1 مرفق
اقلام واراء عربي 31/01/2015
في هــــــــــــذا الملف:
غربال نتنياهو وشمس الحقيقة
رشاد ابو داود – الدستور الاردنية
حدود رد حزب اللـه على غارة القنيطرة
ياسر الزعاترة- الدستور الاردنية
هل يتغير "الستاتيكو" في الجولان المحتل؟
د . غسان العزي- الخليج الإماراتية
آثار حكم الإرهاب
رأي البيان الإماراتية
السعودية تنتظر برنامج الملك السابع
سليم نصار- الحياة السياسية
نصرالله «رئيسا»… طمأنة اسرائيل «والأسد ايضا»
رأي القدس
الجنرالات العرب: حُماة الديار أم حُماة إسرائيل؟
د. فيصل القاسم- القدس العربي
غربال نتنياهو وشمس الحقيقة
رشاد ابو داود – الدستور الاردنية
الشّعار الذي يجب أن يرفعه العالم اليوم ليس «أعطوا الفلسطينيين حوقهم» بل «أنقذوا اليهود من نتنياهو». وهذا ما نادى به يهود ناتوري كارتا أثناء وبعد العدوان على غزة. فهذا الصهيوني المتطرف يدفع بيهود إسرائيل إلى النهاية المحتومة وبدل أن يعمل على تأمين مكان لهم تحت الشمس كما زعم في كتابه الذي أصدره في الأول من كانون ثاني 1995 فإنه يحجب عنهم الشمس بالأكاذيب وبغرور القوة ويصور الفلسطينيين أنهم هم المحتلون لدولة اليهود وأن العرب مجرد إرهابيين ونازيين وأن إسرائيل هي المنارة والدولة الوحيدة الديمقراطية في المنطقة. مرددا بذلك الفكر الصهيوني وما ورد في بروتوكولات «جهلاء» لا حكماء صهيون. . لكن الشمس لا تُغطى بغربال نتنياهو ولا بقلنسوة المتطرفين أتباعه الذين يدنسون الأقصى يوميا ويعيثون فسادا وإرهابا في القرى والمدن الفلسطينية.
مناسبة التحذير من سياسة نتنياهو أنه لا يريد أن يتعلم من درس حرب 2006 في جنوب لبنان ولا من حرب غزة الأخيرة. ففي الحرب الأولى تمرغت سمعة جيش «الدفاع « الإسرائيلي بوحل المقاومة وفي حرب غزة تمزقت منظومة الدفاع الصاروخية «القبة الحديدية» بصواريخ المقاومة أيضاً.
عملية الأربعاء الماضي في جنوب لبنان والتي جاءت رداً على العملية الإسرائيلية ضد رجال المقاومة في الجولان والتي راح ضحيتها قياديون أكدت أن المقاومة ما زالت تقبض على السلاح بيد والتكنولوجيا العسكرية المتطورة باليد الأخرى .وهذه الأخيرة -التكنولوجية - هي التي مكنتها من إلحاق هزيمة عسكرية بالمؤسسة العسكرية الصهيونية.
وبغضّ النظر عن الاختلاف في تقييم النتائج السياسية للحربين – جنوب لبنان وغزة- فإنهما أحدثتا تغييرا في موازين القوة بالمنطقة لصالح العرب طبعا حيث أثبتتا أن جيش الاحتلال يُقهر وليس «لا يقهر» كما يروّج دعاة الاستسلام ومروجي مقولة « انجُ سعد فقد هلك سعيد». كما أثبتتا أن إسرائيل كالفيل ضخم بخرطوم طويل لكن مقتله في المكان الذي لا يطاله خرطومه ولا قوته ما يعني أن يُقتل بالقطعة لا مرة واحدة فنملة واحدة تدخل أذنه كفيلة بأن تُحدث ضجيجا في رأسه يفوق عشرات أضعاف حجمه وقد تدفعه إلى الانتحار؛ لذلك فإن نتنياهو، وبغض النظر عن مسؤوليتها الفعلية وحساباتها، يحمّل إيران مسؤولية العملية الأخيرة ويحرّض عليها أميركا والغرب اعتماداً على ترسانة الأسلحة النووية التي تملكها إسرائيل ولا تستطيع أن تستخدمها ضد المقاومة التي لا تبعد عنها سوى كيلومترات قليلة بل هي على كتفيها وتلامس بطنها.
أيضا بغض النظر عن الحسابات السياسية والموقف من إيران فإن إسرائيل هي الجسم الطارىء على المنطقة. رفضته شعوبها كما ترفضه الجغرافيا
والتاريخ المزور الذي يحاول الصهاينة ترويجه. إن من مصلحة العرب في هذه المرحلة التي تنفذ خلالها مخططات إضعاف الأمة بل وإذابتها أن تعيد ترتيب أولوياتها بالعودة إلى واقع الجغرافيا وحقيقة التاريخ فالعدو هو إسرائيل أولا وتاسعاً ثم يأتي من يأتي عاشراً.
حدود رد حزب اللـه على غارة القنيطرة
ياسر الزعاترة- الدستور الاردنية
ليس من العسير القول إن العملية التي نفذها حزب الله في مزارع شبعا الأربعاء هي محاولة لحفظ ماء وجهه، وبالتأكيد ماء وجه إيران بعد مسلسل من الوعود بالرد والثأر على عدد من الاستهدافات والاغتيالات دون ترجمتها في الواقع العملي.
وفي حين تأتي العملية بمثابة رد على غارة القنيطرة التي قتلت عددا من قادة حزب الله، إلى جانب جنرال إيراني كبير، ومساعد مهم لقاسم سليماني، فإن الحساب إذا جئنا نفتش فيه ما زال مفتوحا على عدد من الاغتيالات التي لم يأخذ الحزب بثأرها رغم مسلسل من الوعود، وفي مقدمتها اغتيال القائد العسكري للحزب (عماد مغنية)، وبعده حسان اللقيس، فضلا عن عمليات قصف قتلت عددا كبيرا من العناصر العاديين في سياق من استهداف قوافل أسلحة كانت قادمة من سوريا.
اختار الحزب عملية محدودة ومحددة، وإن كانت جريئة وقوية، حيث استهدفت جنودا في منطقة لا تزال محتلة (مزارع شبعا)، وكانت خسائرها (مقتل جنديين) من العيار الذي يحتمله الاحتلال ما دامت الحسابات السياسية لا تميل إلى التصعيد، بحسب إجماع أكثر المراقبين، بل بتصريحات إسرائيلية واضحة، تتعلق برسائل غير مباشرة بين الطرفين بألا مصلحة لأحدهما بالتصعيد.
في هذا السياق أكد وزير الحرب الصهيوني موشيه يعلون صباح الخميس، أن حزب الله أبلغ كيانه عبر القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان “يونيفيل”، بأنه غير معني بمواصلة التصعيد، وأن عمليته بالأمس تمثل نهاية للتصعيد، في حين كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى ليلة الخميس أيضا أن تل أبيب أبلغت حزب الله أيضا بشكل غير مباشر، بعدم رغبتها في التصعيد من خلال دعوتها للمستوطنين في الشمال إلى العودة لنمط حياتهم العادي.
وبحسب المعلق العسكري لصحيفة هآرتس؛ عاموس هرئيل، فإن حزب الله يدرك أن فتح جبهة واسعة ضد إسرائيل يعني المسَّ بأهم هدف يسعى الحزب لتحقيقه وهو الحفاظ على نظام بشار الأسد في سوريا. مع العلم أن الأمر هنا لا يخصُّ الحزب، بل يخص مرجعيته ممثلة في الولي الفقيه الذي يعتبر الحفاظ على بشار الأسد أولوية الأولويات على الإطلاق.
واللافت هنا، ونحن نعلمه وقلناه مرارا وتكرارا أن قناة التلفزة الإسرائيلية العاشرة قالت إن “هناك مصلحة إسرائيلية كبيرة بألا يفضي أي عمل عسكري إسرائيلي ضد حزب الله إلى التأثير على موازين القوى بين نظام الأسد ومعارضيه”.
