أقلام وآراء

(640)

 ضمان "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل

الكاتب: أندرو شابيرو (مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية والعسكرية) – واشنطن انستيتيوت الأمريكي

 على أولئك الذين يدعمون الديمقراطية أن يرحبوا بظهور الإسلام السياسي

الكاتب: وضاح خنفر (مدير الجزيرة سابقا) – صحيفة الغارديان البريطانية

 الثورة المصرية لا تزال تشق طريقها

الكاتب: ديفيد شينكر – فورن بوليسي

 ماهو الإسلام المعتدل؟

الكاتب: جوزيف كونفافرو – جمعية التضامن الفرنسية الفلسطينية (بالفرنسية)

 أعداء الدولة الإيرانية

الكاتب: هيئة التحرير – صحيفة التيلغراف البريطانية

ضمان "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل

واشنطن انستيتيوت الأمريكي – أندرو شابيرو

الكاتب هو مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية والعسكرية.

"في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، خاطب أندرو شابيرو المنتدى السياسي في معهد واشنطن. والسيد شابيرو هو مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية والعسكرية. وفي كلمته قدم تقييماً شاملاً لالتزام إدارة أوباما بتفوق إسرائيل العسكري النوعي. وفيما يلي ملخص لملاحظاته ."خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، شهدت المنطقة واحداً من أبرز التحولات منذ نهاية الحرب الباردة. فالاحتجاجات الشعبية والانتفاضات في مختلف أنحاء المنطقة قد أوجدت آمالاً كبيرة لهذه المنطقة. ومع ذلك، فإن الأحداث الهائلة في العام الماضي جلبت أيضاً عدم اليقين. وبالنسبة لإسرائيل، فإن التقلب الذي تشهده المنطقة هو مصدر للتفاؤل والقلق في آن واحد. وفيما يتعلق بإدارة أوباما يمثل الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل أولوية قصوى بالنسبة لوزيرة الخارجية كلينتون والرئيس أوباما.

الشراكة القوية تدعم الأمن القومي الأمريكي

إن "التفوق العسكري النوعي" هو قدرة إسرائيل على مواجهة وهزيمة التهديدات العسكرية الفعلية من أي دولة فردية أو تحالف دول أو فاعلين من غير الدول، مع التعرض للحد الأدنى من الأضرار أو الإصابات. وتشكل المساعدات الأمنية الأداة الأكثر مباشرة التي تستخدمها الولايات المتحدة لضمان "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل. وتتلقى إسرائيل حالياً 3 مليارات دولار سنوياً بشكل تمويل أمريكي للتدريب والمعدات في إطار برنامج "التمويل العسكري الأجنبي". ولوضع هذا الأمر في سياقه، يبلغ إجمالي "التمويل العسكري الأجنبي" للولايات المتحدة نحو 5.5 مليار دولار سنوياً ويتم توزيعه بين حوالي 70 بلداً، ويذهب أكثر من 80 بالمائة من هذا التمويل لدعم شركاء الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. ولذا فإن إسرائيل تحصل سنوياً على 60% من تمويل المساعدات الأمنية الأمريكية الموزعة من خلال "التمويل العسكري الأجنبي".

وبالنسبة للسنة المالية 2012، طلبت إدارة أوباما أكثر من 3 مليارات دولار على شكل تمويل مساعدات أمنية لإسرائيل على وجه التحديد، وهو أكبر طلب في تاريخ الولايات المتحدة. وهذه الطلبات تفي بالتزام إدارة أوباما في تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مع إسرائيل في عام 2007 لتوفير 30 مليار دولار بشكل مساعدات أمنية على مدى عشرة أعوام. إن دعم واشنطن لأمن إسرائيل يساعد في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة. ولو كانت إسرائيل أكثر ضعفاً، فإن أعداءها سيكونون أكثر جرأة. وبالتالي فإن ضمان قوة إسرائيل العسكرية وتفوقها في المنطقة يعد أمراً جوهرياً للاستقرار الإقليمي. ونتيجة لذلك فإن هذا الدعم يصب بصفة أساسية في مصلحة الولايات المتحدة. كما تتفق الولايات المتحدة وإسرائيل حول عدد من المسائل الاستراتيجية. فإسرائيل هي حليف جوهري وتعد بمثابة حجر الزاوية لالتزامات واشنطن الأمنية الإقليمية. ويبدأ ذلك من مواجهة العدوان الإيراني، إلى العمل سوية لمكافحة الشبكات الإرهابية العابرة للحدود، إلى وقف الانتشار النووي ودعم التحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية في المنطقة.

وتحصل الولايات المتحدة أيضاً على عدد من المزايا الملموسة من جراء شراكتها الوثيقة مع إسرائيل. فعلى سبيل المثال، إن التدريبات المشتركة بين الدولتين تتيح للولايات المتحدة التعلم من خبرة إسرائيل في حرب المدن ومكافحة الإرهاب. وتثبت التكنولوجيا الإسرائيلية بأنها عاملاً جوهرياً في تحسين الأمن الوطني للولايات المتحدة وحماية القوات الأمريكية. إن الروابط بين الحكومتين وشركات الدفاع الأمريكية والإسرائيلية قد حققت ابتكارات رائدة تجعل الجميع أكثر أمناً في النهاية. ويشمل ذلك أجهزة الاستشعار وتكنولوجيا المركبات الجوية بدون طيار ومعدات المراقبة وأجهزة الاكتشاف للبحث عن العبوات الناسفة التي تدعم القوات الأمريكية.

التهديدات الإقليمية

تدرك الولايات المتحدة أن إسرائيل تواجه اليوم بعضاً من أصعب التحديات في تاريخها. فرغم التغيرات الهائلة التي تؤثر على المنطقة، إلا أن التهديد الذي تمثله إيران لا يزال قائماً. فبرنامج إيران النووي يبقى مصدر قلق خطير. إلا أن إيران تجد نفسها اليوم أكثر عزلة عن المجتمع الدولي، مما يزيد من صعوبة حصولها على المواد لبرامجها النووية والصاروخية، ولكن المخاطر المنبثقة من إيران تتجاوز برنامجها النووي. وقد ظهر ذلك بوضوح في الشهر الماضي مع كشف النقاب عن مخطط إيراني لاغتيال السفير السعودي على الأراضي الأمريكية. إن دعم إيران لـحزب الله وحماس يُمكِّن هذه الجماعات من إطلاق الصواريخ على المراكز السكانية الإسرائيلية بدون تمييز.

