أقلام وآراء

(445)

خطاب حماسي... ولكن؟

بقلم: فايز رشيد عن القدس العربي

يدعمون أداء نتانياهو... ضد اليهود

بقلم: رغيد الصلح * عن الحياة اللندنية

استقلال من؟ أولا....

بقلم: وليد أبي مرشد عن الشرق الأوسط

الكيانية الفلسطينية وخطاب عباس

بقلم: يوسف مكي عن الخليج الإماراتية

موقف قديم ولغة جديدة

بقلم: عوني صادق عن الخليج الاماراتية

أسبوع حافل في الأمم المتحدة

بقلم: جيمس زغبي عن السفير البيروتية

أمواج عاتية في وجه الدولة الفلسطينية

بقلم: أسامة الرنتيسي عن الغد الأردنية

خطاب حماسي... ولكن؟

بقلم: فايز رشيد عن القدس العربي

لا يختلف اثنان على عاطفية وحماس خطاب الرئيس عباس في الأمم المتحدة، من حيث طرح معاناة الشعب الفلسطيني منذ ما يقارب الثلاثة وستين عاماً ، أو من حيث سرد الجرائم الإسرائيلية منذ النكبة واقتلاع الفلسطينيين من وطنهم، وصولاً إلى العدوان الصهيوني المستمر على الفلسطينيين في هذه المرحلة،والتطرق إلى الاستيطان وبناء الجدار العنصري العازل، والاعتداءات وهدم الأراضي والبيوت والاغتيال والاعتقال،بحيث كان 23 سبتمبرايلول يوماً فلسطينياً بامتياز في الأمم المتحدة ، حيث صفّق الحاضرون وقوفاً وطويلاً لرئيس فلسطين،الأمر الذي يشي بمدى الدعم الكبير الذي يكنه المجتمع الدولي للفلسطينيين ولعدالة قضيتهم الوطنية، ومدى تفهمه لنضالهم من أجل انتزاع هذه الحقوق من بين براثن وأنياب العدو الصهيوني.

الجزء الأول من خطاب الرئيس عباس تميز بشجاعة في الطرح وفي قول الحقيقة، وكان من المفترض لواقعية الحديث أن تقود إلى نتائج مغايرة تماماً للتي رددها أبو مازن،ذلك وفق منطق الأمور والواقعية السياسية، وبناء على التجربة الحياتية المرّة والمعاناة الطويلة للفلسطينيين من الكيان الصهيوني.

لقد تطرق الرئيس عباس إلى سبع نقاط حددها في الصراع،فهو يطالب بدولة فلسطينية في الضفة الغربية والقطاع أي على مساحة 22' من أرض فلسطين التاريخية،كما أعلن عن تمسكه بنبذ العنف والإرهاب،وبجميع الاتفاقيات مع إسرائيل،كما أعلن أن خياره الوحيد بالعودة إلى التفاوض إذا ما تم وقف الاستيطان والأعتراف بحدود دولة على أراضي 67،وهو لا يستهدف عزل إسرائيل أو نزع شرعيتها بل نزع شرعية الاحتلال،كما أعلن أنه يريد سلاماً يضمن الحقوق الفلسطينية، كما حددتها الشرعية الدولية واللجنة الرباعية،وطالب بحق العودة للاجئين ضمن اتفاق مع إسرائيل ووفقاً لمبادرة السلام العربية، على خلفية القرارات الدولية الصادرة بهذا الشأن.

بدايةً،فإن قرارات الشرعية الدولية تحدثت عن تقسيم فلسطين في القرار 181،الذي دعا إلى إقامة دولة فلسطين على أكثر من ضعف مساحة الـــ22' (على 46') التي يطالبها الرئيس،كان المنطق أن يطالب الرئيس بتطبيق القرار الدولي الآنف الذكر،وبخاصة أنه يعي ويدرك أن إسرائيل ترفض إعطاء الفلسطينيين الضفة وغزة دون مستوطنات أي ترفض حتى دولة فلسطين على 22' من مساحة فلسطين والتي لا تزيد حاليا بالمعنى الفعلي عن 8 -10' من مساحة فلسطين بفعل الأستيطان.

ثانياً:هناك فارق كبير بين المقاومة المشروعة التي شرعتها الأمم المتحدة في قرارات واضحة بما فيها الكفاح المسلح وبين العنف والإرهاب.التي مارست العنف والإرهاب وما تزال هي إسرائيل، وليس الفلسطينيون،الذين هم مضطرون إلى المقاومة للدفاع عن أنفسهم وللحصول على حقوقهم الوطنية ، بالتالي فلا مجال للمقارنة بين قضيتين مختلفتين تمام الاختلاف.

ثالثاً:لقد أعلنت إسرائيل وفاة اتفاقيات أوسلو ودفنها،حين قام شارون بإعادة اجتياح المناطق الفلسطينية المحتلة،كما أن رئيس الوزراء الصهيوني الحالي نتنياهو أعلن موت هذه الاتفاقيات من جديد، بتنكره لكل نصوصها على علتها وبالرغم من الظلم الفادح الذي ألحقته وتلحقه بالحقوق الوطنية الفلسطينية،بالتالي كان من المفترض في الرئيس الفلسطيني استغلال موت الاتفاقيات بالإعلان الإسرائيلي عنه، ليؤكد انسحاب الجانب الفلسطيني منها.

رابعاً:أما خيار الرئيس تمثل بالعودة إلى التفاوض، لذا فهو إصرار على إتباع نهج العبثية والعقم وإعطاء إسرائيل الفرصة للمزيد من المناورة التي قد تستمر لعشرين سنة أخرى أو ما يزيد.من الخطأ تكبيل الجانب الفلسطيني بخيار التفاوض في الوقت الذي يمتلك فيه خيارا أكثر تأثيراً على إسرائيل، وهو خيار المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها وتحديدا المسلحة منها، وبخاصة أن الأمم المتحدة تتيح هذا الأمر للشعوب المحتلة أراضيها،والمغتصبة حقوقها. خيار التفاوض هو خيار قاتل حتى لو أوقف نتنياهو الاستيطان، فما يزيد عن 80' من مساحة الضفة الغربية والقدس صادرته إسرائيل للاستيطان والجدار ولأغراضها العسكرية والأمنية.

