المقالات في الصحف المحلية 57
1/6/2013
جاء في صحيفة الحياة الجديدة
|
في الطريق الى أريحا
بقلم: بهاء رحال - الحياة
سانغام
بقلم: عدلي صادق - الحياة
مدخل لمبدأ «الفوضى الخلاقة»
بقلم: عادل عبد الرحمن - الحياة
من الذي يقتل الفرص ويدمر الجهود؟
بقلم: يحيى رباح - الحياة
صفعة اسرائيل لجهود السلام!
بقلم: حديث القدس – القدس
حكاية المليارات الأربعة ...
بقلم: د.نبيل عمرو – القدس
الموقف من سورية يقسم الفلسطينيين
بقلم: القدس – تقرير خاص بالقدس
نموذج جون كيري لليبرالية الجديدة
بقلم: د.احمد جميل عزم - القدس
حقوق الإنسان ما بين عدالة السماء ومصالح المنتفعين!
بقلم: رائد محمد دبعي – القدس
النهّاش .. يا علي ..؟
بقلم: حسن البطل - الايام
من يصفع حماس ؟ !
بقلم: رجب أبو سرية - الايام
تحت حكم "حماس"
بقلم: محمد ياغي - الايام
الحقوا المواطن...
بقلم: هاني عوكل - الايام
لم تكن سوى غزالة!
بقلم: فاروق وادي - الايام
النهّاش .. يا علي ..؟
بقلم: حسن البطل - الايام
الاسم اسم واحد وأوصاف الاسم عديدة. السيف سيف وأوصاف السيف (والصحراء، والغيم، والثعلب..الخ) عديدة. ولله وحده أسماء حُسنى وصفات أيضاً!
.. والموت اسم، ومن صفاته "حق"، وما لا تتعلمونه من صفات الاسم في القواميس أتعلمه من شبكة الكلمات المتقاطعة آخر ما اقرأ قبل أن يحملني الوسن الى النوم. الموت ثلاثة أحرف و"حق" حرفان!
الاسم اسم وأوصاف الاسم عديدة، والنوم نوم وله أوصافه، والحلم حلم وله صفاته .. والموت اسم وله صفات منها "الحق".
صاحبي، صاحب "أبجديات" كتب في مرضه يتساءل: "السرطان مائة نوع؟ ألف نوع، عشرة آلاف.. لا أدري". السرطان هو باختصار برنامج تدمير ذاتي لخلايا الجسد. كم عدد خلايا جسد الإنسان؟ حواس الإنسان خمس (وللبعض حاسة سادسة .. لعلها الرؤيا؟).
حسناً، السرطان اسم، وله صفات ربما منها "الخبيث"، وسأضيف له صفة هي "النهّاش" كأن له، معاً، اسلحة الحيوانات آكلة اللحوم، من ناب ومخلب وحتى من منقار بغاث الطير المعكوف (النسر والصقر .. والغراب ايضاً.. الخ).
هذا "النهاش" الغاشم، الغبي، اختار أن يهاجم علي الخليلي في عموده الفقري، لا من رئتيه وهو المدخن النهم. لي أصدقاء مدخنون بدأ "النهاش" هجومه من الرأس، وصديقات غير مدخنات بدأ "النهاش" هجومه من الرئتين، او من الثدي، او ضرب "النهاش" هذا الأحمر، القاني المالح، الذي يسري في العروق والشرايين والأوردة.
أجهز "النهاش" على رأس صديقي طلال همداني وسخر "النهاش" من سخرية صديقي ممدوح عدوان: "يقولون إنه مرض خبيث لكنني سأهزمه.. أنا أخبث منه"، وكانت للمسرحي سعد الله ونوس سخريته اللاذعة من النهاش والحياة ومن الموت، ومن أصحاب الخلود في "دار البقاء".
* * *
أمس، علمت ان "النهاش" في جسد علي الخليلي استشرى الى الدماغ، وأمس سألت غازي الخليلي فعرفت ما لم اكن اعرف: إنه شقيقه، وأنا اعرف علي معرفة غريبة: دائماً استوقفه او يستوقفني في الشارع، وأسأله ويسألني على الواقف .. مرة واحدة جلسنا الى طاولة، ومرة واحدة وأخيرة زرته في بيته على سرير المرض، بعد ان بدأ "النهاش" ينهش من خلايا جسمه ويدخن غولواز .. وثلاث مرات عادت "أبجديات" في الأيام الى طلتها الأسبوعية بعد المرض، ثم توارت الى الأبد: "الشجر إذا تنفس"، "أنا والسرطان"، "عيادة وزيارة" والأولى عن نوار اللوز في حديقته (نفس أول الربيع الذي لا يراه من سريره) والأخيرة عن زيارتي الأولى والاخيرة له في بيته على سرير مرضه، وهذه مؤرخة في ٢٨ كانون الثاني، ورددت التحية له في عمودي "يقولون، في لغة البشر، جاد بأنفاسه الأخيرة، ويضربون الوليد على كتفه، احياناً، ليبدأ هذا الشهيق والزفير، ومعه يبدأ هذا الاحتراق البطيء .. الى ان يجود البشريّ بأنفاسه الأخيرة" .. من صرخة الحياة الى شهقة الموت.
علي الخليلي يجود، في غيبوبة التلاشي، بأنفاسه قبل الأخيرة. لن يقرأ ما أكتبه عنه، كما قرأ ضحية "نهاش" آخر، حسين البرغوثي، رثائي المسبق، فقال: "فيه حبّ وصدقيّة عالية"، ولي مع حسين جلسات في المقاهي وزيارات الى بيته وزيارة اخيرة الى بيتي، وقراءات لما يكتب .. ووصية: ألتقيكم بين أشجار اللوز (نوّر اللوز رأيت الله".
أصحاب الديانات (السماوية خصوصاً) يلحدون موتاهم "من التراب والى التراب" وأصحاب ديانات غير سماوية يعيدون الحياة الفانية الى عنصريها: النار (التي خلقت الكون بالانفجار الأعظم) والماء في نهر الغانج الذي هو دم الحياة .. وهناك بعض قبائل الهنود الحمر التي ترفع جسد الميت على هرم خشبي ليتولى الطير، ذو المنقار المعكوف رحلة الروح الى السماء.
تعددت الأسباب والموت واحد (حق)، وتتعدد أساليب الدفن بعد غياب الروح عن الجسد، وتتعدد ضربات "النهاش" في جسد الإنسان، ولم ينجح الأطباء والعلماء بعد في صدّ برنامج التدمير الذاتي للخلايا، للجسد .. لحياة الإنسان.
* * *
كان علي يشكو لي من قلبه، وكنت أشكو عليه من إسرافه في التدخين.. وكان للنهاش الخبيث، الغدار ان يضرب، اولاً، عموده الفقري، ثم ينتشر رويداً رويداً الى دماغه. للدماغ نشاطه الكهربائي وللقلب ضرباته من الرحم الى..
لعلي، له الدواوين، له الكتب، له جائزة تقديرية، وساماً على ما انجز، وليس له ان يطل من نافذة نظرة أخيرة من غرفة مرضه إلى نوار اللوز.
لن يتوقف نوار اللوز. لا تتوقف الحياة، اذا سقطت ورقة إنسان عن شجرتها.