كما أن الدعم الإيراني يمتد إلى سوريا، التي تمثل منذ فترة طويلة مصدر تهديد لأمن إسرائيل. لكن رغم عدم الاستقرار في سوريا، فإن دعمها لـحزب الله اللبناني يستمر بدون عوائق تقريباً. ولا تزال سوريا الرابط الحيوي بين حزب الله وإيران. ويواصل النظام السوري تقديم الدعم العسكري وخدمات الإمداد والتموين الجوهرية لـحزب الله، بما في ذلك توفير ممر آمن للمساعدات الإيرانية إلى الجماعة من عبر طرق العبور براً. ويحافظ حزب الله على وجود دائم في سوريا من خلال مكاتبه في دمشق. وهناك قلق متزايد في المنطقة من قيام سوريا بتوفير تكنولوجيا صاروخية متطورة إلى حزب الله. لقد جمع حزب الله عشرات الآلاف من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى على الحدود الشمالية لإسرائيل. كما تمتلك حماس عدداً كبيراً من الصواريخ في غزة. وجميعها تمثل خطراً جوهرياً.

الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل

ينطوي الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل أيضاً على بناء القدرات العملياتية من خلال المناورات والتدريبات والتبادلات الشخصية. كما ينطوي على بناء علاقات ثنائية وثيقة مع إجراء مشاورات مستمرة، بما في ذلك وضع "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل في الاعتبار عند إقامة تعاون دفاعي مع دول أخرى في المنطقة. وأخيراً، يشمل ذلك أيضاً الحفاظ على - وتعزيز - روابط الولايات المتحدة الوثيقة جداً مع البلدان في جميع أنحاء المنطقة.

إن التغييرات التي تؤثر على المنطقة تدفع واشنطن على مضاعفة التزامها لأمن إسرائيل. وفي هذا الضوء، تتخذ الولايات المتحدة خطوات لمساعدة إسرائيل على تحسين الدفاع عن نفسها من تهديدات الصواريخ من حزب الله وحماس. ولذلك طلب الرئيس الأمريكي من الكونغرس في العام الماضي اعتماد مبلغ 205 مليون دولار لدعم إنتاج نظام دفاع صاروخي قصير المدى قامت إسرائيل بتطويره يطلق عليه اسم "القبة الحديدية". ويتجاوز تمويل "القبة الحديدية" مبلغ الـ 3 مليارات دولار الذي تقدمه الولايات المتحدة في نطاق "التمويل العسكري الأجنبي".

وبالإضافة إلى ذلك، تعمل واشنطن على توفير حماية أفضل لإسرائيل من تهديد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى. وتقوم الولايات المتحدة بتعزيز "نظام آرو" الإسرائيلي لمواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى من خلال المشاركة في تطوير نظام "آرو-3" المتخصص في اعتراض [الصواريخ الباليستية]. وتعمل واشنطن على تحديث "نظام الدفاع الجوي والصاروخي الإسرائيلي باتريوت"، والذي تم نشره للمرة الأولى في "حرب الخليج" عام 1991. كما نشرت الولايات المتحدة نظام رادار متقدم لتزويد إسرائيل بتحذير مبكر من الصواريخ القادمة. وعلاوة على ذلك، اشتركت شركات إسرائيلية وأمريكية في تطوير "نظام ديفيدز سلينغ" للدفاع ضد الصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز.

ومن الطرق الأخرى للمساعدة على ضمان "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل هي من خلال المناورات العسكرية والتدريبات المشتركة. ففي الخريف الماضي أجرت الولايات المتحدة مناورات للدفاع ضد الصواريخ الباليستية أُطلق عليها اسم "جونيبر كوبرا" 2010. وقد شارك أكثر من 1000 جندي امريكي في تلك المناورات، مما يجعلها أكبر مناورات عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل في التاريخ. غير أن ذلك التكريم لن يدوم طويلاً، لأنه في العام المقبل ستقوم واشنطن بدمج المناورات السنوية الرئيسية للقيادة الأمريكية الأوروبية، "أوستير تشالينج"، مع التكرار السنوي لمناورات "جونيبر كوبرا". وسوف يشمل ذلك أكثر من 5000 من جنود القوات الأمريكية والإسرائيلية التي تحاكي [نظام] دفاع الصواريخ الباليستية الإسرائيلي، مما يجعلها إلى حد كبير المناورات الأكبر والأكثر أهمية في تاريخ التمرينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تشارك القوات الأمريكية والإسرائيلية في مناورات عديدة على مدار السنة.

والطريقة الثالثة التي تدعم الولايات المتحدة من خلالها احتياجات الدفاع الإسرائيلية هي ضمان تزويد إسرائيل بأنظمة متقدمة للغاية. فمن خلال برنامج "المبيعات العسكرية الأجنبية" و"المبيعات التجارية المباشرة" بين الحكومتين، فإنه بوسع واشنطن تزويد إسرائيل بمنتجات وأنظمة متقدمة تقتصر فقط على أقرب الحلفاء والشركاء. وخلال السنوات القليلة الماضية، أبلغت واشنطن الكونغرس بعدد من المبيعات الكبيرة، أجدرها بالملاحظة طائرات مقاتلة للهجوم المشترك من طراز "إف-35". وسوف تثبت القدرات المتقدمة لطائرات "إف-35" بأنها تساهم مساهمة رئيسية في تعزيز تفوق إسرائيل العسكري لسنوات عديدة قادمة.

وبالإضافة إلى ذلك، تستفيد إسرائيل من "المخزون الاحتياطي الحربي" الذي تحتفظ به القيادة الأوروبية الأمريكية في إسرائيل. ويمكن استخدام هذا المخزون لتعزيز الدفاعات الاسرائيلية في حالة وجود طوارئ عسكرية كبيرة. وكما هو الحال مع العديد من شركاء الولايات المتحدة في الخارج، فإن إسرائيل قادرة كذلك على الوصول إلى الملايين من الدولارات من المعدات العسكرية المجانية أو المنخفضة الأسعار في كل عام من خلال برنامج "معدات الدفاع الزائدة" لوزارة الدفاع الأمريكية.

