لقاء المصالحة فرصة أخيرة ولكن لمن؟

بقلم: عز الدين أحمد إبراهيم عن السبيل الأردنية

الوعي المفقود .. والمصالحة المستهدفة من الأعداء

بقلم: علي الطعيمات عن الوطن القطرية

مَنْ يتآمر على مَنْ؟

بقلم: حسان الرواد عن القدس العربي

صورة الشرق الأوسط في الإعلام الغربي

بقلم: جيروم شاهين عن المستقبل البيروتية

حصاد الربيع العربي: أعراض متشابهة

بقلم: أحمد يوسف أحمد عن الاتحاد الاماراتية

الإسلاميون والليبراليون.. أساسيات وكماليات

بقلم: محمد صلاح عن الحياة اللندنية

لقاء المصالحة فرصة أخيرة ولكن لمن؟

بقلم: عز الدين أحمد إبراهيم عن السبيل الأردنية

التصريحات التي أطلقها عدد من قيادات فتح حيال اللقاء المرتقب بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ورئيس حركة فتح محمود عباس بأنّه سيكون لقاء الفرصة الأخيرة، تحتاج وقفة طويلة من قبل المراقبين والمتابعين للشأن الفلسطيني لما تنطوي عليها من خطورة بالغة على مستقبل العمل الوطني الفلسطيني في حال تكللت جهود الفرقاء بالنجاح.

ندرك بلا شك حساسية اللقاء وتحديدًا توقيته، ولكلا الفصيلين؛ حماس وفتح، وندرك كذلك بأنّ استمرار حالة الانقسام لا يستفيد منها إلاّ العدو الصهيوني، ولكن في ذات الوقت ندرك أنّ تصريحًا من هذا النوع من قبل شخص مثل عباس زكي يحتّم على قيادات فتح أن يفهموه قبل غيرهم، وأن يدركوا أنّ هذه الفرصة لن تتكرر وأنّهم المستفيد الأول من إتمام الاتفاق قبل غيرهم، مسلّمين بطبيعة الحال أنّ الاتفاق في العموم هو لصالح الشعب الفلسطيني.

لا حرج عند الحديث في موضوع المصالحة أنّ تناول الموضوع انطلاقًا من حسابات الربح والخسارة، مفترضين أنّ ما يجري هو عمل سياسي، مشروعٌ لكل التيارات والفصائل الفلسطينية، لذلك نؤكّد أنّ المستفيد الأول من نجاح اللقاء وتطبيق ما تم الاتفاق عليه في القاهرة في أيار الماضي هي حركة فتح، وأنّ اللقاء بالفعل يشكّل فرصة أخيرة لهذا الفصيل المهم في الخريطة السياسية الفلسطينية قبل أن تتجاوزه حركة التغيير الحاصلة التي لا تنظر إلى ما كان بل ما هو كائن في الوقت الحالي.

حركة فتح التي تواجه مأزقًا سياسيًّا هو الأخطر في تاريخها، قد يدفعها إلى الإقرار أمام الشعب بفشل خيارها السياسي وعدم تحقق حلم الدولة الذي ظلّت تروّج له لعقود من خلال نهج التسوية، وبالتالي حلّ السلطة بمكتسباتها التي جناها رموزها، يفترض بها أن تنظر إلى اتفاق المصالحة كطوق نجاة ينتشلها من غرق محتم، ويعيدها إلى الصف الوطني.

وحركة فتح التي تعرّض حلفاءها الإقليميين لزلزال كبير قذف بعضهم خلف القضبان أو قزّم آخرين وأعطاهم حجمهم الطبيعي، يتوجّب عليها انتهاز "الفرصة الأخيرة" متمثّلة في لقاء المصالحة المنتظَر، وأن تتخلّى عن شيء من كبريائها لصالحها ومستقبلها كفصيل له ما له من تاريخ.

في المقابل نجد أنّ حركة حماس التي أحرزت هدفًا كبيرًا في مرمى الاحتلال من خلال صفقة التبادل وأرغمت نتنياهو على إبرامها، وحررت مئات من كبار قيادات العمل الفلسطيني المقاوم، نجدها مقبلة على اللقاء بنوايا حقيقية على الرغم من تنازلات قدّمتها، لم ترضِ كثيرًا منها قواعدها الشعبية، وتعمم على الناطقين باسمها بضرورة الحديث إيجابيًّا بشأن لقاء مشعل - عباس.

وحماس المقبلة على اللقاء، أيضًا هي حماس التي يحصد شركاؤها في الفكر والتنظيم النجاح تلو النجاح في ربيع الثورات العربية؛ انطلاقًا من تونس، مرورًا بليبيا، وصولا إلى مصر التي تحتضن هذا اللقاء.

انطلاقًا من ذلك كله، نجد أنّ اعتبار عباس زكي لقاء "مشعل - عباس" القادم "لقاء الفرصة الأخيرة"، صحيح، ولكن وجب عليه توجيه هذه النصيحة لرفاقه وقيادته في حركة فتح قبل أن يعممها على الكل الفلسطيني الذي حدد بوصلته منذ زمن طويل، وحدد من كان يعطّل عجلة الاتفاق طيلة فترة الانقسام.

