فلسطينيون يستثمرون في المستوطنات

الكاتب: د. فهد الفانك _ الرأي الاردنية

 حتى لا يصبح «البيزنيس» طريقاً لـ«الأسرلة»

الكاتب: عريب الرنتاوي _الدستور الاردنية

 ومن أجبركم على حب نتنياهو؟

الكاتب: الياس سحاب _ الخليج الاماراتية

 لماذا تقلق إسرائيل؟

الكاتب: جهاد فاضل_ الراية القطرية

 الفيتو الجماعي بمجلس الأمن

الكاتب: رضا محمد لاري _ المدينة السعودية

 أميركا والنفط والإسلام السياسي

الكاتب: سامي الزبيدي _الرأي الاردنية

فلسطينيون يستثمرون في المستوطنات

الكاتب: د. فهد الفانك _ الرأي الاردنية

في عـددها الصادر يوم السـبت الماضي نقلت (الرأي) تحقيقـاً لصحيفة إسرائيلية تحت عنوان يثير الذهول وهو: أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين يفضلون الاسـتثمار في المستوطنات الإسـرائيلية.

نعرف أن رأس المال لا وطـن له ، فهو يبحـث عن الربح بصرف النظر عن الاعتبارات الوطنية ، وقد سـبق لأحد مؤسسي الشيوعية أن قال: لو طرحنا مناقصة لشـراء حبال لشنق الرأسماليين فإنهم سـوف يتنافسون للحصول على الصفقة!.

الموضوع برمته يعتمـد على رسالة ماجسـتير أعـدها طالب فلسطيني يدعى عيسى السميرات من أبناء الضفة الغربية ، والتقطتها الصحيفة الإسرائيلية فنشـرتها بقصد تحطيم المعنويات الفلسـطينية.

يبـدو من استعراض حيثيـات الدراسة أنها غير متماسكة ، ولم تخضع للنقـد الموضوعي ، ولا تلبي الحد الأدنى من أصـول البحـث العلمي ، وقد اعتمدت أساسـاً على استمارات استطلاع رأي أعدهـا وأجراهـا الطالب المذكور دون إشراف أو رقابـة أو ضمانات ، وليس من المستبعد أن يكون قـد فبـرك النتائج بقصد الإثارة أو لهدف آخـر.

تقول الدراسة أن بعض هـؤلاء المستثمرين المزعومين كانـوا عمالاً في إسرائيل ، فكيف تحولوا بفضل أجورهـم المحدودة إلى رأسـماليين ، يقيمون الاستثمارات ، اللهـم إلا إذا كان المقصود محـددة أو فرنا أو صالون حلاقـة أو هذا النوع من الاستثمار.

ويتحدث الباحث المزعوم عن استثمارات في حـدود 100 ألف دولار أي ما يعـادل ثمن سـيارة ، ودخول سـنوية تهبط إلى مسـتوى 100 ألف دولار أي ما يعادل راتب موظف في إسرائيل ، فليس هناك رأسماليون حقيقيـون أو استثمارات كبيـرة.

ومما يشـير إلى نوعية تلك الاسـتثمارات القول بأن تحول الصناعيين الإسرائيليين إلى التكنولوجيا المتطورة ترك فراغاً في الصناعات التقليديـة أشغله هـؤلاء المرتزقة.

نعرف أن المستوطنات الإسرائيلية تبنى بسواعد عمال فلسطينيين ، وهو أمر معيـب ولكنه مفهـوم بالنسبة لعامل يبحث عن لقمة العيـش.

لقـد حاولت أن أقلل من أهميـة وصدقيـة هذه المعلومة لأني لا أريد أن أصدق أن هذا يحـدث فعلاً ، ومع ذلك فقد يكون من واجب جهات رسـمية وشـعبية ذات مصداقية أن تتحقـق من الوقائع ، وأن تخرج بالاستنتاجات الصحيحـة ، فنحن في زمن العجائب ، وكل شـيء ممكن.

حتى لا يصبح «البيزنيس» طريقاً لـ«الأسرلة»

الكاتب: عريب الرنتاوي _الدستور الاردنية

لفت الزميل يوسف الشايب في تقرير نشره في الزميلة «الغد» أمس، أنظارنا إلى ظاهرة بالغة الدقة والخطوة، ظاهرة مُحمّلة بالمعاني والدلالات، رجال أعمال فلسطينيون يستثمرون في إسرائيل، والأنكى في المستوطنات المقامة على صدور أهلنا في الضفة والقدس، بلغت وفقاً للحسابات المُدققة 2.5 مليار دولار، ووفقا لتقديرات أقل تدقيقاً، أزيد من ضعفي هذا المبلغ (5.8) مليار دولار، في حين يقل إجمالي استثماراتهم في الضفة الغربية عن (1.6) مليار دولار.