وعلاوة على ذلك، وعلى عكس المستفيدين الآخرين من "التمويل العسكري الأجنبي"، فإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة المخول لها أن تضع جانباً ربع تمويلها من "التمويل العسكري الأجنبي" من أجل المشتريات الخارجية. وهذا الاستثناء يوفر دفعة قوية لصناعة الدفاع المحلية الإسرائيلية، حيث أنه يساعدها على تطوير قدرات إنتاجية محلية ويُمكّنها من الاستثمار في الأبحاث والتنمية، وهو أمر جوهري لتطوير نظم متقدمة.

وخلال إدارة أوباما، كان هناك تنشيط غير مسبوق للمشاورات الدفاعية الثنائية بين الدولتين. فمن خلال المناقشات والزيارات المستمرة عالية المستوى، قاما البلدان بإعادة تنشيط الحوارات القائمة مثل "المجموعة العسكرية السياسية المشتركة" بين الولايات المتحدة وإسرائيل و"المجموعة الاستشارية لسياسة الدفاع"، من بين مجموعات أخرى. وتغطي المناقشات ضمن "المجموعة العسكرية السياسية المشتركة" مجموعة واسعة من القضايا السياسية والعسكرية، لكنها تركز أولاً وقبل كل شيء على الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل. كما أن "المجموعة الاستشارية لسياسة الدفاع" توفر منتدى رفيع المستوى يكرس نفسه لتعزيز المزيد من التنسيق في السياسات الدفاعية.

ويمكن العثور على مثال واحد على التعاون المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل في جهودهما المشتركة لمنع واعتراض الاتجار غير المشروع بالأسلحة إلى غزة. ففي عام 2009، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل مشاورات مكثفة لمواجهة هذا التهديد. ومنذ ذلك الحين توسعت تلك الجهود إلى أن أصبحت جهداً دولياً أوسع نطاقاً يضم أكثر من 10 بلدان ومؤسسات دولية يطلق عليه "مبادرة مكافحة تهريب الأسلحة إلى غزة". وفي ظل هذه المبادرة متعددة الجنسيات، تعمل هذه الدول على توظيف مجموعة واسعة من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية وإنفاذ القانون لوقف شحن الأسلحة، لا سيما الصواريخ والقذائف، إلى غزة وهو ما يهدد التجمعات السكانية الإسرائيلية المجاورة. كما تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل وثيق في عدد من المجالات الأخرى، مثل مكافحة تمويل الإرهاب ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل من خلال "مبادرة أمن الانتشار".

التزامات واشنطن تجاه المنطقة تدعم "التفوق العسكري النوعي"

تمتد اعتبارات الولايات المتحدة بشأن "التفوق العسكري النوعي" إلى جميع قراراتها بشأن التعاون الدفاعي مع جميع الحكومات الأخرى في المنطقة. ويعني ذلك أن سياستها تقوم على عدم إعطاء أو تقديم أي معدات أو خدمات عسكرية على نحو قد يشكل خطورة على حلفائها أو تسهم في انعدام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. إن علاقات الولايات المتحدة الوثيقة مع البلدان في المنطقة تمثل أهمية بالغة لاستقرار المنطقة وأمن إسرائيل. كما أن علاقاتها مع مصر والأردن ولبنان والعديد من دول الخليج تسمح للولايات المتحدة بدعم السلام والاستقرار في المنطقة بكل عزيمة وقوة.

فعلى سبيل المثال، ساعدت علاقات الولايات المتحدة الوثيقة مع الأردن على دعم السلام في المنطقة وهي تمثل أهمية بالغة في ضوء عدم اليقين في سوريا. كما أن شراكة واشنطن الطويلة وعلاقتها التعاونية الاستثنائية تنعكس في المساعدات الأمنية التي تقدمها إلى الأردن سنوياً والتي تتجاوز 300 مليون دولار. ويستمر الأردن في تقديم الدعم للأولويات الإقليمية للولايات المتحدة، مثل عملية السلام في الشرق الأوسط ومكافحة التطرف وتحقيق الاستقرار في العراق و"عملية الحامي الموحد" مؤخراً في ليبيا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن علاقة الولايات المتحدة طويلة الأمد مع مصر ساعدت على دعم السلام في المنطقة. وتؤمن واشنطن أنه في الوقت الذي تمر فيه مصر بمرحلة التحول السياسي، فإن أمامها فرصة لكي تصبح نموذجاً لشرق أوسط ديمقراطي جديد وحتى قوة أكثر إيجابية لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أن التغيير قد يكون مزعجاً. إن الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة في أيلول/سبتمبر الماضي قد أثار مخاوف مشروعة، ولكن واشنطن على ثقة بأن مصر سوف تستمر في تقدير الأمن والفرص التي تمنحها معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. كما تشعر واشنطن بالحماسة من الخطوات الإيجابية والتعاونية التي اتخذتها مصر وإسرائيل منذ ذلك الحين، بما في ذلك التعاون على إطلاق سراح جلعاد شليط.

إن شراكة الولايات المتحدة الوثيقة مع مصر متأصلة في السلام الذي تم التوصل إليه في "اتفاقيات كامب ديفيد" وكانت عاملاً مهماً في الحفاظ على السلام في المنطقة. وعلى مدار الثلاثين عاماً الماضية، كانت معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر الأساس لـ "التمويل العسكري الأجنبي" السنوي بمبلغ 1.3 مليار دولار الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى مصر. وهذه المساعدات تساعد مصر في الحفاظ على قوة دفاع مهنية قوية ومنضبطة قادرة على العمل كزعيمة إقليمية وإحداث تأثير معتدل في المنطقة. إن مصر بلد محوري في الشرق الأوسط وشريك للولايات المتحدة منذ فترة طويلة. وقد واصلت واشنطن الاعتماد على مصر لدعم وتعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك السلام مع إسرائيل ومواجهة الطموحات الإيرانية واعتراض المهربين ودعم العراق. إن قوة ورفاهية مصر تمثل أهمية للمنطقة ككل.

وينظر الشعب المصري، وليس فقط الحكومة المصرية، إلى المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة على أنها إشارة رمزية لدعمها لبلدهم وتحولها الديمقراطي. وفي هذا الوقت من التحول الهام، على واشنطن الحفاظ على المرونة للاستجابة للأحداث وتعديل مساعداتها وفقاً لذلك.

