1 مرفق
اقلام واراء محلي 22/01/2015
في هذا الملف :
كلمة الحياة الجديدة - لحظة التحديات الكبرى
رئيس التحرير – الحياة الجديدة
حافظ البرغوثي – الحياة الجديدة
حياتنا - لا رد في الأفق
مدارات - الأوسلوي المرتد
عدلي صادق – عن الحياة الجديدة
اشتباك قانوني يلهب المقاومة الميدانية
بكر أبو بكر – الحياة الجديدة
نبض الحياة - رسائل تظاهرة «داعش»!!
عمر حلمي الغول – الحياة الجديدة
حين تزج إسرائيل بنفسها وسط النار
طلال عوكل عن الأيام
اليمن على أعتاب الانفجار الشامل
د. عبد المجيد سويلم عن الأيام
احتجاز عائدات الضرائب عقوبة جماعية
حديث القدس
سؤال عالماشي - كما قالها الدكتور الزهار !
موفق مطر – الحياة الجديدة
علامات على الطريق - بانوراما الاحتقان الاسرائيلي الى اين؟
يحيى رباح – الحياة الجديدة
تطرف والتخلف عند العرب
الياس سحاب عن القدس
فلسطين والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية
د.حسن أيوب عن القدس
كلمة الحياة الجديدة - لحظة التحديات الكبرى
رئيس التحرير – الحياة الجديدة
ماذا يعني ان تمارس الولايات المتحدة بكل ثقلها السياسي والمادي، وهو ثقل الدولة العظمى، الضغوط "المرعبة" لمنع تقدم القرار الفلسطيني العربي في مجلس الامن الدولي..؟؟ لا يرغب هذا السؤال في مناكفة مع احد، ولا حتى في محاججة تسعى الى تأكيد صوابية التوجه الفلسطيني الى هذه الهيئة الدولية النافذة، من اجل قرار لا يريد في المحصلة غير اقرار السلام العادل في هذه المنطقة، لحظة زوال الاحتلال، وقيام دولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس الشريف.
ويتطلع هذا السؤال وباعتزاز، الى تبيان حقيقة وواقعية ثقل هذا الحضور والفعل السياسي الفلسطيني، بمشروعه للحل العادل، في ساحات المحافل الدولية، الحضور والفعل الذي جعله الرئيس ابو مازن بصلابة مواقفه ووضوح رؤيته، برنامج عمل للمقاومة الفاعلة، كل خطوة فيه تسعى إلى ان يكون لها فعل الطلقة الشجاعة والعادلة، برنامج تتضح فيه المواجهة في مساراتها الصحيحة، ويحتدم فيه الاشتباك الصعب، برنامج لا تردد فيه ولا تراجع، بل المضي قدما فإما النصر وإما الشهادة، وهذا ما اعلنه الرئيس ابو مازن يوم امس الاول: "التهديدات تطال حياتي شخصيا، وذكروني بمصير ياسر عرفات وانا جاهز لكل الخيارات في سبيل تحقيق حلم الدولة الفلسطينية"، وبما يعني دون اي التباس "انا مستعد للشهادة" في سبيل تحقيق هذا الحلم.
لو لم يكن للحضور السياسي الفلسطيني وفعله، كل هذا الثقل والتأثير، لما ذهبت الولايات المتحدة الى ضغوطها "المرعبة" لمنع تقدم القرار الفلسطيني العربي، ولما ثارت ثائرة اسرائيل بعدها عندما توجه هذا الفعل بحضوره الواضح والحاسم الى ساحة الاتفاقات والمنظمات الاممية، وفي مقدمتها محكمة الجنايات الدولية.
ولا شك في ان جل الضغوط "المرعبة" كانت على الرئيس ابو مازن، ولهذا السبب قال الرئيس ما قاله في حواره مع موقع "البوابة نيوز" المصري، وقد قاله على النحو الذي يؤكد ثبات المضي على هذه الطريق السياسية والاستعداد التام لمواجهة مخاطرها وعراقيلها ايا كانت.
إنها لحظة الاستجابة للتحديات الكبرى، الماثلة للعيان، وعلى الذين لا يرونها، او اؤلئك الذين لا يريدون رؤيتها بحكم علاقاتهم المشبوهة واتصالاتهم التآمرية، مع الاطراف المعادية للمشروع الوطني الفلسطيني، عليهم ان يدركوا ان هذه اللحظة وبمثل هذه الاستجابة الوطنية لهذه التحديات، دونما خوف او وجل، وبلا تردد او تراجع، هي ما يصنع التاريخ ويحقق الحضور البهي فيه، لأنه الحضور الذي سيكون مكللا بالنصر والعز والكرامة، نصر الدولة الفلسطينية بعزة شعبها وكرامته.
وباختصار، فمن لا يرى هذه اللحظة اليوم، بكل حضورها الوطني الفلسطيني، فأنه اما اعمى المكابرات النظرية والحزبية، او أنه اعمى المال السياسي القبيح بدوائره التآمرية وهذا هو اعمى البصر والبصيرة.
سؤال عالماشي - كما قالها الدكتور الزهار !
موفق مطر – الحياة الجديدة
" استخدمنا دحلان لمصالح متبادلة وارباك عباس وقلب الطاولة عليه " كان هذا مبرر موسى ابو مرزوق في الاجتماع السري والطارئ الذي دعا اليه نائب رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية وعقد يوم الخميس في الخامس عشر من الشهر الجاري, خشية استغلال البعض ما يحدث لضرب حماس في الظهر والقلب كما قال !! وكأنه لا يعلم أن قلب وظهر ابو مرزوق الذي كان مرتاحا في الدوحة, وغادر الاجتماع الى المستشفى لإجراء قسطرة على قلبه الضعيف على مواجهة قيادات حماس في غزة, بعد اشتباكه الكلامي مع جراح الغدة الدرقية الدكتور الزهار, فمسوغات ابو مرزوق ومبرراته لعلاقة قيادة حماس العليا مع دحلان كادت تسبب للدكتور انهيارا عصبيا, فبادر للتحذير والوعيد من انفلات لسانه ! وانه على شفا حفرة من كشف الحقائق لشارع حماس المائج بالارتباك والاشكالات والتخبط والصراعات, والحافل بأشكال تسرب الحمساويين الى سرايا وكتائب مقاتلة اخرى, بعد استشعارهم بأخذ حماس لهم الى ذات الجبهة التي كانوا يقاتلونها ( كما قال الزهار ) وذكره التقرير المسرب لوسائل اعلام واتصال عديدة !.حيث اكد ابو مرزوق للحاضرين بالنص أن :" ما يعرفه كل منكم عن الدحلان نعرفه جميعا "!. لكن جماعة دحلان قادرون على جلب الأموال إلى القطاع، فهل من المعقول رفض ذلك؟! " فما عملناه مع جماعة الدحلان، هو مراقبة وتسهيل وصول هذه المساعدات فقط " طالبا شهادة احمد يوسف واسماعيل الأشقر اللذين قال عنهما انهما لا يطيقان سماع اسم دحلان لكنهما يشهدان بما تحقق لحماس من هذه العلاقة من اختراق للعزلة والحصار, وتخفيف من الحمل الثقيل علينا !.
احتد الزهار وسأل ابو مرزوق :" مع من تقفون ؟!! أتتبادلون المصالح مع الدحلان المعبر عن المشروع الإسرائيلي ؟! . فاحتمالات اتفاقنا مع من هم وراء دحلان ليست بعيدة. فعنوان العلاقة مع دحلان سياسي كبير.. تتجاوز حدودها قطاع غزة " وتساءل: لماذا تغض الادارة الأميركية الطرف عن ايصال الأموال الى غزة عبر الدحلان؟! وكرر "مع من تبادل المصالح!! مع المشروع الإسرائيلي الذي يعبر عنه الدحلان.. فاحتمالات اتفاقنا مع من هم وراء دحلان ليست بعيدة, فطرق الخلاص ما زالت ممكنة، بتحالفات إقليمية عوضا عن الدحلان".