خامساً:كان من المنطقي أن يصب حديث الرئيس في ضرورة عزل اسرائيل لعنصريتها البشعة تماما مثلما جرى للنظام العنصري في جنوب افريقيا ولشبيهه في روديسيا .

سادساً:ولماذا الحرص الفلسطيني على الدعوة إلى قيام تعاون بين دولة فلسطين العتيدة ودولة إسرائيل، فهذه قضية مرهونة بالمستقبل بعد إقامة الدولة الفلسطينية ومرهونة بالنوايا الإسرائيلية تجاه هذه الدولة العتيدة،أما الحديث عن التعاون فنحن وكما نبدو حريصون على العلاقات مع إسرائيل، رغم مذابحها ومجازرها وموبقاتها بحقنا منذ عام 1948 وحتى هذه اللحظة.

سابعاً:أما خلط الرئيس بين ما يريده من سلام يضمن الحقوق الفلسطينية على أساس مرجعية الشرعية الدوليةوبين مرجعية اللجنة الرباعية الدولية،هو خلط خاطئ، ذلك أن المرجعية الوحيدة التي يمكن أن تستند إليها الحقوق الوطنية الفلسطينية هي: قرارات الشرعية الدولية(الأمم المتحدة) الواضحة تمام الوضوح فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية.الدولة الفلسطينية هي ليست منّة من إسرائيل بل هي حق فلسطيني.

لكل هذه الأسباب نقول:أن خطاب الرئيس عباس في الجزء الثاني منه كان من المفترض أن يقود إلى نتائج مغايرة لنتائجه،فقد جاء خطاب نتنياهو:الضعيف الركيك ليضع النقاط على الحروف في الموقف الإسرائيلي من التسوية:لا لإقامة الدولة الفلسطينية قبل عقد اتفاقية سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، قبول الفلسطينيين فيها باشتراطات الأمن الإسرائيلي،ووجود قوات عسكرية إسرائيلية في دولتهم،أسوة بالقوات الأمريكية الموجودة في دول كثيرة من العالم،وعلى الفلسطينيين وكي لا يكونوا عنصريين أن يقبلوا بالمستوطنات والمستوطنين في الضفة الغربية،وأن لا يطالبوا بالقدس الشرقية لأنها تاريخ إسرائيلي الذي هو يهودا والسامرة(وإسرائيل تتكرم عليهم بالتنازل عن جزء من أراضيها) وفوق كل هذا وذاك عليهم :الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل.

كان من المفترض بعباس الأستقواء بالربيع العربي من أجل تصليب الموقف الفلسطيني ليس على صعيد المطالبة بالتفاوض، وإنما بالعودة للمقاومة.

يبقى القول:أن الصراع في طريق العودة إلى مربعه الأول،فمن المنطقي والطبيعي بعد خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة أن لا يتم السلام مع هذه الدولة، وأن الحديث فقط يجب أن يدور حول إزالتها.

يدعمون أداء نتانياهو... ضد اليهود

بقلم: رغيد الصلح * عن الحياة اللندنية

تعرّض الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعد الخطاب الذي أعلن فيه موقفه تجاه مستوى التمثيل الفلسطيني في هيئة الأمم المتحدة إلى نقد واسع في المنطقة العربية. وذهب البعض من المعلقين إلى القول إن المواقف التي عبّر فيها الرئيس الأميركي عن شيء من التعاطف مع الفلسطينيين عندما دعا إلى وقف الاستيطان الإسرائيلي، كانت عبارة عن مناورة بغرض التعتيم على حقائق المواقف الغربية المنحازة انحيازاً كاملاً إلى جانب إسرائيل. ولتأكيد وجهة النظر هذه، أعاد أصحابها إلى الأذهان مضمون الخطاب الذي ألقاه أوباما قبيل الانتخابات الرئاسية الماضية أمام منظمة إيباك الأميركية - الصهيونية المؤيدة لإسرائيل، حيث بدت مواقفه متطابقة مع سائر الزعامات الأميركية البارزة تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي.

من الأرجح ألا يكون هذا التقويم لمواقف أوباما في محله، وأن ما قاله الرئيس الأميركي في خطابه الشهير في جامعة القاهرة بصدد العلاقة بين الولايات المتحدة يعكس آراءه الشخصية، ولكن، من حق العرب بعد التجارب الكثيرة الكف عن الاعتقاد أن قضاياهم المحقة ستلقى الرعاية والإنصاف لدى النخب الحاكمة في العواصم الغربية الرئيسة. ولعل من المناسب، بعد أن كرر الرئيس أوباما وتبنى في خطابه كل مقولة وزعم صهيوني من دون استثناء، ألا تحاسب إدارته على سلوك طريق الإجحاف بحق الجانب العربي. فالعرب لا شأن لهم ولا قيمة لمصالحهم ولا لحقوقهم لدى أصحاب القرار النافذين في العواصم الغربية. على العكس، المقاربة التي تحظى بشعبية في هذه العواصم عند بحث علاقات الغرب بالعرب هي اللعبة الصفرية، أي تلك التي تعتبر أيّ إضعاف للعرب تقوية للغرب كما هو الأمر، على سبيل المثال لا الحصر، في قضايا الطاقة والنفط.

لعل من الأجدى، في هذه الحال، عند التطرق إلى أية قضية تمس تلك العلاقات، أن يعود المرء إلى أثر هذه القضية على المسألة اليهودية. فالغرب الذي أنزل المصائب الكبرى بهذه الطائفة من البشر، والذي بات يشكو من عقدة الذنب في علاقته بها، يعتبر نفسه حامياً لها ومدافعاً عن أمنها وسلامتها وحريتها. ولقد تردّدت أصداء وتجليات هذه النظرة في المواقف الأخيرة تجاه مسألة الدولة الفلسطينية. وإذ استنفرت الديبلوماسية الإسرائيلية أنصارها الدوليين بحجة أن المطالبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية تشكل خطراً على إسرائيل وأن الفلسطينيين يرمون من خلال هذه المطالبة إلى تجريدها من المشروعية وتهديد أمنها وبالتالي أمن اليهود وسلامتهم، سارع الرئيس الأميركي والزعماء الأميركيون إلى تبني هذه النظرة بحذافيرها، فهل كانت واشنطن محقة في تقديراتها هذه؟ هل إنها تسير، بالفعل على طريق إنقاذ اليهود من محنة جديدة؟