من يصفع حماس ؟ !
بقلم: رجب أبو سرية - الايام
قامت الدنيا ولم تقعد في إسرائيل، لأن شمعون بيريس، رئيس دولة إسرائيل، قال في المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي عقد الأسبوع الماضي، على الجانب الأردني من البحر الميت، بحل الدولتين، وربما لأنه بظهوره مع شريكه في صنع السلام، الذي أطلق وإياه أحلامه العام 93 في أوسلو، يعيد التذكير بالكابوس المزعج، الذي كافح الليكود واليمين الإسرائيلي طوال عشرين سنة مضت من أجل إغلاق الأبواب دونه، فما كان قد ظهر في لحظة ضعف لليكود بعد انتخابات العام 92، يجب أن لا يتكرر.
ما كان نتنياهو بحاجة لأحد من أهل البيت - أي من داخل إسرائيل - لينطق بكلمة تقول بحل الدولتين، بعد أن أوصد الأبواب في وجه آخر محطات الضغط عليه من أجل فتح بوابة العملية السياسية، نقصد جون كيري، الذي من الواضح أنه اقتنع سريعا بمنطق نتنياهو، وشرع بالتفكير في الحل الاقتصادي، فمن خطة لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني، بقيمة 4 مليارات دولار، إلى مشروع إقامة مطار في أريحا، من الواضح، أن نتنياهو، قد تجاوز المحاولة الأميركية لمعاودة السعي لفتح بوابة أغلقها اليمين الإسرائيلي بعد "عذاب" تضمن شن حروب، واغتيالات، معارك سياسية، لا حصر لها، وأنه نجح لدرجة أنه لم يكن بحاجة إلى أن يرسل تسيفي ليفني، ولا حتى في زيارة لرام الله، تذكر بما كان قد اتفق معها بشأنه حتى تكون عضواً في الحكومة.
المشكلة ليست هنا، فمن لديه عقل يعرف أن عدم قدرة إسرائيل على فرض الحل السياسي الذي تريده، على الفلسطينيين، في ظل الواقع العربي وحتى الفلسطيني الراهن، إنما هو إنجاز فلسطيني، وهذا الحل، بات واضحا دون أي لبس، وهو يتراوح في شقه السياسي بين الدولة بالحدود المؤقتة، والمساعدات الاقتصادية، وجميع الإسرائيليين مقتنعون بهذا، بمن فيهم لابيد، وغالبية الإسرائيليين لا تؤيد حل الدولتين، يتضح هذا من رفض نحو 70% من الإسرائيليين الانسحاب من الضفة الغربية، لماذا إذا يعود بيريس مجددا، ليعكر صفو نتنياهو ؟!
المراهنة على الوقت، يبدو أنها باتت الأرض التي يراهن عليها الجانبان: الفلسطيني والإسرائيلي، وإذا كان استمرار الحال هذا يصب في مصلحة إسرائيل، فإن تغييره، هو الذي يكون في الاتجاه الآخر، أي في صالح الفلسطينيين، وتغيير الواقع، لا يعني أن ينتظر الفلسطينيون إعادة ترتيب المنطقة، والذي حتى لو جاء في مصلحة الشعوب العربية، فإنه سيحتاج وقتا، لكن المقصود هو أمران لا ثالث لهما، تحقيق المصالحة واعادة الوحدة الداخلية، ثم إطلاق مقاومة شعبية في الضفة الغربية، إسرائيل يبدو أنها تملأ يدها ثقة من استحالة أن تتحقق الوحدة الفلسطينية، طالما حافظ حلفاؤها الإقليميون على إبقاء كيان غزة الحمساوي، ولمواجهة احتمالات اندلاع المقاومة الشعبية في الضفة، تقدم الحل الاقتصادي، الذي من شأنه أن يمنع هذا الاحتمال، حيث إن مشاكل البطالة والفقر المتزايدة تؤجج هذا الاحتمال.
لهذا فان كل الحديث عن الحل الاقتصادي، يهدف إلى تحقيق هذا الهدف، أما موضوع الوحدة والمصالحة، فإن التقدم باتجاه احتمالات الشروع في العملية السياسية، يضغط على حماس، خشية أن تجد نفسها خارج دائرة التأثير الإقليمي، وهي بعد أن صارت في السلطة، وعلى الأرض، لا ترغب في العودة إلى صفوف المعارضة، لذا فان الإبقاء على عباس معزولا سياسيا، بما يشبه عزلة حماس، لا يشجع الحركة الانفصالية على التقدم باتجاه المصالحة، لذا فإن كل محاولة لتغيير الحالة السياسية الفلسطينية، بمستوييها، يجد صدا إسرائيلياً / أميركيا.
المستجد المهم الذي حدث قبل أكثر من شهر، تمثل في استقالة سلام فياض، حيث فتحت الاستقالة الباب، للتخلص من حكومتين "فلسطينيتين"، نشأتا بعد الانقسام، ولإقامة حكومة وحدة وطنية برئاسة رئيس يوحد الفلسطينيين، ولا خلاف بينهما على كونه الرئيس المنتخب، ومن هنا، كانت خطوة الرئيس التالية بعد قبوله استقالة فياض، على درجة بالغة من الأهمية، ولذا فإن لقاء القاهرة بين وفدي حماس وفتح، الذي جرى قبل أسبوعين، ونص على إصدار النظام الانتخابي للمجلس الوطني، كان مهما من هذه الزاوية.
لكن وللأسف الشديد، فإن حماس التي كان لها وجه مقاوم منذ العام 87، مرورا بأعوام 96، وحتى العام 2000، صار لها وجه آخر منذ العام 2007، هو وجه الانقسام القبيح، لهذا رفضت وحدها إعلان (م.ت.ف) عن هذا النظام، بحجة واهية، وحماس في كل ما يخص مباحثات المصالحة، تذكر بالطريقة الإسرائيلية تجاه مفاوضات الحل السياسي، وكأنهما - أي إسرائيل وحماس - تنتميان لمدرسة سياسية واحدة!
وما دامت إسرائيل تراهن على إقامة أمر واقع فلسطيني، حددته بنفسها منذ انسحبت من قطاع غزة من جانب واحد، وهو الدفع بإقامة كيان "مستقل" عن الكل الفلسطيني، في غزة، وكيان غير مستقل في الضفة الغربية، فإن الخطورة كلها، تتمثل في حالة اللاحرب واللاسلم الحالية، هي في تعايش الفلسطينيين الواقعي مع هذه الحالة، حتى ولو ارتفعت كل عقيراتهم ضدها!
تغيير وجهة البوصلة، يحتاج إلى توجيه صفعة على وجه حماس الانفصالي، بالإعلان عن ضرورة إسقاط نظام حكمها في غزة، وفي نفس الوقت بإطلاق مقاومة شعبية في الضفة الغربية، دون ذلك، فإن دولة فلسطينية مستقلة وموحدة، لم تقم أصلا، ستكون خاضعة لمنطق إعادة الترتيب الإقليمي، والذي بات الجميع يعرف أن جوهره، هو إقامة كيانات طائفية وإثنية، أي فسيفساء سياسية، تصبح وفقها المنطقة العربية أشبه بقطعة الجبن التي يسهل على الفأر الإسرائيلي قضمها بكل سهولة، بهذه الطريقة أو تلك!