والمفجع حقاً في الدراسة التي قام بإعدادها طالب ماجستير في جامعة القدس عيسى سميرات، أن هذه الإستثمارات، كانت كفيلة باستيعاب فائض العمالة الفلسطينية في الضفة، لو أنها وضعت في مكانها الصحيح، ووفقاً لتقديرات الدراسة، فقد كانت كفيلة باستحداث 213 ألف وظيفة، يبدو الفلسطينيون في أمس الحاجة إليها.

والغريب في الأمر أن جميع هؤلاء المستثمرين (99.5 بالمائة منهم)، يجيدون العبرية، ربعهم (23 بالمائة) كانوا عمالاً في إسرائيل، وهم جميعاً كذلك يحتفظون بتصاريح اجتياز دائمة لعبور الخط الأخضر الفاصل بين احتلالين، وأن خمس هؤلاء (20 بالمائة) لا يستثمرون أموالهم إلا في إسرائيل ومستوطناتهم، وأن نصف هؤلاء المستثمرين فوق سن الأربعين، وأن 90 بالمائة منهم، أفادوا بأن خبرتهم الاستثمارية بدأت في إسرائيل.

كثيرة هي الأسباب التي توردها الدراسة في شرح أسباب وعوامل تشكل هذه الظاهرة المفجعة، منها صعوبة الاستثمار في الضفة وضيق السوق الفلسطينية وعراقيل الاحتلال والاستيطان، وهي أسباب على وجاهتها، لا ينبغي أن تدفع أيا منا للاسترخاء، فهذه الشريحة من رجال الأعمال الفلسطينيين، ليست هامشية أبداً، بل ربما شكلت العمود الفقري لقطاع الأعمال والطبقة الوسطى الفلسطيني، ما يعني أن «التبعية» للمحتل، باتت تمتلك قواعد اجتماعية واقتصادية راسخة، وبات لها من يدافع عنها، من موقع المصلحة، وليس فقط من مواقع «الاعتدال» و»الوسطية» و»معسكر السلام».

ما الذي فعلته السلطة لمواجهة هذه الظاهرة، هل تدري السلطة أصلاً بوجود مشكلة من هذا النوع، هم يقولون أن بروتوكول باريس الاقتصادي لا يمنع الاستثمار الفلسطيني في إسرائيل والمستوطنات، بئس البروتوكول بما جاء فيه ومن وقعه ومن روّج له، وكيف يمكن السماح لفلسطيني أن يبني مدماكاً أو خندقاً متقدما في حرب المستوطنين على أرض الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.

السلطة تزعم أنها تقود حرباً على الاستيطان والمستوطنات، مع أن بعض رموزها تورط في تجاره أو «مقاولة» مع المستوطنات، وقيل أحياناً مع «جدار الفصل العنصري»، كيف يمكن لنا أن نقنع العالم بمقاطعة المستوطنات في الوقت الذي يضع 16 ألف رجل أعمال فلسطيني أمواله في تسمينها وتوسيعها وبناء قواعدها وبنيتها التحتية، كيف يمكن لظاهرة «الأسرلة» هذه، أن تمر من دون أن يُقرع ألف ناقوس خطر في العقول والضمائر وغرف الاجتماعات وحراكات الشارع ولقاءات الفصائل واجتماعات الأمناء العامين وحوارات الوحدة الوطنية، خصوصاً إذا أضفنا إليها ما نُشر مؤخراً، عن تفضيل ما يقرب من نصف سكان القدس البقاء تحت قبضة الاحتلال على الانتقال لسلطة رام الله، ودائما بذريعة ضغط الحياة والمعيشة وحسابات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

هذا جيل أو أكثر من رجال الأعمال الفلسطينيين، متوسطين وكبارا وصغارا، نشأ تحت الاحتلال، و»تمتع» ببطاقات الدخول الخضراء لإسرائيل، ونحن هنا نصنفهم درجات بالمعنى الاقتصادي للكلمة، أما بالمعنى السياسي والأخلاقي للكلمة، فكلهم صغار، ولا أدري كيف يمكن لهؤلاء أن ينعموا بعوائد استثماراتهم وهم المدرجون في قوائم «دافعي الضرائب» لإسرائيل، ضرائبهم هي الرصاص التي يسكب على غزة، عوائد استثماراتهم هي الحجارة التي تُبنى بها المستوطنات، وهي الوقود لجرافات الاحتلال التي تعيث فساداً بالأرض والحقوق والمقدسات والتاريخ والذاكرة والجغرافيا، وهي التي تعبث بحاضر الفلسطينيين ومستقبلهم.