ما فعلته واشنطن يخالف هذه النوايا المعلنة. لقد وفرت الدعم كل الدعم السياسي لحكومة نتانياهو، أي لحكومة تزيد المسألة اليهودية تعقيداً وتفاقم الأخطار البعيدة المدى المحدقة باليهود. أي أن ما فعلته واشنطن هو مساندة أشد الحكومات الإسرائيلية تطرفاً، على المصالح البعيدة المدى لليهود. هذه المواقف الأميركية تستند عادة إلى فرضيات بات من الملح مراجعتها إذا أرادت واشنطن حلاً إنسانياً وواقعياً، وليس حلاً عنصرياً ومستحيلاً للمسألة اليهودية. في مقدم هذه الفرضيات ما يأتي:

> إن الزمن كفيل بإقناع الأسرة الدولية بالموافقة على المشروع الصهيوني برمته وكما يطرحه الزعماء الإسرائيليون، أياً كان هؤلاء الزعماء ومهما كان مضمون المشروع الذي يدعون إليه. وإن تثبيت الاحتلال للأرضي العربية يضفي عليه مشروعية ويحوله إلى أمر واقع لا يمكن تبديله.

أثبتت مداولات الأمم المتحدة الأخيرة أن هذه الفرضية خاطئة وأن التمسك بها سيقود اليهود إلى المهالك. فعلى رغم التراجعات التي أصابت القضية الفلسطينية والانقسام الحاصل في صفوف الفلسطينيين، وعلى رغم التأييد المنقطع النظير الذي يلقاه نتانياهو في الكونغرس الأميركي، تأكد أن الأكثرية الساحقة من المجتمع الدولي لا تزال تؤيد القضية الفلسطينية وترفض الاحتلال. وكان من الملفت للنظر هنا الموقف الذي اتخذته دول بريكس (الصين، الهند، روسيا والبرازيل). إن عدد سكان هذه الدول يناهز ثلث سكان العالم تقريباً. ولئن كان المعيار العددي مهماً في العقود الماضية فإنه ينبغي ملاحظة أن موازين القوى الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية في العالم باتت تتجه لمصلحة هذه الدول ومن ثم لمصلحة الفلسطينيين والعرب. هذا الواقع سينعكس سلباً على مصير اليهود إذا نجح المتعصبون الصهاينة في اختطاف المسألة اليهودية وتسخيرها لمصلحة مشاريعهم. ما تفعله الإدارة الأميركية هو تشجيع هذا النهج الأخير بدلاً

من إيقافه حرصاً على أمن اليهود وسلامتهم.

> إن الزعماء الإسرائيليين مستعدون للتفاهم مع الفلسطينيين والعرب، وإنهم على استعداد لتقديم التنازلات. ألم ينسحب الإسرائيليون، في ظل حكومة مناحيم بيغن بالذات، من مصر؟ ألم يوقع إسحاق رابين اتفاق السلام مع ياسر عرفات على رغم أنه كان يصنف من صقور السياسة الإسرائيلية؟ لكن هذه الفرضية تستند هي الأخرى إلى أساسٍ واهٍ، فبعد أيام قليلة من عقد مؤتمر مدريد للسلام قبل عشرين عاماً تقريباً، أكد إسحاق شامير، رئيس الحكومة الإسرائيلية، ورداً على الانتقادات التي وجهها إليه الزعماء الصهاينة المعارضون للمؤتمر، «أن إسرائيل ستفاوض عشرين عاماً، وفي نهاية المطاف لن تتخلى عن الضفة والقطاع وهضبة الجولان». ولقد ثبت أن شامير كان على حق ليس لأن الفلسطينيين، أو ليس لأن السلطة الفلسطينية التي أعلنت التخلي عن العمل العسكري غير مستعدة لتقديم التنازلات، بل لأن الإسرائيليين عارضوها. أما إسحاق رابين فإن مصيره، يعتبر على العكس، شهادة على الموقف الصهيوني من السلام.

> إن الادارة الأميركية ستتمكن دوماً من الاضطلاع بدور الراعي النزيه لمساعي التسوية العربية - الإسرائيلية، وإنها بالتالي ستتحكم بسائر مفاصلها بحيث تضمن أنها ستخدم المصالح الإسرائيلية ومن ثم أمن اليهود وسلامتهم. وتعتبر الإدارة الأميركية أنها تستطيع استخدام المساعدات التي تقدمها إلى الدول التي ساهمت في توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل. لكن هذه النظرة لا تستند هي الأخرى إلى أساس متين، فالرأي العام العربي على بينة من أن هذه المعونات أعطيت إلى الدول العربية بغرض ضمان أمن إسرائيل وليس من أجل السلام الإقليمي. ولا يخفى على المواطنين والمواطنات في البلاد العربية، في عصر وسائل الاتصال الاجتماعي، كيف تربط الإدارة الأميركية بينها - أي بين المساعدات - من جهة، وبين موقف الأطراف المشتركة في معاهدة السلام، من جهة أخرى.

فخلال الأشهر الماضية، دأبت الإدارة الأميركية على تذكير الحكومة المصرية الجديدة بأن أي مساس بالمعاهدة مع إسرائيل سيؤثر سلباً في المساعدات المقدمة إلى مصر. في المقابل، عندما شكل بنيامين نتانياهو الرافض اتفاق أوسلو، حكومته الأولى عام 1996 وعندما بدأ يمارس ضغطاً شديداً على القيادة الفلسطينية لتعديل الاتفاق لم تهدده الإدارة الأميركية بوقف المساعدات. هذا الأمر تكرر عام 1998 عندما شكل إيهود باراك حكومته وأجبر الفلسطينيين على تقديم تنازلات جديدة إلى إسرائيل في معاهدة واي ريفر.

الرأي العام العربي بات يعلم أن الوجهة الحقيقية لهذه المساعدات هي إسرائيل وليس جهات عربية، لذلك فإنها لا تشكل دليلاً على عدم انحياز الراعي الأميركي إلى جانب إسرائيل بل على العكس، تشكل دليلاً ملموساً على هذا الانحياز، ما يضع الدور الأميركي في المنطقة على المحك ويعطل قدرته على توفير الأمن والسلامة لليهود إذا كان هذا هدفاً من أهداف السياسة الأميركية.