وعلاوة على ذلك، بدأت القوات الأمريكية في العودة إلى الوطن بعد سنوات من الحرب في العراق، وسوف تثبت جهود الولايات المتحدة الدبلوماسية وأعمالها التنموية وبرامجها للمساعدات الأمنية بأنها عاملاً جوهرياً في الحفاظ على تواجد قوي في المنطقة. والسبيل الأكثر الأهمية الذي تعمل من خلاله الولايات المتحدة على دعم أمن إسرائيل هو من خلال جهودها لتعزيز السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا يمكن تأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية من جهة ولا الطموحات المشروعة للفلسطينيين من جهة أخرى من دون حل الدولتين الذي يتم التوصل إليه عن طريق المفاوضات. كما أن إسرائيل نفسها ليست بمنأى عن رياح التغيير. ومع حصول شعوب المنطقة على قدر أكبر من حرية التنقل والوصول إلى المعلومات وفهم أعمق للمشهد السياسي، سوف تصبح إسرائيل معرضة لقدر أكبر من التدقيق والفحص. وسوف يؤدي ذلك بشكل مؤكد إلى قيام ضغط متزايد للتأثير على الجهود المبذولة لتحقيق سلام شامل في المنطقة.

كما واجهت إسرائيل جهوداً دبلوماسية متضافرة لتقويض شرعيتها وعزلها عن المجتمع الدولي. لقد عارضت الولايات المتحدة باستمرار الجهود الرامية إلى عزل إسرائيل، ووقفت بقوة إلى جانب إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها بعد نشر تقرير غولدستون حول النزاع في غزة عام 2009. ورفضت واشنطن حضور فعاليات تؤيد أو تحيي ذكرى "المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية" المعيب من عام 2001، والذي خص بشكل فاضح إسرائيل لحملة انتقادات شديدة. كما أوضحت هذه الإدارة أن السلام الدائم والمستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال المفاوضات وأن الإدارة لا تزال تعارض بشدة الجهود الأحادية للحصول على اعتراف بدولة فلسطين خارج إطار المفاوضات، سواء في مجلس الأمن الدولي أو في المحافل الدولية الأخرى. ومع ذلك، تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بسعيها لتحقيق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أساس هدفها المشترك مع الأطراف: وجود دولتين لشعبين - إسرائيل كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي، ودولة فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني، بحيث تحظى كل دولة بحق تقرير المصير والاعتراف المتبادل والسلام.

على أولئك الذين يدعمون الديمقراطية أن يرحبوا بظهور الإسلام السياسي

الغاردين البريطانية- وضاح خنفر (مدير قناة الجزيرة سابقا)

ترجمة مركز الإعلام

يحصل الإسلاميون على الأصوات الشعبية من تونس وحتى مصر. لقد فاز حزب النهضة الإسلامي في تونس بحصوله على نسبة 41% من مقاعد الجمعية الدستورية التونسية الشهر الماضي، مما سبب ذعرا في الغرب. لكن حزب النهضة لن يكون استثناءً على الساحة العربية. فقد حصل الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية على الحصة الأكبر من الأصوات في المغرب وسيتزعم الإئتلاف الحكومي الجديد للمرة الأولى في التاريخ. وغدا ستبدأ الانتخابات المصرية، حيث يتوقع أن يحظى الإخوان المسلمين بنصيب الأسد في الانتخابات. قد يكون هناك المزيد في المستقبل، فهل يجب إجراء انتخابات عادلة وحرة في اليمن عند ما يسقط نظام علي عبد الله صالح - حيث سيفوز التجمع اليمني للإصلاح -وهو إسلامي أيضا- بالأغلبية العظمى؟ سوف يكرر هذا النمط نفسه أينما تحققت العملية الديمقراطية.

أدت هذه الظاهرة إلى ظهور جدل في الغرب حول "مشكلة" ظهور الإسلام السياسي. وفي العالم العربي أيضا كان هناك توتر متصاعد بين الإسلاميين والعلمانيين الذين يشعرون بالقلق من الجماعات الإسلامية. لقد حذرت العديد من الأصوات من أن الربيع العربي سيقود إلى شتاء إسلامي، وأن الإسلاميين -رغم ادعائهم بأنهم يدعمون الديمقراطية- سينقلبون ضدها بأسرع وقت. وفي الغرب، عادت الصور النمطية التي ترسخت بعد أحداث 9/11 إلى المقدمة مرة أخرى. أما في العالم العربي، فقد ظهر المخيم العلماني المعادي للديمقراطية في تونس ومصر، متذرعا باحتمالية انتصار الإسلاميين.

لكن الضجة التي صاحبت مكاسب الاسلاميين غير نافعة؛ جدال هادئ ومستنير حول صعود الإسلام السياسي الذي طال انتظاره. أولاً، يجب أن نعرف ما الذي تعنيه مصطلحاتنا. تستخدم كلمة "إسلامي" في العالم الإسلامي لوصف المسلمين الذين يشاركون في الحياة العامة على أساس الإسلام. ومن المفهوم أن المشاركة لا تعارض الديمقراطية. ومع ذلك، فإن هذا المصطلح مستخدم في الغرب بصورة روتينية لوصف أولئك الذين يستخدمون العنف كوسيلة وغاية- لذلك يطلق على السلفية الجهادية الممثلة بالقاعدة "إسلامية" في الغرب، على الرغم من أنها ترفض المشاركة السياسية الديمقراطية؛ (أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة انتقد حماس عندما قررت المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وانتقد باستمرار الإخوان المسلمين بسبب رفضهم استخدام العنف).

كانت الأنظمة العربية المستبدة تستغل هذا الانقسام في فهم المصطلح في الغرب وفي العالم المسلم من أجل قمع الحركات الإسلامية التي تمتلك برامج سياسية. حان الوقت لنكون واضحين. الحركات الإسلامية تعمل على أساس الإصلاح، تماما مثل الإخوان المسلمين. لقد تعلموا درسا مريرا من صراعهم المسلح في سوريا ضد نظام حافظ الأسد في عام 1982، والذي أودى بحياة أكثر من 20000 شخص وأدى إلى سجن ونفي الآلاف. لقد أقنعت التجربة السورية الحركات الإسلامية الرئيسية بتجنب الصراع المسلح ومراعاة "الصبر الاستراتيجي" بدلا من ذلك.

