مصر
الخميس
18-6-2015
الغضب المفخخ: الجهاديون الجدد فى مصر
http://digital.ahram.org.eg/
محمد إسماعيل- باحث فى شئون الحركات الإسلامية
بعدما أزاحت موجة الاحتجاجات العربية رؤوس بعض الأنظمة السلطوية وظن البعض بأن الموجة مستمرة لحين إحداث تحولات جوهرية فى بنية العلاقة بين الأنظمة والشعوب، وكذلك مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعد انطلاق تلك الموجة بشهور، ذهب البعض للقول بأن محفزات نشاط التنظيمات الجهادية قد انتهت، لكن ما هى إلا شهور حتى عادت التنظيمات الجهادية لتمثل تهديداً أشد خطورة وأكثر تأثيراً مما سبق.
ذهب عدد كبير من الباحثين عقب ثورة 25 يناير إلى القول بأن ثورات الربيع العربى كتبت شهادة وفاة المشروع الجهادى فى مصر والمنطقة العربية، ومهدت الطريق لدمج التيار الإسلامى بكل فصائله فى العملية السياسية. لكن هذا الطرح لم يصمد طويلا أمام الحقائق على أرض الواقع التى كانت تشير بوضوح إلى أن الثورات التى أزاحت الحكام من على عروشهم في أكثر من دولة عربية، انطلقت معها موجة جديدة من موجات العنف اختلفت أسبابها من دولة إلى أخرى وكان من بين هذه الأسباب تعثر عملية الانتقال السلمى إلى الديمقراطية كما هو الحال في مصر.
ينبغى الإشارة فى البداية إلى أن الإرهاصات الأولى للجيل الحالى من تنظيمات العنف في مصر سبقت ثورة 25 يناير بعدة سنوات، حيث عرفت مصر خلال الـ10 سنوات الأخيرة من حكم الرئيس المعزول حسنى مبارك بعض التنظيمات الصغيرة والعشوائية فى القاهرة والدلتا والتى نسب إليها تنفيذ مجموعة من العمليات محدودة الأثر مثل أحداث تفجيرات الأزهر والسيدة عائشة فى 2005 وتفجيرات الحسين في 2009، وكذلك ظهر في التوقيت ذاته تنظيمات أخرى في شبه جزيرة سيناء اتسمت بقدر كبير من الجاهزية، ونسب إليها عدد من العمليات الكبرى مثل تنظيم التوحيد والجهاد الذى ينسب إليه تفجيرات شرم الشيخ في 2005 وتفجيرات دهب في 2006، ويمكن اعتباره اللبنة الأولى لتنظيم أنصار بيت المقدس "ولاية سيناء" أبرز تنظيمات العنف في مصر الآن.
اللافت أن تنظيمات العنف الحالية في مصر مازالت تحمل نفس السمات الرئيسية التي كانت تتسم بها التنظيمات التى ظهرت خلال السنوات الأخيرة من عهد مبارك، فهي عشوائية وغير مركزية وتتواصل مع العالم وتستقي منهجها وتعبر عن أفكارها عبر شبكة الإنترنت، كما استفادت من الثورة في تكنولوجيا الاتصالات الحديثة فضلا عن أن توزيعها الجغرافي كما هو، حيث يتمركز بعضها في شبه جزيرة سيناء، وأخرى ذات إمكانات أقل وجودا في القاهرة والدلتا، لذا يمكن القول إن تنظيمات العنف الحالية هى نسخة متطورة من التنظيمات التى ظهرت في العقد الأول من القرن الحالي لكنها مرت بعد ثورة 25 يناير بمرحلتين أساسيتين، هما:
أولا: مرحلة الدمج السياسي
مثلت ثورة 25 يناير فرصة سانحة لحل إشكالية الإسلام السياسي ودمجه في الإطار السياسي الرسمى، وهو مطلب كان قد تكرر لدى الدوائر الغربية في السنوات الأخيرة من عهد مبارك ووجد له صدى على المستوى المحلي، لاسيّما بعد الصعود السياسي لجماعة الإخوان عام 2005، وحصولها على 88 مقعدا في الانتخابات البرلمانية وهى نسبة لم تحققها أحزاب المعارضة مجتمعة.
وبخلاف ما كان يوصف وقتها بالتيارات الإسلامية الوسطية، فإن نظرة التيارات الجهادية للاندماج في العملية السياسية الرسمية شهدت تباينا واضحا بين الأجيال المختلفة داخل نفس التيار، فمن ناحية هرولت الأجيال الأولى والثانية من جماعات العنف- الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد- نحو تأسيس أحزاب سياسية تكون بمثابة أذرع سياسية لها، وهو أمر يبدو مفهوما في إطار أن هذه التنظيمات كانت قد أجرت مراجعات فكرية في وقت سابق انتهت فيها إلى التبرؤ من أفكارها، التى كانت تذهب فيها إلى تحريم تشكيل الأحزاب والمشاركة في العملية السياسية والانتخابات البرلمانية.