إن كان لا بد لحملة مقاومة التطبيع مع الاحتلال والاستيطان التي أطلقتها السلطة، أو زعمت ذلك، أن تكون جدية ومقنعة لنا ولأصحابها وللرأي العام، فلا بد من البدء بمعالجة جذرية لهذه الظاهرة المقلقة، واجتثاثها، لا بد من البدء من هنا، لا بد من «فك ارتباط» هؤلاء مع الاحتلال والاستيطان، لا بد من إنها ظاهرة التخريب المنهجي والمنظم للمجتمع الفلسطيني، فكيف لمجتمع أن ينفض عن نفسه غبار الاحتلال، وهو موزع على جيش من الموظفين المرتبطن بالمانحين، وجيش رديف من «ذوي الياقات المُنشّاة»، يكاد يكون «متأسرلاً» بالكامل، اقتصادياً واجتماعياً، والأرجح ثقافياً، ذلك أن إتقان هؤلاء للعبرية الفصحى، لم يأت من

باب «من غرفة لغة قوم أمن شرهم»، بل من باب المنافع والمكاسب، طفيلية الطابع، حتى وإن كان ثمنها المنطقي والطبيعي، تواطؤاً مع الاحتلال ورغبة في استدامته.

ومن أجبركم على حب نتنياهو؟

الكاتب: الياس سحاب _ الخليج الاماراتية

في البداية، شكراً للخطأ التقني الذي تسبب في أن ينقل لنا ما كان يتهامس به كل من الرئيس الفرنسي ساركوزي والأمريكي أوباما، بشأن عواطفهما الشخصية تجاه شخصية مشتركة، هي شخصية رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو .

وسبب الشكر المباشر هو أن هذا الخطأ قد أتاح لنا الكلمة الفصل في ما كان البعض منا يستنتجونه استنتاجاً، فجاء الخطأ ليحول الاستنتاج إلى حقيقة، وهي الحقيقة التي تقول إن ساركوزي قد عبر عن أنه لا يطيق نتنياهو لأنه كاذب، كما أن أوباما قد عبر عن أن ما لديه إزاء نتنياهو من انزعاج يفوق ما لدى الرئيس الفرنسي .

لكن السؤال المهم الذي سرعان ما يطرح نفسه إزاء هذه الصراحة السياسية التي تسربت إلى العلن رغم إرادة صاحبيها، هو: ما الذي يفسر لنا إذاً، هذا التناقض بين العواطف السياسية الدفينة، والعواطف السياسية المعلنة لدى الرئيسين الغربيين الكبيرين، إزاء موضوع له علاقة ب”إسرائيل”؟

وقبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لنذكّر القارئ بأنه قلما جاء رئيس فرنسي بعد ديغول كان يغدق على “إسرائيل” آخر العواطف في أشد لحظات “إسرائيل” مخالفة لكل القوانين الدولية مثلما فعل ساركوزي، كما أنه ثبت من قبل انتهاء الولاية الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما، أنه أكثر الرؤساء الأمريكيين صهيونية في مواقفه منذ إنشاء دولة “إسرائيل”، على الأقل في ما يعبر عنه علناً من عواطف سياسية ومواقف سياسية .

الجواب عن السؤال يذهب بنا مباشرة إلى أن الغرب قد ارتكب ضد يهود أوروبا بالذات من التصرفات العنصرية في القرون الأخيرة، وخاصة في النصف الأول من القرن العشرين ما جعل الدول الغربية (أمريكا وأوروبا) بمجملها تشعر بنقطة ضعف إزاء الحركة الصهيونية التي تجسدت منذ منتصف القرن، بدولة “إسرائيل” .

نقطة الضعف هذه راكمت مواقف الدول الغربية الشاذة عند إنشاء “إسرائيل” على أرض فلسطين المغتصبة والمشرد شعبها، وبعد إنشائها، وحتى يومنا هذا، ما يفوق الخيال، لأنها كلها مواقف تحسب على نقيض كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية الواردة في مختلف نصوص وثائق الأمم المتحدة (حقوق الإنسان وسواها) .