أخطر ما قاله الزهار عن مكانة وديمومة حماس هو تسرب 90% من قواعدها وكوادرها الأمنيين والعسكريين والتنظيميين في لبنان والتحاقهم بسرايا المقاومة في لبنان لشعورهم بذهاب حركتهم الى جبهة العدو, حيث كانوا يحاربون " وصرخ بوجه ابو مرزوق : لقد بعتم دماء الشهداء وجلستم مع القاتل .. فكلنا في حماس من صغيرنا إلى كبيرنا متفقين على أن دحلان هو الخيار الإسرائيلي, ومن المفارقة اعطاؤنا صكوك الغفران لدحلان, عندما بدأ الآخرون يتحدثون عن ذلك علانية ", مشيرا لخطاب الرئيس محمود عباس في المجلس الثوري لحركة فتح الذي طالب فيه القضاء بالتحقيق بجرائم ارتكبها دحلان, سأل الزهار ابو مرزوق : هل تدركون قيمة ما قاله عباس، في اجتماع المجلس الثوري، حين كشف عمالة دحلان؟!, لقد وصفتم كلامه بأنه من باب المناكفة وتصفية الحسابات بين طرفي فتح "موجها سؤاله لأبو مرزوق:" مع من تقفون ؟!.. ان احتضان حماس لدحلان في مواجهة عباس سخافة, ومنطق المهزوم, قليل الحيلة " وأخبر الحاضرين بما أسر له القيادي في حماس الشهيد عبد العزيز الرنتيسي يوم بعث الرئيس الشهيد ابو عمار برسالة شفهية قصيرة له نصها: "خذوا بالكم من دحلان كثيراً ولا تتعمقوا معه ".
يرى الزهار ان حماس تعيش ازمة وحالة قرف كما قال خاصة بعد وضع يدها بيد دحلان بعد تعبئة قاعدتها بأنه "عميل إسرائيلي " وقال :" ازمة حماس ليست في قطاع غزة وحسب بل في الخارج " وقال :" لقد اصبحنا حقل تجارب لكل الأفكار السيئة ".
كشفت تساؤلات الزهار تخوف قيادات وتيارات بحماس من مسار سياسة رئاسة مكتبها السياسي فهو عندما يسأل :" لمصلحة من سمحنا لتظاهرات جماعة دحلان المنددة بعباس! هل لنقول بصراحة أن قطاع غزة مع إسرائيل.. فهل هذا ما أردتم ؟!. " فإن كانت بوابتنا إلى مصر ستمر عبر دحلان فأنا أطالب من الآن بهدم معبر رفح بالكامل وليس إغلاقه فقط ..وإن كانت علاقاتنا العربية والإقليمية مفتاحها دحلان فلنذهب راكعين ورافعين الراية إلى أميركا ولنقول لهم نحن جاهزون ".
علامات على الطريق - بانوراما الاحتقان الاسرائيلي الى اين؟
يحيى رباح – الحياة الجديدة
الكلام الاكثر شذوذا وغباء واستهتارا، هو الكلام الذي قاله نتنياهو يوم امس تعليقا على حادث الطعن الذي نفذه فلسطيني من مخيم طولكرم خلال وجوده في حافلة بمدينة تل ابيب، ماذا قال نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الذي يقول اي شيء ويفعل اي شيء في سبيل ان يبقى في مكتب رئيس الوزراء؟
قال «ان عملية الطعن في تل ابيب سببها تحريض السلطة» بالله عليكم هل هذا كلام مسؤول؟ وهل هذا كلام بمستوى رجل يقف على رأس السلطة في بلاده» وهل الشعب الاسرائيلي مهما كان منحدرا باتجاه اليمين والتطرف والعنصرية يمكن ان يصدق هذا الكلام التافه؟
بعيدا عن المعطيات والتفاصيل التي جرت مع الشاب حمزة مبروك داخل الحافلة قبل اطلاق النار عليه، فهل يوجد في فلسطين التاريخية من رأس الناقورة حتى رفح ومن النهر الى البحر فلسطيني واحد بحاجة الى التحريض؟ ام ان حكومة نتنياهو بجيشها واجهزتها الامنية وقطعان مستوطنيها ومجموعاتها الارهابية مثل مجموعة «تدفيع الثمن» وامواج العنصرية السوداء المريضة، واستفزازات الحاخامات المدعومة من اجهزة الامن علنا، وممارسات الاستهتار بالشعب الفلسطيني التي لا تطاق، ومسلسل الاستيطان الذي لا يرتكز الى اي سند قانوني واخلاقي، واجواء التهديدات البلهاء التي تصدر عن ليبرمان الفاسد، وبينت المهووس وامثالهما هي التي تشكل نبع التحريض والتفجير؟
ماذا تفعل دولة اسرائيل منذ الثالث عشر من حزيران الماضي، ولا اقول قبل ذلك، سوى الاجتياحات وهدم البيوت وقتل الشباب على الشبهة وطرد البدو من مضاربهم والتعامل بالرصاص الحي مع اهل النقب والحرب التدميرية في قطاع غزة وتهديد كل من يضع على وجهه تكشيرة في الضفة والقطاع والقدس والجليل والمثلث، ومواصلة الاجتياحات لباحات الحرم القدسي، واقامة الدنيا على ذهابنا الى مجلس الامن ومحكمة الجنايات الدولية، والحديث عن قيادتنا الشرعية بلغة يأبى حتى صغار المجرمين استخدامها، فهل كل ذلك من وجهة نظر نتنياهو لا يستفز الفلسطينيين ولا يحرضهم ولا يملأهم بمشاعر القهر والاحباط؟
انا اعرف ان نتنياهو ومن هم على شاكلته وبدعم من الانحياز الاميركي الاعمى يقومون على مدار الساعة والدقيقة بغسل دماغ الاسرائيليين، وقلب الحقائق، ورسم الصورة بشكل مشوه، ولهذا يندفع المجتمع الاسرائيلي الى مزيد من الانحدار نحو اليمين ونحو الجنون ونحو رفض العالم كله الا اذا قبل خرافاتهم واوهامهم وجرائمهم وعربدة القوة المهداة لهم من الاخرين بالمجان، تغسل العقول بحيث لا يرى الاسرائيليون سوى انفسهم ولا يسمعون سوى كلامهم، وهذا هو جوهر البانوراما التي ترسمها اسرائيل بالدم والحديد والنار من مدينة رهط في النقب الى الجولان السوري المحتل، وهذه البانوراما العدوانية الاستفزازية الخالية من اي منطقة لا ينتج سوى الانفجارات والغضب والاحباط واليأس!!! فما الذي يلقاه الفلسطيني حين يركب حافلة، او حين يتواجد في شارع، او حين يمر به مستوطن مهووس فيدهسه بسيارته، او حين يجعجع ليبرمان بتهديدات قذرة ضد الرئيس الفلسطيني الذي هو رئيس الشرعية الفلسطينية بينما ليبرمان تنتظره غرفة صغيرة في السجن؟
لقد قلنا للاسرائيليين ما يعرفه ويقوله العديد منهم في الصحافة وفي دوائر الحوار السياسي ان هناك شيئا مقدسا اسمه الشعور بالقهر، اسمه الغضب، اسمه عدم القدرة على احتمال الاستهتار بابسط الحقوق، والسؤال هو، هل نتنياهو الذي مازال يلبس «جلباب» ابيه يعرف ذلك، ويريده بتعمد، وحتى لو اشتعلت النار وفي كل المنطقة بما فيها اسرائيل لا يهمه الامر، بل المهم ان يعود الى مكتب رئيس الوزراء ولو على جبل من الجماجم وانهار الدماء؟ اغلب الظن ان نتنياهو يذهب الى حافة الهاوية وهو يعلم، يذهب متعمدا، وليس هناك ما يستر انكشافه وعدوانية وسقوطه سوى الصوت الاميركي والضغط الاميركي والانحياز الاميركي، فكيف يكون الحال اذا بقيت اميركا على هذا المنوال؟
حياتنا - لا رد في الأفق
حافظ البرغوثي – الحياة الجديدة
لا أظن ان اسرائيل كانت تتوقع ردا من حزب الله او ايران او سوريا على عملية الاغتيال التي نفذتها في الجولان واستهدفت جهاد مغنية وعددا من الضباط الكبار في حزب الله والحرس الثوري الايراني، فلو كان هؤلاء يخططون لعمليات ضد اسرائيل انطلاقا من الجولان مثلما تدعي اسرائيل فانه سيكون لدى حزب الله والحرس الايراني مخطط للرد على اسرائيل في حالة انهم وجهوا لها أية ضربات لكن يبدو ان اسرائيل كانت مطمئنة الا ان حزب الله لن يرد على عملية الاغتيال، ففي جو انتخابي كالذي تعيشه اسرائيل لا يمكن لأي مسؤول ان يغامر عسكريا او يلعب مع حزب الله وإيران معا الا في حالتين .. الأولى انه تأكد من عدم الرد .. او انه يريد رفع شعبيته سواء بعملية الاغتيال هذه او بمواجهة الرد عليها حتى لو كان تصعيديا فنتنياهو يرى شعبيته في هبوط ولم ينفعه سفك الدماء في باريس وهو بالتالي يطلب اي معركة جديدة لخوضها وهو يعلم ان حزب الله لن يدخل معركة مفتوحة وكذلك ايران لانشغاله مع قوات الحرس الثوري الايراني في مواجهة داعش والنصرة على حدود لبنان والحرب داخل سوريا والحرب في العراق وبالتالي لن تكون هناك مواجهات مع اسرائيل، فالغريب فيما يحدث ان قوات الجيش السوري رغم ما تعرضت له مع حزب الله من غارات اسرائيلية لم ترد على اي منها .. وكذلك فان «المعارضة السورية» بما فيها الجيش الحر وداعش والنصرة وكل الكتائب التي تسمي نفسها بأسماء خلفاء ومجاهدين متفقة على مهادنة اسرائيل بل والتعامل معها ميدانيا.