أخيراً لا آخراً، ينبني الموقف الأميركي على أن العرب والدول التي تؤيدهم وتؤيد الفلسطينيين يقبضون الادعاء الإسرائيلي بأن المفاوضات غير مشروطة. إن هذه الفرضية قد تكون صحيحة لو أن أشخاصاً مثل فردريك دوكليرك، آخر رئيس أبيض في جنوب أفريقيا، يجلسون في مقاعد الحكم في إسرائيل ولو أن الإسرائيليين يمتنعون عن تنفيذ مشاريع الاستيطان. أما عندما يحكم إسرائيل أشخاص مثل نتانياهو وليبرمان وعندما تقضم إسرائيل الأراضي العربية من طريق الاستيطان، فإن تأكيد أن الطريق إلى السلام يمر عبر المفاوضات هو إهانة جديدة إلى الكفاءة العقلية للعرب وأصدقائهم الدوليين، ودليل جديد على العقلية العنصرية التي تدير بها إسرائيل والصهيونية معاركهما. هذه العقلية لن تخدم اليهود ولن تضمن لهم ما يستحقونه، مثل سائر الجماعات البشرية والدينية الأخرى من عدل وأمان وحرية، بل ستهددهم بالكوارث والمصائب الجديدة.

استقلال من؟ أولا....

بقلم: وليد أبي مرشد عن الشرق الأوسط

بأي مقياس كان، آخر شعب مشرد على الكرة الأرضية، وآخر شعب «مكتوم الهوية» في عالم الدول السيدة المستقلة... يستحق كيانا جغرافيا ليعرف به على الأقل إن لم يكن لينتسب إليه. فكيف إذا كان هذا الكيان كيانه القومي أصلا ومحتله الأجنبي ينكر حقه فيه؟ مؤسف أن مطالبة الفلسطيني بأرضه ودولته لم تعد قضية حق قومي أو عدالة دولية بل قضية «مصلحة انتخابية» حزبية في دولة تدعي أنها اخترعت الديمقراطية واحتكرت قيمها فيما واقعها يثبت أن اللوبي الصهيوني صادرها من عقر دارها إلى حد أتاح لبنيامين نتنياهو «تأنيب» رئيسها، باراك أوباما، على تردده الخجول - في مطلع عهده - في مواصلة مسيرة أسلافه المنحازين بشكل مطلق لرغبات إسرائيل.

أوليست مفارقة الدهر أن تكشف مطالبة الرئيس محمود عباس بدولة مستقلة للفلسطينيين أن الأبدى اليوم بالاستقلال عن إسرائيل هو الولايات المتحدة... وليس الضفة الغربية؟ قد لا يشعر اليمين الإسرائيلي الشوفيني، في قرارة نفسه، أنه آخر جهة تستعمر شعبا آخر في القرن الحادي والعشرين ليضرب عرض الحائط بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

ولكن السؤال يبقى: ما هو عذر فشل رئيس «الدولة الأعظم» في العالم في تجاوز مصالحه الانتخابية الضيقة واتخاذ هذا الموقف المعيب من طلب الاعتراف بحل الدولتين - علما بأنه الحل الأميركي، شكلا ومضمونا، للقضية الفلسطينية؟

هل أعيت واشنطن الحجج المقنعة كي تتبنى الذريعة الإسرائيلية بأن على الفلسطينيين العودة إلى طاولة المفاوضات قبل الحصول على مرجعية الشرعية الدولية لدولتهم دون أن تفسّر للرأي العام العربي – والدولي استطرادا - لماذا تصبح هذه المفاوضات أقل شأنا، وليس أكثر مسؤولية، إذا اكتسبت صفة التفاوض بين دولة ودولة؟

ألا يكفي الإدارة الأميركية انقضاء عشرين سنة على عمليات التفاوض الإسرائيلي الشكلي على التسوية السلمية، دليلا على رفض إسرائيل المطلق لأي تسوية تتجاوز منح الضفة الغربية وضع وصلاحيات بلدية إسرائيلية أخرى على «أرض الميعاد»؟

ألا يكفي رفض إسرائيل وقف مخطط استعمار الضفة الغربية و«توسيع» المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة (وهو مطلب تبناه أوباما قبل أن «يؤنبه» نتنياهو عليه) لتأكيد تنصل إسرائيل من أي حل على قاعدة الدولتين؟

والأهم من ذلك أيضا، ألا تدرك الإدارة الأميركية أن الأمم المتحدة، بعد عشرين سنة من المفاوضات الفاشلة، أصبحت المنفذ الوحيد للتسوية السلمية، فإذا أصرت على سدّه بوجه السلطة الفلسطينية تكون هي من رجح موقف «حماس» من التسوية على موقف من تصفهم بـ«المعتدلين»؟

تتهم واشنطن الفلسطينيين – والمسلمين عامة - باللجوء إلى أساليب إرهابية في مسلكهم السياسي... وتتناسى أنها تدفعهم دفعا إلى هذه الممارسات بإحباطها مواقف «المعتدلين» وإمعانها في تغذية اليأس من «عدالتها»... وإن كانت هذه «العدالة» لا تتعدى تنفيذ مقررات الشرعية الدولية ومقترحات ثلاثة رؤساء أميركيين.

في هذا السياق قد ينفع التذكير بأن مبرر وجود السلطة الفلسطينية هو العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، فإذا فشلت في هذه المهمة لن يكون البديل أكثر اعتدالا إن لم يكن مؤشرا للعودة إلى المقاومة المسلحة.

واضح أن اتهام الفلسطينيين الولايات المتحدة بأنها لم تعد وسيطا صالحا في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي لم يعد شعارا إعلاميا بعد أن فقدت دبلوماسية الإدارة الأميركية مصداقيتها بانحيازها المفرط لإسرائيل... واللافت أن يجري كل ذلك في عهد الرئيس الأميركي الذي اعتُبر، في مطلع عهده، وقبل أن تأسره اللعبة الانتخابية الداخلية ورغبته بكسب ولاية رئاسية ثانية، الرئيس الأكثر انفتاحا على المسلمين، وفي وقت يطرق فيه «الربيع العربي» أبواب العالم الديمقراطي الذي تتنطح الولايات المتحدة لتزعمه.