الوعي المفقود .. والمصالحة المستهدفة من الأعداء

بقلم: علي الطعيمات عن الوطن القطرية

بن غوريون قال ذات مرة للاسرائيليين، «قد تنتصرون خمسين مرة ولكن اذا انتصر العرب عليكم مرة واحدة تزولون».. وهذه حقيقة لا يمكن المجادلة او التشكيك فيها ، فهي قمة الواقعية في مضامينها وهي تفسر «سر» بلاء امتنا بالتفكك والتفتت والانقسامات والانكفاءات ، لذلك فالإسرائيليون يبذلون اقصى ما يمتلكون وحلفاؤهم من طاقات وقدرات لمواصلة السقوط العربي عموما والفلسطيني خصوصا ، ولا يتركون وسيلة أو عنصرا يمكن ان يساهم في خدمة مشروعهم الاستعماري الاستيطاني التهويدي إلا واستخدموه وببراعة .

واتقاء شر الإسرائيليين وحلفائهم واحباط مخططاتهم الشريرة ، لا يمكن ان يتم الا في حالتين اولا استعادة الوعي القومي الصادق ، والاعتراف بأن مصير هذه الامة لم يكن مشتركا في يوم ما اكثر مما هو عليه الان ، وهذا الوعي المستعاد ، سيقود بالضرورة الى استنهاض العزائم والارادات ، واستعادة «التضامن» ووحدة الصف الذي طال غيابه ، وطال انتظاره، وتقطعت به السبل ، التضامن الفعلي ، وليس تضامن البيانات والتصريحات التي تعني عكس ما تحمل من معان .

ولأن وحدة الصف الفلسطيني تمثل أهم الأسلحة الفلسطينية المقامة ، والتي يمكن توفيرها بقوة ولا تحتاج إلى «تهريب» عبر المنافذ المراقبة ارضيا وعبر الأقمار الصناعية تحت رعاية ورقابة الإدارة الأميركية راعية الإرهاب الإسرائيلي والجرائم الإسرائيلية، فالحصار اكبر على سبل تحقيق مثل هذه الوحدة ، وتكثر المخططات للأبقاء على الفلسطينيين مشحونين بالغضب والعمى السياسي والوطني واتباع الاجنبي ورغباته بل ويصل الأمر احيانا بتعليمات الحلف الأميركي - الإسرائيلي الشرير لخدمة المشروع الصهيوني.

ولتحقيق وحدة الصف الفلسطيني وللإمساك بهذا السلاح الاقوى المطارد والملاحق بتهمة «الارهاب» من الحلف الأميركي-الإسرائيلي ، ويحاصر اينما وجد لمنعه من المشاركة في معركة المصير التي يحتاج فيها الفلسطينيون والعرب إلى الارادة والتحرر من التبعية ، وقبلها من الخوف والرعب الذي يهيمن على دواخلهم ، يستدعي الأمر رفع شأن المصلحة العليا الفلسطينية على كل الشؤون الشخصية والحزبية والحسابات الفئوية ، فالمطلوب ليس كثيرا ،فهو فقط «اقامة الدليل» على وجود الرغبة في المصالحة داخل قيادات «فتح وحماس» ، وهذا لايكون بوقوف كل طرف على اجنحة التصريحات والتحليق بها في حين ان الوضع على الارض لم يتغير ، وربما الابقاء على المقاومين في سجون السلطة حتى الآن ، يؤشر الى ان النوايا ما زالت غير صادقة وليست سليمة ، بالرغم من كل الحقائق التي افرزتها الغطرسة الاسرائيلية وحاميتها الاميركية ، وبالرغم من الحقيقة التي جسدتها السياسة الاميركية بالوقوف ضد اعتراف الامم المتحدة بدولة فلسطينية على حدود العام 1967 بل وموقفها العدواني المنحاز بامتياز الى الاحتلال بمعاقبتها اليونسكو لموافقتها على انضمام فلسطين اليها وهو ابسط الحقوق التي يستعيدها الفلسطينيون منذ اكثر من نصف قرن .

فتجاوز المشهد الانقسامي الذي اخترق الصف الفلسطيني يمثل واحدا من العناصر الأهم التي عمل بها الإسرائيليون الذين اتخذوا من وصية بن غوريون قاعدة انطلاق، قد نقل المعارك بكافة اصنافها واشكالها فوق الساحة العربية والفلسطينية على وجه الخصوص، ليس لإحداث انشقاق وانما تفتيت كل امكانية يمكن ان تساهم في صلابة الموقف ومواجهة المد الإسرائيلي-الأميركي المتحالف تتطلب تضحية سياسية من الاطراف المتنازعة على سلطة وهمية والاقتناع بأن الإسرائيليين لا يقدمون «تنازلات» مؤلمة أو غير مؤلمة الا اذا وجدوا امامهم فلسطين متماسكة غير قابلة للاختراق وهذا مرهون برئيس السلطة في رام الله محمود عباس الذاهب الى القاهرة خلال الاسبوع الجاري للقاء رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية ( حماس) خالد مشعل ، فبيدهما ان يعيدا اللحمة بالتوجه فورا لتنفيذ بنود اتفاقية المصالحة من دون الالتفات الى «السراب» و «الوعود» الكاذبة ، فالمصالحة تعني عودة الوعي وتعني الخطوة الاولى نحو استعادة القرار واستعادة اللحمة ووحدة الصف وبداية الطريق نحو التحرير .

