومجتمعة في متاهة اللعبة السياسية للانظمة المتهالكة، والغارقة في متاهة التبعية للغرب الاستعماري بمكوناته واتجاهاته المختلفة، والمندلقة بتهافت على دولة التطهير العرقي الاسرائيلية بعمليات تطبيع متسارعة تتجاوز حدود المقبول في الوعي السياسي العربي. ومتجاوزة حدود ما رسمته تلك الانظمة لنفسها في العلاقة مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية، لاسيما ان ما اعتبرته اساسا للتطبيع (الموافقة على مبادرة السلام العربية) ليس سوى الغطاء الممزق للتسربل المهين في نفق التطبيع المجاني.
قوى حركة التحرر العربية المثخنة بجروح الهزيمة، باتت فاقدة الاهلية الوطنية والقومية في الدفاع عن مصالح الشعوب العربية، لانها أمست أسيرة سياسات الانظمة العربية البوليسية والثيوقراطية، ليس هذا فحسب، بل انها أصبحت جزءا من عملية التشرذم والانقسام الديني والطائفي والمذهبي، وتساوقت مع قوى الاسلام السياسي وخاصة جماعة الاخوان المسلمين تحت حجج وذرائع واهية وغبية، موهمة الذات والجماهير بأن تلك القوى جزء "أصيل" من قوى التحرر والمقاومة العربية.
النظرة الموضوعية لدور ومكانة قوى التحرر الوطني العربية خلال العقود الثلاثة الماضية، تكشف عن إفلاس سياسي، وعجز حتى الكساح والشلل النصفي إن لم يكن الشلل الكلي. ولم يبق من تلك القوى منفردة ومجتمعة سوى شعارات غوغائية باهتة، لم تعد تنطلي على أي مواطن بسيط من الشارع العربي. وحتى مؤتمراتها بمستوياتها المحلية والعربية، لم تعد تحمل أية دلالة بالنهوض، وانما تحمل معنى واحداً يتمثل في المزيد من الغرق في سراديب الموت الإكلينيكي والتحنط، لانها تلوك ذات البرامج الساقطة، وتنتج ذات القيادات، حتى لو أدخلت الى صفوفها ما يسمى بالدم الجديد، لان كل مشتقات الدم الموجودة في الهيئات القيادية والكادرية، ليست سوى مشتقات فاسدة، لا تصلح لتجديد الذات الوطنية والقومية.
الصورة والتشخيص آنف الذكر، لا يعني أن موت حركة التحرر الوطني العربية محتم، بل يمكن لتلك الحركة النهوض من سباتها القاتل، في حال تمكنت من الآتي: اولا: تطهير الذات من كل الادران العالقة بجسد فصائل الحركة على المستويين الوطني والقومي، وتصفية كل نقاط الضعف في التكوين القيادي والكادري، ومن خلال إعادة نظر جدية في المنطلقات الفكرية والسياسية وآليات العمل الروتينية؛ ثانيا: الانفصال عن الانظمة السياسية القائمة، وإيجاد مسافة بينها وبين تلك الانظمة وسياساتها، وعدم التساوق معها، والعمل على استنهاض حركة الجماهير العربية في كل الساحات الوطنية وعلى المستوى القومي؛ ثالثا: قطع الصلة بالاسلام السياسي، وفضح قواه التخريبية وخاصة الاخوان المسلمين وقوى التكفير بتلاوينها واسمائها المختلفة، وفضح دورها التآمري على مستقبل الاوطان والامة العربية ككل؛ والتصدي الحازم لكل الدعوات التقسيمية على اساس ديني او طائفي او مذهبي او عرقي في الوطن العربي؛ رابعا: تصعيد المقاومة ضد الدولة الاسرائيلية، وتحشيد الاطر والقوى والقطاعات الجماهيرية في فعاليات وانشطة تصاعدية وفي كل المناسبات ذات الصلة بالصراع العربي الاسرائيلي؛ خامسا: تصعيد النضال ضد التبعية العربية للولايات المتحدة وللسوق الرأسمالية، والمناداة بالندية والتكافؤ في العلاقة مع دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، ومطالبة الانظمة بقطع العلاقات كليا مع دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية ما لم تقبل بتطبيق مبادرة السلام العربية؛ سادسا: حماية الدولة الوطنية، والدفاع عنها في مواجهة المخطط الاميركو إسرائيلي "الشرق الاوسط الكبير". وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والامنية العربية وعلى اسس ديمقراطية.