ثانيا، يجب أن نفهم تاريخ المنطقة. ففي السياق العربي يُنظر إلى الإسلاميين على أنهم وافدون جدد إلى السياسة، ومتطرفون ساذجون تدفعهم أيديولوجية متطرفة وفقدان للتجربة. في الواقع، لقد لعبوا دورا رئيسيا في المشهد السياسي العربي منذ عشرينيات القرن الماضي. لقد كانت الحركات الإسلامية في أغلب الاحيان في المعارضة، لكن منذ الأربعينيات من القرن الماضي شاركت تلك الأحزاب في الانتخابات البرلمانية، ودخلت في تحالفات مع القوى العلمانية والقومية والاشتراكية، وشاركت أيضا في عدة حكومات- في السودان والأردن واليمن والجزائر. وأقامت تحالفات مع أنطمة غير إسلامية مثل نظام النمري في السودان عام 1977.

لقد كان هناك عدد من الأحداث التي أثرت على التفكير الإسلامي الجماعي وأدت إلى نضوج الإسلام السياسي: الثورة الإسلامية في إيران التي اتصفت بالجدل الكبير عام 1979؛ والانقلاب العسكري في السودان عام 1989؛ ونجاح الجبهة الإسلامية الجزائرية للإنقاذ في انتخابات عام 1991 وحرمان الجيش من حقه في الحكم؛ والاستيلاء على جزء كبير من الأراضي الأفغانية من جانب طالبان في عام 1996 مما أدى إلى إنشاء الإمارة الاسلامية؛ ونجاح حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006. لم يُعترف بفوز حماس، ولم يتم إنشاء حكومة الوحدة الوطنية، وبدلا من ذلك حوصرت غزة لخنق الحركة.

ربما كان فوز حزب العدالة والتنمية في تركيا في انتخابات عام 2002 أحد أكثر التجارب تأثيرا. فقد كان الفوز مصدراً للإلهام بالنسبة لكثير من الحركات الإسلامية. وعلى الرغم من أن حزب العدالة والتنمية لا يصف نفسه على أنه إسلامي، إلا أن تجربته السياسية المستمرة منذ عشر سنوات قادت إلى نموذج يعتبره الإسلاميون ناجحا. النموذج لديه ثلاثة مميزات: مرجعية الإطار الإسلامي العام وديمقراطية متعددة الفصائل ونمو اقتصادي مذهل.

كان لهذه التجارب السياسية المختلفة تأثير كبير على السياسة الإسلامية المرنة والقدرة على التحرك السياسي أيضا، وفقا لفلسفتها. لقد واجه الإسلام السياسي ضغطا هائلا من الأنظمة العربية الديكتاتورية، وأصبحت هذه الضغوط حادة بعد أحداث 9/11. قمعت تلك الأنظمة المنظمات الإسلامية ووضعت النشطاء الإسلاميين في السجون وعذبتهم وقتلتهم. أثارت مثل هذه التجارب مرارة عميقة. وبالنظر إلى التاريخ، فإنه من الطبيعي لنا أن نسمع بشعارات مفرطة الحماسة أو تهديدات متعصبة من بعض الناشطين. في الآونة الأخيرة، تم إطلاق سراح بعض أولئك الذين يتصدرون الحملات الانتخابية الآن. ليس من العدل أن نتوقع منهم استخدام أصوات الدبلوماسيين المحترفين.

وعلى الرغم من هذا، كان الخطاب السياسي الإسلامي متوازنا بشكل عام. فقد كانت الحركة الإسلامية التونسية خير مثال على ذلك. وعلى الرغم من أن حزب النهضة عانى تحت حكم بن علي، إلا أن قادته طوروا خطابا متسامحا وتمكنوا من الانفتاح على قوى علمانية معتدلة وقوى سياسية يسارية. وطمأن قادة الحركة المواطنين التونسيين بأن الحزب لن يتدخل في حياتهم الشخصية، وأنه سوف يحترم حقهم في الاختيار. وقدمت الحركة أيضا نموذجا متقدما بشأن مشاركة المرأة، حيث توجد 42 امرأة من أعضاء حزب النهضة في الجمعية الدستورية.

لقد كان نهج الحركة الإسلامية متزنا أيضا تجاه الغرب، على الرغم من أن الدول الغربية كانت داعمة للأنطمة العربية المستبدة. لقد أدرك الإسلاميون أهمية التواصل العالمي في ظل العالم المترابط اقتصاديا وسياسيا. توجد الآن فرصة نادرة أمام الغرب لإثبات عدم رغبته بدعم الأنظمة المستبدة بعد الآن. عليه أن يدعم العملية الديمقراطية في العالم العربي، وأن يرفض التدخل لصالح طرف ضد الأخر، وأن يقبل بنتائج العملية الديمقراطية، حتى وإن لم تكن النتائج التي رغبوا باختيارها. تعتبر الديمقراطية الخيار الوحيد لتحقيق الاستقرار والأمن والتسماح في المنطقة، والذي يعتبر أعز شيء على قلوب العرب، الذين لن يغفروا أي محاولة لعرقلتها.

لقد عانت المنطقة الكثير جراء محاولات استبعاد الإسلاميين وحرمانهم من دور حيوي في الحياة العامة. ومن دون شك، فإن مشاركة الإسلاميين في الحكم ستثير عدة تحديات، سواء داخل الصفوف الإسلامية أو فيما يتعلق بالعلاقات مع القوى المحلية والدولية. يجب أن يكون الإسلاميين حذرين من الوقوع في مصيدة الإحساس بالثقة المفرطة: يجب أن يستوعبوا التيارات الأخرى، ومشاركة كافة القوى السياسية بغض النظر عن وزنهم الانتخابي. هذا هو التفاعل بين الإسلاميين وغيرهم على حد سواءـ هذا هو التفاعل الذي من شأنه أن يضمن نضوج الانتقال الديمقراطي العربي، ويؤدي إلى تحقيق توافق سياسي عربي وتحقيق الاستقرار الذي كان مفقودا منذ عقود.