هذه المعطيات، وحدها، تبرر لجوء الفلسطينيين إلى منظمة الأمم المتحدة، فبعد فشل «مبادرة» السلام الأميركية - بفضل موقف واشنطن منها - لم يعد للفلسطينيين سوى المرجعية الدولية أملا أخيرا في استصدار موقف دولي يضع إطارا واضحا للتسوية السلمية ويحدد المهلة الزمنية النهائية لإنجازها.

الكيانية الفلسطينية وخطاب عباس

بقلم: يوسف مكي عن الخليج الإماراتية

نواصل في هذا الحديث سلسلة مقالاتنا التي بدأناها الخميس الماضي، بهدف تقديم قراءة تحليلية تاريخية، في الكفاح الفلسطيني من أجل إقامة الدولة المستقلة . مع شروع مجلس الأمن في مناقشة الطلب الذي تقدم به رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس عبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة، للاعتراف بفلسطين دولة مستقلة وعضواً في الهيئات الدولية، على قاعدة الاعتراف بوجود دولتين على أرض فلسطين التاريخية: الكيان الصهيوني في الحدود التي كان قائماً عليها حتى حرب يونيو/حزيران عام ،1967 ودولة فلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها مدينة القدس .

لقد ميزنا في حديثنا السابق، بين هدف تحرير فلسطين، ووجود أطر تمثيلية للشعب الفلسطيني . وهذا التمييز رغم بديهيته، يبدو مهماً تأكيده في سياق التحليل لسيرورة الكفاح الفلسطيني . فرغم إدراك استحالة تحقيق هدف التحرير من غير وجود هيئات تمثيلية لشعب فلسطين، فإن وجود هذه المؤسسات لا يعني حتمية التوجه نحو تحرير فلسطين، بآفاقها وموقعها، كما هي جغرافيا وتاريخ .

لماذا نطرح هذا الجدل في هذا المنعطف التاريخي، للقضية الفلسطينية؟ هل نحن أمام مماحكات صورية أو رياضة ذهنية، أم أن ذلك هو في القلب وفي الصميم من موضوع الدولة الفلسطينية، وفي مقدمة هذه الموضوعات عروبة القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين؟

لنتحدث أولاً عن القضية الفلسطينية في سياق حركات التحرر الوطني التي شكلت ملمحاً مهمّاً من ملامح القرن العشرين، ومثّلث صبوات شعوب العالم الثالث للتحرر والانعتاق . لقد ماجت شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بإيقاع متناغم أنجز في حقبة قصيرة هدف الاستقلال . ولا شك أن الظروف التاريخية، وانقسام العالم إلى معسكرين، وهزيمة الاستعمار التقليدي في الحرب العالمية الثانية، قد أسعفت مشروعات التحرير ومكّنتها من إنجاز أهدافها في انتزاع وثائق الاستقلال .

تبنت الولايات المتحدة منطق الإزاحة للبريطانيين والفرنسيين، أما الاتحاد السوفييتي فأمّل بنصرته حركات التحرر الوطني، أن يوسّع دائرة نفوذه، تعزيزاً لاستراتيجيته في الصراع مع القطب الأعظم الآخر، والنتيجة أن الدماء الغزيرة التي سالت في معارك التحرير لم تذهب سدى .

غاب التناقض الجدي، في مرحلة الاستقلال، بين موقف النظام العربي الرسمي وبين الأهداف المعلنة لحركات التحرر الوطني العربية . ولم يشكل تقديم الدعم العربي لهذه الحركات، تهديداً حقيقياً لوجودها، نظراً لاسترخاء قبضة الاستعمار التقليدي، وانشغال القطبين الأعظمين، في استكمال ترتيب المسرح الدولي بما يتسق مع الحقائق التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية .

ومع نهاية الستينات، أنجزت معظم شعوب العالم الثالث استقلالها السياسي، وتوزّعت تحالفاتها، أو استتباعها للخارج، بين السوفييت والأمريكيين . ولم تتبق أرض عربية محتلة غير فلسطين، وأرض عربية أخرى في أطراف الوطن العربي .

النقطة الجوهرية، في هذه القراءة، هي أن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، جاء في منتصف الستينات من القرن المنصرم، بعد أن جرى ترتيب المسرح الدولي، وتحقق انزياح الاستعمار التقليدي، وأصبح التحالف الصهيوني، قائماً بامتياز مع قوة إمبريالية صاعدة، أكثر قوة ونشاطاً وحركة، هي الولايات المتحدة . لقد انتهت مرحلة تاريخية، بما لها وما عليها وبدأت مرحلة أخرى، وكان من سوء طالع النضال الفلسطيني، أن مقاومته المعاصرة من أجل التحرير، قد أخذت مكانها في مرحلة صعود الخط البياني للنظام الدولي الجديد، وبعد أن أنجزت معظم حركات التحرر الوطني في العالم استقلال بلدانها .

النقطة الجوهرية الثانية، هي أن الضفة الغربية وقطاع غزة لم تكونا محتلتين أثناء انطلاق حركة المقاومة، فالضفة الغربية غدت منذ مطالع الخمسينات جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، وقطاع غزة، وضع بموجب اتفاقيات الهدنة التي أنهت الحرب في فلسطين تحت الإدارة المصرية . وقد رتبت هذه الأوضاع على المقاومة صياغة استراتيجياتها، اعتماداً على المخيمات الفلسطينية التي شكلت العمود الفقري للمقاومة .

ذلك يعني، أن فكرة إقامة الدولة الفلسطينية بالضفة والقطاع لم تكن في الحسبان، ولم يكن من المنطقي أن يتضمنها برنامج الكفاح الفلسطيني . وفي هذا السياق، نذكر أن جميع فصائل المقاومة التي تأسست سواء قبل نكسة الخامس من يونيو/حزيران، أو بعدها لم تطرح برنامجاً مرحلياً للتحرير، بل طرحت شعار استعادة فلسطين من الصهاينة، من النهر إلى البحر .