العراق و«الداعشية»
بقلم: فخري كريم – الحياة
شكرني قارئ عزيز، لأنني «انتشلته» من الواقع المرير الذي نعيشه، باستذكار مرحلة افلام كاوبوي مثيرة كانت تعرض في سينمات روكسي والسندباد واطلس التي اغلقت ابوابها الان، وصارت مثل كل الاشياء الجميلة اطلالاً ليس بمقدورنا ان نبكي عليها، خشية بطلان وضوء بعض قادة دولتنا الفاشلة بامتياز !
وفات الصديق ان الواقع العراقي بمشاهده اليومية، التراجيدية والكوميدية، اصبح هو «سينما اكشن» مفتوحة للمشاهدين المغامرين الذين لا يخشون ان يكونوا ضحايا افلام «اكشن الواقع» بعروض مفخخات الارهابيين والاحزمة الناسفة، ومطاردات قوات سوات وخشونة افراد سيطرات «الكاشف المسخرة».
ومن دون مبالغة أو تجن، فان العراق على امتداده بات مسرحاً لا يحتاج الى تحضير ديكورات، ولا مؤثرات صوتية، ولا ممثلين ابطال او ثانويين او كورس، ولا حتى لممثلين «بدائل» للمشاهد والعروض الخطيرة. فكل ذلك مُمهد ومتوفر في غاية الاتقان على مسرح الحياة اليومية وعلى امتداد العراق الاسير. تصوير افلام كوميدية وتراجيدية على مدار الساعة لا يكلف منتج فيلم الاكشن الراغب بنقل واقعنا لعرضه في دور السينما في البلدان الاخرى، سوى كاميرا فيديوية عادية كالتي يستعملها الهواة، وقد يكفيه جهاز هاتف نقّال متطور يحتوي على كاميرا.
ولكي لا تذهب «سدى» تضحيات شهدائنا وجرحانا، والدمار الذي يحل بالبيوت والمباني والاحياء والجسور والبنى التحتية، نتيجة الاعمال الاجرامية التي يرتكبها الارهابيون التكفيريون من فضلات البشر، فعلى الحكومة ان تشجع شركات الانتاج السينمائي والتلفزيوني على «الاستفادة» من مشاهد القتل اليومي والتفجيرات والتفخيخات واللقطات الفريدة التي لا نظير لها، ولا تستطيع محاكاتها اكبر الشركات، مهما خصصت من ميزانيات ضخمة، اذ تعمد في مثل هذه الحالات الضرورية الى «تصنيع» مشاهد مفبركة لا ترقى الى ما تستطيع الحصول عليه كل يوم في بغداد والمدن الاخرى.
ان اي مشهد للقتل او الانتحار او الحرائق او التفجيرات الحية او ضرب الاحياء بالصواريخ او الخطف والاغتيال بالكواتم، او تطويق المظاهرات بآلاف المسلحين من قوات سوات، واثارة الغبار عليهم من خلال طائرات تحلق فوق رؤوسهم على مستوى منخفض، في عملية تحرمها الدول المحترمة لانها تشكل خطراً على المواطنين والممتلكات بسبب احتمال سقوطها... كل هذه المشاهد مباحة تتكرر على مدار الساعة، وليس على المصور السينمائي والتلفزيوني سوى أخذ اذن خاص من مكتب رئيس مجلس الوزراء والمقربين من الحاشية الحاكمة ليوفر بذلك مادة خام صالحة لانتاج كل انواع افلام الاكشن، بل اكثر من ذلك تأمين ارشيف حي يمكن استخدام مشاهده في الافلام الحربية، والكاوبوي، وافلام رامبو ورنكو معاصرة.
ان كل مشهد مماثل لا يستغرق في الشريط السينمائي او المسلسل التلفزيوني بضع ثوانٍ، ولا يزيد في الاغلب على بضع دقائق متقطعة، يكلف الشركات المنتجة ملايين الدولارات وازيد في حالات خاصة حين تحتاج اللقطة الى مؤثرات صوتية وديكورات بالغة الضخامة. وتستطيع الحكومة تقديم عروض وتسهيلات مغرية للشركات المذكورة، من خلال ترتيب مشاهد حسب الحاجة، باعتماد ما لدى الاجهزة الامنية والمخابراتية من معطيات ومعلومات عن تحركات الارهابيين واحتمالات «بالغة الدقة» حول توقيتات تفجير او تفخيخ او حزام ناسف. وكذلك سرعة القاء القبض على المتورطين من الانتحاريين بعد تنفيذ عمليات الانتحار بساعات!