مَنْ يتآمر على مَنْ؟

بقلم: حسان الرواد عن القدس العربي

يبدو أن المؤامرة هي مفهوم عربي بحت أجاد النظام العربي الرسمي استخدامها ببراعة واحتراف طيلة العقود الماضية وتحديدا منذ اغتصاب فلسطين لتبرير فعل أي شيء وكل شيء من أجل البقاء في الحكم حتى النهاية وإقصاء كل من يحاول التغيير تحت هذا المبدأ، متجاوزين كل القوانين والأخلاقيات بحجة إفشال تلك المؤامرات التي تستهدف البلاد وأمن العباد دون أن يكون لها أي نهاية منظورة، فلا يتوقف الحديث عن المؤامرة أبدا ماداموا على رأس السلطة فنحن من وجهة نظرهم دائما مستهدفون.

وما بين تلك المؤامرات التي لا تنتهي يعيش الإنسان العربي حياة البؤس والشقاء التهميش والإقصاء والتخلف الممنهج المقصود، وعليه أن يبقى صامتا كي لا يكون جزءا من هذه المؤامرة المفتوحة فيُتهم عندها بالخيانة العظمى.. فكانت النتيجة أن مُنعت الحريات وكممت الأفواه وغابت العدالة وألغيت حرية التفكير والإبداع؛ فتأخرت التنمية في بلادنا واختلت طبقات المجتمع، ونهب المال العام، وتراجع مستوى التعليم بكافة مراحله بشكل واضح وكبير، وتراجعت مكانة العلم والعلماء عند الأنظمة ليتربع تلك المكانة وبامتياز الغناء والطرب فكثرت المهرجانات الغنائية ومسابقات الغناء التي أنفق عليها من أموال الشعب ما لا ينفق ربعه على التعليم، والنتيجة هجرة العلماء والكفاءات للبلاد الغربية التي أحسنت توفير ودعم أسباب هجرتهم وأحسنت بعد ذلك استقبالهم والاستفادة من إبداعاتهم.. أما نحن فحزنا على نجوم الغناء وإبداعاتهم الشهوانية المخدرة.. وبكل فخر أصبحت مكانتنا العلمية على مستوى خارطة البحث العلمي في العالم صفر.. فبات الفقر والتخلف والمجاعات سمة يتميز بها الشعب العربي.

لكن هل هنالك مؤامرات تستهدف العرب كما يحلو للبعض وصف الربيع العربي بالمؤامرة الكبرى التي تستهدف العرب جميعهم وتستهدف ثرواتهم وخيراتهم؟

في واقع الأمر تعرض الشعب العربي لمؤامرات كبرى عبر تاريخه المعاصر ولعل أهم تلك المؤامرات تمثلت باحتلال فلسطين وضياعها وتشريد الملايين من أهلها، وهي أم المؤامرات بدون شك.. أما المؤامرة والمصيبة الأخرى التي حلت ثانيا علينا فهي أنظمة الحكم والاستبداد التي حكمت بالحديد والنار.. وهنا علينا أن نسأل.. من جلب الويلات والمصائب للأمة؟ ومن يتحمل ما حدث ويحدث للوطن العربي من تخلف وانقسام؟ من المسؤول عن تبديد ثروات العرب وخيراتهم؟ من سلم العراق بعد فلسطين للاحتلال؟ من أوصل الشعوب لهذه الدرجة من الإحباط واليأس الشديد؟ بل من صنع مجتمعات الكراهية وعززها وحرص على تغذيتها وتركها الورقة الرابحة دائما ليضمن البقاء ولو على دماء الشعب الواحد الذي لا يلتقي إلا عند نقطة واحدة هي بقاء النظام؟

وعندما يتساءل المواطن العربي عن المستفيد الأول من بقاء تلك الأنظمة؟ فلن يجد بناءً على هذا الواقع الموجود سوى (إسرائيل) ولا غيرها.. فكيف تتآمر (إسرائيل) وحلفاؤها على أنظمة منحتها الأمن والاستقرار والتطور والقوة على مدار احتلالها لفلسطين، فمن ناحية قامت تلك الأنظمة على القمع والاستبداد من خلال فرض قوانين الطوارئ والأحكام العرفية وتقييد الحريات بحجة نظرية المؤامرة المستمرة والمواجهة مع (إسرائيل) فتراجع مستوى المعيشة وغابت العدالة وانعدمت الحرية وذهبت الكرامة وتخلفت البلاد وأفقرت الشعوب؛ أما النتائج فكانت ضياع كل فلسطين وعلو (إسرائيل) سياسيا واقتصاديا وعلميا وعسكريا.