ونوهت القناة إلى ما رددناه مرارا منذ عامين، وهو أن التقدير العام في إسرائيل يقول “إن الإبقاء على نظام الأسد ضعيفا وهشا أفضل من المخاطرة بمواجهة تبعات سقوطه”، وبالطبع في ظل وجود جماعات جهادية لا يمكن السيطرة عليها.
كان لافتا بطبيعة الحال ذلك الاحتفال المهول في وسائل إعلام إيران وحلفائها بالعملية (نكتب قبل خطاب نصرالله الذي سيحتفل بها أيما احتفال أيضا)؛ لكأنها هزت الكيان الصهيوني، ما يشير إلى حاجتهم إلى انتصار يحفظ ماء الوجه من جهة،لكنه يفضح من جهة أخرى ذلك التناقض في سلوك القوم تبعا لإدراكهم لحجم الخطيئة التي يرتكبونها في سوريا.
في هذا السياق أشار كاتب شيعي لبناني معارض لحزب الله (محمد جواد) إلى هذه المعادلة في مقال بعنوان: “عملية شبعا: نعم.. حزب الله يخجل من دوره في سوريا”، حيث قال: “نحو ألف قتيل، إذا صحّ العدد، وبين ألفين وثلاثة آلاف جريح، هي حصيلة خسائر حزب الله في سوريا. لم نشهد تشييعا واحدا يفتخر به الحزب أو بيئته. لكن ستة شهداء في مواجهة إسرائيل وبنيرانها في القنيطرة رفعهم الحزب إلى مصاف القديسين”، و”يليق بهم” برأيه.
ويضيف الكاتب: “يعرف حزب الله تماما أن الموت في مواجهة الشعب السوري؛”داعشيا” كان أو “نصرة” أو “جيشا حرا” أو مواطنين عزّلا ومدنيين، هو عار على جبينه وعلى جبين المقاومة، وأن الاستشهاد في وجه إسرائيل هو فخر وعزة؛ إخلاقيا وشرعيا ومنطقيا.. بعد عملية شبعا التي قَتل فيها جنودا إسرائيليين وجرح آخرين، يفتخر حزب الله ويصدر “البيان رقم واحد”. كما لو أنه يعتبر كل ما سبق “عارا” لا يستحق بيانا ولا ترقيما”.
نقلنا هذا النص من كاتب لبناني شيعي، لكي نرد هنا على تلك الأصوات التي تريد أن تجعل من قتل حزب الله لجنديين صهيونيين بمثابة حجاب يستر به جرائمه في سوريا بحق شعبها ومقاومتها، ولا داعي هنا لتكرار معزوفة الإرهاب، لأن الكل يعرف أن موقف الحزب وإيران كان كذلك طوال شهور طويلة لم تطلق في سوريا خلالها رصاصة واحدة.
عارُ قتال الشعب السوري والوقوف مع طاغية يقتل شعبه لا يمحوه شيء، اللهم سوى التوبة والإنابة والاعتذار، أما مع استمرار الجرائم، فإن أية عملية لا تغير في الواقع شيئا، حتى لو رحبنا بها لأنها ضد عدو قاتل واحتلال همجي، والسبب أنها تأتي خدمة لمشروع (إيراني) يطارد غالبية الأمة في سوريا والعراق واليمن، فكيف وهي (أي العملية) لا تأتي سوى رد بسيط على مسلسل من الجرائم التي يحول هدف الحفاظ على بشار الأسد دون الرد عليها؟!
إيران ورطت الأمة في صراع بائس، وهي تفسد أجواء المنطقة وتدمر التعايش فيها، وتضع الحبَّ صافيا في طاحونة الصهاينة، فهل يمكن أن تعود إلى رشدها قريبا؟ نأمل ذلك.
هل يتغير "الستاتيكو" في الجولان المحتل؟
د . غسان العزي- الخليج
عاشت الجبهة السورية - "الإسرائيلية" في الجولان المحتل هدوءاً لم يعكر صفوه حادث يذكر منذ اتفاقية فصل القوات في العام ،1974 الأمر الذي أكسب الرئيس حافظ الأسد مصداقية لدى الولايات المتحدة التي تعاطت معه كمحاور موثوق . وسار ابنه بشار على النهج نفسه فبقيت جبهة الجولان آمنة في حين بقي الجنوب البناني ساحة مواجهة وتبادل رسائل بين سوريا و"إسرائيل" . ولم تتأثر جبهة الجولان بالثورة السورية التي نشبت في العام 2011 قبل أن تتحول إلى نزاع دولي وإقليمي مفتوح، على الرغم من تهديدات مقربين من بشار الأسد بنهاية الستاتيكو القائم منذ العام 1974 إذا ما شارف النظام السوري على السقوط .
ومع تطور الحرب السورية وانخراط إيران وحزب الله فيها وتمدد المعارك إلى الحدود بدأ هذا "الستاتيكو" بالاهتزاز لاسيما مع دخول "إسرائيل" على الخط من طريق القصف المدفعي لمواقع الجيش السوري رداً على قذائف طائشة سقطت في الجانب "الإسرائيلي" من الحدود، والغارات الجوية على مخازن أسلحة في سوريا . رغم ذلك لم ينفجر الوضع في الجولان، ما يشي بوجود قواعد لعبة يلتزم بموجبها حزب الله بعدم الرد على "إسرائيل" إذا ما ضربت له أهدافاً مادية في سوريا لأنه ملتزم حماية لبنان وليس سوريا الدولة السيدة على أراضيها . وهذا، في رأيه، لا يتنافى مع تدخله العسكري هناك والذي يبرره بأنه حماية للبنان من التكفيريين الذين يعتدون على جيشه وينفذون تفجيرات انتحارية في أحيائه السكنية ويسعون إلى تحويله إلى إمارة إسلامية .
في 17 يناير/ كانون الثاني الماضي فاجأت "إسرائيل" الجميع بغارتها على قافلة لحزب الله تسير على بعد نصف كيلومتر من الحدود مع الجولان حيث قتلت ستة كوادر له إلاضافة إلى جنرال إيراني . لم تتبن الحكومة "الإسرائيلية" العملية رسمياً بل سمحت بتسريبات تؤكد عدم علمها بوجود الجنرال الإيراني .
تعامل حزب الله بهدوء وضبط أعصاب مع الأمر تاركاً لإيران ولمؤيدين لبنانيين له التأكيد أن الرد سيكون مزلزلاً . وأخذت وسائل الإعلام وأوساط المحللين تروج التساؤلات المتعلقة بإمكانية ومكان وزمان رد حزب الله على عملية القنيطرة ورد "إسرائيل" على الرد وخطر نشوب حرب واسعة تشي حالة التأهب والاستنفار "الإسرائيلية" بأنها واقعة لا محالة .
من المؤكد أن شن الحروب يخضع لحسابات ربح وخسارة دقيقة ومعقدة تتعلق بالظروف الداخلية والإقليمية والدولية والمصالح والثمار السياسية المرجوة وغيرها .
في حالة "إسرائيل" لا تستطيع المغامرة في حرب مفتوحة من دون دعم الولايات المتحدة أو رضاها الضمني على الأقل . وسياسة أوباما باتت معروفة في رفضها الحروب، فضلاً عن علاقته غير الودية بنتنياهو . ومسارعة هذا الأخير إلى إرسال أفيغدور ليبرمان إلى موسكو بهدف طمأنة إيران والتأكيد على عدم علم "الإسرائيليين" بوجود الجنرال الإيراني في القافلة، هو تراجع عن التصعيد . وتعرض نتنياهو إلى عاصفة من الانتقادات الداخلية تتهمه بالمغامرة بحياة "الإسرائيليين" لأهداف انتخابية يشي بغياب إجماع حوله لخوض الحرب .