تحت حكم "حماس"
بقلم: محمد ياغي - الايام
فاجأني أحد الأصدقاء بالقول إن صحيفة "الأيام" ما زالت ممنوعة من دخول غزة. كنت قد قرأت هذا الخبر منذ سنوات لكنني اعتقدت بأنها مجرد مناكفة مؤقتة من "حماس" ما تلبث أن تنتهي، لكنها كما يبدو سياسة تستهدف حجب المعلومات وليست مناكفة كما اعتقدت مخطئاً... لأسباب أهمها الحصار المفروض على غزة والحروب التي شنتها إسرائيل عليها، اعتقدنا أن الأولوية هي لرفع الحصار ولتدعيم صمود أهل غزة وما زلنا نعتقد بصحة ذلك.. لكن هذا الموقف منعنا من الالتفات إلى الظلم والمعاناة التي يعيشها أهل غزة تحت حكم "حماس." هذا المقال يتحدث عن جزء يسير من معاناة أهل غزة تحت حكم "حماس" والمعلومات الواردة فيه هي من صديق "غزاوي" التقيته قبل أيام:
أخلاق "حماس"- يقوم التنظيم "المقاوم" في غزة بمحاسبة الشباب على شكل البنطال الذي يلبسونه وعلى تسريحة شعرهم، وآخر عملياتهم العسكرية وجهت ضد الفنان محمد عساف، حيث سُخرت أغلبية المساجد للتنديد بمشاركته في برنامج عرب آيدول. جماعات أشبه بجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعبث في غزة بدون حساب وتطارد الناس بأسئلة تتعلق بحياتهم الشخصية وتراقب حتى الفضاءات الافتراضية التي يزورونها للحفاظ على الأخلاق "الحميدة."
من أعطاهم هذا الحق؟ قطعاً ليست "الديمقراطية" التي نجحوا من خلالها في الانتخابات قبل ثماني سنوات! النظام الديمقراطي لا يعطي تفويضاً لأحد للتجسس على الناس أو للتدخل في حياتهم الشخصية ولا توجد فيه وصفة "لبنطال ديمقراطي وآخر غير ديمقراطي". وقطعاً ليس الدين الإسلامي، اللهم إلا إذا اعتقدت "حماس" بأنها التنظيم الوحيد وأن "علماءها" وحدهم من يحق لهم تفسير الإسلام. لكن ما هو مؤكد بأنها تستمد شرعية ممارساتها "غير الأخلاقية" بقوة الحديد والنار، بالتخويف والإرهاب وقطع الأرزاق. وفي هذه الحالة فإن شرعيتهم هي مثل شرعية جميع أنظمة الاستبداد الفاسدة التي ما زالت قائمة في العالم العربي، إلى زوال.
بحر "حماس"- آخر زيارة لي لغزة كانت في العام 1998، حينها كان للفقراء بحرهم، ولمن يملك المال بحره.. الفقراء يأخذون خيامهم وطعامهم وينزلون إلى شاطئ البحر دون استئذان أحد.. والأغنياء أو من لديهم بعض المال، يتوجهون إلى إحدى الاستراحات للاستجمام.. اليوم يقول صديقي، إن البحر أصبح للأغنياء فقط. لا احد يستطيع أن يصل البحر إلا من خلال استراحة، "حماس" فيها إما شريك، أو محصل للضرائب. بحر الفقراء اختفى ومن لا يملك المال لا بحر له حتى لو كان الشورت الذي يلبسه ضمن الأيزو الخاص بـ "حماس" -أبعد من الركبة بقليل- حتى لا يثير "الفتن والغرائز" النائمة!
نحن هنا نتحدث عن شباب لا توجد لديهم أندية رياضية، أومتنزهات عامة والبحر خيارهم الوحيد للشعور بآدميتهم وبأنهم مثل بقية البشر قادرون على اللعب والفرح والاستمتاع بنعمة الحياة. لكن البحر أصبح ملك "حماس" وأحد مصادر إنفاقها على منظومتها المدنية والأمنية. لا نطالب "حماس" بجعل الشاطئ كله ملكاً للناس، وهو حقيقة لهم بقوة القانون الطبيعي، ولكن باقتسامه مع الناس على الأقل وهذا أضعف الإيمان.
كهرباء "حماس"- لمن يعتقد بأن مشكلة الكهرباء في غزة قد انتهت، ها نحن نذكرهم بأنها لم تنته-.. الكهرباء تقطع عن الناس من الساعة السادسة صباحاً وحتى الثالثة عصراً.. إلى هنا يمكن تفهم الحاجة لتقنين استخدام الكهرباء طالما أن الأموال لتشغيل محطة الكهرباء أو الوقود الموعود من الخليج لم يصل.. لكن ما لا يمكن فهمه هو لماذا يجري قطع الكهرباء عن الناس بين الساعة التاسعة مساءً والساعة الحادية عشرة ليلاً! لماذا مثلاً لا يستمر قطع الكهرباء حتى الخامسة مساءً بدلاً من قطعها الساعة التاسعة حيث الناس بأشد الحاجة لها. السبب قد يكون رغبة "حماس" في أن تنام الناس مبكراً لأسباب نجهلها.. وقد يكون الهدف حرمان الناس من متابعة برامج تلفزيونية معينة مثل جميع الأنظمة الشمولية التي تطارد الناس في أبسط تفاصيل حياتهم.
مع "حماس" أنت آمن- إذا كنت تحمل جواز سفر صادراً عن حكومة غزة.. فأنت بلا شك آمن وبإمكانك الدخول أو الخروج من معبر رفح دون مشاكل لأن إصدار الحكومة له فيه شهادة لك على "حسن سيرك وسلوكك" أو لنقل إن حكومة غزة قد أجرت تحرياتها الكاملة عنك ووجدت بأنك إما من "جماعتها" أو "أنصارها" أو على الأقل أن تاريخك الشخصي يؤكد حيادك في الصراع مع "فتح".. لكن عليك أن تتوقع الأسوأ إن كان جواز سفرك صادراً عن حكومة رام الله. هذا وحده يؤكد لموظف "حماس" في الطريق الى المعبر بأنك لست مع "حماس" وبأنك غير محايد في الصراع معها.. في حالة كهذه عليك أن تتوقع التأخير.. أن يتم إنزالك من الباص المتوجه للمعبر، والانتظار لعدة ساعات حتى يتم التأكد بأنك لست خطراً على أمن "حماس." ليس مهماً قطعاً إن كنت في عجلة من أمرك لدواع صحية مثلاً أو قلقاً من إغلاق مفاجئ للمعبر يمنعك لأسابيع من محاولة المغادرة.. الأمن أولاً، وهو أولاً، لسبب بسيط، لأنك لست مع "حماس" ولأنك كذلك فأنت غير مأمون الجانب. مثل أي نظام استبدادي أمنه أهم من أمن "الناس" ومصالحهم.