لقد استغربت كيف لم ينتبه مكتب السيد المالكي، ومساعدوه، الى الاهمية البالغة للاعتراف الذي ادلى به «داعشي» زنديق، وتقييمه لحكمة القيادة العراقية التي قامت ب»ضربة استباقية» في الانبار، بفضها الاعتصام وملاحقتها عصابات داعش والقاعدة ، اذ لولا «بصيرة» القادة وعلى رأسهم القائد العام للقوات المسلحة، ومباغتة المعتصمين، لاستطاعت داعش اعلان المنطقة الغربية امارة اسلامية، ومدت خطوط المواصلات العسكرية للزحف على كربلاء والنجف الاشرف، كما ورد في تصريحات السيد المالكي لوكالة دولية! كيف لم ينتبه هؤلاء الى ان عرض هذا الاعتراف على اي قناة اميركية، بل على قناة الجزيرة، من شأنه تحقيق مردود مالي يتجاوز عشرات الملايين من الدولارات؟
وفي السياق ذاته يرى قارئ آخر، ان اسقاطات افلام الكاوبوي، مثل: رنكو لا يتفاهم، او بطولات رامبو، لا تتناسب مع حجم المأساة التي يضيع في اتونها الشعب العراقي. فالمتابع الاجنبي بل والعربي لما آلت اليه الاوضاع في بلدنا، دون ان يكون على دراية كافية بحجم المساحة المظلمة فيه، قد يقع ضحية التباس، ويتبادر الى ذهنه، كما لو ان الامر لا يتجاوز حدود فيلم كاوبوي، حيث يتساقط في كل واقعة فيلمية، على وقع مسدسات المتعاركين والبطل، بضعة افراد او بضعة عشرات من القتلى الممددين في الشارع او المتساقطين من السطوح ومن فوق الخيول المتراكضة. مما سيقلل في نظره من خطورة ما نحن فيه، ويضعف بالتالي من تعاطفه مع شعبنا، وتحركه لتعبئة الرأي العام لفضح المتواطئين من الطرفين على سفك دمائنا وتخريب ما تبقى لنا مما بنته الاجيال السابقة.
ويستطرد القارئ النبيه، فيقول ان رنكو المسكين لم يكن يملك سوى مسدسه وحصانه الاثير، وحصاد معاركه كلها لم يكن يتجاوز في زمنه بضعة الاف من الدولارات. ومعارك الكاوبوي في مراحلهم الذهبية كانت تنتهي بحفنة من الدولارات، أفلا يؤدي استذكار هذه الافلام الى اسقاطات مخلة، مقارنة باتلاف مئة مليار دولار خلال السنوات الماضية في حمى استشراء الفساد ونهب خزينة الدولة، والسلسلة اللامتناهية من الاستباحات التي ترتكبها السلطة السياسية واجهزتها بحق المواطنين الابرياء، بالاضافة الى مهرجانات القتل اليومي على ايدي مجرمي داعش والقاعدة؟
اكثر من قارئ فضل ايراد تشبيهات اخرى، من خزين افلام المافيا المعاصرة، حيث تدخل عصاباتها في بُنية الدولة وتتماهى فيها، بحيث يستحيل تمييزها عضوياً عنها وعن تجلياتها.
لكن احد القراء يستدرك فيقول: لا حاجة لمثل هذه التشبيهات، فانها مخلة، مهما بلغت فيها بشاعة الجرائم المرتكبة، سواء تمثلت بالقتل او السرقة او الفضائح المجلجلة. ثم من لديه القدرة بعد ان تداخل التكوينان، المافيا المليشياوية على تنوعها وأضلاع الدولة الفاشلة المتكسرة التي تتكئ على حزام امانٍ يستحيل اماطة اللثام عن الاقنعة التي تختفي خلفها؟
ويختم القارئ بالقول: ان المشهد العراقي اليومي، هو اقرب الى المسلسل الاميركي المشهور «دالاس»، وليس لنا غير ان نتمنى ان لا تستمر حلقاته واجزاؤه ، كما دالاس، عدة اجيال.. فالمسلسل الاميركي الشهير ما زال مستمراً حتى الان..!