وإضافة إلى الدافع الانتخابي راهن نتنياهو على استفزاز إيران لتقوم برد فعل يقوض مفاوضاتها النووية مع الغرب والتي تمر بأجواء إيجابية . كما أنه، وهنا الهدف الأهم على الأرجح، أراد منع حزب الله من تغيير قواعد اللعبة على الحدود مع الجولان المحتل بتحويلها إلى جنوب لبنان آخر .
إيران بدورها لا مصلحة لها في تعكير صفو مفاوضات وعد الرئيس روحاني ووزير خارجيته ظريف بأن تنتهي لما فيه المصلحة الإيرانية العليا . وحزب الله ليس قوة عظمى تستطيع الانتشار في لبنان وسوريا وعلى الحدود مع الجولان ليواجه التكفيريين و"إسرائيل" ويحمي النظام السوري في الوقت نفسه . وهو من خلال حواره مع "تيار المستقبل"، والمدعوم من الرياض وطهران، يسعى إلى تنفيس الاحتقان المذهبي والتحضير لانتخاب رئيس للجمهورية وإقناع خصومه بأن تدخله في سوريا يحمي لبنان من التكفيريين الذين يهددونه من الحدود معها . أما انتشاره قرب الجولان فيقول إنه لمنع "إسرائيل" من استخدام التكفيريين هناك لإقامة حزام أمني كما سبق وفعلت في الجنوب اللبناني مع سعد حداد ثم انطوان لحد . وسيطرة التكفيريين على هذه المنطقة تتيح لهم التسلل إلى مناطق في الجنوب اللبناني لمواجهة حزب الله .
"إسرائيل" تود المحافظة على "الستاتيكو" القائم منذ العام 1974 وإذا لابد من تغييره فلمصلحتها أو لغير مصلحة حزب الله على الأقل . هذا الأخير يسعى لمنع قيام تحالف أو تنسيق بين التكفيريين و"إسرائيل" يتحول إلى ما يشبه الحزام الأمني . كما أنه يخطط لتحويل الحدود مع الجولان إلى جبهة مقاومة على غرار جنوب لبنان .
كل التحليلات صبت في اتجاه انتظار حزب الله لظروف أفضل للقيام برد لن يكون في الجنوب اللبناني (حيث القرار 1701 والخوف من حرب 2006 جديدة في وضع لبناني شديد الحساسية والهشاشة) بل في الخارج أو الجولان (حيث تعرض للغارة وحيث يسعى لتغيير الستاتيكو) أو البحر (المنشآت النفطية "الإسرائيلية") . وفي انتظار هذه الظروف فإن المعطيات السياسية قد تتبدل فيضطر الحزب إلى "ابتلاع" الضربة واعتبار أن حربه على التكفيريين هي جزء لا يتجزأ من مقاومته للمشروع الصهيوني، كما صرح نعيم قاسم غداة غارة القنيطرة .
رد حزب الله شكل مفاجأة لكل المحللين، إذ إنه حدث بسرعة غير متوقعة وفي مكان غير متوقع حيث التأهب "الإسرائيلي" في ذروته . نجاح الرد يعيد قواعد الاشتباك إلى ما كانت عليه لأنه حصل في منطقة محتلة خارج الخط الأزرق ونطاق القرار ،1701 رغم مقتل جندي إسباني من اليونيفيل بنيران "إسرائيلية" طائشة . وردود الفعل "الإسرائيلية" والدولية على "عملية شهداء القنيطرة" تؤكد الحرص الدولي على عدم تفجير الوضع .
على الأرجح أن الأمور ستقف عند هذا الحد في المرحلة الحاضرة . لكن من المؤكد أن قواعد اللعبة قد تغيرت في الجولان حيث لم يعد النظام السوري يملك القرار الذي انتقل إلى حزب الله وإيران . والرد من جنوب لبنان يعني بأنه بات والجولان المحتل يشكلان جبهة مقاومة واحدة، كما جاء في بيان الحزب "الرقم واحد" والذي ربما يتبعه الرقم الثاني من الجولان في وقت غير بعيد .
آثار حكم الإرهاب
رأي البيان
تواجه مصر هجمة إرهابية سوداء، تهدف إلى عرقلة مسارها السياسي والتنموي. وما هجوم سيناء الدموي إلا حلقة في مسلسل العنف الأعمى، الساعي نحو التغطية على الإنجازات الملموسة التي تحققت.
إن ما تعانيه مصر اليوم ليس إلا نتاجاً طبيعياً للفترة المظلمة التي حكم فيها الإرهابيون، والتي على الرغم من أنها لم تستمر أكثر من 12 شهراً، إلا أنها كانت على ما يبدو كفيلة بوضع أسس العنف والتطرف، وتفريخ الحركات التي تتبع عقائدياً وتنظيمياً الجماعة الأم.
لقد كانت القيادة المصرية والكثير من الدول العربية على حق، حينما صنفت تلك الجماعة على أنها إرهابية، بل وكانت تستشرف المستقبل بتلك القرارات، لأنها تعلم علم اليقين خلفية هذا التنظيم والآثار المترتبة على تركه يعيث في الأرض فساداً.
إن ما يحصل في سيناء يدق ناقوس الإنذار، لأنه يكمل ما يحدث في المنطقة من ظواهر إرهابية تشكل خطراً كبيراً على أمنها واستقرارها، ويتطلب تالياً موقفاً عربياً وإقليمياً ودولياً واضحاً لا لبس فيه، يتجاوز البيانات والمواقف الضبابية، ويصل إلى درجة التنسيق الكامل والموحد.
لأن هذا الخطر لن يوفر أحداً وبات ممتداً إلى بقاع العالم المختلفة. إن التراخي والتردد الدولي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه، فللإرهاب حواضن سياسية ما كان يجب أن تلقى الدعم على الإطلاق، وما كان على البعض أن ينتظر وصول العنف إلى بين ظهرانيهم حتى يبادروا بالتحرك.
ويبقى أن إجماع المصريين على المضي قدماً في خريطة الطريق التي تختتم خطواتها بانتخابات البرلمان القريبة، يشكل أفضل رد على زمرة الحاقدين الذين يريدون أن يستنسخوا تجاربهم المقيتة في مصر، غير مدركين استحالة تحقيق مخططهم الظلامي الذي سيتوه في صحراء سيناء، بفضل تلاحم القيادة والشعب في أرض الكنانة.
السعودية تنتظر برنامج الملك السابع
النسخة: الورقية - دولي السبت، ٣١ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٥ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
عندما بلغه موت المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أعرب الرئيس الاميركي باراك اوباما عن حزنه العميق «لفقدان صديق نزيه وصريح.» ووصفه في مؤتمره الصحافي بأنه: «قائد شعبي، يتحلى بجرأة نادرة للتعبير عن قناعاته الراسخة».
وكان بهذا الكلام القليل والمعبِّر يختصر مسيرة علاقات وثيقة، بدأت في ربيع 1945 عندما التقى الرئيس فرانكلن روزفلت والملك عبدالعزيز على متن البارجة الاميركية «كوانسي» في قناة السويس. واستمرت تلك العلاقات تحت قاعدة «النفط مقابل الأمن» أكثر من سبعين سنة من دون أن تتعرض للتصدّع أو التراجع. ويرى السعوديون أن الأزمتين اللتين خلفتهما مشكلة حظر النفط في حرب 1973 وعملية 11 أيلول (سبتمبر) 2001، لم تتركا الأثر العميق لعرقلة تنفيذ الاتفاقات المعقودة بين الدولتين.
وعندما باشر الرئيس باراك اوباما جولاته الخارجية حرص على زيارة المملكة العربية السعودية (تموز/ يوليو 2009) نظراً الى أهمية الدور الذي تلعبه في المنطقة. وسعى في حينه الى التحرر من الإرث الثقيل الذي تركه سلفه جورج بوش الابن في العراق، مع وعد بأن يحسّن صورة بلاده في الشرق الأوسط.