هكذا جاء تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، ككيان سياسي يمثل الفلسطينيين في الداخل وحيثما وجدوا في الخارج . لقد ولدت المنظمة في المنافي، حالها في ذلك حال الشعب الفلسطيني المشرد، وكذلك الحال، ينسحب على حركة التحرير الوطني الفلسطيني، فتح . وما دام العمود الفقري لمنظمة التحرير وللمقاومة على السواء هم اللاجئون الفلسطينيون، فإن ترتيب الأولويات يستوجب النضال، من أجل تأمين حق العودة، وليس تأسيس دولة مستقلة على بعض من فلسطين . إن وجود قيادة منظمة التحرير للنضال الفلسطيني، والدور الذي اضطلعت به حركة فتح في مقاومة الاحتلال، بعبور الحدود عبر مختلف الجبهات العربية، قد أسس لكيانية سياسية، تفتقر إلى الرقعة الجغرافية . لكن هذه الكيانية هي التي أشعلت جذوة الأمل بإمكانية عودة اللاجئين في المخيمات إلى مواطنهم الأصلية، بعد بقائهم مشردين في المنافي لعقود عدة .

هذا الواقع تغير تماماً، بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول عام ،1973 حيث شهدت المناطق المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، نهوضاً شعبياً في مواجهة حراب الاحتلال “الإسرائيلي” . وكان ذلك يعني انتقالاً رئيساً في النضال الفلسطيني، شمل الممارسة والفكر، وتحول منطقة الجاذبية النضالية، من المخيمات الفلسطينية في الأردن ولبنان وسوريا إلى مدن وقرى الضفة والقطاع .

إن تحول منطقة الجاذبية في النضال الفلسطيني من المخيمات، حيث الأولوية لحق العودة، إلى الضفة والقطاع، قد أحدث تغييراً رئيساً في ترتيب الأولويات . فالمواطن الفلسطيني بالضفة والقطاع، يواجه القمع “الإسرائيلي” بشكل مباشر، والأولوية بالنسبة إليه هي التخلص من الاحتلال، وإقامة السلطة المعبرة عن تطلعاته في الحرية وتقرير المصير .

ينبغي في كل الأحوال، التمييز بين السلطة الفلسطينية المفترض فيها إدارة شؤون الفلسطينيين في المناطق التي ينسحب منها المحتل “الإسرائيلي”، وبين منظمة التحرير كطليعة للثورة الوطنية، لم تستكمل مهماتها بعد، وعليها أن تتفرغ بالكامل لتلك المهمات، من دون ضغوط أو مساومات، ودون الإخلال بالمبررات الأساسية المعلنة التي أدت إلى منحها وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني في كل المواقع والمنابر .

خطاب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والصيغة التي وردت فيها المطالبة بالاعتراف بالدولة المستقلة هو تكريس لعملية الخلط، وضبابية الرؤية في ترتيب الأولويات . هذا الخطاب والجدل الذي دار حول ما له وما عليه، سيكون محور مناقشتنا في الحديث المقبل بإذن الله تعالى.

موقف قديم ولغة جديدة

بقلم: عوني صادق عن الخليج الاماراتية

لم تمض ساعات على انتهاء الرئيس محمود عباس من إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الجمعة 23 سبتمبر/ أيلول ،2011 بعد تسليمه طلب العضوية الكاملة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، حتى كانت الرباعية الدولية قد أصدرت بيانها الذي طالبت فيه الطرفين، الفلسطيني و”الإسرائيلي”، باستئناف المفاوضات خلال شهر من تاريخه “دون شروط مسبقة”، متبنية بذلك الموقف “الإسرائيلي” الذي عرضه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في كلمته التي تلت كلمة عباس، وهو أن الدولة الفلسطينية لن تأتي من الخطابات أو البيانات أو حتى من قرارات الأمم المتحدة، بل من خلال المفاوضات المباشرة . وكأن الرباعية الدولية أرادت ببيانها أن تهيل التراب على خطاب عباس “التاريخي” قبل أن يتم توزيعه على وسائل الإعلام .

وقبل أن يلقي الرئيس عباس خطابه في الأمم المتحدة، كان هناك في “تل أبيب” من يرى أن التصويت في الأمم المتحدة “لن يكون تسونامي سياسياً بل زوبعة في فنجان ماء” (هآرتس- 23/9/2011)، وبعد إلقاء الخطاب، كان أيضاً من اعتبر رحلة عباس إلى نيويورك محكومة بالفشل، لأنه قرر أن يقدم على خطوة ترفضها الولايات المتحدة التي حذرته من الإقدام عليها (وكان أوباما قد انحاز في كلمته أمام الجمعية العامة إلى الموقف “الإسرائيلي”)، كما حذره أكثر من مسؤول “إسرائيلي” من ذلك . وفي عرف بعضهم (هآرتس- 23/9/2011)، أن أبو مازن ينجح فقط عندما يتوافق مع واشنطن و”تل أبيب” .

لا أحد يستطيع أن يقول إن كلمة الرئيس عباس أمام الجمعية العامة لم تكن “جيدة”، ولعلها فاجأت الكثيرين بمعيار ما عرفوا عن مواقفه غير المتطرفة . فعلى صعيد الصياغة، يمكن أن تعتبر “تغيراً” جعل البعض يراها بداية تحول، لكن التحرر من تأثير اللغة يكشف أن “التغير” الحاصل، وكما اتضح من “الخاتمة” التي انتهت إليها الكلمة من خلاصات، ظل على صعيد الصياغة دونما مساس بالمواقف والقناعات السياسية لصاحبها، والعبرة بالخواتيم .

لذلك، يمكننا القول إن الكلمة كانت أشبه ب “تقرير” صيغ بعناية وبلاغة، قدم صورة مختصرة ومعبرة عن سياسة الاحتلال وممارساته وجرائمه، حكومة ومستوطنين . وبالقدر نفسه تقريباً قدم “التقرير” صورة مختصرة ومعبرة عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وفي الشتات أيضاً . كذلك، على مستوى المواقف “الفرعية” لتلك السياسات والممارسات، قدم “التقرير” مواقف عدّها البعض، من خلال الإصرار عليها، دليلاً على هذا “التغير” الذي يتمنونه، مثل رفض “الدولة اليهودية” وعمليات الاستيطان ومصادرة الأرض وتهويد القدس وإرهاب الدولة، ورفض العودة إلى المفاوضات المباشرة دون مرجعية محددة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وسقف زمني وبوسائل غير تلك التي جربت وانتهت إلى الفشل . هذه المواقف “الفرعية” جعلت الرئيس يظهر كمن قرر أن “يتغير” في حدود “رؤية” قديمة معروفة .