أنفاق "حماس" أم نفاقها- لم نعد نعلم حقيقة إن كانت "حماس" تريد رفع الحصار وإغلاق الأنفاق أم أن المطالبة برفع الحصار هي من باب "النفاق." بعد وصول إخوان مصر للحكم لم تعد "حماس" تتحدث عن الحصار وكأنه غير موجود.. وتوقفت قوافل رفع الحصار التي كانت تأتي من البحر وتذكر العالم بأن غزة محاصرة. ما هو ملاحظ أن "حماس" تمتلك السيطرة على جميع أنفاق غزة.. فهي إما لها كتنظيم.. وإما محصل للضرائب على كل ما يمر خلالها.. هي إذاً مصدر دخل أساسي للتنظيم ولحكومة التنظيم.. هنالك من يقول إنه عندما أخرجت سلطة "فتح" من غزة العام 2007 كان فيها (20) مليونيراً فقط.. اليوم يقال إن فيها (200) مليونير! إن كانت هذه المعلومة صحيحة، ونحن نعتقد بصحتها وفق مقولة أغنياء الحرب- تلك الفئة التي تستفيد من بؤس الناس في أجواء الحرب والحصار لتحقق مرابح مالية خيالية- فإن "حماس" فعلياً غير معنية برفع الحصار لأنها تقنن من نفوذ "أغنيائها" وتحرمهم من ذرائع رفع الأسعار لتحقيق العائدات المالية الخيالية.
تحت حكم "حماس" لا يوجد مواطنون، هنالك أشياء لهم صفة البشر لكنهم بلا حقوق، بلا حريات، وبلا كرامة أيضاً... هذا واقع يؤدي الى مجتمع مفكك، ضعيف، وهو بحد ذاته بيئة خصبة لظهور كل أنواع الجنون.
الحقوا المواطن...
بقلم: هاني عوكل - الايام
أي سلام هذا الذي ينعم به المواطن الفلسطيني المنكوب من جميع الجهات ومن أغلب الاتفاقيات؟، ابتداءً بالنكبة الأولى وحتى مسلسل النكبات المتتالية، الداخلية منها والخارجية المرتبطة بالفعل الإجرامي الإسرائيلي الدائم؟.
أستعين بالعنوان الموضوع في المقال لأستجدي سلطتنا وجميع قيادتنا بالكف عن الاقتتال الداخلي، الذي يستهلك أعصابنا وعمرنا ورصيدنا الوطني وجيوبنا ووحدتنا الأسرية والأوسع منها، أقول لهؤلاء: إلى متى ستتوقف طفولتكم وعدم قدرتكم على حصر مشكلاتكم، وتوجيه طاقاتكم في خدمة المجموع الفلسطيني؟
الناس في فلسطين المحتلة ترتب أولوياتها اليوم وفقاً لأوضاعها، فهناك من يضع الجانب النضالي في رف، ويستدعي خطورة وضعه المعيشي الصعب، وهناك من يلعن ويسب الانقسام ويرغب في البحث عن جنسية غير فلسطينية، حتى يغير جلده ويخرج عن الملة الفلسطينية وينعم بالسلام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تجود به بعض الجنسيات الأوروبية والأجنبية.
الشباب يشكلون شريحة كبيرة في المجتمع الفلسطيني، وهم متضررون إلى أبعد الحدود، إذ هناك طوابير مؤلفة من الخريجين وأصحاب الشهادات الغنية بالعلم، هؤلاء معظمهم عاطلون عن العمل، بينما جزء كبير منهم يرغب في هجر البلاد وأهل العباد.
نعم، جزء كبير منهم يريد الخروج من فلسطين للبحث عن طوق نجاة، وجزء آخر لمجرد أنه يسمع اسطوانة الانقسام المشروخة، فهو يرغب في هجر الفصائل وأصحاب الانقسام، بعد الكثير من الوعود المتعلقة بالعودة عن الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية.
الأخطر من بين هؤلاء، أولئك الذين أحبطهم الانحطاط السياسي والاقتصادي والمعيشي، وبدأ يشكل ذلك ردة فعل قوية تنعكس سلباً على بطاقة هويتهم وعلى انتمائهم الوطني، ذلك أن حالات كثيرة انخفض منسوبها الوطني وتحديداً بسبب الانقسام الداخلي.
داخلياً نعاني من مأزقين كبيرين، فالسياسة هنا أصبحت لعنة وكذبة يعرفها الصغير والكبير، وأجزم أن الكثير من شرائح المجتمع باتت تغادر مربع الفصائل وتهجر أصحاب الانقسام، بينما المواطن غير مرتاح لا في الوضع السياسي ولا الاقتصادي ولا حتى الاجتماعي.
أقصد بهذا، أنه لا توجد ولا بادرة انفراج في أوضاعنا، بحيث لو كان هناك مأزق في السياسة يعوض عنه بأريحية اقتصادية أو اجتماعية. هذا مع الأسف لا يوجد عندنا، ذلك أننا نعيش مرحلة عدم اليقين، وهناك تدهور دائم في هذه الجوانب وحده المواطن يدفع فاتورتها.
الوطن مشطور إلى أكثر من قسم، ويتداول في حدود سلطتين محليتين وفوقهما سلطة الاحتلال الإسرائيلي، والاقتصاد مأزوم إلى درجة كبيرة، وزاد الطين بلة أن الاقتصاد الوطني مضروب وضعيف وغير قادر على الإنتاج والنهوض، وهو مرتبط بالسوق الإسرائيلية أساساً وبالأسواق العالمية.
حتى في قطاع غزة، إذا ضُربت الأنفاق سنجد ارتفاعاً في الأسعار أو فقدان أغلب المنتجات "النفقية" من السوق، وسيتحمل هذه الفواتير المواطن الفلسطيني، مثلما سيتحمل بعد اليوم، حوالي 8.8% زيادة على فاتورة الكهرباء الشهرية، في الوقت الذي ارتفعت فيه ضريبة القيمة المضافة في الضفة الغربية 1%، وزاد سعر السجائر والبنزين والسولار بشكل ملحوظ.
ماذا نقول عن الوضع الاجتماعي؟ هناك آلاف من القصص والمآسي التراجيدية في هذا الجانب، وبشمل حالات الشجار العائلي بسبب تشكيلة الانتماء الفصائلي المختلفة في قلب الأسرة الواحدة، ما تزال قضايا الانتحار والطلاق مرتفعة، ويجري قتال دموي وثأر في فلك الأسرة النووية.
أما في الصراع مع إسرائيل، فما حققناه بالنضال الوطني جمدناه وفقدنا جزءا منه بالمفاوضات والسياسة، ويبدو أن حالة عدم اليقين هذه، مصت دماء الدولة الفلسطينية المستقلة، سواء بالأعمال الاستيطانية المستمرة، أو بالتعدي على الحقوق الفلسطينية من عمليات تصفية واعتقال ممنهجة.
في القمة الاقتصادية العالمية الأخيرة بالبحر الميت، قال الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس إنه مع حل الدولتين وأن نظيره أبو مازن يسعى من أجل السلام، في حين لم يقدم وزير الخارجية الأميركي جون كيري خطة مكتوبة وواضحة للخروج من حالة الجمود السياسي.
يدرك كل فلسطيني أن بيريس لم يمارس في حياته سوى الكذب والمراوغة، ولعله فتح مدرسة وخرج جيلاً من المراوغين، ثم إنه في موقع لا يسمح له بالتفاوض، حتى أن أعضاءً من حكومة بنيامين نتنياهو انتقدوا تصريحاته وتساءلوا إن كان يعمل ناطقاً باسم الحكومة.