الثورة المصرية لا تزال تشق طريقها

فورين بوليسي – ديفيد شينكر

"مع اندلاع الموجة الجديدة من العنف في مصر، يتعين على واشنطن أن تستعد لاحتمال هيمنة الفوضى وحالة عدم اليقين على المشهد السياسي لشهور قادمة."

لقد أسفرت الاشتباكات الجديدة بين "المتظاهرين الشباب" وشرطة مكافحة الشغب التابعة لوزارة الداخلية في "ميدان التحرير" في مصر عن مقتل خمسة وثلاثين شخصاً ووقوع مئات الجرحى خلال الأيام الثلاثة الماضية، مما يعرض الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر للخطر. وحتى قبل الاضطرابات في نهاية الأسبوع الجاري، كانت هناك مؤشرات على أن التصويت سيكون فوضوياً، وسوف يشوبه العنف على أغلب الاحتمالات. لكن مع تزايد السخط الشعبي الآن تجاه "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" لسوء إدارته غير الديمقراطية للمرحلة الانتقالية، فإن العديد من الأحزاب السياسية العلمانية قد تقاطع الانتخابات. وفي حالة استمرار الانتخابات، سوف تفيد الأزمة الجديدة الإسلاميين، وربما توسع هامشهم المتوقع في الفوز.

الخلفية

شاع أثناء انتفاضة شباط/فبراير التي أطاحت بحسني مبارك قول مصري مشهور هو "الجيش والشعب يد واحدة". وبعد مضي تسعة أشهر، تراجع تصنيف دعم الجمهور للجيش من نسبة مثيرة للإعجاب هي 90 بالمائة إلى أكثر من 60 بالمائة. ففي البداية تم نزع واجهة الوحدة الوطنية، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى استمرار الجيش في تطبيق قانون الطوارئ البغيض الموروث من عهد مبارك والاعتماد القوي والمستمر على المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين. إلا أن السخط الشعبي تجاه "المجلس الأعلى" تزايد مؤخراً لأن الجيش سعى إلى التقليل من انتصار محتمل للإسلاميين في الانتخابات – والحفاظ على وضعه التقليدي الذي يجعله غير خاضعاً للمساءلة للسلطة المدنية – من خلال تغيير القواعد المفترضة للمرحلة الانتقالية. وعلى وجه الخصوص، سعى "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" إلى تكريس مكانته من خلال مجموعة من "المبادئ فوق الدستورية" التي تجعل الجيش خارج نطاق المُشرِّعين. ومن أجل الحد من قدرة الإسلاميين على تغيير النظام السياسي بشكل كبير، أعلن "المجلس الأعلى" كذلك أنه سوف يتجاهل بصفة جوهرية نتائج استفتاء آذار/مارس 2011 – التي نصت على أن من يسيطر على البرلمان سوف يعين لجنة صياغة الدستور الجديدة – وأنه بدلاً من ذلك سوف يختار النصيب الأكبر من اللجنة ذاتها. وقد استاء الإسلاميون من ذلك وهددوا بحشد احتجاجات ضخمة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر إذا لم يتراجع "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" عن قراره. ووفاءاً بتهديدهم، ملأ الإسلاميون "ميدان التحرير" يوم الجمعة، إلى جانب المحتجين العلمانيين. وفي نهاية اليوم، رحل الإسلاميون، لكن المعارضة العلمانية ظلت في الميدان.

المصداقية الانتخابية محل شك

يتخذ الجيش خطوات لكي يضمن – ويُطمئن الجمهور – أن "المواطنين سيشعرون بحالة غير مسبوقة من الأمن" أثناء الانتخابات المقررة في الأسبوع المقبل. ومما لا شك فيه أن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" سيحاول تطبيق إجراءات أمنية محكمة للمراحل المختلفة من الاقتراع المقرر أن يستمر حتى 10 كانون الثاني/يناير. لكن في ظل وجود المحتجين العلمانيين المستاءين وبلطجية النظام السابق والصراعات الطائفية الروتينية، سوف تواجه السلطات معركة شرسة. واليوم، في محاولة لإرضاء الشارع، أصدر الجيش قانون "إفساد الحياة السياسية" الذي يحظر على أعضاء "الحزب الوطني الديمقراطي" السابق المشاركة في الانتخابات. وفي تطور آخر، استقال مجلس الوزراء بأكمله، رغم أنه يتعين على "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" قبول الاستقالة لكي تدخل إلى حيز التنفيذ.

إن إراقة الدماء والفوضى العامة يمكن أن يجتمعان لتقويض مصداقية أي هيئة تشريعية يتم انتخابها حديثاً. ولا يزال قانون الانتخابات – الذي يجمع بين دوائر انتخابية متعددة المرشحين وانتخابات بنظام القوائم والأفراد المستقلين على حد سواء، وبين تقسيم الجزء الأخير بين "العمال والفلاحين والمهنيين" – يعد مربكاً وغير ملائماً للناخبين. ومما يزيد الأمور سوءاً، أنه إذا قاطع غير الإسلاميين الانتخابات، فقد تنظر شريحة كبيرة من المجتمع إلى البرلمان على أنه غير شرعي. وبالمثل، يمكن أن يبقى المصوتون في منازلهم إذا كان الأمن غير كافٍ، مما يضعف الدعم لـ "مجلس الشعب". وعلى العكس من ذلك، فإن التواجد العسكري الضخم الذي نجم عن الاشتباكات في "ميدان التحرير" قد يؤدي كذلك إلى تخويف المصوتين.

على الرغم من العنف، إلا أن الانتخابات هي الطريق الوحيد إلى الأمام.

أدان اللاعبون السياسيون الرئيسيون في مصر أعمال العنف الأخيرة. وقد ألقى المرشح الرئاسي العلماني محمد البرادعي باللائمة على "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، الذي قال إنه أقر بالفعل "بأنه لا يستطيع إدارة البلد". وبالمثل فإن جماعة الإخوان المسلمين حمّلت المجلس الأعلى "المسؤولية في المقام الأول"، واتهمته بإثارة العنف كذريعة لتأجيل الانتخابات. وفي غضون ذلك، فإن عدداً من الشخصيات السياسية العلمانية – من بينهم عمرو حمزاوي وجورج إسحاق والمدون محمود "ساندمونكي" سالم – أوقفوا حملاتهم البرلمانية تضامناً مع المتظاهرين.