فلا جزع ولا خوف لدى اسرائيل من اندلاع مواجهات جديدة، فكل الضربات محسوبة ميدانيا وسياسيا وان حدث العكس فلن يصب الا في صندوق نتنياهو.
مدارات - الأوسلوي المرتد
عدلي صادق – عن الحياة الجديدة
لم يكن قبلها اسماً مذكوراً. هو محض مندوب لطرف حزبي، من بين مندوبين كُثر، لفصائل تجاور فسائل، حسب تعبير الشهيد ياسر عرفات. لم يبرح تمثيله لذلك الطرف، دائرة الاتحاد العام لطلبة فلسطين. كانت تلك، دائرة ذات منصة واعدة لناشطيها، على اعتبار أنها جذر المنظمات الشعبية وأعلاها شأناً في زمن انتعاشها. فمن موضعها الناهد، لطالما قفز كثيرون الى بحر السياسة والدبلوماسية ونجحوا. ولكونه لم يكن فتحاوياً، ولأن الفتحاويين يتسمون بالضعف في فنون الكلام والتنظير؛ فقد داعبته الآمال في أن يهتبل فرصة لنفسه، إن لم تزد في الأهمية عن فرصة أبرع الفتحاويين، فعلى الأقل تضاهيها!
في ذلك السياق، تهيأ الفتى لأن يلعب على كل الحبال، وأن يلوذ الى المركب الأسرع والأضمن في الإبحار، وإن أحس بخلخلة وبطء فيه؛ ليس أسهل ولا أوجب، من أن يقفز الى مركب آخر. وقبل الوصول الى مرفأ الرسو، كان قد أصبح مفاوضاً في أوسلو، وأحد كاتمي أسرارها قبل إفشائها ووقوعها. عندئذٍ، رأيناه فجأة، واحداً من الفريق السياسي. وبحكم طبيعة المهمة، وما تتطلبه من تكتم، لم نعرف بالضبط، حجم دوره في «العملية» ولا طبيعة عمله في المطبخ الذي تتدرج فيه المهام، من مناولة البهارات والمغارف، الى التخطيط لصنع الطبق وإنجازه.
بالطبع، لا أحد يغلب المشارك من داخل مطبخ الطهي، في مديح الطعام والإسهاب في الإعراب عن افتتانه به. هكذا كان صاحبنا، كلما تحدث عن «أوسلو» أو دافع عنها أمام مشاغب من أمثالنا. مرتان أو ثلاث، هجوتُ «أوسلو» في حضرة أبي عمّار، وكان هو الذي يرد حانقاً وليس المرحوم «الختيار». وفي رده كان يستخدم مفردات المزاودة والعدمية والعجز عن طرح البدائل. ولا أنكر أنني كنت أرد على السفاهة بأقبح منها!
مع بدء تطبيقات «أوسلو» استحال الفتى برلمانياً ووزيراً ومنّظراً سياسياً. ولأن حسابات المنفى اختلفت عن حسابات ما بعد الرجوع (وهي ليست عودة حسب المبدع محمود درويش) فقد تعددت وقائع القفز من مركب الى مركب. وأزعم أن صاحبنا لم يُحسب على قبطان، إلا وقد آذاه و «لخبط» له إحداثيات الإبحار. لكن «أوسلو» ظلت في سياقه، أيقونة عمره ومجده المُتخيَّل. ولكون تنظير المنفى، لا ولن يصلح لإفادة الحياة والدولة والمجتمع بعد الرجوع، فقد اكتفى الفتى بالوجاهة. ومع استمرار المحاولة، في تطبيق اتفاق ملتبس، يكون فيه التنفيذ بالجملة والحل نفسه بالمفرّق؛ ظل صاحبنا عنيداً في غرامه بــ «أوسلو» ودفاعه عنها، على النحو الذي يتجاوز إشهار بنودها كلما خرقها المحتلون وانقلبوا عليها. ففي حدود مقاصد الإشهار، لا بأس من التذكير بمحددات المُخترق. أما الغرام فلا موجب له، لأن العاشق الحاذق، لا يفتنه شيء تكمن عناصر موته القريب في داخله!
عنصر الطرافة في هذا السرد، أن صاحبنا، وبعد ان استبعده القبطان، ليس من المركب وحده، وإنما من بحر «أوسلو» كله؛ طفق يغمز على أيقونة عمره ويسميها «كادوكاً» وهذا الذي جعله أوسلوياً مرتداً!
اشتباك قانوني يلهب المقاومة الميدانية
بكر أبو بكر – الحياة الجديدة
هوّن البعض من الخطوة الفلسطينية الجديدة اتجاه مجلس الأمن، فشككوا بأنها لن تحصل وأنها مجرد تهديد فارغ لمجموعة الحياة مفاوضات، فصدموا عندما تم تقديم الطلب، إلا أنهم رقصوا طربا عند اكتشافهم ثغرات في مشروع القرار، وبدلا من أن يقوموا بتصويبها ونقدها وطلب تعديلها ? حيث تم التعديل الجزئي لاحقا ? مارس العديد منهم سادية الشتم واللطم والاتهام والتشكيك ؟
تأتي الخطوة الفلسطينية بالعودة ثانية إلى مجلس الأمن لتقديم مشروع قرار إنهاء الاحتلال في مدى زمني محدد مفاجئة أيضا لمن اتهموا وشتموا وتوعدوا ولم يعجبهم التوجه لمجلس الأمن أو عدم التوجه . كما تأتي بعد تقديم الطلب بجرأة وقوة إلى الجنائية الدولية أيضا.
التأخير الأول لدى الدبلوماسية الفلسطينية حصل لضمان الأصوات التسعة التي تم ضمانها، لولا تراجع نيجريا في اللحظات الأخيرة، والآن ومع مطلع العام الجديد ستصبح هناك أكثر من 9 أصوات ما يعني إن تمت اعادة طرح المشروع فاننا مقبلون على مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة الاميركية، آخذين بالاعتبار ما قاله وزير الخارجية "جون كيري" للرئيس أبومازن كما صرح الأخير بالقول (لقد قال لي جون كيري هذا الكلام بالفعل-أن ما نفعل يعتبر تصعيدا غير مبرر-، بل إنه زاد إن الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية (icc) هو "خيار نووي" بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، ولكننا وقعنا في اليوم التالي مباشرة على أوراق الانضمام إلى 22 منظمة دولية).
التعديلات الفرنسية التي راجت فترة عرض مشروع القرار لم تكن مشروعا للتبني وإنما مناورة سياسية لمعرفة حجم ردود الفعل العالمية والأميركية بحسب ما أفادنا به د.صائب عريقات ، وان صح ذلك فإنها تكون خطوة محسوبة ?حينها- باتجاه الإستراتيجية الفلسطينية ذات الملامح الواضحة التي تعمل على خطين الأول متتال بالطلبات، والثاني متواز اذ لا يمنع الاشتباك السياسي أن يتم تصعيد الاشتباك الميداني عبر المقاومة الشعبية التي يجب أن تزداد اشتعالا كما أن ذلك يجب أن يتوازى مع الاشتباك القانوني القادم.
إن طلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية الذي يليه التوقيع على الانضمام ليس بالأمر السهل فهو خلال 60 يوما سيمكن الأفراد والمؤسسات أن تحاكم القادة الصهاينة على أفعالهم وعدوانهم رغم كثير من الصعوبات الفنية واخفاقات المحكمة تاريخيا، كما يصح محاكمة الاستيطان كما قال السفير منصور لأنه جريمة قابلة للعقاب، اذن نحن أمام مواجهة صعبة ستأخذ طابعا قانونيا، وتتحدى بكل وضوح الهيمنة الأميركية ? الصهيونية، التي من المحتمل أن تقوم بإجراءات عقابية عدوانية ضخمة.
إن الإيمان الذي لا يرقى للشك برأيي في وطنية وحرص القيادات الفلسطينية سيجعل من دراسة إعادة تقديم طلب إقرار مجلس الأمن لانسحاب (إسرائيل) في زمن محدد وهو القرار محل الدراسة فلسطينيا وعربيا سيجعله نافذا وقابلا لإعادة التقديم استمرارا في التحدي ولم لا ففلسطين هي النداء وهي البغية .