وخلال هذه التصريحات، كان يجسد نتنياهو خيار عدم اليقين، وربما يرفض السلام الاقتصادي الذي اقترحه كيري، بإطلاق المستوطنين يعيثون فساداً في الأرض الفلسطينية، مع تحرك الجرافات لبناء 1000 وحدة استيطانية في القدس الشرقية.
ثم هل يقول لنا الأخ كيري كيف يمكن تطبيق السلام الاقتصادي بعيداً عن السلام السياسي؟ طالما وأن السياسة غائبة عن النشاط الاقتصادي، فإن أي مشروع مهما كان ضخماً، لن يقود مسيرة التنمية ولن يجلب الأمن للشعب الفلسطيني، لأن إسرائيل حسمت الصراع بتأكيد مرحلة عدم اليقين.
إن المشروعات الاقتصادية عندنا مثل ملف الأسرى في سجون الاحتلال. أنت تبني مشروعات خدمية ومطار ومراكز تسوق، وفي لحظة ارتفاع الصراع مع الاحتلال، تجده يسويها جميعها في الأرض، وكذلك ملف الأسرى، حين يفرج الاحتلال عن معتقلين فلسطينيين، يأتي علينا يوم وأيام يكون فيها الاحتلال قد مارس هذه السياسة "التافهة" بحق معتقلينا وأسرانا.
أعتقد أن جواب بيريس على طلب كبير المفاوضين الدكتور صائب عريقات قد وصل بقوة، حين دعا الأخير بيريس لإقناع نتنياهو قبول مبدأ حل الدولتين على أساس حدود العام 1967. الأعمال الإرهابية والاعتداءات المتكررة الاستيطانية والاستيلائية ردت جيداً على هذا الطلب الفلسطيني.
المحصلة أن المواطن الفلسطيني يعيش حالة من عدم اليقين، في السياسة الداخلية ومختلف فروعها، وفي طبيعة الصراع مع الاحتلال، وهذه السياسة خطرة جداً جداً على الإنسان نفسه، وعلى الوطن والقضية، وأحذر من على هذا المنبر أن شبابنا يائس إلى أبعد الحدود ويعيش في حالة إحباط شديد.
أقول إن شبابنا ومجتمعنا محبط، ولا تجعلوا من كل إنسان طلقة، فإذا "أكلنا هوا" مع الاحتلال ولا حول ولا قوة لنا بهذا الوضع، علينا في المقابل أن ننشد الأمن لحالنا الداخلي وأن نوحد صفوفنا، ونحسن من وضعنا الاقتصادي والاجتماعي.
لم تكن سوى غزالة!
بقلم: فاروق وادي - الايام
الأمير الفارس، بشعره الطويل المتطاير في الفضاء، يظهر معتلياً صهوة جواده الأبيض. كان الأمير الفارس يطارد بسهامه الطائشة غزالة متفلِّتة، تسابق بقوائمها الريح وسُرعة البرق ورأس الحربة التي باتت تحاذي جسدها المنذور لموت مؤكّد.
فجأة، تسقط الغزالة من مرتفع صخريّ ناتيء الطرف، متهوِِّّر في حدّته، يقف قائماً كالهاوية السحيقة عنذ حافة المحيط.
تسقط الغزالة والحربة ما برحت تلاحقها حتّى تكاد تنغرس في بدنها من الخلف، قريباً من عروق الرّقبة. تهوي الغزالة مع خوفها ورعبها نحو عُمق الأزرق الكبير. لكنها تبقى في اللوحة الكنسيّة معلّقة في المسافة بين قمّة الصّخرة/ الهاوية، وسطح الماء المالح، حيث الأشرعة والقوارب التي تمخر عباب البحر.
في زوايا السماء البعيدة، ثمّة غيومٍ تتلبّد هناك، معلنة عن مطرٍ مؤجّل، وعن أسرار الرّب. ومن بين الغيوم، تطلّ السيِّدة العذراء مريم، على رأسها تاج أو إكليل ورد يليق ببهائها وحضورها الآسر. خلف رأسها دائرة نورانيّة، شمس تكسر الغيوم بشعاعها الوضّاء، وحولها ملائكة تنزّلوا من السماء ليعبثوا بالغيم ويحرسوا مجدها في الأعالي القريبة من بيت الله.
السيِّدة ترسل شعاعها من الأعلى موزّعاً في ثلاث حزمٍ بين أجزاء المشهد المأساويّ بالتساوي. حزمة ضوء تتجه صوب قوائم الفرس التي يعتليها الفارس، حيث توقفت فجأة عند حافة النتوء الصّخري، فشاءت إرادة السيِّدة أن توقف اندفاعتها الجهنميّة، فتحول دون الفارس والسقوط، ولتبقى آثار حوافر الفرس محفورة على الصّخر مع بقعة من دمها، لك أن تراها الآن، إذا ما زرت الناصرة ودخلت المبنى الصغير المُكلّل بالصّليب، رؤية العين المجرّدة.
الفارس يرفع يمناه تحيّة للعذراء، فيما يسراه تشدّ لجاماً يطوِّق الفرس. وثمّة حزمة ضوء ثانية تتجه إلى وجه الفرس التي تصلّبت فوق الصخرة، فبدت كائناً صخرياً يقف بصلابة، ودون حراك، عند حافة الهاوية.
والغزالة الهاربة من رمح الفارس الذي يطاردها، تتوجّه إليها حزمة ضوء ثالثة لتضيء لحظة مصيرها المأساوي الأخير. غير أنها، وهي تهوي وتهوي وتهوي، ظلّت تحرص على أن ترسل نظرتها الغامضة إلى قاتلها، فتشمله بلفتة أخيرة وكأنها تطمئن عليه.
يا لها من غزالة تأبى إلاّ أن تترك خلفها الأسئلة. أكان لا بدّ لها من أن تلتفت خلفها؟ أكان لا بدّ لها من أن تطمئن على صيّادها قبل أن تشهد نهايتها المروِّعة في أعماق البحر!
ألأنه الأمير، الفارس، الصيّاد، وهي ليست سوى.. مجرّد غزالة؟!
wadi49@hotmail.com
* اللوحة الموصوفة هنا، قدر المستطاع، معلّقة على جدار في كنيسة Nossa Senhora القائمة في "الناصرة"Nazaré ، البلدة البرتغاليّة الواقعة على أطراف المحيط الأطلسي، والتي لا تبعد عن العاصمة لشبونة أكثر من مئه كيلومتر. وقد أقيم في مكان حوافر فرس الأمير، التي توقفت فجأة عند حافة الهاوية على المحيط وافتدته الغزالة المطاردة لتسقط عوضاً عنه، مزار صغير تهبط إليه درجات قليلة لتطلّ من نافذته الضيِّقة على متسع المحيط ورماله الصفراء. ويقال أن البلدة البحريّة الجميلة سميت الناصرة لأن أيقونة للسيدة العذراء اختفت من إحدى كنائس الناصرة في فلسطين قبل عدّة قرون، وقد عُثر عليها آنذاك في تلك البلدة السّاحرة اتي احتضنتها بلهفة.. فأصبحت البلدة التي كبرت، جديرة بحمل اسم.. الناصرة.
صفعة اسرائيل لجهود السلام!