وفي الوقت نفسه، فإن العديد من الأحزاب السياسية الرئيسية – من بينها تلك التي تقاطع الانتخابات – وافقت على إصرار "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" بأن تمضي الانتخابات قدماً. فقد أصدر "حزب الحرية والعدالة" التابع لـجماعة الإخوان المسلمين، و"حزب الوفد"، و"حزب المصريين الأحرار" بقيادة نجيب ساويريس، و"حزب النور السلفي"، من بين آخرين، بيانات تدعو لأن يمضي التصويت كما هو مقرر. والأكثر أهمية أن جماعة الإخوان المسلمين و"حزب المصريين الأحرار" قد أشارا إلى أنهما لن يشاركا في مظاهرات جديدة في "ميدان التحرير" طالما لم يتم تأجيل الانتخابات. إن تأجيل التصويت سوف يحرمهم من حافز دعم انتقال منظم للسلطة، وسوف يؤدي إلى تصعيد الوضع إلى مواجهة مكلفة آخذة فعلاً في الانتشار إلى محافظات أخرى.

ويبدو أن الأحزاب السياسية الكبرى والمحتجين في "ميدان التحرير" يريدون الشيء نفسه: إنهاء المشاركة المباشرة لـ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" في الحياة السياسية بأسرع وقت ممكن وإسناد السلطة إلى هيئة تنفيذية بقيادة مدنية. وتدعو الآن العديد من الجماعات السياسية، من بينها "حزب الوفد" و"الحزب الديمقراطي الاجتماعي" و"ائتلاف شباب الثورة"، إلى تأسيس "حكومة إنقاذ وطني" بعد الانتخابات. وبوسع "المجلس الأعلى" إنهاء العنف من خلال تبني هذه الفكرة وإسناد مسؤولية الانتقال السياسي إلى هيئة تنفيذية تقودها الهيئة التشريعية المقبلة. وسوف يتطلب ذلك تخلي المجلس عن سلطته على المرحلة الانتقالية في نيسان/أبريل 2012، وفقاً للمقترحات الحالية. على الرغم من أنه من الصعب تخيل موافقة "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" على هذا الخيار، إلا أن البديل – طغمة عسكرية لا تحظى بشعبية بشكل متزايد دون أي عملية واضحة لتنصيب حكومة أكثر شرعية – يهدد باندلاع المزيد من أعمال العنف وعدم الاستقرار الشديد.

دلالات لسياسة الولايات المتحدة.

بالنسبة لواشنطن، يعد الوضع الراهن في مصر كابوساً. وخلافاً للانطباعات الشعبية، فإن إدارة أوباما لم تحتضن المحتجين المناهضين لمبارك في شباط/فبراير الماضي لكنها دعمت الجيش المصري في تسهيل تغيير حكم مبارك وبدء تحول غير مؤكد بقيادة الجيش. ومنذ ذلك الحين، أصبحت واشنطن مترددة حول ماهية حليفها في مصر. هل هو الجيش، الذي تشاركه الإدارة الأمريكية تفاهمات استراتيجية معينة حول القضايا الرئيسية للأمن القومي؟ أو جماعة الإخوان المسلمين، التي ينظر إليها العديد في واشنطن على أنها الصوت الحقيقي للشعب، ونظراً لفوزها الانتخابي "الحتمي"، فهي فصيل يتعين على أمريكا التودد إليه؟ أو هل هم الليبراليون العلمانيون الذين – رغم كونهم الأكثر تجانساً من الناحية الأيديولوجية مع الروح الديمقراطية لأمريكا – أظهروا ضعف قدراتهم التنظيمية السياسية ورغبتهم المتكررة في التعاون مع قوى غير ليبرالية (مثل السلفيين) لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل؟ إن غياب الوضوح حول هذه المسألة قد أدى إلى شلل في صنع السياسة الأمريكية، ونتيجة لذلك، فلدى الإدارة الأمريكية تأثير محدود لدى أي من هذه الدوائر الرئيسية.

ومن أجل الإنصاف، فإن الخيارات السياسية لواشنطن ستكون محدودة حتى في ظل أفضل الظروف الدبلوماسية. فقد تشعر الإدارة الأمريكية بأنها مضطرة لإعطاء الأولوية لقضايا الأمن القومي، مع الحث على تأجيل الانتخابات للحد من احتمال فوز الإسلاميين بأغلبية ساحقة. لكن التأجيل قد يحفز قيام المزيد من أعمال العنف التي تهدد كلية مكانة ونفوذ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، ومن ثم يهدد العدالة التي تسعى الإدارة إلى حمايتها. وبدلاً من ذلك، فإن إعطاء الأولوية لعملية التحول الديمقراطي قد يحفز "المجلس الأعلى" على المضي في برنامجه الانتخابي الحالي رغم العنف، وهو ما قد يزيد من فرص تحقيق فوز سياسي كامل للإسلاميين. وربما يكون الخيار الثالث الأكثر حكمة هو حث "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" على الإسراع من عملية الانتخابات الرئاسية، وإعداد نقطة مركزية جديدة تشمل قيادة تنفيذية مشروعة التي من شأنها أن تزيد من احتمالات احترامها لامتيازات الجيش والحفاظ على المصالح الأساسية للأمن القومي.

وبطبيعة الحال، قد لا يفلح أي من ذلك – فالقوى الفاعلة في مختلف أنحاء مصر قد تكون في حمّى ثورية تجعل حتى أفضل أفكار واشنطن تمضي بدون تأثير يُذكر. ولذا، فعلى الرغم من أنه ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تشجع "المجلس الأعلى" على تخطيط مسار ذو مصداقية للوصول إلى حكومة مدنية، وبذلك يحمي فقط مجموعة محدودة من مصالح الجيش ومكافآته، يتعين على الإدارة أيضاً أن تستعد لاحتمال هيمنة الفوضى وعدم اليقين على المشهد السياسي المصري خلال الأشهر المقبلة.

ديفيد شينكر هو زميل أوفزين ومدير برنامج السياسات العربية في معهد واشنطن.إريك تراغر هو زميل آيرا وينر في معهد واشنطن ومرشح لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بنسلفانيا حيث يكتب أطروحته عن أحزاب المعارضة المصرية.