لقد جاءت توصيفات الرئيس عباس للواقع الاحتلالي الذي يعيش في ظله الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، وكذلك مطالباته في إطار “المواقف العامة” ذاتها التي أوصلته إلى ما وصل إليه من فشل ويأس، على مدى ما يقرب من عقدين من عمر اتفاق أوسلو سيئ الذكر، دون تغيير .

في نهاية عام ،2010 نشرت (نيويورك تايمز 29/12/2010) مقالاً للثنائي حسين آغا وروبرت مالي مقالاً بعنوان “لم يعد هناك ما نتحدث بشأنه”، عن آخر محطات المفاوضات الفلسطينية “الإسرائيلية” الفاشلة آنذاك، ختماه بالقول: “خيبة نتنياهو وعباس ليست مجرد أزمة . وفي غياب تحول غير متوقع ومزلزل، ستمثل هذه الخيبة بأكثر من شكل نهاية طريق”، بعده تضخمت خيبة محمود عباس حتى أوصلته إلى الأمم المتحدة، وكان يجب أن تكون نهاية طريق .

أسبوع حافل في الأمم المتحدة

بقلم: جيمس زغبي عن السفير البيروتية

كان الأسبوع الجاري في الأمم المتحدة خطيراً ومثيراً للقلق، فبعد كل تلك الضجة التي سبقت انعقاد دورة الجمعية العامة استقر الأمر على ثلاث حقائق لا تبعث على الارتياح، فالفلسطينيون على رغم جهودهم المضنية وشجاعتهم الواضحة للحصول على دولة لم يقتربوا حتى الآن من تحقيق هدفهم، فيما الإسرائيليون وإن كانت عزلتهم قد تعمقت أكثر إلا أنهم الآن أكثر جرأة ووقاحة، أما الولايات المتحدة فقد حصدت مزيداً من الضعف في مواقفها وتراجعاً حقيقيّاً لثقة العالم فيها كقوة عظمى قائدة يمكن الاعتماد عليها بعد أداء رئيسها وخطابه المثير.

الرئيس الفلسطيني ألقى خطاباً يُفترض أن يكون هو الأفضل في مسيرته السياسية، حيث أعاد سرد تاريخ القضية الفلسطينية بحماسة وصدق، مستعرضاً بداية الاحتلال والمفاوضات الطويلة وصولاً إلى المطالبة بالدولة. وقد بُث الخطاب مباشرة على شاشة مقسمة بين جلسة الأمم المتحدة، حيث يلقي محمود عباس الخطاب، وبين ساحة «عرفات» في رام الله بالضفة الغربية. وأثناء الخطاب علا التصفيق في أكثر من مناسبة خلال الجلسة، وكان أداء الرئيس الفلسطيني بمستوى اللحظة التاريخية، وعندما رفع بيده نسخة من الرسالة المسلمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة التي يطلب فيها الفلسطينيون الدولة ضج المكانان بالتأييد والتصفيق.

وعقب عباس جاء دور نتنياهو، لإلقاء خطابه الذي حرص فيه على تأكيد حقوق اليهود في كامل الضفة الغربية فيما كان يصر في الوقت نفسه وفي تناقض صارخ على زعم البحث عن سلام متفاوض عليه. وليس جديداً إذا قلنا إن نتنياهو مراوغ من الطراز الأول حيث برع في استعراض هذه المهارة طيلة الخطاب، فعلى سبيل المثال وللتدليل على زعمه أن السلام غير ممكن مع الفلسطينيين أعاد نتنياهو على أسماعنا القصة المملة الممجوجة، وغير الصحيحة في جميع الأحوال، عن رفض الفلسطينيين لفرص السلام خلال مناسبتين سابقتين. والحال أن مفاوضات عام 2001 مع إيهود باراك كان الإسرائيليون هم من وضعوا حدّاً لها بسبب الانتخابات المنتظرة التي خسرها باراك.

أما العرض الثاني الذي تحدث عنه نتنياهو ويخص أولمرت، فما كان له أن ينجح لأن أولمرت كان ضعيفاً وغارقاً في الفضائح وينتظر المحاكمة، وكانت أمامه أسابيع قليلة فقط قبل أن يغادر السلطة فيما تدنت شعبيته إلى 6 في المئة، ولذا لم يكن بمقدوره التوقيع على اتفاق حتى لو وافق الفلسطينيون على ذلك.

كما كرر نتنياهو مغالطة مكشوفة أخرى تقول إن إسرائيل «سلمت عباس مفاتيح غزة» عندما انسحبت منها. والحقيقة أن إسرائيل انسحبت من القطاع بشكل انفرادي. وعلى رغم المطالب الأميركية والأوروبية بضرورة التنسيق مع السلطة الفلسطينية فقد رفضت إسرائيل ذلك، ممهدة الطريق للفوضى ولسيطرة «حماس» على غزة.

اللافت أثناء خطاب نتنياهو ذلك الصمت المطبق الذي استُقبلت به مزاعمه في الأمم المتحدة خلافاً للتصفيقات الحارة التي خص بها الكونغرس الأميركي نتنياهو.

الأداء الأكثر إزعاجاً خلال الأسبوع الجاري جاء من الرئيس الأميركي، فقد بدأ أوباما خطابه باستعراض تاريخ الأمم المتحدة، ليذكر أيضاً، وإن بدون قصد، لماذا تعتبر الأمم المتحدة المكان المثالي لتسوية المسألة الفلسطينية، غير أنه بعد دفاعه عن الأمم المتحدة ودورها في العالم انحرف 180 درجة عندما اعتبر القضية الفلسطينية الاستثناء الذي لا علاقة للأمم المتحدة به. ولا يسع المتابع وهو يستمع إلى خطاب أوباما الأخير إلا تسجيل الاختلاف الكبير بينه وبين خطابيه السابقين في المكان نفسه، ناهيك عن خطاب القاهرة في عام 2009 الذي خطب فيه ود العالم الإسلامي. إذ فيما استعرض أوباما معاناة اليهود وأسهب في تفصيلها لم يشر بكلمة واحدة إلى محنة الفلسطينيين، والحقيقة أن الإعلام الأميركي فهم جيداً السياق الذي جاء فيه خطاب أوباما، حيث وضعت نشرة «ذي هوتلاين» السياسية عنواناً دالًا يختصر موقف أوباما مشيرة إلى بدء حملته للانتخابات الرئاسية لحشد التأييد بين أصوات اليهود.