ولو عدنا للمنطق والعقل لكان الأولى (بإسرائيل) أن تفرض هي الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ وتُقيد الحريات وتكمم الأفواه بحجة أنها مرفوضة من كل الدول العربية التي تناصبها العداء وتحيك لها المؤامرات وتسلح الجيوش وتجوع الشعوب للانقضاض عليها؟ لكنهم يعلمون ما لا تعلمه الشعوب المغلوبة على أمرها؟ فأطلقت (إسرائيل) الحريات وأعطت هامشا واسعا من الحرية لا تتمتع به حتى الدول الديمقراطية، واهتمت بالتعليم وأولت البحث العلمي اهتماما بالغا وحظيت جامعاتها بالمراكز الأولى على مستوى العالم، كما أن العدالة الغائبة عن بلادنا كان لها نصيبا عندهم فلا يوجد من هو فوق القانون حتى الرئيس نفسه يحاكم وهو على رأس عمله.

فمن هو المتآمر؟ هل هي الشعوب التي ضاقت ذرعا بحكام ملكوا كل شيء ونصبوا أنفسهم آلهة من دون الله متفردين بمصير الشعوب وأوطانهم وثرواتهم.. أم هم الحكام أنفسهم الذين أوصلوا شعوبهم لدرجة عدم مبالاتهم بنصرة من استعمرهم بالأمس القريب؟ علينا أن نسأل في نهاية المشهد مَنْ تآمر على مَنْ؟

صورة الشرق الأوسط في الإعلام الغربي

بقلم: جيروم شاهين عن المستقبل البيروتية

من خلال خبرتنا المهنية الإعلامية، تدريساً وممارسة، غالباً ما يُطرح على النقاش موضوع صورة الشرق الأوسط في وسائل الإعلام الغربية. والموضوع يتخذ أهمية كبرى على قدر أهمية الإعلام في تكوين الرأي العام، وعلى قدر أهمية الشرق الأوسط كمنطقة استراتيجية تستقطب السياسات الدولية وكذلك النزاعات.

ولمّا كانت دول الشرق الأوسط، لاسيما العربية منها، لم تتوصل بعد إلى استخدام وسائل الإعلام الجماهيرية، باللغات الغربية، لتُعرِّف من خلالها الشعوب الغربية بقضايا الشرق الاوسط، جئنا هنا نرسم بشكل سريع صورة الشرق الأوسط كما تتناقلها وسائل الإعلام الغربية، مع ما يشوب هذه الصورة من اختزال وتضليل وتشويه.

في هذا الحقل نستطيع أن نشير إلى بعض الأنماط السائدة في المسلكية الإعلامية الغربية حيال الشرق الأوسط.

1 ـ من الممارسات الإعلامية السائدة في وسائل الإعلام الغربية إعطاء الأخبار عن الشرق الأوسط مساحة قصيرة وضيقة نسبة إلى المساحة المخصصة إلى المواضيع الأخرى. فغالباً ما تكتفي وسائل الإعلام هذه عند تغطيتها حدثاً ما يتعلق بالشرق الأوسط بالتنويه عن الحدث مهملة خلفيات الحدث وتأثيره وتداعياته.

2 ـ وهناك تواطؤ ما بين الإعلاميين وجمهورهم حول المقولة الشائعة القائلة: إن وضع الشرق الأوسط معقد كثيراً ولا يمكننا فهمه، وبالتالي عرضه بشكل واسع ودقيق. فجهل الشرق الأوسط، وإسلامه ومسلميه، وحتى مسيحييه (والعديد من الغربيين يجهلون أو يتجاهلون أنّ في الشرق الأوسط مسيحية شرقية موجودة في هذه المنطقة منذ ظهور المسيحية وحتى أيامنا وليست هي من أحفاد الصليبيين!) لا يطال الفئات الشعبية البسيطة فقط بل أيضاً الشرائح المثقفة وحتى بعض الإعلاميين.

3 ـ هناك تركيز إعلامي على أزمات الشرق الأوسط وحروبه وكوارثه وفقره، وقلما يحكى عن تجاربه الإيجابية، وكأنّ نظر الإعلاميين موجَّه دائماً إلى نصف الكأس الفارغ بتجاهل النصف الملآن.

4 ـ بعد الصدمة المأسوية التي أصابت الولايات المتحدة الأميركية من جرّاء أحداث 11 أيلول 2001، وما تلاها من أعمال إرهابية على مواقع عدة في أوروبا، أصبحت مسألة "الإرهاب" ومكافحته بكل الوسائل الشغل الشاغل للرأي العام وبالتالي لوسائل الإعلام. وهذا أمر طبيعي ومشروع. لكن الأمر المؤسف هو، من جهة أولى، مكافحة الإرهاب على المستوى "الأمني العسكري" فقط. ومن جهة ثانية، عدم السعي لفهم (وإفهام الناس بواسطة وسائل الإعلام) عن الأسباب التي أدت إلى بروز ظاهرة الإرهاب.