أما الأجيال اللاحقة فإنها ترددت بشأن المشاركة في العملية السياسية بناء على منطلقات عقدية، وهو ما تسبب في انقسامها إلى عدة مجموعات بعضها تجمع حول القيادى الإسلامى حازم صلاح أبوإسماعيل حين ترشح لرئاسة الجمهورية باعتبار أنه سيسعى إلى إحداث انقلاب إسلامى في السلطة باستخدام الآليات الديمقراطية، والبعض الآخر تمسك بالامتناع عن المشاركة في العملية السياسية بوصفها عملية كفرية تتحاكم إلى الشرائع الوضعية، ولا تؤسس لدولة إسلامية.
وإجمالا يمكن تلخيص الأزمات التي واجهت دمج التيار الجهادي في العملية السياسية عقب ثورة 25 يناير من خلال النقاط الآتية:
1- عدم التوصل إلى قناعات فكرية وعقدية ثابتة تجيز المشاركة في العملية السياسية، ولا تعتبرها مخالفة ومتصادمة مع الشريعة الإسلامية.
2- ازدواجية العمل بين الحزب الرسمى والجماعة التى لم تقنن أوضاعها، وهى أزمة عانى منها التيار الإسلامى بالكامل، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين.
3- تصعيد بعض القضايا الهامشية- الضباط الملتحون نموذجا- إلى صدارة المشهد السياسى لمجرد أنها تحمل ملمحا دينيا، والفشل في التوصل إلى حل يرضى قواعدهم الشعبية، بما يؤدى في النهاية إلى حالة غضب وإحباط بين القواعد من ناحية، وحالة مقابلة من الاستياء بين عموم الشعب، بسبب الاهتمام بهذه النوعية من القضايا.
4- الوقوع في فخ الاستقطاب الحاد بين التيار الإسلامى والتيارات المدنية، بداية من استفتاء مارس 2011 وحتى يونيو 2013.
5- الاصطفاف وراء جماعة الإخوان أثناء الخلافات السياسية المفصلية، وهو ما ترتب عليه انسحاب الغضب الشعبى الموجه ضد جماعة الإخوان الموجودة فى السلطة إلى هذه التيارات الداعمة لها.
6- سعى جماعة الإخوان إلى استخدام التيار الجهادى، كأداة لتفزيع وتخويف التيارات السياسية المدنية المعارضة لها، لاسيّما عقب وصول محمد مرسى إلى السلطة، وهو أمر أظهرهم أمام المجتمع باعتبارهم مليشيات مسلحة تابعة للإخوان وليسوا أحزابا سياسية.
7- الإحباطات المتتالية من جدوى المشاركة في العملية السياسية، بسبب الإهدار المستمر لنتائج العمليات الانتخابية، سواء بسبب أحكام قضائية بحل مجلس الشعب والجمعية التأسيسية للدستور، أو بسبب تدخل القوات المسلحة بمصاحبة مظاهرات شعبية حاشدة لإحداث تغيير في رأس السلطة، كما حدث في 3 يوليو 2013.
8- بروز نماذج لحركات إسلامية في المنطقة العربية، لم تنخرط في العملية السياسية واعتمدت على العنف كآلية لتحقيق أهدافها.
ثانيا: مرحلة اللجوء إلى العنف
أسفر إعلان خارطة الطريق فى يوليو 2013 وأحداث فض اعتصامات النهضة ورابعة العدوية التى صاحبتها في منتصف أغسطس من نفس العام، عن إعلان ضمنى بفشل عملية دمج التيارات الإسلامية في العملية السياسية، وتمخض عن ذلك ارتداد عناصر التيار الجهادى إلى ممارسة العنف مرة أخرى، وانقسمت تنظيمات العنف في مصر جغرافيا إلى قسمين:
1- تنظيمات شبه جزيرة سيناء: نشطت تنظيمات العنف فى سيناء بعد ثورة يناير مباشرة بوصفها جماعات مقاومة تستهدف المصالح الإسرائيلية وأشكال التطبيع معها من خلال التفجير المتكرر لخط الغاز المؤدى إلى إسرائيل، أو الإعلان عن تبنى عمليات محدودة الأثر ضد مستعمرات ودوريات أمنية إسرائيلية قريبة من المنطقة الحدودية، واستغرقت هذه المرحلة نحو 3 سنوات، وبعدها لجأ عدد من هذه التنظيمات مثل "أنصار بيت المقدس" إلى تعديل إستراتجيته عقب عزل محمد مرسى عن السلطة وبدء المواجهة الأمنية مع أنصاره، بحيث أصبحت جماعات تسعى لممارسة العنف بدوافع انتقامية ضد سلطات الدولة، وفي مرحلة لاحقة تحولت هذه التنظيمات إلى جزء من حركة الجهاد العالمى بعد الإعلان عن مبايعة جماعة الدولة الإسلامية "داعش" وتعديل اسمها إلى "ولاية سيناء".