ما هو الإسلام المعتدل؟

جمعية التضامن الفرنسية الفلسطينية (بالفرنسية)- جوزيف كونفافرو

ترجمة مركز الإعلام

سيطر حزب النهضة على أول اجتماع للجنة الدستور التونسية، في يوم الثلاثاء 22 تشرين الثاني. هناك انتخابات برلمانية مبكرة في المغرب، الجمعة 25 تشرين الثاني، ومن المفترض أن يفوز حزب العدالة والتنمية الممتد من حركة الإخوان المسلمين. أعلنت استطلاعات الرأي المصرية انتصار الإخوان المسلمين في الانتخابات يوم الاثنين 28 تشرين الثاني. تأتي أجندة الأعمال للانتخابات الإسلامية من خلال أجندة إسلامية خفية. ولكن بمجرد الحديث عن الإسلام تزداد المخاوف والاضطرابات حول صلات محتملة بين الدين والسياسة والحكومة، خصوصا عندما نفهم الإسلام السياسي من منظور الفصل بين المتشددين والمعتدلين.

قال بودوان دوبيرت مدير مركز (جاك بيرك) في الرباط إن "التمييز بين الإسلام المعتدل والمتشدد هو تمييز غربي أكثر من أن يكون تمييزا إسلاميا". العديد من الجهات السياسية والدينية تحاول تقديم نفسها بشكل جيد، خصوصا للاستهلاك الداخلي أكثر من الاستهلاك الخارجي. ولكن هذا لا يعني شيء كبيرا كأن يأتي شخص مؤثر مثل يوسف القرضاوي ويقدم نفسه بصفة الإسلام المعتدل. هذا بالتأكيد صحيح، لأنه دائما أكثر تطرفا مما كان.

في اللحظة التي يتم فيها تعريف الإسلام والدفاع عنه من خلال حركة سياسية، فإن هذا يعد تجاوزا للمعايير الغامضة للاعتدال. وبدلا من السعي لتسمية الاعتدال، فإن الاختبار الحقيقي هو أن نتساءل كما يقول (ستيفان لا كروا) أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون السعودية والمصرية: " ليت كل هذه الأحزاب تعترف بشرعية النظام الديمقراطي، وأن تلعب اللعبة السياسية دون نية التغيير في قواعدها". يبدو أن خطاب حزب النهضة في تونس واضح جدا، إن لم يكن لديه النية لتغيير النوايا. كتابات الغنوشي في هذا الموضوع تعود لسنوات عديدة، فلم يكن الغنوشي قد اعتنق الديمقراطية بعد الثورة. الإخوان المسلمون في مصر هم أكثر تمزقا وليس لديهم مثل هذه الأعمال الأيدولوجية. ولكنهم يعارضون السلفية.

إن مناقشة الاعتدال في الإسلام هو في الواقع يأخذ مكان لنقاش آخر وهو نقاش الأجندة الإسلامية الخفية. في البداية كما يقول جان ماركو الأستاذ في جامعة جرونوبل والمتخصص في الشأن التركي، فإن الجميع لا يؤمنون بصدق سياسة أردوغان، في حين أن الصدق السياسي هو مفهوم للتعامل.

هذه الفكرة تم استبدالها بمفهوم الإسلام المعتدل. ولكن بسبب تركيز اهتمامها على الاعتدال من وجهة نظر الإسلام فقط، لن نقلق من خطر تمركز السلطة في حزب العدالة والتنمية، الذي بدأ نجاحه يهبط شيئا فشيئا في كل المعاقل (الجيش والعدالة والدبلوماسية والجامعة) والتركيز على اعتقال (بشرى إرسانلي) أستاذ القانون الدستوري، واعتقال الناشر (رجيب زراكولو)، وعدم حل قضية الاكراد، والقيود المفروضة على حرية الصحافة. قال أستاذ التاريخ في جامعة (مين) والمتخصص في دراسة مقارنة الأديان: "إذا كان مصطلح (الإسلام المعتدل) غير مرضٍ، فإن مصطلح (الإسلاميين المعتدلين) لهو هراء".

أعداء الدولة الإيرانية

صحيفة التلغراف البريطانية – هيئة التحرير

ترجمة مركز الإعلام

رؤية التلغراف: إن طرد السفير البريطاني لدى إيران يضفي رؤية حية على عقلية النظام الإسلامي.

من خلال الحث على طرد السفير البريطاني في إيران، فإن البرلمان يكون قد قدّم صورة حية لعقلية قيادة الجمهورية الإسلامية. وفي ظل تراجع الإيرانيين إلى مزيد من العزلة والضيق الاقتصادي، فإنهم يحملون بريطانيا وفقا لعقليتهم المسؤولية الكاملة عن جميع مشاكلهم. ولأكثر من قرن كان الحكم البريطاني المهيمن عنصرا في السياسة الإيرانية، حيث تسبب في سقوط القادة الذين كانوا يهددون مصالح لندن. لكن عهد سيطرة القواعد البحرية الملكية على الخليج قد انتهى. ومع ذلك فإن كبار السن الذين يسيرون الحكم في إيران لا يزالوا يزعمون بأنهم اكتشفوا بأن كل المصائب ورائها يد بريطانية.

ظهرت الشرارة الأخيرة لاتهامهم ليتبين أنه تم استبعاد إيران من المعاملات في النظام المالي البريطاني، ولكن في جولة أخرى من عقوبات الأمم المتحدة تبين بشكل واضح مستوى الجهود الإيرانية الهادفة لامتلاك قدرات نووية. النظام قد يتجاهل التصويت البرلماني، إلا أنه لا زال يعتقد بأن بريطانيا تشكل القوة الدافعة وراء الحملة الدبلوماسية هذه. عندما كان هناك الكثير من المتظاهرين الإيرانيين عام 2009 في طهران ضد فوز الرئيس أحمد نجادي في الانتخابات، تم اتهام بريطانيا في كل ما حصل، فقد زعم آية الله الخميني بأن بريطانيا هي العدو الأكبر لإيران.

ربما ينبغي علينا أن نفرح في هذه الحالة التي تبين أن كل هذا يلائمنا، فالتصور قد يصل إلى الحقيقية. لذا فإن الحقيقة التي تقول بأن إيران تغالي بقواتنا الوطنية تجعلنا أكثر حزما و شدة تجاه إيران. إذا كانت طهران متحجرة وتعتبرنا بالفعل خصما كبيرا لها، فهذا شرف لنا.