ولكن ذلك الوعد اصطدم باعتراض الدول الخليجية، إضافة الى مصر والأردن، لأن واشنطن شرعت في فتح باب الحوار والتعاون مع ايران، الخصم المركزي الاقليمي لهذه الدول. ورأت الرياض أن تقارب واشنطن وطهران ليس أكثر من تمهيد لابتعاد اميركي عن المنطقة، وتركها عرضة لتجاذبات متواصلة عززت تدخل دول اوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وايطاليا.
وساد في الخليج رأي يقول إن مثل هذا التحول السياسي سيفسح المجال لمزيد من تمدد نفوذ ايران المنتشر حالياً من حدود لبنان («حزب الله») مروراً بسورية والعراق وانتهاء باليمن والصومال. ومعنى هذا أن ايران ستسيطر على مضيقي هرمز وباب المندب، ومختلف الطرق البحرية المستخدَمة لمرور ناقلات النفط العملاقة.
وإزدادت الشكوك حول أهداف الولايات المتحدة، خصوصاً بعدما تراجع اوباما عن قرار ضرب سورية في ايلول (سبتمبر) 2013، خوفاً من إغضاب ايران وقطع المحادثات معها. وكانت خطوة التراجع المفاجئ بمثابة الشهادة الدامغة على إنكفاء واشنطن عن تحمل تبعات الالتزام المعنوي الذي عبَّرت عنه مختلف الادارات الاميركية.
عقب تراكم الأدلة على الانعطافة السياسية الاميركية، كلف العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد الأمير سلمان القيام بجولة آسيوية شملت الصين واليابان والهند وباكستان، عقد خلالها سلسلة اتفاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية، قابلتها واشنطن وطهران بالتشويش والانتقاد. كل هذا لأن نجاح جولة الأمير سلمان لم يرقْ للرئيس اوباما الذي زار السعودية بعدها لترميم صورة بلاده، وإعادة الثقة بجدوى العلاقات الخاصة التي عززت تعاون الدولتين.
وفي حديث شامل استغرق ساعتين، قام الرئيس اوباما بمراجعة موقفه المستجد من ايران، ووعد الملك عبدالله بعدم عقد اتفاق يسيء للمملكة وللعلاقات التاريخية معها. وقال - بحسب التقارير - إن عينيه المفتوحتين ستراقبان بامعان كل التفاصيل المريبة.
ولما تركز الاهتمام على دور ايران المهم في إنقاذ نظام الأسد، طلب الملك عبدالله من الرئيس الاميركي أن يعامل البحرين كخط أحمر، لأن زيادة الضغط عليها يشكل خطراً محدقاً بكل الأطراف المعنية.
المهم، ان البيت الأبيض أصدر بياناً قال فيه إن المحادثات انتهت بالاتفاق على الاستراتيجية مع بقاء الاختلاف على التكتيك. ومع أن الفريقين اتفقا على عدم الاختلاف، إلا أن إصرار اوباما على إبرام اتفاق حول الملف النووي مع إيران أثار حفيظة الرياض، خصوصاً بعدما واظبت طهران على توسيع مساحة نفوذها في اليمن والعراق وسورية ولبنان.
وحدث في الوقت ذاته أن انهار سعر النفط في الأسواق العالمية، الأمر الذي حفز الولايات المتحدة على التبجّح بأن إنتاجها من النفط الصخري سيؤمن استقلاليتها في مجال الطاقة. واستغل بعض الخبراء هذه التوقعات للمطالبة بإنهاء التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض. والسبب أن إنتاج النفط في اميركا عام 2016 سيبلغ عشرة ملايين برميل في اليوم. ومعنى هذا أنه سيكون للاميركيين هامش أوسع للمناورة في الأمور المتعلقة برسم سياستهم في الشرق الأوسط.
تحت تأثير هذه المعادلة، قرر اوباما إرسال نائبه جو بايدن للمشاركة في تشييع الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز في الرياض. ولكنه تراجع عن هذا الخيار بعدما بلغه أن غالبية حكام العالم قد شاركت في واجب العزاء. لذلك اختصر زيارته الرسمية للهند، وعاد الى الرياض على رأس وفد ضخم يضم كبار الشخصيات السياسية الاميركية، إضافة الى مسؤولين سابقين في الحزبين الجمهوري والديموقراطي.
وكان لافتاً استقدام سياسيين جمهوريين من أمثال منافسه على الرئاسة السناتور جون ماكين والوزير السابق جيمس بيكر. إضافة الى كبار العسكريين ممن تعاونوا على قمع منظمات الإرهاب في الخليج العربي. والهدف، كما يراه المراقبون المحايدون، هو تعزيز حضور الشهود الاميركيين على فتح صفحة جديدة من العلاقات المتينة مع العاهل السعودي الجديد سلمان بن عبدالعزيز.
والملك سلمان تنقل في كراسي الحكم مدة تزيد على النصف قرن تقريباً. وارتبط اسمه بإمارة الرياض، نظراً الى الاهتمام الخاص الذي أولاه للعاصمة التي حملت بصماته في كل شارع وكل تنظيم إداري. وسانده في هذا المسار العمراني العاهل السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز. ومنه اقتبس حب الانضباط واحترام الوقت والمواعيد. لهذا كان يباشر مهماته في الصباح الباكر، أي قبل أن يمتلئ مجلسه بأصحاب الشكاوى والمطالب. وكثيراً ما كانت مجالسه الصباحية تمتد الى وقت الصلاة عند الظهيرة. أي بعدما يطمئن من مساعدَيه محمد العتيبي وعسّاف بوثنين أن كل الشكاوى وصلت الى مكتب أخيه ونائبه المرحوم سطام بن عبدالعزيز ووكيل الوزارة عبدالله البليهد.
والحديث عن الملك الجديد يقود الى التذكير بواحدة من منجزاته هي «دارة الملك عبدالعزيز». وقد أوكل وظيفة الأمانة العامة الى الدكتور فهد بن عبدالله السماري الذي يشرف أيضاً على إصدار مجلة فصلية تحمل اسم «الدارة». وبلغ من شدة حرص الأمير سلمان على الاهتمام بهذه المؤسسة أن جمع لها كل ما يخطر على البال من وثائق وصور ومنشورات ورسائل ذات قيمة تاريخية.
يقول الذين عملوا مع الأمير سلمان في إمارة الرياض إن تعلقه بالقضايا الثقافية والتاريخية بلغ حد الشغف. والشاهد على ذلك أن المعرض الجوال، الذي حمل اسم «الرياض... بين الماضي والحاضر»، كان نموذجاً ناجحاً لإعطاء الرأي العام الخارجي صورة مصغرة عن العاصمة التي نمت بإشرافه وتخطيط أهم مهندسي المدن. وقد حرص الأمير سلمان شخصياً على افتتاح هذا المعرض في قاعات «اولمبيا» في لندن، بحضور عمدة العاصمة والأمير تشارلز والأميرة الراحلة ديانا. وقد استقبلت في حينه الصحف البريطانية هذا الحدث الثقافي بكثير من الثناء والإطراء والترحيب. ومن لندن نقل المعرض الى مدن اميركية واوروبية وآسيوية عدة، وذلك بهدف إظهار الوجه التاريخي والثقافي لبلاد رسالة الاسلام التي لا يرى فيها الغرب سوى خزان كبير للنفط.
عقب إنفجار حرب لبنان (1975-1990) اختار الأمير سلمان الذي كان يصطاف في عاليه، مدينة ماربيا الاسبانية. وحجته أن هذه المدينة الأندلسية كانت تجمع كل المصطافين العرب الذين تحتضنهم منتجعات لبنان ومصر والمغرب. وبسبب علاقته المميزة مع المسؤولين الأسبان، سُمِح له بتشييد أول مسجد في مدينة اسبانية منذ خروج العرب (711هـ - 1492م). وقام رئيس البلدية بتلك البادرة كعربون صداقة لأمير الرياض الذي استخدمها لإحياء التراث العربي في المدن التاريخية مثل: قرطبة وإشبيلية وغرناطة وقصر الحمراء. وفي هذا السياق، شجع حملة إصدار سلسلة كتب باللغات الأجنبية من أجل إبراز الايجابيات التي حققها وجود العرب في تلك البقعة الاوروبية.