من هذه المواقف مثلا أن “إسرائيل” قد سمح لها أن تقوم كدولة، بدعم الدول الغربية الكبرى، على تشريد شعب من أرض أجداده .

ومنها أن عدداً من القرارات الدولية قد أصدرها المجتمع الدولي بعد ذلك في محاولة لتخفيف آثار ذلك الموقف التاريخي الناشز، مثل القرار 181 أو القرار ،194 لكن دون جدوى .

ثم جاء بعد ذلك احتلال “إسرائيل” لمجموعة من الأراضي العربية في العام ،1967 ومنها البقية الباقية من فلسطين، إضافة الى مزيد من أراضي الدول العربية المحيطة بها . لكن الدول الغربية دأبت مذاك على أن تستخدم أو تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) إزاء كل المساعي التي بذلت في الأمم المتحدة لعشرات السنين، لتفرض على “إسرائيل” تطبيق القرارات الدولية التي من شأنها تخفيف الوقع القانوني والإنساني لمأساة إنشاء دولة “إسرائيل” في العام 48 واحتلال العام 67 .

آخر هذه المواقف المخزية، التي لا آخر لها، تمثل في موقف الصحافة الغربية (وعلى رأسها الصحافة الفرنسية في بلد المسيو ساركوزي) عندما تمت عملية التبادل بين الجندي “الإسرائيلي” الأسير (شاليت) وما يفوق ألفاً من الأسرى العرب في السجون “الإسرائيلية” . فلقد خرجت كبريات الصحف الفرنسية، وعلى رأسها صحيفة “لوموند” المعروفة برصانتها عادة، تهلل لإطلاق سراح فرد “إسرائيلي” واحد هو شاليت، وتتناسى نهائياً مئات الأسرى العرب المطلق سراحهم، وكأنها تريد أن تزيد على مواقفها السياسية المخزية إزاء كل ما تمثله “إسرائيل” من تناقض مع القانون الدولي، ما يؤكد تمييزها العنصري بين فرد من “إسرائيل”، ومئات من الأفراد العرب، الذين لا يساوون هذا الفرد في ميزان العنصرية الغربية إزاء العرب .

إنه إذاً، الموقف العنصري الذي يفسر هذا التناقض بالأساس، لكن يضاف إليه في تفسير التناقض المشار إليه في مطلع المقال، الموقف السياسي، الذي يدفع كل عامل في السياسة في كل الدول الغربية الكبرى، إلى أن يكون حريصاً، في جميع مواقفه الكبيرة والصغيرة، ألا يسجل عليه غلطة انتقاد السياسة “الإسرائيلية”، أو الساسة “الإسرائيليين”، حتى لو كان يقول له إن هذه السياسة تقوم أساساً على خرق كل الشرائع والقوانين الدولية، وكل المواثيق الإنسانية والأخلاقية .

من أجبر إذاً، ساركوزي وأوباما على الغرام العلني بنتنياهو ومواقفه، وعلى التعبير عن كرهه في السر؟ إنه المنصب السياسي والمصالح الذاتية المنافية لكل القيم الإنسانية هو الذي أجبر الرئيسين الفرنسي والأمريكي، على التناقض بين المعلن والمستور من مواقفهما إزاء “إسرائيل” وساستها .

لماذا تقلق إسرائيل؟

الكاتب: جهاد فاضل_ الراية القطرية

لأول مرة ومنذ سنوات بعيدة، تجري الرياح في المنطقة بما لا تشتهي إسرائيل، فكل المراصد سواء داخل الدولة العبرية أو خارجها، وبخاصة في دول الجوار، تنبئ بأن إسرائيل ستواجه خلال ربع قرن على الأكثر لا أزمة حدود مع جيرانها الفلسطينيين والعرب، بل أزمة وجود، فالتصريحات المنذرة بالخطر الصادرة من اسرائيليين معنيين بمستقبل دولتهم، شبيهة بالتصريحات التي كان يطلقها حزب الكتائب وغلاة الموارنة خلال الحرب اللبنانية، خلال تلك الحرب كان العالم يستفيق كل يوم على تصريحات لآل الجميل: بيار وبشير وأمين، ولسواهم، فحواها أن كيان لبنان في خطر وأن على العالم أن يهب لنجدته وإلا خسر بلداً إن أُعطي السلام أدهش العالم.