بقلم: حديث القدس – القدس
تزامن الاعتداء الجديد الذي ارتكبه متطرفون يهود واستهدف ممتلكات كنسية في القدس بشعارات وعبارات عنصرية مسيئة للمسيحيين امس، مع ما نشرته وسائل اعلام اسرائيلية من ان السلطات الاسرائيلية اعدت مخططات باتت جاهزة لبناء اكثر من اربعة الاف وحدة سكنية في المستوطنات بالقدس المحتلة وذلك بعد اقل من اربع وعشرين ساعة على اعلان مخطط بناء حوالي الف ومئة وحدة سكنية في مستوطنتي «جيلو» و «زاموت»، كما تزامن ذلك مع حملة هدم المنازل الفلسطينية التي تصاعدت في القدس العربية ومع حملة اعتقالات شنتها السلطات الاسرائيلية في المدينة، وهو ما يشير بوضوح الى تصعيد اسرائيلي خطير وسافر يستهدف المقدسيين مسلمين ومسيحيين وينسجم مع مخططات اسرائيل لتهويد المدينة المقدسة.
واذا كانت هذه الممارسات وغيرها لا تهدد فقط الجهود الاميركية لاحياء عملية السلام وانما تكشف الوجه الحقيقي للحكومة الاسرائيلية ومتطرفيها، فان من الواضح ان اسرائيل تسعى جاهدة لوضع مزيد من العقبات والعراقيل امام اي مفاوضات جادة نحو السلام.
وقد أحسن الرئيس صنعا عندما اعلن امس امام اصحاب المنازل التي هدمتها سلطات الاحتلال ان «القدس هي مقياس السلام» وبدون القدس عاصمة لفلسطين لن يكون هناك اي حل سياسي». كما وضع النقاط على الحروف خلال مكاملة هاتفية مع وزير الخارجية الاميركي جون كيري عندما اكد ان الاستيطان يجب ان يتوقف ويجب أطلاق سراح الاسرى حتى يمكن لجهود السلام ان تتقدم.
ومما لا شك فيه ان قضايا القدس والاستيطان والاسرى باتت في مقدة جدول اعمال القيادة الفلسطينية خلال أي اتصال او حديث عن السلام سواء مع الولايات المتحدة او غيرها. ولذلك فان الكرة الان في ملعب الادارة الاميركية التي ادانت امس الاول مخططات الاستيطان واعتبرتها عائقا امام جهود السلام، تلك الجهود اللتي باتت بحاجة الى ما هو اكثر من الافتقاد او الادانة لاسرائيل وصولا الى موقف اميركي حازم ينقل رسالة واضحة لاسرائيل بأن عليها وقف الاستيطان وممارساتها واعتداءات متطرفيها في القدس وتغيير الكثير من مواقفها حتى يمكن اطلاق عملية سلام حقيقية. كما ان المطلوب من الولايات المتحدة التعاون مع المجتمع الدولي ومع اللجنة الرباعية الدولية للضغط على اسرائيل من اجل انهاء هذا الاحتلال البغيض وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
وفي المحصلة يدرك الجميع ان استمرار اسرائيل في ممارساتها تلك يعني افراغ جهود السلام من أي مضمون حقيقي وهو ما يرفضه أي فلسطيني، ممن غير المعقول الغرق مجددا في دوامة مفاوضات واتصالات عبثية دون ان تقدم اسرائيل أي مؤشر على جدية سعيها للسلام.
لقد حان الوقت كي تقول اميركا لاسرائيل: كفى اذا كانت معنية فعلا بانجاح الجهود التي يبذلها كيري لاطلاق عملية السلام.
كما حان الوقت كي يعيد الجانب الفلسطيني حساباته في كل ما يجري وأن تتضافر الجهود لانهاء الانقسام واستعادة الوحدة لحشد كل الجهود والطاقات في مواجهة التحديات الخطيرة التي تفرضها اسرائيل.
حكاية المليارات الأربعة ...
بقلم: د.نبيل عمرو – القدس
حين يجلس الفقراء المُعدمون، حول مواقد الحطب، التي تنتج من الدخان اكثر مما تشيع من الدفء، لا يجد رب العائلة المغلوب على أمره، والعاجز عن توفير اقل مستلزمات الحياة لأسرته، الا الوعد، ووعد الفقير المعدم يستند الى كلمة "لو".
"لو ارسل لي الله من غامض علمه الف دينار فسأشتري لكم ثلاثة أرطال من اللحم".
وهنا تتدخل الزوجة المسؤولة عن تنظيم الحرمان وترتيب شظف العيش قائلة:
الا ترى ان ثلاثة أرطال من اللحم مرة واحدة، هو تبذير، اذ يكفينا رطل واحد.
يجيب الرجل الذي اصبح مصدر الامل من خلال كلمة "لو"
"يا حرمة متكونيش قطاعة رزق خللي الاولاد يوكلو تيشبعوا".
منتدى دافوس الاقتصادي نجح بصورة ملفتة في ان يكون منبرا عالميا، يتحدث فيه قليلو الحيلة عن آمالهم وتطلعاتهم، ففي هذا المنتدى العالمي مواصفات مكتملة لسوق عكاظ .. حيث يتبارى الخطباء في تقديم افضل ما لديهم من لغة بليغة، تتحدث عن امر واحد هو "مزايا السلام" في الشرق الاوسط، وحتمية توفر الارادة المشتركة لتحقيقه، وحين يصل الامر الى حكاية "المعدم واللحم"، يقول الخطباء: وبهذا تنعم شعوب المنطقة بالسلام والأمن والرفاه.
في "دافوس- الشونة" حيث المدينة الاردنية المضيافة، التي يقطعها الفلسطينيون ذهابا وايابا. انتشر ربيع كلام بليغ، واغدقت فيه الامنيات، وكان سيد المناسبة هو الوزير المحترم جون كيري الذي تحدث عن اربعة مليارات دولار كرأسمال اولي للسلام الاقتصادي، الذي لا بد وان يتزامن مع السلام الامني والسياسي. ويبدو ان السيد كيري الرجل المخلص في سعيه، سيعتمد كثيرا في هذا الامر على السيد طوني بلير، الذي بدوره سوف يعتمد على رئيس شركة كوكا كولا، لتحفيز الشركات العملاقة على الاستثمار في فلسطين، كي يأكل الفقراء حتى يشبعوا.!!
هذه المليارات الاربعة، ولكي تضخ في عملية اقتصادية فعالة ومنتجة، تحتاج كما يقول السيد كيري الى قرارات مؤلمة، يتخذها الفلسطينيون والاسرائيليون للجلوس على مائدة المفاوضات، والبدء في مسار سياسي اقتصادي امني جديد، ينعش الامال بعودة الحياة الى عملية السلام المحتضرة، ويفتح الابواب امام سلام يشيع الامن والاستقرار في المنطقة، وربما في العالم بأسره.
ومع انني من الذين ايدوا بقوة وبصورة صريحة جهود السيد كيري، التي قوبلت بحذر شديد من جانب الفلسطينيين، وباستخفاف أشد من جانب الاسرائيليين، الا انني ارى ان نوايا السيد كيري المخلصة بحاجة الى روافع اسرائيلية قبل ان تصبح حقائق سياسية ملموسة، واقول روافع اسرائيلية، لان اسرائيل وحدها من يضع العصي في دواليب كيري، ووحدها من يقود حملة نشطة ضد مشروعه ، بلغت حد اتهامه بالسذاجة المفرطة، وانعزاله عن الواقع واستسهاله اختراق المستحيل بالكلام الجميل!!