وفي عام 1997 نقل صورة هذه الايجابيات الى جبل طارق حيث دشن باسم الملك فهد بن عبدالعزيز افتتاح جامع يحمل اسم القائدين طارق بن زياد وموسى بن نصير. وهما القائدان اللذان نقلا الحضارة الاسلامية الى الأندلس بعدما حققا لجيشهما النصر في جبل طارق. وفي كلمة ألقاها الأمير عبدالعزيز بن فهد، أكد أن المشروع يجسد التواصل بين الماضي والحاضر... بين الشرق والغرب... بين الحضارة الاسلامية والحضارة المسيحية.
ورد عليه نائب حاكم جبل طارق، مايكل روبنسون، بالقول إن المسجد شيَّد في الموقع الذي نزل فيه طارق بن زياد، مؤسس أول حركة إنفتاح بين اوروبا والعالم العربي الاسلامي.
عقب إعلان المبايعة، وجّه الملك سلمان كلمة الى المواطنين استهلها بالقول: «إن الأمة العربية والاسلامية بعد رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أحوَج ما تكون اليوم الى الوحدة والتضامن.» وتعهد بالتزام الخط السياسي الذي رسمه المؤسس الملك عبدالعزيز، سائلاً الله أن يوفقه لخدمة شعبه العزيز، ويحقق آماله، ويحفظ للمملكة والأمة الأمن والاستقرار، وأن يحميها من كل سوء ومكروه».
ويتوقع المراقبون أن يباشر الملك سلمان مهماته المستعجلة باستثمار حضور المعزّين، خصوصاً أولئك الذين تجاوزوا كل الخلافات السابقة، وقدموا الى الرياض للمشاركة في واجب التعزية والتهنئة. ويأتي في رأس القائمة: الرئيس العراقي فؤاد معصوم، والرئيس السوداني عمر البشير، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان. وربما تفتح مشاركة وزير خارجية ايران محمد جواد ظريف باب الحوار مع القيادة الايرانية التي أرسلته لتقديم واجب العزاء باسمها.
وترى الأمم المتحدة في حال مباشرة هذه الخطوة، أن تأثيرها سيُلامس معظم المشاكل الخطرة في المنطقة، مثل مشكلة الحوثيين في اليمن، ومشكلة «حزب الله» في لبنان والبحرين، ومشكلة المعارضة المعتدلة حيال نظام بشار الأسد.
ويتوقع المحللون أن تسهل عملية الانتقال السلس إستئناف المشاريع الحيوية، خصوصاً أن الدولة تملك احتياطات مالية كبيرة (750 بليون دولار) جُمِعت خلال سنوات طفرة أسعار النفط.
وكان الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز قد أجرى في السنة الماضية تعديلاً وزارياً واسعاً، ولكنه احتفظ بوزير الطاقة علي النعيمي. علماً أن النعيمي يشغل هذا المركز منذ عام 1995، وأنه طلب عدة مرات إعفاءه من المسؤولية.
تؤكد مصادر مطلعة في المملكة أن النعيمي سيواصل مهمته الى حين إعادة الاستقرار لأسعار النفط بواسطة «أوبك»، خصوصاً بعدما تبيَّن أن إنتاج النفط الصخري لم يعد مجدياً أو مربحاً بالنسبة الى الدول التي تستثمره. وقد كثرت الشكاوى ضد الشركات العاملة في هذا الحقل لأن مخاطرها على البيئة فاقت التوقعات.
الأسبوع المقبل يباشر الملك سلمان إعداد برنامجه السياسي للمرحلة الأولى من حكمه. ومن المتوقع أن يبدأ بمعالجة القضايا الملحة، الاقليمية منها والدولية. وبما أنه شارك في الاطلاع على كل الملفات السابقة منذ تعيينه ولياً للعهد عام 2012، فان هذه الميزة ستساعده على تخطي متاعب المستقبل.
السعودية تنتظر برنامج الملك السابع
سليم نصار- الحياة السياسية
عندما بلغه موت المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أعرب الرئيس الاميركي باراك اوباما عن حزنه العميق «لفقدان صديق نزيه وصريح.» ووصفه في مؤتمره الصحافي بأنه: «قائد شعبي، يتحلى بجرأة نادرة للتعبير عن قناعاته الراسخة».
وكان بهذا الكلام القليل والمعبِّر يختصر مسيرة علاقات وثيقة، بدأت في ربيع 1945 عندما التقى الرئيس فرانكلن روزفلت والملك عبدالعزيز على متن البارجة الاميركية «كوانسي» في قناة السويس. واستمرت تلك العلاقات تحت قاعدة «النفط مقابل الأمن» أكثر من سبعين سنة من دون أن تتعرض للتصدّع أو التراجع. ويرى السعوديون أن الأزمتين اللتين خلفتهما مشكلة حظر النفط في حرب 1973 وعملية 11 أيلول (سبتمبر) 2001، لم تتركا الأثر العميق لعرقلة تنفيذ الاتفاقات المعقودة بين الدولتين.
وعندما باشر الرئيس باراك اوباما جولاته الخارجية حرص على زيارة المملكة العربية السعودية (تموز/ يوليو 2009) نظراً الى أهمية الدور الذي تلعبه في المنطقة. وسعى في حينه الى التحرر من الإرث الثقيل الذي تركه سلفه جورج بوش الابن في العراق، مع وعد بأن يحسّن صورة بلاده في الشرق الأوسط.
ولكن ذلك الوعد اصطدم باعتراض الدول الخليجية، إضافة الى مصر والأردن، لأن واشنطن شرعت في فتح باب الحوار والتعاون مع ايران، الخصم المركزي الاقليمي لهذه الدول. ورأت الرياض أن تقارب واشنطن وطهران ليس أكثر من تمهيد لابتعاد اميركي عن المنطقة، وتركها عرضة لتجاذبات متواصلة عززت تدخل دول اوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وايطاليا.
وساد في الخليج رأي يقول إن مثل هذا التحول السياسي سيفسح المجال لمزيد من تمدد نفوذ ايران المنتشر حالياً من حدود لبنان («حزب الله») مروراً بسورية والعراق وانتهاء باليمن والصومال. ومعنى هذا أن ايران ستسيطر على مضيقي هرمز وباب المندب، ومختلف الطرق البحرية المستخدَمة لمرور ناقلات النفط العملاقة.
وإزدادت الشكوك حول أهداف الولايات المتحدة، خصوصاً بعدما تراجع اوباما عن قرار ضرب سورية في ايلول (سبتمبر) 2013، خوفاً من إغضاب ايران وقطع المحادثات معها. وكانت خطوة التراجع المفاجئ بمثابة الشهادة الدامغة على إنكفاء واشنطن عن تحمل تبعات الالتزام المعنوي الذي عبَّرت عنه مختلف الادارات الاميركية.
عقب تراكم الأدلة على الانعطافة السياسية الاميركية، كلف العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد الأمير سلمان القيام بجولة آسيوية شملت الصين واليابان والهند وباكستان، عقد خلالها سلسلة اتفاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية، قابلتها واشنطن وطهران بالتشويش والانتقاد. كل هذا لأن نجاح جولة الأمير سلمان لم يرقْ للرئيس اوباما الذي زار السعودية بعدها لترميم صورة بلاده، وإعادة الثقة بجدوى العلاقات الخاصة التي عززت تعاون الدولتين.
وفي حديث شامل استغرق ساعتين، قام الرئيس اوباما بمراجعة موقفه المستجد من ايران، ووعد الملك عبدالله بعدم عقد اتفاق يسيء للمملكة وللعلاقات التاريخية معها. وقال - بحسب التقارير - إن عينيه المفتوحتين ستراقبان بامعان كل التفاصيل المريبة.