نفس الشيء يحصل الآن في اسرائيل، فغلاة اليهود، المعروفون بحساسيتهم، والخائفون على بلدهم من رخاوة أصلية مبثوثة في كينونته، يطلقون الصرخة تلو الصرخة محذرين من مستقبل يجتث إسرائيل من جذورها، بنظر هؤلاء، كانت اسرائيل على الدوام كياناً هشاً، ولكن ما كان يهب هذا الكيان مناعته عاملان أولهما القوى العالمية وعلى رأسها الغرب »أمريكا وأوروبا« وثانيهما الدول الاقليمية المحيطة به وعلى رأسها نظام مبارك في مصر ونظام الأسد في سوريا، كان هذان النظامان مختلفين في أسلوب العلاقة الحميمة مع إسرائيل، فإذا كان النظام المصري فتح ذراعيه لإسرائيل جهاراً نهاراً فإن النظام السوري سلك في »الحب« أسلوبا مختلفا، فبسبب من خصوصية سوريا كبلد مريض بالعروبة، لديه حساسية وضعف ازاء كل قضاياها وفي طليعتها قضية فلسطين، جرى الحرص في الظاهر على الحديث عن الصمود والتصدي والممانعة، في حين سلكت العلاقات في الباطن مسلكاً آخر قصر عنه حتى كامب ديفيد، ففي واقع الأمر كانت سوريا بالفعل في حالة صلح عملي مع إسرائيل بدليل أن حدودها معها ظلت على مدى ٤٣ عاما »أي منذ وصل الأسد الأب إلى السلطة« أهدأ حدود في العالم بين بلدين، وبدليل أن الجيش السوري لم يتوجه يوما إلى الجولان المحتل، وبدليل أن تسليح هذا الجيش كان في معظمه بعتاد لا للحروب الخارجية، بل للقمع الداخلي، وكل هذا يتجلى الآن للمراقبين بالعين المجردة.

الآن تغيرت مصر وخلال فترة زمنية بسيطة ستتغير سوريا، وكانت تركيا بالذات، وهي قوة عسكرية وسياسية عظمى في المنطقة، قد تغيرت تغيرا جذريا بدورها، من تركيا طانسوتشيلر ومسعود يلماز وجنرالات ولاؤهم لأمريكا، بالدرجة الأولى والأخيرة، إلى تركيا إسلامية عثمانية وفية لجذورها تبحث عن مصالحها فلا تجدها إلا في التحالف مع قوى التغيير في العالم العربي. وهكذا تجد تركيا نفسها في خندق واحد مع أهل غزة ورام الله ونابلس بوجه آخر حملة صليبية على فلسطين سبق للأتراك في تاريخهم أن واجهوا مثلها سواء في البلقان أو في سواه، فالعدو واحد، وإذا كان الأتراك العثمانيون واجهوا الصليبيين في الماضي تحت راية الإسلام، فالمواجهة الحالية اليوم لا تختلف كثيرا عن مواجهة الأمس، واسرائيل في صلب طبيعتها وكيانها، جرثومة صليبية مستحدثة عصية على التبيئة في المنطقة ولم تنفع كل أنواع الأسمدة التي زودها بها الغرب في أن تبدو نبتة طبيعية في محيطها.

الصراخ في اسرائيل حول الخطر على كيانها من المتغيرات في المنطقة لا يهدأ لا ليلا ولا نهاراً، آخر الباكين قبل أيام قليلة كان عاموس جلعاد الذي ذكر بالحرف الواحد أن وجود بشار الأسد في السلطة يصب في مصلحتنا في حين أن غيابه كارثة علينا. وأضاف جلعاد، حرفيا أيضا أن التغيير في سوريا سيقضي على إسرائيل، وهي نبوءة لا يخالف فيها أحد جلعاد، ثمة فرق هائل بين سوريا عربية ديمقراطية الكلمة فيها لشعبها وسوريا أخرى ارادتها معطلة ومكبلة عن سابق تصور وتصميم.

وقبل جلعاد بأيام قليلة جرت في اسرائيل مناحة كبرى كان بطلها اليهودي العراقي الأصل بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع السابق الذي ربطته لسنوات طويلة علاقة صداقة وأخوة مع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك. في هذه المناحة حذر بن اليعازر من حتمية المواجهة مع مصر، وطالب اسرائيل بأن تستعد لها من الآن، وأنصت حكماء اليهود لأقوال بن اليعازر لأسباب منها الأدوار الكثيرة، الخفية وغير الخفية، التي كان يضطلع بها في الماضي لتطوير علاقة بلده مع مصر، وكان بن اليعازر أول من قال في اسرائيل إن سقوط مبارك يعني خسارة إسرائيل ذخرا استراتيجياً.