ان الحراك الدبلوماسي ? القانوني اشتباك سياسي جديد، لا غنى عنه، كما لا غنى عن تفعيل المعنى الحقيقي للمقاومة الشعبية الشاملة التي بتكاملها مع صراع الوعي والإرادة والرواية ستشكل أسسا جديدة لطبيعة الحراك الفلسطيني القادم .
نبض الحياة - رسائل تظاهرة «داعش»!!
عمر حلمي الغول – الحياة الجديدة
حين اشار المرء أكثر من مرة الى وجود تنظيم «داعش» في محافظات غزة، إدعى عدد من قادة الانقلاب الحمساوي، عدم «صدقية» ذلك، وادعوا ان ما صدر من إشارات عن وجود التنظيم التكفيري، ليس سوى حالات «فردية» لا تعكس وجودا منظما له على الارض!؟
غير ان الترخيص لتظاهرة لـ «داعش» قبل يومين من قبل ما يسمى «وزارة الداخلية»، (التي لا صلة لها بوزارة داخلية حكومة التوافق) في غزة، أماط اللثام بشكل جلي عن وجود تنظيمي وعسكري له. وهو ما يكشف عن عدم مصداقية قيادات حماس الانقلابية تجاه التنظيم او بالاحرى التنظيمات التكفيرية بمسمياتها المختلفة. وتؤكد التظاهرة عن رعاية ودعم قيادة الانقلاب لتلك الجماعات، واوجدت لها الارض الخصبة كي تنمو وتترعرع في قطاع غزة.
السؤال او الاسئلة، التي تطرح نفسها على القوى السياسية والاجتماعية والثقافية الرسمية والاهلية في اعقاب المظاهرة: لماذا الآن تم الكشف عن الوجود العلني لتنظيم «داعش»؟ وما هي الرسائل، التي تريد ارسالها حماس لمنظمة التحرير والحكومة والقوى والشعب الفلسطيني؟ وهل شاءت قيادة الانقلاب إرسال رسائل للقيادة المصرية او الاسرائيلية والعالم من خلال هذا الظهور البشع؟ وهل ارادت القيادات المتنفذة (العسكرية) تكريس قيادتها للمحافظات الجنوبية؟
مما لاشك فيه، ان حركة حماس خاصة قيادة كتائب عز الدين القسام ومعها الزهار والعلمي وفتحي حماد، في ضوء تعاظم ازمتها العضوية، وعدم انفراج اي معضلة من معضلاتها إن كان على الصعيد الداخلي او على الصعيد العربي وخاصة المصري. الامر الذي دفعها لاتخاذ مجموعة من الخطوات التدريجية لاعلان رفضها لخيار المصالحة، اولا تصاعد حملات التحريض على شخص الرئيس محمود عباس وحكومته؛ ثانيا العمل على تعطيل حكومة التوافق الوطني من خلال تفعيل دور حكومة الظل الحمساوية؛ ثالثا تنفيذ سلسلة من التفجيرات امام مكاتب ومنازل القيادات الفتحاوية ووزراء حكومة التوافق الوطني على مراحل؛ رابعا اخذ القانون باليد، وإطلاق العنان لظاهرة الفلتان الامني في قطاع غزة؛ خامسا الترخيص لتنظيم «داعش» لتقصم ظهر المصالحة الوطنية.
هذه وغيرها من الانتهاكات الخطيرة للسلم الاهلي في محافظات الجنوب، ارادت من خلالها ارسال رسائل عدة للجميع فلسطينيين وعرب، اولها ان حركة حماس قادرة على «قلب الطاولة» على رأس الجميع منظمة وحكومة وقوى وشعبا، إن لم تستجيبوا لاملاءات حماس وقيادتها العسكرية المتنفذة ودفع فاتورة الرواتب، والقبول بالامر الواقع ودور حكومة الظل، سنطلق العنان لكل المسميات الجهنمية في قطاع غزة؛ ثانيا التأكيد على انه لا وجود لوزارة الداخلية الشرعية، وان حكومة الظل، هي وحدها صاحبة القول الفصل في محافظات الجنوب؛ ثالثا كما ان حماس ارادت التأكيد للجميع، بامكانية خلط الاوراق كلها في الساحة الفلسطينية، والتخلي عن شعرة معاوية مع الرئيس عباس والمنظمة والحكومة والقوى، التي لم تستجب لدعوتها مؤخرا بعقد مؤتمر لايجاد «لجنة لادارة القطاع»؛ رابعا كما انها ارادات القول للقيادة المصرية، اننا «حماة داعش» وغيرها من التنظيمات التكفيرية، وان لم تسمحوا بفتح المعبر، فإن حماس ومشتقاتها الدواعشية ستواصل إرهابها على الجيش المصري؛ خامسا شاءت التأكيد على ان رهانها مازال قائما على عودة الاخوان لحكم مصر. رغم كل التصريحات التضليلية تجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظامه السياسي؛ خامسا بالمقابل ارادت اعطاء إسرائيل المبرر والذريعة لتنفيذ اي جريمة حرب جديدة ضد الشعب الفلسطيني؛ سادسا كما انها بذلك ارادت ان تقول لاوروبا والعالم، ان اتخذتم اي قرار ضد حماس، فإننا نملك الرد على سياساتكم. كما انها ايضا شاءت ان تقول لاوروبا عليكم دفع فاتورة رواتب موظفي الحركة.
التظاهرة الداعشية ليست خطوة في الهواء، بل خطوة مدروسة ولها دلالات سياسية وامنية خطيرة تمس بمستقبل الوحدة الوطنية، الامر الذي يفرض على القوى الرسمية والاهلية اتخاذ ما يلزم من الخطوات الوطنية الضرورية لردع وتصفية آثار هذه الخطوة المجنونة.
حين تزج إسرائيل بنفسها وسط النار
طلال عوكل عن الأيام
بعيدا عن التطير، او اية توقعات او أحلام، او سوى ذلك بشأن زوال دولة اسرائيل عن الوجود، وبمعزل عن اللهجة الحادة التي تصدر عن مسؤولين إيرانيين اكثر من غيرهم في المنطقة، وتصف إسرائيل بالسرطان او الدولة المارقة، او اية أوصاف أُخرى، فان إسرائيل تذهب بعقولها وأقدامها نحو حتف لا يستطيع احد ان يضع له موعدا.
يتعلق الأمر إزاء المصير الوجودي في إسرائيل بما ابتليت به من قيادات، مجنونة، متطرفة، عمياء، وباندفاعها نحو العنصرية فوق كونها دولة تمارس الإرهاب والاحتلال بلا قيود، وايضا بمدى قدرة العرب وهم يملكون قدرة مغيبة على تغيير الوظيفة الاستعمارية لهذا الكيان الذي ارتبط قيامه ووجوده، بمدى قوة الدول الاستعمارية وعلى رأسها في هذه المرحلة الولايات المتحدة الأميركية.
لا يعرف التاريخ امبراطوريات عظيمة استمرت، وبالتالي فان حكم التاريخ يسري على الامبراطورية الأميركية، كما سرى حكمه على بريطانيا العظمى، الامبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عن أراضيها. اسرائيل ليست ولا تملك مقومات اقامة امبراطورية، وهي تتظلل بالامبراطورية الأميركية التي سيأتي وقت افولها.
اذا كانت هذه الأفكار بشأن مدى قدرة إسرائيل على وجودها، مجرد تعبير عن قناعات يصرح بها البعض ولا تصرح بها الأغلبية من الشعب الفلسطيني، فانها أيضا تشكل هواجس عميقة لدى الكثير من الكتاب والمثقفين والمفكرين الإسرائيليين، ما يجعل الأمر اكثر جدية، ويتجاوز المخاوف.
المشهد العام للسياسة الإسرائيلية في هذه الأيام، يشير الى ان قزمية وذاتية القيادات السائدة، وتنافسها على أصوات الناخبين، يدفع بإسرائيل الى مربعات تتجاوز الاستهدافات التي تدفع نتنياهو وزملاءه للمتاجرة بالدم الفلسطيني والعربي.
اذا كانت اسرائيل قد حددت اشارة البداية لفتح الصراع والاشتباك وتوسيع اطاره فالمؤكد انها لن تكون قادرة على تحديد السياق اللاحق والخواتيم، والتي تشير كافة الدلائل الى انها قد تؤدي للإطاحة بالاهداف والدوافع والأشخاص الذين يقفون وراء خيار التصعيد.