ولما تركز الاهتمام على دور ايران المهم في إنقاذ نظام الأسد، طلب الملك عبدالله من الرئيس الاميركي أن يعامل البحرين كخط أحمر، لأن زيادة الضغط عليها يشكل خطراً محدقاً بكل الأطراف المعنية.
المهم، ان البيت الأبيض أصدر بياناً قال فيه إن المحادثات انتهت بالاتفاق على الاستراتيجية مع بقاء الاختلاف على التكتيك. ومع أن الفريقين اتفقا على عدم الاختلاف، إلا أن إصرار اوباما على إبرام اتفاق حول الملف النووي مع إيران أثار حفيظة الرياض، خصوصاً بعدما واظبت طهران على توسيع مساحة نفوذها في اليمن والعراق وسورية ولبنان.
وحدث في الوقت ذاته أن انهار سعر النفط في الأسواق العالمية، الأمر الذي حفز الولايات المتحدة على التبجّح بأن إنتاجها من النفط الصخري سيؤمن استقلاليتها في مجال الطاقة. واستغل بعض الخبراء هذه التوقعات للمطالبة بإنهاء التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض. والسبب أن إنتاج النفط في اميركا عام 2016 سيبلغ عشرة ملايين برميل في اليوم. ومعنى هذا أنه سيكون للاميركيين هامش أوسع للمناورة في الأمور المتعلقة برسم سياستهم في الشرق الأوسط.
تحت تأثير هذه المعادلة، قرر اوباما إرسال نائبه جو بايدن للمشاركة في تشييع الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز في الرياض. ولكنه تراجع عن هذا الخيار بعدما بلغه أن غالبية حكام العالم قد شاركت في واجب العزاء. لذلك اختصر زيارته الرسمية للهند، وعاد الى الرياض على رأس وفد ضخم يضم كبار الشخصيات السياسية الاميركية، إضافة الى مسؤولين سابقين في الحزبين الجمهوري والديموقراطي.
وكان لافتاً استقدام سياسيين جمهوريين من أمثال منافسه على الرئاسة السناتور جون ماكين والوزير السابق جيمس بيكر. إضافة الى كبار العسكريين ممن تعاونوا على قمع منظمات الإرهاب في الخليج العربي. والهدف، كما يراه المراقبون المحايدون، هو تعزيز حضور الشهود الاميركيين على فتح صفحة جديدة من العلاقات المتينة مع العاهل السعودي الجديد سلمان بن عبدالعزيز.
والملك سلمان تنقل في كراسي الحكم مدة تزيد على النصف قرن تقريباً. وارتبط اسمه بإمارة الرياض، نظراً الى الاهتمام الخاص الذي أولاه للعاصمة التي حملت بصماته في كل شارع وكل تنظيم إداري. وسانده في هذا المسار العمراني العاهل السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز. ومنه اقتبس حب الانضباط واحترام الوقت والمواعيد. لهذا كان يباشر مهماته في الصباح الباكر، أي قبل أن يمتلئ مجلسه بأصحاب الشكاوى والمطالب. وكثيراً ما كانت مجالسه الصباحية تمتد الى وقت الصلاة عند الظهيرة. أي بعدما يطمئن من مساعدَيه محمد العتيبي وعسّاف بوثنين أن كل الشكاوى وصلت الى مكتب أخيه ونائبه المرحوم سطام بن عبدالعزيز ووكيل الوزارة عبدالله البليهد.
والحديث عن الملك الجديد يقود الى التذكير بواحدة من منجزاته هي «دارة الملك عبدالعزيز». وقد أوكل وظيفة الأمانة العامة الى الدكتور فهد بن عبدالله السماري الذي يشرف أيضاً على إصدار مجلة فصلية تحمل اسم «الدارة». وبلغ من شدة حرص الأمير سلمان على الاهتمام بهذه المؤسسة أن جمع لها كل ما يخطر على البال من وثائق وصور ومنشورات ورسائل ذات قيمة تاريخية.
يقول الذين عملوا مع الأمير سلمان في إمارة الرياض إن تعلقه بالقضايا الثقافية والتاريخية بلغ حد الشغف. والشاهد على ذلك أن المعرض الجوال، الذي حمل اسم «الرياض... بين الماضي والحاضر»، كان نموذجاً ناجحاً لإعطاء الرأي العام الخارجي صورة مصغرة عن العاصمة التي نمت بإشرافه وتخطيط أهم مهندسي المدن. وقد حرص الأمير سلمان شخصياً على افتتاح هذا المعرض في قاعات «اولمبيا» في لندن، بحضور عمدة العاصمة والأمير تشارلز والأميرة الراحلة ديانا. وقد استقبلت في حينه الصحف البريطانية هذا الحدث الثقافي بكثير من الثناء والإطراء والترحيب. ومن لندن نقل المعرض الى مدن اميركية واوروبية وآسيوية عدة، وذلك بهدف إظهار الوجه التاريخي والثقافي لبلاد رسالة الاسلام التي لا يرى فيها الغرب سوى خزان كبير للنفط.
عقب إنفجار حرب لبنان (1975-1990) اختار الأمير سلمان الذي كان يصطاف في عاليه، مدينة ماربيا الاسبانية. وحجته أن هذه المدينة الأندلسية كانت تجمع كل المصطافين العرب الذين تحتضنهم منتجعات لبنان ومصر والمغرب. وبسبب علاقته المميزة مع المسؤولين الأسبان، سُمِح له بتشييد أول مسجد في مدينة اسبانية منذ خروج العرب (711هـ - 1492م). وقام رئيس البلدية بتلك البادرة كعربون صداقة لأمير الرياض الذي استخدمها لإحياء التراث العربي في المدن التاريخية مثل: قرطبة وإشبيلية وغرناطة وقصر الحمراء. وفي هذا السياق، شجع حملة إصدار سلسلة كتب باللغات الأجنبية من أجل إبراز الايجابيات التي حققها وجود العرب في تلك البقعة الاوروبية.
وفي عام 1997 نقل صورة هذه الايجابيات الى جبل طارق حيث دشن باسم الملك فهد بن عبدالعزيز افتتاح جامع يحمل اسم القائدين طارق بن زياد وموسى بن نصير. وهما القائدان اللذان نقلا الحضارة الاسلامية الى الأندلس بعدما حققا لجيشهما النصر في جبل طارق. وفي كلمة ألقاها الأمير عبدالعزيز بن فهد، أكد أن المشروع يجسد التواصل بين الماضي والحاضر... بين الشرق والغرب... بين الحضارة الاسلامية والحضارة المسيحية.
ورد عليه نائب حاكم جبل طارق، مايكل روبنسون، بالقول إن المسجد شيَّد في الموقع الذي نزل فيه طارق بن زياد، مؤسس أول حركة إنفتاح بين اوروبا والعالم العربي الاسلامي.
عقب إعلان المبايعة، وجّه الملك سلمان كلمة الى المواطنين استهلها بالقول: «إن الأمة العربية والاسلامية بعد رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أحوَج ما تكون اليوم الى الوحدة والتضامن.» وتعهد بالتزام الخط السياسي الذي رسمه المؤسس الملك عبدالعزيز، سائلاً الله أن يوفقه لخدمة شعبه العزيز، ويحقق آماله، ويحفظ للمملكة والأمة الأمن والاستقرار، وأن يحميها من كل سوء ومكروه».
ويتوقع المراقبون أن يباشر الملك سلمان مهماته المستعجلة باستثمار حضور المعزّين، خصوصاً أولئك الذين تجاوزوا كل الخلافات السابقة، وقدموا الى الرياض للمشاركة في واجب التعزية والتهنئة. ويأتي في رأس القائمة: الرئيس العراقي فؤاد معصوم، والرئيس السوداني عمر البشير، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان. وربما تفتح مشاركة وزير خارجية ايران محمد جواد ظريف باب الحوار مع القيادة الايرانية التي أرسلته لتقديم واجب العزاء باسمها.