وقالت »يديعوت آحرونوت« إن جسر الصداقة التاريخي بين إسرائيل ومصر يحذر بعد انطلاقة الثورة المصرية من احتمال تحول »الأصدقاء« إلى أعداء، فبرأي بن اليعازر تدل التطورات الأخيرة في مصر على أن اسرائيل مع مرور الوقت ستجد نفسها في مواجهة جبهوية مع مصر، ولذلك فإن من الجدير بنا أن نبدأ الاستعداد للمواجهة، وقال أعضاء من لجنة الخارجية والأمن في الكنيست إن توقعات بن اليعازر لها وزن كبير لأنها صادرة عنه تحديداً.

وذكر بن اليعازر أيضا: نحن في مركز عاصفة أو هزة أرضية، لا أرى أن هذه الهزة ستهدأ، خاصة ان الاخوان المسلمين سيحصلون لأول مرة في التاريخ على ثلث عدد أعضاء البرلمان على الأقل، وهكذا تحل الإسلامية محل القومية.

ونبه مسؤولون يهود آخرون إلى الوضع الخطير في سيناء التي تحولت خلال أشهر قليلة من حديقة خلفية لإسرائيل، يسرح فيها السواح الإسرائيليون ويمرحون وما من حسيب ولا رقيب، إلى بؤرة متوترة تقام فيها »بنى تحتية ارهابية« لتنظيمات معادية تنطلق من قطاع غزة وكذلك لعناصر جهادية إسلامية وأجنبية.

ثمة إذن مشهد جديد في المنطقة يقلق إسرائيل لأن من شأن تبلوره وتوحده على نظرة واحدة إليها، ما يجعلها مجرد »جيب« استطياني نافر وغريب وغير قادر على الحياة حتى ولو زودته كل القوى النافذة في العالم بكل أنواع الأسمدة والمقويات، بعد سقوط مدن الأندلس واحدة تلو الأخرى بيد الملكين الكاثوليكيين فرديناند وايزابيلا، وجدت مدينة غرناطة نفسها وحيدة بمواجهة أعدائها، كل ما حولها لم يعد إشبيليا وقرطبة والمرية الإسلامية، أحاط بها الأعداء من كل جانب ولم تستطع لا الدولة العثمانية ولا الدولة الأيوبية في مصر، ولا أي دولة إسلامية بعيدة، أن تقدم لها العون المطلوب، تُركت غرناطة لمصيرها، فما مر عام أو عامان إلا وسقطت وانتهى أمرها ولم يشفع لها شيء: لا تاريخها الحافل والكرامات الإنسانية ولا كل ما قدمته لاسبانيا والنهضة الأوروبية الحديثة.

تلك كانت غرناطة التي وجدت نفسها وحيدة وقد أحاط بها الأعداء من كل جانب فلم يدعوها إلا وقد أجهزوا عليها.

ذاك كان مصير زهرة المدائن وأجلها شأنا في التاريخ البشري، لا لشيء إلا لأنها كانت وحيدة في بيئة عدوة. اسرائيل، وفي مستقبل غير بعيد، ستجد نفسها، وبعد أن خسرت »كنوزها الاستراتيجية« التي أشرنا إليها، في نفس وضع غرناطة بالضبط، هذا مع الفارق بالطبع بين مدينة هي فخر المدائن وأكثر إنسانية وحضارة ورأفة باليهود، وبين دولة فصل عنصري وعودة بالإنسان والإنسانية إلى عصور ظلامية عرفتها البشرية في ماضيها البعيد وظنت أنها انطوت إلى الأبد!

الفيتو الجماعي بمجلس الأمن

الكاتب: رضا محمد لاري _ المدينة السعودية

تؤكد مصادر أمريكية أن البيت الأبيض استطاع أن يقنع البوسنة والهرسك بالتصويت في مجلس الأمن الدولي ضد طلب الفلسطينيين بالعضوية في الأمم المتحدة الذي تقدم به الرئيس الفلسطيني محمود عباس في سبتمبر من اعتراف بدولة فلسطين على حدود الأراضي المحتلة منذ عام 1967م.