الاعتداء المجنون الذي وقع في القنيطرة، واوقع ستة شهداء من قيادات وكوادر حزب الله، بالإضافة الى جنرال إيراني، لم يكن صدفيا ولا هو عشوائي، كما تزعم مصادر إسرائيلية، فمثل هذه العدوان يستند الى معلومات استخبارية دقيقة، وعملية رصد، ولا يمكن ان نصدق ما يقوله الإسرائيليون من انهم لا يعلمون بوجود جنرال إيراني وانهم اعتقدوا انهم يستهدفون مقاتلين من مستويات أقل.
في كل الحالات فإن اسرائيل خرقت اتفاقية فك الاشتباك التي أبرمت عام 1974 كما تقول مصادر الأمم المتحدة، وهي ليست المرة الأولى التي تنتهك فيها تلك الاتفاقية، خصوصا خلال مرحلة الصراع الداخلي في سورية، الانتهاكات المتكررة من قبل إسرائيل لتلك الاتفاقية كان يفترض انها دافع قوي وكاف لفتح جبهة الجولان المغلقة، امام المقاومة منذ توقيع الاتفاقية، وربما كان حريا بالنظام السوري ان يفتح هذه الجبهة منذ وقت طويل، الأمر الذي كان سيحرج المعارضة التي اصبح واضحاً ان بعض أطرافها مستعد للتعاون مع إسرائيل، واليها يصل أعداد من المقاتلين للعلاج.
ترتجف إسرائيل خوفاً من ردود الفعل على العدوان الذي شنته طائراتها وهي تتخبط إزاء أشكال ردود الفعل التي تنتظرها من أطراف تملك القدرة على الردع.
القائد العام للحرس الثوري الإيراني، محمد علي جعفري، اطلق تصريحاً حاسماً لا يستدعي التحليل، حين قال ان عاصفة مدمرة ستجتاح إسرائيل، التي وصفها بالجرثومة التي تصر ايران على ازالتها.
تصريحات جعفري تستعيد بعد غياب، تصريحات الرئيس السابق احمدي نجاد واللغة التي كان يستخدمها في وصف إسرائيل، ومستقبلها، وهي لغة مؤسسة على ما سبق ان قاله المرشد العام للثورة الإيرانية المرحوم اية الله الخميني، والذي وصف إسرائيل بالسرطان الذي ينبغي ازالته.
لا يستطيع احد التكهن بأبعاد وأشكال العاصفة التي تحدث عنها الجعفري ولا نظن ان إيران بصدد شن حرب شاملة على إسرائيل، في هذه المرحلة، ولكن المؤكد هو ان هناك رداً قوياً، وخلال فترة قصيرة.
يتزامن ذلك، مع التحولات التي تشير اليها عملية التقارب الكبير بين ايران وروسيا اللتين تواجهان عقوبات، وأزماتها مفتوحة مع الدول الغربية، واول مؤشراتها عودة روسيا للموافقة على تزويد ايران بصواريخ أس ٣٠٠، التي يصل مداها مئتي كيلومتر، المهم في الأمر هو أن روسيا اخذت لاسباب عديدة، تتقدم اكثر فأكثر، لاستعادة دورها في المنطقة، وثمة مراهنة على أن الظروف الدولية، ستنعش الآمال مجدداً، لأن تشكل روسيا ظهيراً للفلسطينيين والعرب، في مواجهة المخططات الأميركية الإسرائيلية.
حزب الله، قليل الكلام، ولكنه يحظى بمصداقية عالية، وهو اذا كان مضطرا، لأخذ دوره في سورية بعين الاعتبار، حين يقرر الرد، الا انه لا يستطيع تجاهل الحاجة للرد بكل قوة على الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت خلال سنوات سابقة القائد عماد مغنية وتستهدف اليوم عددا آخر من قياداته.
المناخ العام السائد سواء من خلال الإجراءات الحربية السياسية الإسرائيلية او ما تشهده الأراضي المحتلة ومناطق ١٩٤٨، يشير الى سخونة متوقع تصاعد حرارتها.
إسرائيل تواجه تصعيدا داخل اراضي عام ٤٨، عبر اجراءاتها القمعية وسياساتها التهجيرية والاحلالية، والتمييزية، ضد الفلسطينيين ما ادى الى استشهاد شابين خلال الأيام الأخيرة، وينذر بتصعيد في المجابهة، كان آخرها ما قام به شاب من طولكرم، حين طعن بسكين سبعة عشر إسرائيليا.
وتواجه تصعيدا ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة، وحرباً دبلوماسية وسياسية وقانونية، يخوضها الفلسطينيون، وتواجه أخيراً، توتراً ينذر فعلا بعاصفة، مع حزب الله وإيران وسورية، الأمر الذي يستدل منه بأن ساحة المواجهة مع اسرائيل تتسع اكثر فأكثر، وتنذر بمرحلة تغادر فيها اسرائيل اجواء الاستقرار الداخلي.
اليمن على أعتاب الانفجار الشامل
د. عبد المجيد سويلم عن الأيام
كل ما يقال عن دعم ايران للحوثيين صحيح، وكل ما يقال عن ان الحوثيين في نهاية المطاف - وربما في اول المطاف - هم جزء من الاستراتيجية الاقليمية لايران هو صحيح ايضاً، وكل ما يقال عن ان الحوثيين ما كان لهم ان يصلوا الى ما وصلوا اليه فعلا من قدرة، وما باتوا عليه من قوة، وما عاد لهم من سطوة وسيطرة ومنظومات متكاملة من التحكم لولا الدعم الكامل من إيران هو صحيح.
لكن مقابل كل ذلك فإن هناك محاولة لإخفاء جوانب أُخرى كثيرة في تفسير ظاهرة الحوثيين.
الأولى هي موقف القوات المسلحة اليمنية من الأحداث الجارية في اليمن منذ شهر أيلول الماضي على الأقل.
الموقف الحقيقي للقوات المسلحة اليمنية والتي تدين بولائها لحزب المؤتمر الشعبي وكذلك للرئيس السابق علي عبد الله صالح ولمراكز نفوذ قبلية واجتماعية محافظة لم تكن معنية - من موقع ولائها - بصدّ الحوثيين والدخول في معركة حاسمة ضدهم. بل على العكس من ذلك فإن هذه القوات او الجزء الذي يسيطر عليه علي عبد الله صالح وحزب المؤتمر رأت في الحراك العسكري الحوثي الفرصة النادرة التي ربما لن تتكرر للثأر من «الثورة» التي أطاحت بصالح. ولهذا فإن القوات الجوية والبرية الضاربة بقيت في الواقع خارج المعارك، والقوات التي «تصدت» للحوثيين هي قوات ثانوية عدة وعتاداً، وفي معظم الأوقات كان الحوثيون يجتاحون مناطق كاملة دون مقاومة تذكر، وكان بعض افراد الشرطة وقوات حماية عادية هي التي تحاول الوقوف في وجههم.
بهذا الموقف فإن حزب المؤتمر والرئيس السابق قد مارسوا الخيانة الوطنية في الواقع دفاعاً عن مصالحهم الخاصة وعن ما تبقى لهم من مراكز للنفوذ والسيطرة.
لقد ترك علي عبد الله صالح «للثورة» دولة فاشلة ومفلسة وفاسدة، وبدون ادنى قدرات للسيادة وفرض السلطة وهو الأمر الذي سهلّ للحوثيين مهمتهم.
الثانية: مسودة الدستور والتي كرست في الواقع التهميش للحوثيين على وجه التحديد. فتقسيم البلاد الى ستة أقاليم اخرج إقليم الحوثيين من مصادر الطاقة ومن الموارد الشحيحة اصلاً.
هذا التقسيم بالذات على الرغم من انه حظي بـ «توافق» ما الا انه في الواقع أتاح للحوثيين الفرصة للانقلاب على الدولة من جديد، خصوصا وان الرئيس هادي قد حاول على الدوام التوفيق بين ما لا يمكن، واللعب على حبال الصراعات الداخلية ومراكز القوى والنفوذ والتناقضات دون أن يمتلك أصلاً القوة التي تساعده على ذلك.
ظلت اللعبة بين الرئيس هادي والحوثيين هي لعبة القط والفأر وهي لعبة لا يمكن ان تنتهي بانتصار الضعيف او الذي ليس لديه مخالب ليدافع بها عن نفسه اذا لم يكن ليهاجم به خصومه وأعداءه او مناوئيه.