ومن جهة ثالثة، عدم فضح سياسات بعض الدول التي استخدمت الحركات الأصولية الإسلامية الإرهابية لتحقيق مآرب سياسية لها ومن ثم انقلبت عليها. ومن جهة رابعة (وهذا هو الأخطر) لصق تهمة الإرهاب بالإسلام كدين، وبالمسلمين أيّاً كانوا.

وقلما يُحكى عن وجه آخر للإرهاب الإسلامي، وهو أنّ هذا الأخير إنما يطال المسلمين أنفسهم بقدر ما يطال الشعوب الغربية. وانه مدان من المسلمين بقدر ما هو مدان من الغربيين.

ونشير هنا إلى عدم التمييز بين العمل الإرهابي العشوائي وغير المبرّر، والعمل المقاوم للإحتلال، علماً ان أوروبا عرفت العمل المقاوم ضدّ المحتل وبالوسائل العنفية، ولم تطلق على القائمين بهذا العمل التحرّري صفة الإرهاب.

أخيراً، وفيما يتعلّق بمسألة "الأصولية" التي تعالجها وسائل الإعلام في الغرب، تكاد تحصر كلّياً تلك الوسائل حديثها عن الأصولية الإسلامية، وقلّما تتحدث عن سائر الأصوليات الدينية، كالأصولية اليهودية، والأصولية المسيحية المتمثّلة خاصة بـ"الصهيونية المسيحية" التي تلعب اليوم دوراً خطيراً.

5 ـ ولعل الصور الأكثر تشوّشاً، التي تنقلها وسائل الإعلام الغربية، هي الصورة عن قضية الشرق الأوسط المركزية، أي الصراع العربي ـ الإسرائيلي. فالإعلام الغربي في هذه المسألة، منحاز كلّياً لفريق واحد هو الدولة الإسرائيلية.

ولا ضرورة للحديث أكثر عن هذا الأمر. نكتفي هنا، على سبيل المثال، بذكر ما كتبه ـ بشكل ساخر أحياناً ولكنه يعبّر عن واقع موضوعي ـ الكاتب والصحافي الفرنسي "Bernard Langlois" مدير مجلة "Politis" حول ما سمّاه "القواعد التي يجب أن يتّبعها الصحافي الفرنسي في حديثه عن الشرق الأوسط". من تلك القواعد: 1 ـ في الشرق الأوسط، العرب هم دائماً أول مَن يشنّ القتال، وإسرائيل هي دائماً التي تدافع عن نفسها.

2 ـ ليس من حقّ الفلسطينيين أو اللبنانيين أن يقتلوا مدنيين من المعسكر الآخر، فهذا يسمّى إرهاباً.

3 ـ يحقّ لإسرائيل أن تقتل عرباً مدنيين، فهذا يُسمّى حق الدفاع المشروع.

4 ـ عندما تُقْدِم إسرائيل على قتل مدنيين كُثر تدعوها القوى الغربية إلى ضبط النفس، وهذا ما يُسمّى ردّ فعل المجتمع الدولي.

5ـ لا يحق للفلسطينيين وللبنانيين أن يخطفوا جنوداً إسرائيليين حتى لو كان عدد هؤلاء لا يتعدّى الثلاثة.

6 ـ يحق للإسرائيليين أن يخطفوا قدر ما يشاؤون من الفلسطينيين (يبلغ عدد الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو عشرة آلاف، منهم ثلاثمئة طفل)، ولا حاجة للإسرائيليين أن يبرهنوا عن جرائم هؤلاء المخطوفين، يكفي فقط لفظ كلمة سحرية، هي: "إرهابيون".

7 ـ يجب عدم التحدث أبداً عن "أراض محتلة"، ولا عن قرارا منظمة الأمم المتحدة، ولا عن إنتهاك القانون الدولي، ولا عن اتفاقات جنيف.. إنها مسائل يُخشى أن تشوش ذهن المشاهدين والمستمعين.

8 ـ الإسرائيليون يتكلمون الفرنسية أفضل من العرب. هذا يفسر إعطائهم، وإعطاء مسانديهم، أكبر وأكثر مساحة من التعبير في وسائل الإعلام، وهذا يُسمَّى "الحياد الإعلامي".

9ـ أما إذا كنت غير موافق على هذه القواعد، وترى أنها منحازة إلى فريق في النزاع ضدّ الفريق الآخر، فأنت حتماً "لا سامي خطر.