جاء هذا الإقناع الأمريكي للبوسنة والهرسك بوعود شديدة ومؤكدة بأن تقدم واشنطون العون المادي الكبير لها، وبضغوط أمريكية قوية بالتصويت ضد الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن الدولي أو على الأقل الامتناع عن التصويت، ولقد نجحت تلك الضغوط الأمريكية وترتب على ذلك أن البوسنة والهرسك التي تشغل مقعدًا في مجلس الأمن الدولي بدورته الحالية امتنعت عن التصويت بشأن الطلب الفلسطيني الأمر الذي فشله دون اضطرار واشنطون لاستخدام حق النقض «الفيتو» لإسقاط الطلب الفلسطيني الذي كان يحتاج إلى تسعة أصوات من أصل خمسة عشر صوتًا حتى يمر في مجلس الأمن الدولي لتجبر واشنطون على استخدام حق الفيتو.

لا شك أن واشنطون أرادت بهذا الضغط على جمهورية البوسنة والهرسك عدم اللجوء إلى استخدام الفيتو لأنه يدل دلالة أكيدة على الفساد السياسي في مجلس الأمن فعملت على عدم حصول الطلب الفلسطيني على الأغلبية الموصوفة بتسعة أصوات ويصف بعض فقهاء القانون الدولي العام أن عدم الوصول إلى نصاب الأصوات بتسعة أصوات يعني « الفيتو الجماعي».

صرح نمر حماد المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس أن جمهورية البوسنة والهرسك قررت عدم الاعتراف بفلسطين عضوًا كاملًا بالأمم المتحدة، وهي بذلك تنضم إلى جانب كولومبيا الأمر الذي يعني فشل الفلسطينيين في توفير تسعة أصوات لصالحهم، وأفاد نمر حماد بأن هناك ثماني دول فقط وافقت على التصويت لصالح الطلب الفلسطيني في حين أنه يحتاج إلى تسعة أصوات من إجمالي أصوات مجلس الأمن الدولي الذي يبلغ عدد الأعضاء فيه خمسة عشر عضوًا وهذا يعني أن يؤجل مجلس الأمن الدولي قراره بشأن طلب فلسطين العضوية كاملة في مجلس الأمن إلى موعد لاحق.

هذه الصورة الناتجة عن التصويت في مجلس الأمن الدولي تثبت بالدليل القاطع أن الخمسة دول الكبار ذات المقاعد الدائمة والتي تمتلك حق الاعتراض الفيتو في مجلس الأمن الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة البريطانية، فرنسا، وروسيا، الصين لم يصوت أي منها إلى جانب الطلب الفلسطيني بالعضوية الكاملة حتى مجلس الأمن بدليل أن الذين صوتوا إلى جانب الطلب الفلسطيني ثماني دول، والذين صوتوا ضده أو امتنعوا عن التصويت سبع دول الخمس الكبار بالإضافة إلى كولومبيا والبوسنة والهرسك، وهذه الحقيقة تثبت أن الدول الخمسة الكبرى تآمرت على حق الدولة الفلسطينية في إقامة دولتها عند حدود عام 1967م وحصولها على العضوية الكاملة للأمم المتحدة، وهي مؤامرة قادتها واشنطون واستقطبت فيها الدول الأربعة الكبرى إلى جانبها، ولم يأت ذلك من فراغ وإنما جاء دعما لإسرائيل التي تنكر نكرانًا تامًا حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم عند حدود عام 1967م، والسبب في هذا التعاطف الأمريكي الإسرائيلي دور الدهلزه الصهيونية في داخل الولايات المتحدة الأمريكية وضغوطها على أصحاب القرار السياسي حتى تأتي قراراتهم دائما أبدا لصالح إسرائيل إلى الدرجة التي جعلت الخوف الأمريكي من إسرائيل أن يفضل مصالح تل أبيب على مصالح واشنطون وهو وضع غير طبيعي في العلاقات الدولية خصوصا وأن إسرائيل تلجأ دائما إلى تزوير الحقائق والتلاعب بكل المصالح الأمريكية في سبيل تحقيق بعض من مصالحها الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط خصوصا وان التوجه العام الاستراتيجي لإسرائيل أن تكون دولة كبرى في إقليم الشرق الأوسط لتفرض إرادتها عليه خصوصا في ظل القصور الذي وضعه الصهيوني الدكتور هنري كسينجر الذي يطالب بتقزيم دول هذا الإقليم كما أعلن منذ عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، أن هذه المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية لا تزال مستمرة حتى الآن بدليل أن تصرف واشنطون دائما أبدا يقف إلى جانب إسرائيل التي تتلاعب بكل مصالح الإقليم وتتصرف وفقا لهواها إلى الدرجة التي مضت فيها العقود الطويلة وظلت كل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية مكانك سر دون أن تتقدم خطوة إلى الإمام ودون أن تحقق على ارض الواقع أي إنجاز يؤدي إلى قيام الدولتين.