الثالثة: هو وجود «القاعدة» القوي في اقاليم الاطراف اليمنية. وهذا الوجود بالذات وضع الحكومة اليمنية والرئيس اليمني بين فكي كماشة. اذ ان القاعدة رأت في حراك الحوثيين فرصة لتبرير الحرب «المقدسة» التي تخوضها في اليمن، وفرصة لنهش لحم الدولة وإضعافها وتوجيه ضربات قوية لمؤسساتها الأمنية. ولأن الرئيس هادي لم يكن «يتصور» ان الحوثيين على هذه الدرجة من القوة، وعلى هذه الدرجة من الجاهزية والاستعداد للإقدام، فقد ظلت حساباته نحو خطر القاعدة اكبر بعشرات المرات من حساباته في وجه الحوثيين، كما لم يعد يفيده كثيرا إعادة الحسابات وإعادة توزيع القوى بعد ان سقطت العاصمة في المرة الأولى وبعد ان سقطت كل مؤسسات الدولة في المرة الثانية والتي تكللت باقتحام القصر الجمهوري وحصار منزل الرئيس ومحاصرة رئيس الوزراء والاستيلاء على كل المؤسسات الرسمية السيادية للدولة في العاصمة.
وفي الإطار الدولي والإقليمي فإن احدا لا يستطيع انقاذ الموقف، ولا يوجد اي نوع من الحماسة لمواجهة الانقلاب الذي اقدم عليه الحوثيون.
فالولايات المتحدة تعرف ان الدخول العسكري على خط الصراع اليمني سيعيد الاشتباك مع القاعدة من جهة ومع الحوثيين من جهة أُخرى، وهو أمر يستحيل معه في ظل الإدارة الحالية في البيت الأبيض التقدم بأية خطوة «عملية» جدية كما ان الأوروبيين ليسوا معنيين بأكثر من البيانات والاستنكارات وغيرها من المواقف السلبية المعروفة.
اما مجلس التعاون الخليجي فهو وان كان يدرك الخطر الذي يهدد الدولة اليمنية وربما هويتها فإن افتقاد سلطة الرئيس هادي للدعم الكافي يكبح اية توجهات خليجية للتدخل الأمني، كما ان تدخلا بهذا القدر من الخطورة بدون دعم واسناد اقليمي ودولي يتحول الى ضرب من المستحيل.
إيران بدورها على أبواب عقد الصفقة التاريخية المنتظرة مع الولايات المتحدة وبالتالي فهي معنية بإظهار قدرتها على التحكم بحلقات مركزية في الإقليم العربي، فبعد لبنان والعراق وسورية ها هي الآن تخضع اليمن او تستخدمه في لعبة الدور الاقليمي لها.
ايران يهمها على وجه الخصوص وصول الحوثيين الى باب المندب وذلك حتى يتحول مضيق هرمز الى الشريان الوحيد في كامل المنطقة، ما سيقوي من اوراقها التفاوضية مع الغرب وبما يضع مساحة وحجم دورها الإقليمي على طاولة المفاوضات حول قدرتها النووية، وهو الهدف الأهم بالنسبة لإيران من كامل قصة السلاح النووي.
الحوثيون أجادوا قراءة الخارطة، ولهذا فهم يرفعون من سقف مطالبهم وكأنهم الأغلبية في الواقع اليمني، وهم على قناعة ان الرئيس اليمني ضعيف وليس لديه من حول ولا قوة، ولهذا فهم اليوم يمتلكون كامل زمام المبادرة في اليمن.
اما المراهنة على ثورة القبائل اليمنية ضد الحوثيين فهذه مسألة تحتاج الى فحص في المبدأ، وهي تحتاج الى وقت لا يتوفر لأحد، والى قدرات كبيرة ليس واضحا من هو المستعد لتقديمها لهم.
لكن ومع ذلك فإن اليمن هي اليوم على ابواب انفجارات كبيرة قد تصل الى حد الحرب الأهلية اذا لم يتم لجم الحوثيين قبل فوات الأوان، والجيش هو الوحيد القادر على ذلك ان أراد.
احتجاز عائدات الضرائب عقوبة جماعية
حديث القدس
القرار الذي اتخذته حكومة بنيامين نتنياهو بمنع تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية إلى خزينة السلطة هو عقوبة حماعية بكل المقاييس، لأن مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، مدنيين وقوى أمنية وعائلاتهم يتضررون من هذا القرار، كما تنعكس آثاره السلبية على القطاعات التجارية والإنشائية والخدماتية في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.
ومن الواضح، وفقا للتبريرات الاسرائيلية الرسمية التي صدرت على خلفية هذا القرار، أنه جاء ردا على طلب انضمام فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية، فهي خطوة عقابية ليس من حق الحكومة الاسرائيلية القيام بها، لأن كل الخيارات يجب أن تكون متاحة للسلطة الفلسطينية لإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، المتمثل في إقامة الدولة الفلسطينية في حدود العام ١٩٦٧، من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن طلب الانضمام هذا هو إجراء سلمي بعيد عن العنف، وقد لجأ إليه الرئيس محمود عباس بعد فشل مجلس الأمن الدولي في إقرار مشروع قرار يحدد نهاية زمنية للاحتلال، وبعد شهور من انهيار محادثات السلام التي رعتها حليفة اسرائيل الولايات المتحدة بسبب رفض اسرائيل وقف الاستيطان أو عرض خريطة لحدودها وحدود الدولة الفلسطينية العتيدة. فما الذي بوسع الفلسطينيين القيام به أمام هذا الصلف الاسرائيلي، والاصرار على تهويد الأراضي المحتلة وزرعها بالمستوطنات والمستوطنين؟.
إن اسرائيل تقوم بجباية عائدات الضرائب هذه نيابة عن السلطة وترسلها إلى الخزينة الفلسطينية بشكل روتيني، وفقا لاتفاقية باريس. وليس لها بأي حال من الأحوال أن تؤخر تلك الأموال التي تعتبر المورد المالي الرئيسي للسلطة الفلسطينية، وتدفع منها الرواتب للعاملين في أجهزة السلطة، التي تعتبر أكبر مشغل للوظائف في فلسطين، وتعتمد الغالبية العظمى من الأسر الفلسطينية على هذه الرواتب في معيشتها، وتوفير مستلزمات حياتها اليومية من دواء وغذاء وسكن وتعليم.
ومن هنا فإن الدول الضامنة لاتفاقية باريس يجب أن تتحرك، ليس فقط للضغط على اسرائيل من أجل استئناف تحويل عائدات الضرائب التي هي أموال فلسطينية، وإنما كذلك للحيلولة دون قيام اسرائيل بجعل تحويل الأموال هذه ورقة ابتزاز، لانتزاع مواقف سياسية فلسطينية تحرم المسؤول الفلسطيني من استخدام الخيارات المتاحة أمامه لتحقيق التطلعات الفلسطينية.
وعلى الأسرة الدولية أن لا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه العنجهية الاسرائيلية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لتصل إلى حد حرمان المواطن الفلسطيني من لقمة العيش وحبات الدواء ومتطلبات السكن والتعليم. وهذه سلوكيات لم تطبقها الدول في عصور الظلام والتحجر الأخلاقي والإنساني، وعهود الاستبداد والتسلط والاستبداد في أسوأ أشكالها.
ومع أن هناك العديد من القضايا التي يمكن رفع ملفاتها إلى محكمة الجنايات الدولية، ومنها استمرار الاحتلال والاستيطان، والمجازر التي وقعت في الضفة والقطاع خلال الثمانية والأربعين عاما الماضية، وقضية الأسرى والاعتقال الإداري غير القانوني أصلا، فإن استخدام اسرائيل ورقة منع تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية هو، بحد ذاته، جريمة ترقى إلى حد اعتبارها عقوبة جماعية، وجريمة ضد الإنسانية لما لها من انعكاسات وخيمة العواقب على الشعب الفلسطيني كله، ويجب وقف هذه الممارسة الابتزازية من خلال خطوة ضاغطة تقوم بها الدول الضامنة لاتفاقية باريس بصورة خاصة، والمجتمع الدولي على وجه العموم.
وفي اعتقادنا أن الزمن الذي كانت تحاصر فيه الخيارات السياسية، بل والسلمية منها، من خلال عقوبات تمس ملايين المواطنين الأبرياء قد ولى وانقضى. لكن وضع هذه الحقيقة موضع التنفيذ في حالة اسرائيل الآن يتطلب إرادة دولية حازمة وحاسمة، حان موضع إظهارها والتأكيد عليها، بعد أن استهانت حكومة نتنياهو بالاتفاقيات الموقعة، وبإرادة المجتمع الدولي إلى هذا الحد الخطير وغير المسبوق.
تطرف والتخلف عند العرب
الياس سحاب عن القدس
اختلطت كثير من الأوراق السياسية، والاجتماعية الثقافية عند العرب المعاصرين في السنوات الأولى من مطلع القرن العشرين، بتفاقم أمر ظواهر التطرف لديهم، مما أصبح يشكل تهديداً للمجتمعات العربية المعاصرة بل للدول العربية المعاصرة .