والى جانب الروافع الاسرائيلية التي يبدو انها لن تتوفر على المدى المنظور، فهو بحاجة الى روافع امريكية، وقد يتساءل البعض باستغراب كيف يحتاج وزير خارجية امريكا الى روافع امريكية ، فهو صاحب القرار الاعلى ، وحين سمي وزيرا للخارجية صفق له الكونجرس وقوفا كتعبير عن التأييد والدعم.
الجواب . ان الرافعة الامريكية لجهود كيري، يجب ان تظهر اذا لم يتخذ اطراف النزاع الفلسطينيون والاسرائيليون تلك القرارارت المؤلمة التي طلبها كيري ومنح الطرفين مهلة قصيرة لاتخاذها.
فماذا سيفعل؟ هل سيفرض على اسرائيل اولا ان تقبل بمبادرة يعدها هو لانهاء النزاع، وضمن المسارات الثلاثة الاقتصادية والأمنية والسياسية؟
هل ستوضع الامكانات الامريكية العملاقة، بتصرف كيري كي يذعن الاسرائيليون لخطته، وليس لخطط ومطالب الفلسطينيين والعرب؟
ام سنشهد تخليا تدريجيا عن الحزم اللغوي، الذي ظهر في البدايات، لمصلحة العودة مرة اخرى الى دبلوماسية الاقناع، التي سار عليها الامريكيون مع اسرائيل عقودا من الزمن ولم تؤدي إلا لمزيد من الابتعاد عن عملية السلام، لدرجة ان من يحاول وحتى لو كان وزير خارجية امريكا، يتهم بالسذاجة وسوء التقدير.
ان المليارات الاربعة الموعودة، بالغة الاهمية بالنسبة للفلسطينيين، وعطف رئيس الكوكا كولا على اهمية الاستثمار في بلدنا الفقير امر قدره رجال الاعمال وسال لعابهم، حتى انهم تقدموا بمبادرة لدعم هذا التوجه..
ولكن ... تبقى الحلقة المفقودة التي يتعين على الوزير المحترم جون كيري ايجادها، وهي الاسنان الامريكية الحادة، التي تعطي للمبادرات السياسية والامنية والاقتصادية مضمونها ومصداقيتها، وتفرض على صناع القرار في اسرائيل عقلانية وايجابية، فهل هنالك انياب من هذا القبيل، يمكن رؤيتها على المدى المنظور، ام ستعود من جديد الى امنيات الفقراء المعدمين؟
الموقف من سورية يقسم الفلسطينيين
بقلم: القدس – تقرير خاص بالقدس
بعد أن تدمرت حياة الفلسطينيين المقيمين في سورية، والذين يصل عددهم إلى نحو نصف مليون، شرعت الحرب الأهلية السورية في تقسيم الفلسطينيين فيما وراء الحدود، في إسرائيل والمناطق الفلسطينية أيضاً. وقد شردت الحرب الدائرة في سورية حوالي 235.000 فلسطيني وقتلت المئات منهم من الذين حملوا السلاح وانحازوا إلى أحد جانبي الصراع. لكن تلك الحرب عملت أيضاً على تعميق الصدوع في القيادة الفلسطينية أيضاً، عندما شرع المعسكران –القومي بقيادة حركة فتح والذي تقع معاقله في الضفة الغربية، وحماس، الحركة الإسلامية التي تحكم غزة- في التعبير عن دعمهما للأطراف السورية المتعارضة.
بينما تحذر فتح من مغبة الوقوف ضد نظام بشار الأسد، حتى لا يحذو حذو أمير الكويت في العام 1001 ويقوم بطرد الفلسطينيين المندمجين في المجتمع السورية منذ فترة طويلة طلباً للانتقام، يقول قادة حماس أنهم لا يستطيعون الوقوف إلى جانب المذبحة التي يرتكبها الدكتاتور في حق شعبه. وبينما ساند بعض مسؤولي فتح في سوريا النظام السوري في إخراج الثوار السوريين من المخيمات الفلسطينية في جنوب دمشق العاصمة، أغلق خصومهم من حماس مكاتب قيادتهم في دمشق، وأرسلوا مقاتلين للانضمام إلى الثوار. وكان خالد مشعل، زعيم حماس، قد صرح لمجلة فورين بوليسي في أواسط أيار، بعد سنة من تخليه عن قاعدته في سورية، بأن الأسد "اختار الخيار الخطأ، وكان مخطئاً في رؤيته للأزمة".
وبالإضافة إلى ذلك، كان من شأن الزيارة التي قام بها إلى غزة في وقت سابق من هذا الشهر الشيخ يوسف القرضاوي المقيم في قطر، والذي أصدر فتاوى تحث المسلمين على الانضمام إلى الانتفاضة المسلحة في سورية، أن تعمق الشقاق فحسب. وقد قامت شرطة حماس في مدينة خان يونس بقمع مظاهرات يلوح مشاركوها بصور الأسد، واعتقلت صحفيين يغطون التظاهرة لصالح محطة "المنار" التلفزيونية التابعة لحزب الله، الحزب الشيعي اللبناني الذي يمتلك ميليشيا عسكرية، الذي كان ذات مرة حليف حماس، والذي يدعم النظام السوري.
في الأثناء، قام مؤيدو الأسد الفلسطينيون بمقاطعة احتفالات عيد الفصح في كنيسة المهد في القدس، هاتفين بدعمهم لـ"الله، سورية، بشار وبس." وكما في لبنان، ينظر الكثير من الفلسطينيين المسيحيين إلى الأسد كحام للأقليات، ويشاركون مخاوفه من صعود أغلبية سنية قد تضطهد الأقليات، كما حدث في أماكن أخرى من الشرق الأوسط.
وإلى جانب ذلك، فإن الولاءات القديمة لا تموت. وما يزال بعض الفلسطينيين ينظرون إلى سورية الأسد باعتبارها القلعة الأخيرة للقومية العربية العلمانية في المنطقة، ويعتبرون الثورة ضده مؤامرة حاكها الخليج والقوى الغربية. وفي بعض الأحيان، يضرب الصدع العائلات نفسه، ويضع الآباء المؤيدين للأسد في مواجهة أبنائهم الثوريين. وقد عطل مؤيدو الأسد أيضاً تغطية لتظاهرة بمناسبة ذكرى النكبة، الخروج الفلسطيني في العام 1948، لقناة الجزيرة المملوكة لقطر، والتي دعمت انتفاضة سورية المسلحة.
وتعكس الاستطلاعات عمق الانقسام الفلسطيني حول المسألة السورية. فوفقاً لاستطلاع أجرته جامعة حيفا، ثالث أكبر المدن الإسرائيلية، تبين أن أكثر من واحد من كل أربعة من عرب إسرائيل يؤيدون نظام الأسد، لكن الارتباك يسود. فالبعض، مثل عزمي بشارة، وهو سياسي مسيحي بارز كان قد هرب من إسرائيل في العام 2007 إثر مزاعم اتهمته بالتجسس، تحولوا من الدفاع عن الأسد إلى استنكاره؛ في حين تراجع الليبراليون عن دعمهم للثوار في بواكير الثورة، بعد أن صدمتهم التطرفية الإسلاموية والعنف.