الدليل على ذلك أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما وعد في خطابيه باسنطبول في تركيا وبجامعة القاهرة في مصر أن عام 2011م عامنا الحالي الذي لم يبقَ من أيامه إلا شهرًا وبضعة أيام تقوم الدولتان الفلسطينية والإسرائيلية، ولكننا نجده يتخلى على وعده وظلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تدور في حلقة مفرغة تنتهي من حيث بدأت وذلك لأن التسويف والكذب الذي يلجأ إليه رئيس الوزارة الإسرائيلية بنيامين نتينياهو في كل تصرفاته وأمريكا صاحبة الوعود البراقة تؤيده في تسويفه وكذبه وكان أبرز معالم ذلك موقفها ضد الدولة الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي وتحريض الدول الأربعة الكبرى على نكران هذا الحق بجانب تحريض كولومبيا وجمهورية البوسنة والهرسك بالتصويت ضد فلسطين.

أميركا والنفط والإسلام السياسي

الكاتب: سامي الزبيدي _الرأي الاردنية

مرة ثانية في اقل من ثلاثين عاما ينعقد التحالف بين النفط و الاسلام السياسي لتنفيذ برنامج غربي معاد لشعوب المنطقة .. حدث ذلك حين تم تمويل «ثورة» رجعية في افغانستان ليجد هذا التحالف حليفه الدولي ( الولايات المتحدة) جاهزا لتنفيذ ثالوثها الذهبي : 1- حماية امن اسرائيل 2- تامين منابع النفط 3- احتواء النفوذ السوفياتي، وانتهى التحالف الى انهيار الدب الروسي وتبلور اكثر التيارات الاسلامية تطرفا (القاعدة) واشعال حرب بين قوتين نفطيتين رئيستين( العراق وايران) وتنفيذ فكرة الاحتواء المزدوج لابقاء الدول النفطية ضعيفة بما فيها ايران والعراق.

لم تدم الجفوة الاسلاموية مع النفط والغرب كثيرا اذ عادت سيرتها الاولى بعد طي ملف «الارهاب» باعتباره ليس صنيعة دين محدد بل سلوك عابر للقارات وللاديان ايضا، وها هو ينعقد الحلف مجددا فتزهر ثماره في ليبيا وربما في سوريا اضافة الى الالتفاف على ثورتي مصر وتونس.

في المشهد السوري الخصومة واضحة بين النظام السوري وكل طرف في الثالوث : النفط ، الاسلام السياسي ، والغرب: لذلك فان سورية ستكون لاشهر وربما لسنوات قليلة قادمة ساحة الصدام بين المشروعين ديمقراطي المظهر لاوطني الجوهر ووطني المظهر لاديمقراطي الجوهر فيما الشعوب هي وقود هذه المواجهة.

لقد وصل المشروع الغربي في سورية الى ذروته حين وفرت الجامعة العربية غطاء سياسيا لمرحلة تالية هي التدويل لكن سورية ليست في جزيرة معزولة ولا هي بلا تحالفات بصرف النظر عن اخلاقيات هذه التحالفات، لكن حين وفرت الجامعة غطاء لاي تدخل دولي ظهر عجز المشروع الغربي في ايجاد قوائم له على الارض تجعل منه حقيقة واقعة فحدث ان استقر المشهد على تقتيل يومي وصدام عسكري لا افق له ومن شأن استمراره اعادة سورية كدولة الى عصور ما قبل الدولة الحديثة حيث بدأت تظهر بعض النزعات الطائفية والاثنية والدينية التي ستفضي في مآلاتها ليس الى دمقرطة الدولة والمجتمع بل الى تفسخهما.

اختطف الغرب الربيع العربي وبدأت اكثر النظم شمولية حريصة على توجيهه وتمويله بما يعني ان ثورتي تونس ومصر لن تتكررا بعد ان استوعب الغرب الصدمة الاولى وقاد التفافا محكما عليهما وبدأ في اعادة رسم خياراته بالتعاون مع نظم وقوى سياسية اساسية في المشهدين التونسي والمصري بادوات الليبرالية الغربية المتمثلة بقدسية صندوق الاقتراع.

القصة السورية تختزل كل الفصول العربية وليس فقط الربيع ومن ينتصر هناك سيتحكم بمسارات مستقبل المنطقة لعقود.