كان الرهان هو مساعدة أميركا على تجنب اللجوء إلى «الفيتو» لإحباط المسعى الفلسطيني خوفاً من إثارة ردة فعل غاضبة ومعادية لأميركا في العالم العربي. ولذا تُرك الأمر للأوروبيين في تحرك أخير لإقناع الفلسطينيين بتأجيل التصويت لإنقاذ أميركا من استخدام «الفيتو» لتتمكن هذه الأخيرة بدورها من إنقاذ إسرائيل من قيام دولة فلسطينية!

أمواج عاتية في وجه الدولة الفلسطينية

بقلم: أسامة الرنتيسي عن الغد الأردنية

تغيرت صورة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في نظر الفلسطينيين والعرب بعد الخطاب المثير الذي ألقاه في الأمم المتحدة، وابتعد فيه خطوات عن خطاباته السابقة، بحيث ظهر متماسكاً سياسياً وتفاوضياً، وعرف الفلسطينيون أن ظهرهم ليس للجدار مباشرة، واعتبرت الخطوة الفلسطينية انتصاراً سياسياً ودبلوماسياً باعتراف دولي. فقد تجاهل الفلسطينيون التهديدات الأميركية والضغوط الأوروبية وقدموا طلبهم إلى الأمين العام. كما نجح خطاب أبو مازن في كسب الرأي العام إلى جانب القضية الفلسطينية، خاصة بعدما ألقى بنيامين نتنياهو خطابه الباهت والحافل بالمغالطات التاريخية والسياسية.

لكن هذا النصر يحتاج إلى البناء عليه لأنه معرض للتآكل، وربما الاندثار، إذا لم يتم إسناده بانتصار آخر على الصعيد الدبلوماسي، يصونه ويمنع أطرافاً عدة من إفراغه من مضمونه.

فبعد دقائق من إنهاء أبو مازن خطابه، صدر بيان عن اللجنة الرباعية يدعو إلى استئناف المفاوضات، صيغ بلغة تنتمي إلى مرحلة "ما قبل الخطاب وما قبل تقديم الطلب"، وتتجاوز، في الوقت نفسه، أي محاولة لمراجعة العملية التفاوضية، والوقوف على الأسباب التي قادتها إلى الفشل حتى الآن.

واضح في لغة بيان الرباعية الضغط الأميركي لإلغاء مفاعيل الخطوة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، من خلال الإشارة إلى ما سمي الأعمال الاستفزازية، بحيث وضعت أعمال الاستيطان، ومصادرة الأرض، وهدم المنازل، وتهويد القدس، وأعمال القتل وتوسيع دائرة الاعتقالات، والترويع اليومي للسكان، جنباً إلى جنب مع الخطوة الفلسطينية إلى مجلس الأمن؛ أي تلك الإجراءات والخطوات الإسرائيلية التي تنتهك قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، مقابل خطوة للدبلوماسية الفلسطينية تمت تحت سقف الأمم المتحدة وبموجب ميثاقها ونظامها الداخلي.

بدوره، يبدو اقتراح ساركوزي محاولة إضافية لإلغاء مفاعيل الخطوة الفلسطينية بدعوته أبو مازن إلى عدم اللجوء إلى المحكمة الدولية، والتزام العملية التفاوضية وحدها سبيلاً إلى الحل. وإذا أضيف إلى هذا ما يروّج له في أروقة مجلس الأمن من أن البت بالطلب الفلسطيني يحتاج إلى 35 يوماً، بتنا أمام مشهد سياسي يقوم على المماطلة والتسويف، بحيث تتآكل الخطوة الفلسطينية، وتفقد منظمة التحرير الفلسطينية فرصة تاريخية، ما يعيدها مرة أخرى إلى مفاوضات أساسها استبعاد المرجعيات الدولية. من هنا نرى لزاماً على الفلسطينيين القيام بخطوة إضافية والقبول بمقعد مراقب في الجمعية العمومية، بعد أن بات واضحاً استحالة الحصول على العضوية الكاملة فيها.

وبعد أن تصبح فلسطين عضواً معترفاً به في المجتمع الدولي يمكن إعادة فتح ملف المفاوضات، لكن هذه المرة بين دولة ذات حدود وعاصمة معترف بها، سيادتها الوطنية ينتهكها احتلال، بحيث تصبح أسس المفاوضات الجديدة هي المبادئ الدولية التي تنظم العلاقة بين الدول، وليست الاقتراحات الجوفاء أو ألاعيب المتاهة المفبركة في واشنطن أو تل أبيب.

كل هذه الخطوات ضرورة، لكن الضروري أكثر للقضية الفلسطينية أن تترفع كل القوى الفلسطينية عن المماحكات الفصائلية، وبخاصة ما بين فتح وحماس، وأن تتجها فعلاً لا قولاً إلى تحقيق المصالحة لأنه من المهم أيضاً أن يكون هناك توافق داخلي بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية على دعم هذه المبادرة، وعدم التعليق عليها بسلبية أو انتقادها علناً، وهو ما تقوم به للأسف حركة حماس وكبار مسؤوليها والناطقون باسمها، منذ الإعلان عن المبادرة وحتى يومنا هذا، في تصريحات لا تخدم القضية الفلسطينية أبداً، لا بل يمكن القول إنها تخدم أعداءها.

بصراحة أكثر قد تكون موجعة، في الوقت الذي هدأ فيه الوضع في قطاع غزة، وحرص المسؤولون الحمساويون على الالتزام بالتهدئة مع إسرائيل، فإن السؤال المطروح هو: لماذا تُرفض مبادرة أبو مازن من جانب هؤلاء المسؤولين، بينما هم قد قبلوا هدنة طويلة ولم يمانعوا في إقامة الدولة الفلسطينية في حدود العام 1967؟