ومنذ أن تفاقم أمر هذا التطرف الديني والثقافي والاجتماعي الذي أدى الى بروز ظاهرة المنظمات الإرهابية باسم الدين، حتى دخل العرب في دوامة حضارية أبشع ما فيها، أنهم أصبحوا تائهين لا يعرفون كيف يفسرون أمر هذه الظواهر، وأمر استفحالها في شؤونهم السياسية والاجتماعية والثقافية، بل لا يعرفون حتى تحديداً واضحاً لمعرفة أسباب هذه الظواهر، وأفضل وأنجع اساليب التخلص منها، قبل أن يستفحل أمرها فتقضي على فرص العرب في التقدم .
من أبرز النظريات التي ظهرت في تفسير أسباب ظهور ونمو هذه الظواهر المتطرفة، العودة الى مرحلة الوجود السوفييتي في أفغانستان والصراع الأمريكي- الروسي الذي اشتعل لإطاحة هذا النفوذ واستبداله بنفوذ أمريكي، بل إن هناك من ذهب الى ابعد من ذلك في التفسير، فركز على مرحلة أفول الاستعمار القديم البريطاني والفرنسي، الذي كان طوال مدة وجوده في الأرض العربية والآسيوية، عاملاً للتفرقة الدينية والثقافية، تطبيقاً لشعار "فرق تسد"، الأمر الذي ترك أبشع الآثار في المنطقة العربية نفسها، بل أدى بالاستعمار البريطاني في منتصف القرن العشرين، ألا يرحل عن أرض مستعمرته الغالية الهند، الا بعد أن قسمها إلى هند وباكستان، باسم التمايزات الدينية في المجتمع الهندي .
أما فيما يخصنا نحن العرب بالذات، فإن التفسير الذي عرف حتى الآن رواجاً في تفسير بروز ونمو ظواهر التطرف هذه، هو التفسير الذي يرجع أسبابه كل المصائب إلى الخطة الأمريكية في تحريك الكوامن التطرف الديني، لا لشيء إلا لتوظيف هذه الكوامن، في محاربة النفوذ الروسي، وإخراجه من أفغانستان .
بعبارات أكثر دقة وتركيزاً، فإن هذا التفسير، وحيد الجانب، يؤكد أن السياسة الأمريكية هي وحدها المسؤولة عن تحريك عش الدبابير النائم في مجال التطرف الديني . ومع أن هذه النظرية تفسر جزءاً لا بأس به من أسباب هذه الأزمة الحضارية التي تخبط بها العرب، فإنها تهمل جوانب كثيرة أخرى لا تقل أهمية وخطورة عن هذا الجانب، وتفسر لنا الأسباب الدينية التي جعلت السياسة الاستعمارية البريطانية والفرنسية قديماً، والأمريكية حديثاً، تنجح إلى هذا المدى في تحريك هذه الكوامن، التي هي في الأساس جزء من مكوناتنا التاريخية والاجتماعية، قبل ظهور المطامع الاستعمارية الخارجية . فالأجدى لنا أن نعترف بأن تاريخنا العربي، قد عرف منذ قرون طويلة تناحراً دائماً بين ظواهر الاعتدال والتطرف في مجالات الدين والفكر والثقافة . الحضارة الاجتماعية، وكانت الغلبة تتنقل من عصر الى عصر بين التطرف والاعتدال، فتطغى ظواهر إحداهما على الآخر في الحياة العربية .
ولو لم يكن التطرف كامناً تاريخياً في مكوناتنا الاجتماعية والفكرية، لما استطاعت أي قوة استعمارية خارجية أن تحرك هذه الكوامن الدينية، وتوظيفها لمصالحتها، وضد مصلحة المجتمعات العربية .
إن هذا الاعتراف حاجة عربية ماسة، حتى يدرك المسؤولون العرب في العصر الحديث، أن الصراع الأمني مع قوى التطرف والارهاب لا يكفي وحده لاقتلاع هذه الظواهر من جذورها، إذ لا بد أن نسارع، إلى جانب الاحتياطات الأمنية، إلى فتح كل الابواب المغلقة أمام المجتمعات العربية للدخول دخولاً قوياً وكاملاً ونهائياً إلى صميم العصور الإنسانية الحديثة، حيث نرى بوضوح أن مثل هذه الظواهر لم تعد تشكل في مجتمعات الأمم الموغلة في التقدم والحداثة، إلا ظواهر استثنائية، تمتلك المجتمعات البشرية المتقدمة القدرة على معالجتها والتخلص منها، بدل الاستسلام لها، وتركها مرتعاً لمؤامرات القوى الخارجية الطامعة، تستغلها كيفما يحلو لها .
فالتطرف الذي بات ظاهرة تهدد الأمن العربي منذ مدة، ليس إلا إحدى كوامن التخلف العربي المستشري طويلاً . لا خلاص لنا من ظواهر التطرف، إلا بالخلاص من ظواهر التخلف بكل ما في التخلف من معان سياسية واجتماعية وثقافية وحضارية .
فلسطين والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية
د.حسن أيوب عن القدس
إذا علمنا بأن عضوية فلسطين في محكمة الجنايات الدولية ستدخل حيز النفاذ في الأول من نيسان المقبل، فما الذي دفع بالمدعي العام لهذه المحكمة أن يستبق هذا الموعد بالإعلان عن نية المحكمة البدء بتحقيق أولي للحالة في فلسطين عقب توقيع الأخيرة على ميثاق روما. جاء في هذا الإعلان أنه بموجب المادة 13(2) من نظام روما تقبل فلسطين بولاية المحكمة الزمنية على الانتهاكات التي ارتكبت على إقليم فلسطين منذ 13 حزيران 2014 وتقع ضمن نطاق الاختصاص الموضوعي للمحكمة (أي بعد ثلاثة أيام من بدء عدوان إسرائيل المسمى «الجرف الصامد» على قطاع غزة).
بالعودة إلى الوراء علينا أن نستذكر موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الاحتمالية المماثلة التي برزت عقب تقدم وزير العدل الفلسطيني بطلب للمحكمة في أوج العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة في حزيران الماضي. هذا الطلب الفلسطيني ما لبث أن أوقف بأمر مباشر من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لوزير خارجيته رياض المالكي الذي توجه إلى محكمة الجنايات الدولية وقام بسحب الطلب، حسب العديد من المصادر الإعلامية والحقوقية. أظهر هذا الموقف مقدار التردد الذي يعتري السياسة الفلسطينية تجاه الانضمام إلى ميثاق روما ومحكمة الجنايات الدولية.
من الواضح بأن الرئيس عباس كان لا يزال يراهن على تدخل أمريكي فعال بعد انتهاء العدوان على غزة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من بوابة جكومة التوافق، وعملية إعادة إعمار غزة اللتين ستضمنان عودة ولو جزئية للسلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وهو ما كان سيفتح الباب أمام إدخال متغيرات جديدة تحسن من شروطه التفاوضية وتمنحه مزيدا من القوة. لعب التهديد الأمريكي للسلطة الفلسطينية وتحديدا من قبل الكونغرس بقطع المساعدات الأمريكية دورا حاسما في هذا المجال.
فالولايات المتحدة الأمريكية انكفأت أمام التعنت الاسرائيلي المتحالف مع الكونغرس، وحكومة التوافق لا زالت تعاني الشلل، وعملية إعادة الإعمار تتقدم بخطى السلحفاة. ما الذي تغير ليقوم الرئيس عباس بتوقيع وثيقة الانضمام إلى ميثاق روما؟ ولماذا يستبق المدعي العام للمحكمة استكمال المدة القانونية لتصبح فلسطين عضوا في المحكمة؟
يبدو أن الرئيس عباس، قد وصل إلى استنتاج متأخر بأن الرهان على تدخل الولايات المتحدة لإجراء مفاوضات ذات معنى هو رهان خاسر. هذا هو الاستنتاج الذي وصله الشارع الفلسطيني وعديد القوى السياسية الفلسطينية منذ زمن. سحب الطلب الفلسطيني من المحكمة -شأنه شأن سحب تقرير القاضي غولدستون في العام 2009- لصالح الرهان على الدور الأمريكي كان له مردود معاكس. فبالرغم من تحميل الولايات المتحدة مسؤولية فشل مساعي جون كيري بشكل رئيسي للحكومة الاسرائيلية، ورغم الحديث الأمريكي عن إمكانية عدم قدرتها على التغطية على إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، وبخاصة بعد العدوان على غزة، وجد الرئيس عباس نفسه أمام فيتو أمريكي كان له وقع الصاعقة السياسية على مشروع إنهاء الاحتلال الذي طرح على مجلس الأمن الدولي في اليوم الأخير من العام 2014.