وترى الأمم المتحدة في حال مباشرة هذه الخطوة، أن تأثيرها سيُلامس معظم المشاكل الخطرة في المنطقة، مثل مشكلة الحوثيين في اليمن، ومشكلة «حزب الله» في لبنان والبحرين، ومشكلة المعارضة المعتدلة حيال نظام بشار الأسد.
ويتوقع المحللون أن تسهل عملية الانتقال السلس إستئناف المشاريع الحيوية، خصوصاً أن الدولة تملك احتياطات مالية كبيرة (750 بليون دولار) جُمِعت خلال سنوات طفرة أسعار النفط.
وكان الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز قد أجرى في السنة الماضية تعديلاً وزارياً واسعاً، ولكنه احتفظ بوزير الطاقة علي النعيمي. علماً أن النعيمي يشغل هذا المركز منذ عام 1995، وأنه طلب عدة مرات إعفاءه من المسؤولية.
تؤكد مصادر مطلعة في المملكة أن النعيمي سيواصل مهمته الى حين إعادة الاستقرار لأسعار النفط بواسطة «أوبك»، خصوصاً بعدما تبيَّن أن إنتاج النفط الصخري لم يعد مجدياً أو مربحاً بالنسبة الى الدول التي تستثمره. وقد كثرت الشكاوى ضد الشركات العاملة في هذا الحقل لأن مخاطرها على البيئة فاقت التوقعات.
الأسبوع المقبل يباشر الملك سلمان إعداد برنامجه السياسي للمرحلة الأولى من حكمه. ومن المتوقع أن يبدأ بمعالجة القضايا الملحة، الاقليمية منها والدولية. وبما أنه شارك في الاطلاع على كل الملفات السابقة منذ تعيينه ولياً للعهد عام 2012، فان هذه الميزة ستساعده على تخطي متاعب المستقبل
نصرالله «رئيسا»… طمأنة اسرائيل «والأسد ايضا»
رأي القدس
في خطاب جماهيري، حمل مخاطرة امنية مقصودة لكن محسوبة، وجاء غداة استهداف موكب اسرائيلي في مزارع شبعا، في ذروة حملة تهدف لترميم الروح المعنوية التي تضررت بالهجوم على موكب لحزب الله في القنيطرة الشهر الماضي، اعلن الامين العام السيد حسن نصرالله امس الجمعة «أن قواعد الاشتباك التي كانت قائمة بين إسرائيل والمقاومة انتهت وأن المقاومة سترد على أي اعتداء بالطريقة المناسبة وفي الزمان والمكان المناسبين»، وهو ما دعا الأمين العام لقوى «14 آذار» اللبنانية فارس سعيد، للتصريح بأن «نصرالله، أعلن نفسه الرئيس الفعلي للبنان»، في اشارة واضحة ان «السيد» استأثر عمليا بقرار الحرب الذي يمثل ذروة القرارات السيادية التي تخص عادة رئاسة الدولة والبرلمان والجيش.
وثمة حاجة هنا الى قراءة ما بين السطور في خطاب الامين العام، سعيا الى المعاني الحقيقية التي اراد ان يوصلها الى اطراف عدة، وخاصة اسرائيل، ومنها:
اولا: ان تهديدات نصرالله بالرد على اي هجوم اسرائيلي جديد لا تعني الذهاب الى حرب كاملة مع اسرائيل، بل شن هجمات على شاكلة استهداف مدرعة او موكب في مزارع شبعا كما حدث قبل يومين، وهو ما كنا توقعناه ابان الهجوم الاسرائيلي، بالنظر الى ان المعطيات العسكرية والسياسية لا تسمح للحزب بالدخول في مواجهة واسعة، وبينها وجود قوات كبيرة للحزب في سوريا، وهذه تواجه مهمة صعبة في ظل عجز كافة الاطراف عن الحسم العسكري.
ثانيا: احد الاهداف الرئيسية للخطاب كان تأكيد الرسالة التي اوصلها الحزب الى اسرائيل عبر قوات «اليونيفيل» التابعة للامم المتحدة في جنوب لبنان، ومفادها ان «الحزب ليس معنيا بالتصعيد مع اسرائيل»، غداة شنه الهجوم في شبعا قبل يومين. وكان نصرالله واضحا اذ قال» «نحن لا نريد الحرب ولكن لا نخشاها. الاسرائيلي يجب ان يعرف جيدا اننا رجالها واننا مجاهدوها واننا صناع نصرها.» ومن الواضح انه يحاول ان يثني رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عن «الرد على الرد» في شبعا، واغلاق ملف هذه المواجهة على اساس «واحدة بواحدة». ولاشك في ان طمأنة اسرائيل هنا تعني طمأنة نظام الاسد ايضا، اذ ان ضرب اسرائيل المحتمل لقوات الحزب في سوريا، سيدفع ثمنها النظام السوري من امنه في المحصلة.
ثالثا: ان حديث الامين العام عن «تغيير قواعد الاشتباك مع اسرائيل» يهدف اساسا الى احداث ضجة اعلامية ولا يعبر عن واقع الصراع، والدليل على ذلك ان رد حزب الله جاء في مزارع شبعا التي لا تخضع للقرار الدولي 1701، اي انه في حقيقته رد محسوب بعناية فائقة، اذ يضمن عدم اعطاء حجة لاسرائيل لخرق القرار، ما قد يشعل الحرب ويضطر الحزب الى التفاوض على صياغة قرار دولي بديل للقرار المذكور الذي تحول عمليا الى ما يشبه «اتفاق هدنة او سلام» بين الطرفين.
رابعا: ان حديث السيد نصرالله عن هجوم القنيطرة باعتباره «عملية اغتيال» يدعم التكهنات التي تقول ان موكب قياديي حزب الله في القنيطرة كان يقوم بدراسة الجبهة، ليس لضرب اسرائيل، بل لمهاجمة قوات جبهة «النصرة» واخراجها من الجولان، على طريقة القلمون، سعيا الى تأمين العاصمة السورية القريبة. وتدعم هذا التحليل، دون قصد، الدعاية التي تنشرها وسائل اعلام الحزب، اذ تؤكد ان هجوم القنيطرة استهدف الرد على تهديدات نصرالله «التلفزيونية» لاسرائيل، بالرغم انها لم تكن سوى تكرار لتهديدات سابقة.
خامسا: كون ان رد حزب الله جاء من لبنان وليس من سوريا حيث حدث الهجوم الاسرائيلي، يتعارض مع ما قاله الامين العام، وروجت له وسائل اعلامه طوال الاسبوعين الماضيين، حول «وحدة جبهة المعارضة»، وان «الرد قد يأتي من اي مكان» كما قال امس. اذ ليس منطقيا ان تدخل ايران في حرب مع اسرائيل انتقاما لضرب موكب لحزب الله في سوريا، حتى اذا ضم قياديا في حرسها الثوري. كما ان الرئيس الاسد الذي تعرض للعديد من الهجمات المهينة من اسرائيل خلال الاعوام الماضية دون رد، لن يخاطر باضافة اسرائيل الى قائمة اعدائه، خاصة وقد ابلغته اكثر من مرة انها ليست معنية باسقاط نظامه.