حصاد الربيع العربي: أعراض متشابهة

بقلم: أحمد يوسف أحمد عن الاتحاد الاماراتية

لم يحقق "الربيع العربي" أهدافه الأولية إلا في ثلاثة بلدان هي تونس ومصر وليبيا. في الحالات الثلاث تمت الإطاحة برأس النظام غير أنه سرعان ما اتضح أن بناء الجديد المنشود أمر في غاية الصعوبة، ولعل ذلك يرجع أولاً وقبل كل شيء إلى عدم وجود قيادة موحدة معترف بها لعملية التغيير، ولذلك فإن "الثورة" لم تتول السلطة منذ البداية -ربما باستثناء الحالة الليبية- ولذلك كان يتعين أن تكون هناك سلطة انتقالية بشكل أو بآخر. وقد أفلتت تونس وحدها حتى الآن بنجاح الخطوات الأولية في بناء "دولة الثورة"، إذ وضعت أولوياتها على نحو سليم: وضع الدستور الجديد ثم إقامة مؤسسات الدولة بناءً على ذلك، وجرت انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع الدستور على نحو مثالي، ثم أظهر الحزب "الإسلامي" الفائز بالأغلبية وهو "حزب النهضة" عقلانية سياسية واضحة كان آخر مظاهرها توزيع رئاسات الدولة الثلاث: الوزراء والجمهورية والجمعية التأسيسية على مكونات تحالف الأغلبية (النهضة/ المؤتمر/ التكتل الديمقراطي) نافيّاً بذلك أية نية في احتكار السلطة.

ولعل تونس قد وصلت إلى ما وصلت إليه بعدم التعجل في الخروج على دستور ما قبل الثورة، فقد قبل الثوار رئيساً للجمهورية يعتبر من "فلول" النظام القديم -بتعبير ثوار مصر- وهو ما يعكس حالة من الثقة بالنفس في أن الثورة قادرة على تصحيح المسار في أي وقت. أما في مصر فقد تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، ولأن المهمة جاءته على غير توقع، ولأن خبرته السياسية محدودة فقد أقدم على ممارسات باعدت بينه وبين بعض القوى الثورية بالتدريج على رغم دوره المشرف في حسم الموقف لصالح الثورة، ذلك بالإضافة إلى وجود فئات من "المراهقين الثوريين" حاولت قدر طاقتها من خلال شعارات "زاعقة" وممارسات غير منضبطة أن تزيد من هذا التباعد وتفاقم أزمة الثقة بين المجلس وبعض قوى الثورة، ولاشك في أن قوى النظام القديم قد قامت بدور يعتد به في هذا الصدد، ومن هنا بدأت مصر تعاني على نحو مقلق من عدم استقرار متزايد.

ويضاف إلى ما سبق أن الأولويات قد وُضعت في بدايات الثورة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة بطريقة مقلوبة: الانتخابات البرلمانية أولاً ثم وضع الدستور ثم الانتخابات الرئاسية، مع أن هذا الدستور الجديد يمكن أن يغير من قواعد تشكيل البرلمان مما يحتم إجراء انتخابات برلمانية جديدة، وقد يأخذ هذا الدستور الجديد بالنظام البرلماني فلا تكون هناك انتخابات للرئاسة أصلاً، ولما كان المجلس التشريعي المنتخب هو المكلف وفقاً للإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بانتخاب الجمعية التأسيسية للدستور فقد بدأ القلق يساور عناصر "النخبة المدنية" من إمكانية سيطرة "التيار الإسلامي" على الغالبية في المجلس التشريعي بما يفتح الباب لدستور يلبي رؤى هذا التيار دون غيره، ومن هنا كانت محاولات تلك النخبة التي وجدت لاحقاً صدى لدى مؤسسات الحكم في التطلع إلى وضع مبادئ ملزمة يأخذ بها واضعو الدستور، وهو ما رفضته فصائل "التيار الإسلامي" رفضاً مطلقاً بكل قوة طالما أنها ترى فيه قيوداً على حركتها المستقبلية، وقد كان آخر تجليات هذا الصراع هو الجدل الحاد الذي دار حول الوثيقة التي أعدها نائب رئيس الوزراء بخصوص هذه المبادئ الدستورية العامة، وصولاً إلى التظاهرات الحاشدة في الجمعة الماضية التي فتحت الطريق لمزيد من علامات عدم الاستقرار.

تواجه الثورة الليبية وضعاً مشابهاً، فالمجلس الانتقالي بصدد الموافقة على حكومة مؤقتة يختارها رئيس الوزراء المكلف عبد الرحيم الكيب، وأمام هذه الحكومة مرحلة انتقالية حتى يونيو2012 حتى تجري انتخابات لبرلمان مؤقت يشرف على صياغة دستور ويطرحه للاستفتاء ثم يجري انتخابات، أي أن ليبيا أخذت بالنهج المصري بكل عيوبه. وفي المقابل ترى عناصر لها وزنها في النخبة الليبية كان لها دورها الرئيس في الثورة أنه يجب توسيع المجلس الانتقالي الحالي بزيادة عضويته من 51 عضواً إلى 130 أو 140 عضواً بحيث يكون ممثلاً لكافة ألوان الطيف السياسي الليبي بما في ذلك رؤساء الميليشيات المسلحة التي تشكلت في المدن الليبية إبان الثورة، ويكون من بين مهام المجلس في هذه الحالة اختيار لجنة لصياغة دستور جديد يُطرح للاستفتاء الشعبي، وبذلك يتكون البرلمان الجديد خلال ستة أشهر على سبيل المثال. ويمكن أن نقرأ بين سطور هذا المنطق تخوفاً مماثلاً لما هو موجود في مصر من أن ينفرد "التيار الإسلامي" بوضع الدستور وفقاً لرؤاه الخاصة.