2- تنظيمات القاهرة والدلتا: استنادا إلى مجموعة من الشواهد، فإن نواة هذه التنظيمات نشأت داخل اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر، بسبب حالة الاصطفاف التي حدثت للمرة الأولى في التاريخ المعاصر بين شباب التيارات الإسلامية على اختلاف تبايناتهم الفكرية لمدة بلغت 45 يوما وتعرضهم سويا لنفس الظروف العصيبة فخرجت هذه التنظيمات- كما يتبين من لغة خطابها وممارستها على الأرض- خليطا غير متجانس بين أفكار ذات نزعة إصلاحية لكنها تشعر بالمظلومية، وأخرى ذات نزعة راديكالية من الأساس وجدت فيما حدث متنفسا لممارسة ما تعتقده من أفكار.
وتنقسم تنظيمات العنف الديني الفاعلة في القاهرة ووادي النيل إلى قسمين:
أ- تنظيم ذو ثقل نوعي، وهو "أجناد مصر"، الذى تنسب إليه عمليات يمكن وصفها بأعمال عنف حقيقية، لكن قدراته تبقى محدودة بالمقارنة بتنظيمات العنف في شبه جزيرة سيناء، حيث لم تتجاوز نطاق عملياته القاهرة الكبرى.
ب- مجموعة من التنظيمات الصغيرة التى تنفذ أعمالا هي أقرب إلى محاولات التخريب المصاحبة للمظاهرات والتجمعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
ثالثا: السمات العامة لتنظيمات العنف فى مصر
1- هذه التنظيمات تحمل دوافع انتقامية، فهي ترى أن التيار الإسلامي تم إقصاؤه عن السلطة بناء على مؤامرة اشتركت فيها أجهزة الدولة وتيارات المعارضة العلمانية- حسبما تصفها- وترى أيضا أن طرفى المؤامرة اتفقا على كراهية الإسلام، أو نظام الحكم الإسلامي، أو على الأقل المشروع الإسلامي، كما تعتقد هذه التنظيمات أن أنصار التيار الإسلامي تعرضوا لمذبحة أثناء فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول، وبالتالى لا بد من الانتقام من مؤسسات الدولة لاسيما الأجهزة الأمنية "الشرطة والجيش".
2- هذه التنظيمات تستند في نشاطها بشكل مباشر إلى خطاب "المظلومية الكبرى"، الذى روجته التيارات الإسلامية عقب عزل محمد مرسى وفض اعتصامي رابعة والنهضة.
3- في حين كانت تنظيمات العنف في الأجيال السابقة تسعى إلى الوصول للسلطة من أجل إقامة الدولة الإسلامية، فإن التنظيمات الحالية شهدت وصول التيار الإسلامي إلى السلطة لأول مرة في تاريخه وتسرب حلم الدولة الإسلامية من بين يديها.
4- يحرص جانب من التنظيمات الحالية على ربط حركته بحركة الجهاد العالمي، حيث أعلن عدد من التنظيمات الحالية مبايعته لتنظيم داعش، بالإضافة إلى أن عددا من عناصر هذه التنظيمات سافر إلى سوريا، وعاد إلى مصر بعد عزل مرسي لتنفيذ عمليات عنف.
5- تحظى التنظيمات الحالية بحاضنة شعبية تتمثل في قطاع من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، وحتى المجموعات الأخرى من أنصار المعزول التى تدين عملياتهم تبررها في سياق أنها نتيجة طبيعية للإطاحة بالرئيس المدني المنتخب، وفي حين تبدو تنظيمات العنف الحالية حريصة على الحفاظ على هذه الحاضنة بل وتنميتها من خلال تجنب استهداف المدنيين وإصدار بيانات من وقت إلى آخر تخاطب فيه عاطفة المواطنين لمواجهة الحملة الإعلامية التى تتعرض لها.
6- هذه هي المرة الأولى التي ينتقل فيها مركز ثقل تنظيمات العنف في مصر بشكل واضح من العاصمة ووادى النيل، حيث تتركز الكتلة الأكبر من السكان إلى الأطراف الحدودية ذات الكتل السكانية غير الكثيفة وتحديدا شبه جزيرة سيناء.