ربما أحس الرئيس الفلسطيني بالخديعة، فقبل أيام قليلة من هذا الفيتو أعلنت الولايات المتحدة مرارا بأنها لم تقرر بعد إن كانت ستلجأ للفيتو. ومما زاد من إحساس الفلسطينيين بالغبن وتعمد إذلالهم سياسيا هو أن امريكا استخدمت الفيتو رغم أن مشروع القرار لم يحصل على الأصوات التسعة التي تضمن نجاحه. الرسالة الأمريكية جاءت شديدة الوضوح والصلف بحيث أقدم الرئيس على خطوته على الفور.
بطبيعة الحال ثمة عوامل متراكمة لقرار الرئيس عباس. فهناك ضغوط داخل منظمة التحرير، وفي حركة فتح، ناهيك عن الانقسام الداخلي، وفوق كل ذلك الانسداد المطبق لمسار التفاوض. منظمة التحرير في أدنى مستويات قدرتها على اتخاذ القرارات، وسياسات إسرائيل لم تبق لحل الدولتين أي حيز ذي مغزى، والشرق الأوسط يبدو أنه في حالة من الانهيار الذي يعمق من تهميش القضة الفلسطينية. هذه العوامل تعمقت تأثيراتها إثر العدوان الأخير على قطاع غزة، ولم يعد بوسع الرئيس عبلس تأجيل اتخاذ تحرك يعطيه مساحة ولو محدودة للمناورة. الفيتو الأمريكي كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، ووضعت الرئيس أمام الحائط.
فعندما تحدث الرئيس في وقت سابق عن الخيارات المفتوحة، كان يعي بأن هذه الخيارات محدودة جدا. فإذا كان خيار المواجهة المباشرة (الانتفاضة) ليست مطروحة، والمفاوضات لا تفضي إلى أية نتيجة، والمقاومة الشعبية/المدنية السلمية لا تبدو خيارا فعالا، فما الذي يمكن أن يغير من معادلة العلاقة مع إسرائيل وربما مع الولايات المتحدة؟ التوجه للساحة الدولية والدبلوماسية وتحريك مفاعيلها، بما في ذلك الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية.
والحال هذه، لا يبدو بأن الخطوة الفلسطينية هي خيار استراتيجي، بقدر ما هي عملية احتجاج صارخ لنقل رسالة قوية للولايات المتحدة وإسرائيل بأن على الجهتين البدء بإظهار الجدية والالتزام بعملية تفاوض ذات مغزى. وربما يريد التأثير على نتائج الانتخابات الاسرائيلية المقبلة. إذ إن دخول فلسطين رسميا للمحكمة لن يتم قبل انتهاء الانتخابات، الأمر الذي يمنح الرئيس عباس مساحة زمنية مريحة نسبيا لمحاولة دفع الولايات المتحدة لتبني توجه دبلوماسي أكثر جدية، أو تقديم مبادرة سلام جديدة تعفي كل الأطراف من مواجهة مكلفة لهم جميعا (هذا يشمل احتمال انهيار السلطة الفلسطينية)، وقد تجد مثل هذه الخطوة الأمريكية حكومة جديدة في إسرائيل مغايرة لحكومة نتنياهو.
ربما تكمن الإجابة عن سؤال تحرك المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية في عنصر الزمن تحديدا، وهو المهلة الزمنية حتى الأول من نيسان القادم. على افتراض أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك بأن التحرك الفلسطيني باتجاه الجنايات الدولية هو خطوة تحريكية وليست استراتيجية فإن المطلوب هو شراء الزمن لكل الأطراف، والمراهنة على تغيير ما في السياسة الاسرائيلية بعد الانتخابات مطلع آذار المقبل. إن تصريحات الرئيس الأمريكي أوباما وبعض أركان إدارته بأن فلسطين ليست دولة مستقلة ولذلك لا يمكنها أن تتقدم بشكاوى للمحكمة الجنائية الدولية، ربما كانت الأرضية التي استندت اليها المدعية العامة من زاوية سياسية وليست قانونية لاستباق تقدم دولة فلسطين بملف دعوى رسمي. إن لاعتبارات الولايات المتحدة السياسية الدور الأكبر هنا. فعلاقة هذا البلد بالمحكمة شهدت الكثير من التجاذب والشد منذ إنشاء المحكمة.
من المعروف بأن هناك حالة من العداء في الكونغرس الأمريكي تجاه اختصاص المحكمة، وقد تعزز هذا العداء بفعل سيطرة الجمهوريين (بمن فيهم المحافظون) على الكونغرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) منذ شهر تشرين ثاني الماضي. لقد أقدم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن على سحب توقيع الرئيس الأسبق بيل كلينتون على ميثاق روما، بالرغم من أن بوش لم يسقط المحكمة من حسابات أمريكا الدبلوماسية. مع ذلك فإن للجمهوريين والمحافظين موقفا شديد التشكيك. ينظر هؤلاء إلى المحكمة بعين الريبة خشية أن تصل سلطتها إلى الولايات المتحدة أو أي من حلفائها المتورطين في ممارسات يمكن أن تعتبر جرائم حرب.
تعززت هذه النزعة بفعل إعلان المحكمة الشهر الماضي عن البدء بمهمة استكشافية لفحص احتمالية تورط القوات الأمريكية بجرائم حرب في أفغانستان. في هذه الأثناء تشن إسرائيل حملة دبلوماسية تهدف لإقناع كندا وألمانيا واستراليا -ناهيك عن الكونغرس الأمريكي- لوقف دعمها المالي للمحكمة بدعوى أن هذه الحكمة هي محكمة سياسية، وليست نزيهة، في تناغم فريد بين موقف الطرفين من المحكمة.
إن التحرك الفلسطيني سيقود إلى تصليب مواقف هذه الجهات مقابل الأطراف الأمريكية التي ترى في وجود المحكمة أحد أهم ألأدوات الدبلوماسية والقانونية في خدمة سياساتها في العديد من المناطق حول العالم مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، السودان، دارفور، والكونغو. بهذا المعنى فإن الخطوة الفلسطينية وضعت الإدارة الأمريكية في موقف حرج: هل ستقف هذه الإدارة إلى جانب حليفتها إسرائيل وتتحدى شرعية المحكمة، وهو ما سيمس بسمعة ومصالح أمريكا، أم ستبقي الإدارة على دعمها للمحكمة بغض النظر عن حساسية إسرائيل المفرطة تجاه «الجنائية الدولية»، وهو ما سيضع الإدارة بمواجهة كونغرس يلعب فيه حلفاء إسرائيل دورا مقررا؟
الخياران أحلاهما مر، خاصة في ظل ضغط حلفاء إسرائيل لمنع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، وهذه المرة بطلب من إسرائيل (بعكس سياسات إسرائيل السابقة)، وعدم تحرك الولايات المتحدة لثني إسرائيل عن حجز أموال الفلسطينيين، كعقاب على خطوتهم.
إن المحصلة النهائية لهذه التعقيدات هي إحالة المحكمة إلى رهينة للاعتبارات السياسية مما سيقوضها كجهة ذات مصداقية. أغلب الظن بأن المدعية العامة للمحكمة لا تريد أن تضيف إلى إخفاقات هذه المحكمة إخفاقا جديدا. فقد
تم إجبار المحكمة على إسقاط تهم خطيرة تم توجيهها للرئيس الكيني أوهورو كينياتا في العام 2007، كما أوقفت ملاحقة الرئيس السوداني حسن البشير بتهم الإبادة الجماعية. فإذا تحكمت الحسابات السياسية مرة أخرى، وأًجبِرت المحكمة على الامتناع عن قبول الشكوى الفلسطينية، فما الحل؟
يوفر قرار المدعية العامة للمحكمة أساسا يمنح الولايات المتحدة والفلسطينيين، والاسرائيليين مساحة زمنية رغم ضيقها لتجنيب المحكمة هذا الوضع الخطير على المستويات الحقوقية والأخلاقية. الخطوة أيضا ربما تجنب المحكمة اتخاذ قرارات بقبول دعاوى من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وتنأى بالمحكمة عن الصراعات السياسية الأمريكية الداخلية التي ربما تكلف المحكمة مصداقيتها، إلى جانب تمويلها.
بهذا المعنى، فإن علينا ألا نتعجل في التفاؤل من هذه الخطوة التي قد تقطع الطريق على الدعوى الرسمية الفلسطينية المنتظرة بعد الأول من نيسان القادم. فقد تنتهي - مثلما انتهت مهمة فحص المحكمة للحالة الأمريكية في أفغانستان التي أشرنا إليها أعلاه - إلى الاستنتاج بأنه "لا يوجد أساس كاف يوفر أرضية معقولة لتوجيه تهم بارتكاب عمليات قتل ضد المدنيين".