ويضاف إلى ما سبق حالة الانفلات الأمني التي تعاني منها البلدان الثلاثة. وإن كان الظاهر أنها انحسرت في تونس إلى حد بعيد، وقد يعني هذا أن العلاج الحقيقي للانفلات الأمني هو التقدم على طريق البناء السياسي الجديد. أما في مصر وليبيا فما زال الوضع مأزوماً، وفي مصر ساعد هروب المساجين في بداية الثورة، وانتشار السلاح المهرب على نطاق واسع، والتحريض على الانفلات سواء من عناصر تنتمي للنظام القديم أو من عناصر خارجية مما أدى إلى وصول حالة الانفلات أقصاها. أما في ليبيا فقد كانت الثورة مسلحة أصلاً، ومن ثم فإن السلاح منتشر بكثافة في أيدي عناصر لعبت دوراً في الثورة ولم يتم استيعابها بعد في المؤسسة الأمنية أو في القوات المسلحة، وذلك بالإضافة إلى وجود قاعدة قبلية قوية للقذافي يمكن أن تكون مصدراً لعدم استقرار مزمن خاصة بالنظر إلى الطريقة التي أنهيت بها حياة القذافي. ويقال كثيراً إن حالة الانفلات الأمني هذه سمة من سمات الثورات عموماً، وإنها تدوم عادة لسنوات طويلة، لكن هذا ليس صحيحاً على إطلاقه، كما أن هذا القول لا يعني أن الانفلات الأمني أمر يجب قبوله ببساطة.

وتنفرد ليبيا بانقسام جيشها إبان الثورة عكس ما حدث في تونس ومصر حيث حافظ جيشا البلدين على تماسكهما مما مكن المؤسسة العسكرية من أن تلعب أدواراً مؤثرة في المرحلة الانتقالية. وبينما بقيت قيادة الجيش دون تغيير في البلدين فإن الأنباء قد حملت في نهاية الأسبوع الماضي إخفاق اجتماع حضره ما بين 200 و300 ضابط وجندي من الجيش الليبي في النظام السابق بالإضافة إلى عشرات من قادة كتائب الثوار، وكان الهدف من الاجتماع هو اختيار رئيس أركان جديد للجيش الليبي، غير أن الخلافات بين ضباط الجيش وجنوده من ناحية وبين قادة كتائب الثوار من ناحية أخرى أدت إلى ذلك الإخفاق الذي يشير إلى مشاكل حقيقية في إعادة بناء أو إعادة تنظيم الجيش الليبي.

والمشكلة أن الحالتين المرشحتين للحاق بتونس ومصر وليبيا وهما اليمن وسوريا تتوافر فيهما مقومات الأوضاع المأزومة نفسها التي واجهتها الثورات في تلك البلدان الثلاثة، ويعني ذلك أن كلاً من اليمن وسوريا مرشح لمعاناة الأعراض ذاتها التي عانت منها البلدان الثلاثة وإن بدرجات متفاوتة، وهو ما يعني أن بعض حصاد "الربيع العربي" على الأقل حصاد مر، وأن النجاح في الإطاحة برأس النظام لا يعني نهاية المطاف بالنسبة للثورة، وإنما بداية طريق جديد مليء بالعقبات والعثرات ويحتاج إلى تكاتف جهود المخلصين من أجل اجتيازه.

الإسلاميون والليبراليون.. أساسيات وكماليات

بقلم: محمد صلاح عن الحياة اللندنية

زادت وثيقة المبادئ الدستورية الإسلاميين في مصر تماسكاً على تماسكهم تماماً كما ساهمت في مضاعفة أسباب الانقسام بين القوى المدنية المنقسمة أصلاً، وبدا الفارق واضحاً بين فصيل لا يستنزف عناصره ومؤيديه بمليونيات فاشلة، وحين يدعو لواحدة فإنه يوفر لها أسباب النجاح (من وجهة نظره)، وبين فصائل متناحرة اتفقت على مواجهة الإسلاميين والعسكر، لكنها لم تتفق على آليات تحقق لها النجاح سواء بالنسبة إلى مليونياتها أو خططها لتحقيق مكاسب في الانتخابات البرلمانية.