واخيرا فان الامين العام بخطابه اراد ان يعطي زخما للحملة الاعلامية التي تصور الهجوم في شبعا على انه «معجزة عسكرية» الا انه لم يعط تفسيرا لحدوث هجوم القنيطرة، وما قد يعنيه من اختراق امني خطير للحزب، خاصة انه استهدف جهاد مغنية الذي كان بمثابة الأبن لدى نصرالله
الجنرالات العرب: حُماة الديار أم حُماة إسرائيل؟
د. فيصل القاسم- القدس العربي
لا يغرنكم العداء الذي يبديه الجنرالات العرب لإسرائيل، فهو عداء صوري للاستهلاك المحلي لا أكثر ولا أقل، وغير مقصود للتطبيق على أرض الواقع في معظم الأحيان، لكن ليس بسبب الضعف العربي، بل لأن الجنرالات الذين يتظاهرون بالعداء للأعداء لا يريدون تطبيقه أصلاً، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يحاول وضع ذلك العداء موضع التنفيذ، فإنه سيلقى عقاباً مريراً. إنه مجرد حبوب لتخدير الجماهير، أو تفريغ شحناتها النضالية في الهواء الطلق بدلاً من تحضيرها فعلاً لمعركة التحرير الحقيقية. وهناك الكثير من الإشارات لأولي الألباب على أن معاداة إسرائيل المزعومة على مدى عقود ليست أكثر من لعبة مفضوحة. فلو كانت الأنظمة الجنرالاتية تعادي العدو فعلاً لعاملت شعوبها بطريقة مختلفة تماماً، ولما وضعتها تحت الأحذية الثقيلة لعشرات السنين، ولما نزعت منها كل قيم النخوة والمواجهة والتحدي والمقاومة. لقد أخصى الجنرالات الطغاة مجتمعاتنا بأحذيتهم العسكرية، وحولوها إلى زرائب للأغنام وحظائر للنعاج وأقنان للدجاج. ولا شك أن أعداءنا ممتنون جداً لعساكرنا العرب على جميلهم الذي لا يقدر بثمن.
يقول الكاتب الإسرائيلي آلوف بن: «قامت سياسة إسرائيل الإقليمية على ترتيبات وعلى توازن للرعب مع الجنرالات الديكتاتوريين العرب. لقد نُظر إلى سلطتهم على أنها حاجز طبيعي يقي إسرائيل من غضب الرعاع في الشارع العربي». ويحذر آلوف الولايات المتحدة من محاولة «نشر الديمقراطية دون رقيب». إسرائيل إذن مع الديكتاتورية العسكرية للعالم العربي قلباً وقالباً. لقد بنى قادة إسرائيل كل استراتيجياتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية للهيمنة على المنطقة والتحكم بها على دعم الخيار الأمني العسكري الديكتاتوري في منطقتنا، فهو الأنجع والأسلم بالنسبة للصهيونية والأكثر قدرة على تلبية حاجاتها واستتباب الأمن والهدوء لها، فهو يقايض فساده ووحشيته وتشبثه بالسلطة بتلبية المتطلبات الإسرائيلية المتمثلة أولاً وقبل كل شيء بكبح جماح الشارع، ووضعه تحت النعال كي تنام إسرائيل قريرة العين.
من هنا فإن لإسرائيل والأنظمة العسكرية الفاشية مصلحة مشتركة في أن تبقى هذه الشعوب خانعة ومستلبة. إنه حلف الأحلاف الذي يحارب من أجله هؤلاء بالنواجذ والأنياب لبقائه على قيد الحياة. إذن هي معادلة واتفاق شرف وجنتلمان، وإن كان غير معلن، بين هذه الأنظمة وإسرائيل والقاضية بمقايضة الاستبداد العسكري بالبقاء، وكلما أمعنت هذه الأنظمة العسكرية الفاشية في القمع والطغيان كلما حصلت على درجات عالية في تقييم الأداء السياسي، ورضا ممن يدير لعبة الشطرنج غير المتكافئة هذه، وبالتالي تفويضاً أطول للاستمرار. وكان أحد شروط هذه المعادلة زرع التخلف، وإنتاج الفقر، وتغريب المجتمعات وإضعاف القدرة على المقاومة وتقويض الأسس التي تقوم عليها الدول الحديثة ونشر الفساد على أوسع نطاق ، لكي تبقى إسرائيل الوحيدة القوية في الميدان. وها هي تلك المعادلة تؤتي أكلها بأن أصبحت إسرائيل «سوبر بوار» في هذه المنطقة، بينما تداعت تلك الدول والأنظمة العسكرية الفتاكة وأصبحت شراذم وكيانات ضعيفة مفككة وهشة تصارع من أجل البقاء في وجه شعوب فاض بها الكيل. ومهما تفعل إسرائيل فلن تكون قادرة على أن تكافئ هذه الأنظمة على هذا الإنجاز «العظيم الذي بدأ قاب قوسين أو أدنى على شفا الانهيار تحت ضغط الشعوب التي بدأت تكسر قيودها أخيراً.
ومن السخف والسذاجة أن يعتقد الليبراليون العرب أن إسرائيل أو أمريكا تفضلانهم على الجنرالات. فآخر ما تبتغيه إسرائيل والغرب في منطقتنا هو انتشار الديموقراطية أو تشجيع الليبرالية. وصدقوني لن تعمل إسرائيل على الإطاحة بأي نظام ديكتاتوري جنرالاتي عربي إلا إذا وجدت بديلاً أكثر طغياناً وشمولية. فالديموقراطية خط أحمر!!
وكي نزيل الغشاوة عن عيون المنبهرين بالدعوات الأمريكية والإسرائيلية القديمة الجديدة لدمقرطة المنطقة وتخليصها من ربقة الشمولية والاستبداد، أود فقط أن أذكـّر بما قاله أحد السياسيين الإسرائيليين ذات مرة. فقد سئل عن دور إسرائيل بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء مهمتها في مواجهة الشيوعية والمد الاشتراكي في المنطقة العربية، فأجاب بكلمات تتطابق تماماً مع كلمات الكاتب الإسرائيلي آلوف بن المذكور آنفاً: «إن إحدى أهم مهام إسرائيل في المستقبل هو حماية الأنظمة العسكرية من السقوط» أمام أي ثورات شعبية أو انقلابات جماهيرية. (النظام السوري مثالاً) أي أن هناك تحالفاً عضوياً مفضوحاً بين الديكتاتورية الأمنية والصهيونية في المنطقة العربية. لا تتعجبوا! فإن الشغل الشاغل لعدوتنا «الحبيبة» هو حماية جنرالاتنا وضباطنا وجلادينا وفاسدينا ومعذبينا وهادري ثرواتنا وكراماتنا. وكل من يقول لكم عكس ذلك يكذب عليكم. «قالوا الجمل طلع النخلة، قال هذا الجمل وهذي النخلة».
لقد غصت سجوننا العربية الغراء بالمناضلين الحقيقيين ودعاة الديموقراطية والتحرر فقط من أجل عيون العدو، وبالتالي، فلا تحلموا بتحقيق الديموقراطية الحقيقية أو تحرير الأرض إلا بعد أن تتحرروا من نير طغيان الحذاء العسكري والاستبداد ودفنهما إلى غير رجعة، فهما أكبر حام وضامن لإسرائيل. ولعلكم تتذكرون أن عنترة بن شداد لم يصبح بطلاً إلا بعد أن تخلص من عبوديته، فعندما طلب منه أبوه أن يقاتل قال قولته الشهيرة: «العبد لا يكر يا أبتي»، فقال له: «كر فأنت حر»، فانطلق يقاتل بشكل أسطوري. بعبارة أخرى، «لا يحررها إلا أحرارها». ومعاذ الله أن يكون جنرالاتنا الطغاة أحراراً إلا في التنكيل بالشعوب والأوطان وجعلها لقمة سائغة في فم الأعداء والطامعين.
لقد بات السوريون بمختلف توجهاتهم يعلمون علم اليقين أن النظام السوري لن يسقط حتى ترفع إسرائيل عنه الغطاء. لقد أركع آل الأسد الشعب السوري لخمسة عقود كي تنام إسرائيل قريرة العين، لا بل حولوا سوريا إلى مستنقع للفساد والإفساد. وهي أكبر خدمة للعدو الإسرائيلي. وعندما ثار الشعب على النظام أعطته إسرائيل المتحكمة بالقرار الأمريكي الضوء الأخضر كي يحوّل سوريا إلى خراب. وسيظل بشار أسد يحرق سوريا نيابة عن إسرائيل طالما في سوريا وفي شعبها قليل من الرمق. وعندما ينتهي من مهمته سترميه إسرائيل في سلة الزبالة كما رمت هي وأمريكا من قبل كل عملائهما من الجنرالات الطغاة.