قام الشعب المصري بثورته، ونجح في إقصاء نظام حكم حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عاماً، لكن أخطر ما واجهته مصر بعد تنحي مبارك وتواجهه الآن أن القوى والتيارات والشخصيات السياسية التي شاركت في الثورة، أو حتى قفزت عليها وركبت موجتها تسعى إلى إقصاء كل قوة أو تيار أو شخصيات لا تشاركها الأفكار أو المبادئ أو المواقف! وقبل نحو أسبوع من أول انتخابات برلمانية حقيقية تشهدها مصر منذ نحو 60 عاماً تبدو القوى الرئيسة المشاركة في الانتخابات، وكأنها لا تريد أن تتنافس على أصوات المقترعين، وإنما أن تُفضي نتائج الانتخابات إلى استحواذ هذا الفصيل السياسي أو ذاك على مقاليد الأمور في البلاد، ليسيِّرها بالطريقة التي يراها، ويحدد مستقبلها بالأسلوب الذي يعتقد أنه يضمن بقاءه في الحكم من دون أن يلتفت كل فصيل إلى حقيقة أنه ليس وحده، وأن في المجتمع فصائل وقوى وفئات أخرى.

كل ما يجري في مصر الآن يعكس مساحة الاستقطاب على الساحة السياسية، واعتقاد بعض الفصائل أنها صاحبة الثورة، وأن من حقها، بعد تنحي مبارك، أن تُقصي الآخرين، وأن تأكل الكعكة وحدها، وأن مخاوف القوى والفئات الأخرى من «أسلمة» مصر أو «عَلمَنَتِها» مثلاً غير مبررة، وأن على القوى المنافسة أن تصدِّقها وتثق فيها رغم أن سلوكها وأفعالها ومواقفها لا تدعو إلى الثقة. أكثر ما يلفت الانتباه اعتقاد بعض رموز الثورة من مختلف التيارات بأفضالهم على الشعب المصري، علماً أن أي فصيل سياسي لم يكن ليستطيع تغيير نظام مبارك وحده أو حتى بالاتفاق مع الفصائل الأخرى، ولولا أن الشعب المصري كان مهيئاً ومعبئاً وجاهزاً للقيام بثورته لكان جهاز أمن الدولة كفيلاً بتوقيف الناشطين أو السياسيين والزجِّ بهم في السجون بتهمة العمل على قلب نظام الحكم.

يزداد الإسلاميون في مصر الآن تماسكاً، وهم يرون الغالبية البرلمانية آتية إليهم لأسباب كثيرة تتعلق بكونهم أكثر القوى السياسية تسديداً لثمن المواجهة مع نظام مبارك، حيث لم تخلُ سجونه يوماً من رموزهم وعناصرهم، وأيضاً لأنهم كانوا الأكثر التحاماً مع قطاعات الشعب بفعل نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي، بينما «القوى المدنية» ما زالت تسدد ثمن تشرذمها وتناحرها وأخطائها المتكررة. وعكس المشهد في ميدان التحرير يوم السبت الماضي طبيعة الفارق بين الإسلاميين الذين نفَّذوا عرضاً للقوة، وحشدوا أكثر من مليون في الميدان بسرعة ودقة وتنظيم مثير للإعجاب، وبين القوى المدنية التي أصرَّ بعض ناشطيها على البقاء في الميدان ليدخلوا في صدام مع قوات الأمن، حين سعت إلى فضِّ الاعتصام. قد يكون لدى الراغبين في الاعتصام مبررات منطقية لكن المؤكد أن الصدامات طرحت لدى قطاعات من الشعب المصري تساؤلات حول الفارق بين مليونيات الإسلاميين وتظاهرات الليبراليين، فالإسلاميون حضروا بالآلاف من غالبية المحافظات المحيطة بالقاهرة، واحتشدوا وهتفوا ورفعوا لافتاتهم، بينما القوى المدنية انقسمت أولاً حول المشاركة أو مقاطعة التظاهرة، ثم بدأت في تبادل الاتهامات حول صحة الموقف من المشاركة أو المقاطعة، فضرب الإسلاميون أكثر من عصفور بحجر واحد: فرضوا تعديل وثيقة السلمي بما يتوافق مع مطالبهم، واستثمروا براعتهم في الحشد، واختبروا قدرة مؤيديهم على تلبية النداء، ثم أخلوا الميدان في توقيت واحد.

إذا راجعت لوائح المرشحين في الانتخابات البرلمانية التي ستبدأ الإثنين المقبل لن تجد رمزاً من الإسلاميين ينافس آخر على المقاعد الفردية، وإن بقيت المنافسة قائمة في شأن الانتخابات بالقوائم، أما رموز القوى المدنية فحدِّث ولا حرج، فالمنافسة بينهم على المقاعد لن تتسبب فقط في سقوط غالبيتهم، وإنما في منح منافسيهم من الإسلاميين فرصاً أفضل في الفوز. وفي المدن والقرى والشوارع تجد مرشحي التيار الإسلامي بين الناس، بينما دعاية مرشحي القوى المدنية تجدها على قنوات الأفلام أو أعلى كوبري «أكتوبر» الشهير، وسط إعلانات المياه الغازية والأجهزة الإلكترونية.. التيار الإسلامي يركز على الأساسيات.. أما القوى المدنية فوضعت نفسها في خانة الكماليات.