وفي خضم الانقسام، أنشأ فلسطينيون مؤيدون للنظام السوري برامج حوارية، مثل برنامج "كلام مباشر" على قناة الشمس، وهي محطة إذاعة ناطقة بالعربية، من أجل التنديد بالثوار باعتبارهم عملاء لتنظيم القاعدة. وقد رد المضيف في إحدى الحلقات بطريقة اتهامية بكلمة، "شبيحة"، مشيراً إلى الثوار وكأنهم أعضاء في ميليشيات الأسد. لكن هذا الشجب الصريح للثوار من مؤيدي الأسد يصبح أكثر ندرة باطراد. وبشكل عام، يتجنب الساسة الفلسطينيون مناقشة هذه القضية في العلن، على الأقل لأن الكثير من القيادات القديمة، وخاصة في الحزب الشيوعي، حزب حداش، ما يزالون يحتفظون بمشاعر متعاطفة مع الأسد.
يقول أسعد غانم، الأكاديمي من جامعة حيفا الذي أجرى الاستطلاع: "إن أنصار الثورة هادئون جداً، وخصوصاً أن الكثيرين قتلوا في سورية. ويقول الفلسطينيون في إسرائيل أنهم يريدون المزيد من الديمقراطية في إسرائيل، ولذلك يجب أن يرغبوا في المزيد منها في سورية كذلك. لكنه ليس هناك عمل حقيقي بهذا الاتجاه"، ويضيف متأسفاً: "بدلاً من ذلك، يسمون الثوريين إرهابيين فقط".
نموذج جون كيري لليبرالية الجديدة
بقلم: د.احمد جميل عزم - القدس
ربما تنتهي قريبا قصة التمويل الأميركي للمنظمات غير الحكومية، ومساعداتها للحكومات. الشركاء والوكلاء الذين سيقررون الآن كيف تُدار الدول وتُبنى، هم رجال الأعمال. ربما تنتهي "موضة" ما يعرف باسم "شركة غير ربحية"، والتي صارت تُسجّل مؤخرا لجلب بعض أموال المانحين؛ بل يمكن أن تحصل شركة خاصة ربحية على دعم مالي وسياسي أميركي وغير غربي، وعقود من حكومات مانحة مباشرة.
إذا كانت "الخطة" المزعومة للاقتصاد الفلسطيني، في كلمة وزير الخارجية الأميركية جون كيري، في المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت، هذا الأسبوع، استأثرت بالاهتمام، فإنّ الفلسفة النظرية التي تقف خلف الخطة بالغة الأهمية، ولم يلتفت إليها المراقبون، وهي تمس دول العالم ككل، وليس فلسطين وحسب. وقد حظيت هذه الفلسفة بفقرات صريحة في خطاب كيري، تجعله يبدو أقرب إلى الليبرالية الجديدة التي تجعل الدولة معتمدة على رجال الأعمال. وهذا افتراق كبير عن الليبرالية الكلاسيكية التي كان رائدها آدم سيمث (1723-1790)، ويجعل طروحات كيري تنسجم مع طروحات المحافظين الجدد وغلاة مفكري الليبرالية الجديدة، من أمثال ميلتون فريدمان.
إذا تذكّرنا آدم سميث، رمز اقتصاد السوق، ونحن نرى اجتماعات المنتدى الاقتصادي الأخير، فسنتذكره يتحدث عن رجال الأعمال والتجار بأنّه، من حيث المبدأ، لا يثق فيهم. ويقول تحديداً: "المهندسون الأساسيون" للسياسة في إنجلترا هم التجار وأصحاب المصانع الذين استخدموا سلطة الدولة لخدمة مصالحهم، بغض النظر عن "فداحة" ضرر النتائج على الآخرين، بمن في ذلك شعب انجلترا. ويقول: "نادرا ما يجتمع أهل تجارة واحدة مع بعضهم، حتى للمرح والترويح. ولكنهم عندما يجتمعون، فإنّ النتيجة مؤامرة ضد العامة، أو تواطؤ على رفع الأسعار".
رغم هذا، دافع سميث عن السوق الحرة بلا هوادة، شريطة أن لا تكون خدمة لمصالح نخبة محدودة. وكان ما يطرحه عمليا هو فصل الدولة (كجهاز ومؤسسات) عن السوق. ولكن الليبرالية الجديدة التي تزعم أنّها تتبنى نظريات سميث وغيره، تقوم في التطبيق العملي السياسي بتسخير الدولة لصالح الشركات ورجال الأعمال. ومن الأمثلة، ديك تشيني الذي كان يتنقل بين الشركات والمواقع السياسية؛ فيخدم الشركات من موقعه السياسي. فهو، مثلا، كان مديرا لشركة "هالبيرتون" حيث جنى عشرات الملايين من عمله هناك. ثم استقال ليصبح في العام 2000 نائب للرئيس الأميركي، وليقدم لهالبيرتون عقودا هائلة في العراق، منها عقود تجسس وحماية وسجون.
في كلمته في البحر الميت، قال كيري إنّ هناك "نموذجا جديدا للتنمية". وهو لا يوضح هذا النموذج تماما، ولكنه يحدد النظام القديم، ويقدم إشارات على الجديد، فيقول: "إنّ النموذج القديم كان حيث تُرى الحكومة تعطي منحا أو أموالا. حكومة (تعطي) إلى حكومة أو تستثمر مباشرة في بعض البنى التحتية". ويوضّح: "في العصر الجديد، عندما يكون هناك مثل هذا القدر الكبير من الثروة، والكثير من الأموال على الجانب، وحيث نرى الكثير من الضغط على الحكومات بشأن الميزانيات، وحيث نرى أنّه ما يزال هناك قدر كبير من الفقر، فإننا نحتاج إلى التشارك مع القطاع الخاص، لأنّه من الواضح أن أغلب الحكومات لا تمتلك المال. وفي أماكن معينة، يمتلك القطاع الخاص قدرة أكبر على تحريك الأمور أسرع مما تستطيع الحكومات".
يتحدث كيري، إذا، عن "نموذج جديد"، وعن مساعدات ومنح وحكومات وقطاع خاص؛ عن قطاع خاص قد يأخذ دور الحكومات، ويكون جزءا من شراكة.
هناك معانٍ عدة لهذا؛ ليست متناقضة، وقد تكون مجتمعة. مثلا، هل ستصبح المنح الأميركية والغربية لمشاريع يبدأها ويقررها وينفذها القطاع الخاص، الذي بدوره سيجد مشاريع ترضي المانحين، تماما مثلما تفعل جمعيات غير حكومية تتقصى ما قد يوافق عليه الممول الأجنبي؟ أم سيعمل توني بلير وغيره وسطاء يضغطون، أو يأتون بالضغط على الحكومات لتقدم لرجال الأعمال تسهيلات مختلفة وإمكانيات ليقوموا بالمشاريع التي يقررونها ويحلمون بها؟ وهذا سيشمل مجالات في صلب عمل الدول، مثل الأمن والجيوش والتعليم والصحة والطرق وغيرها.
هل يواصل كيري مشروع المحافظين الجدد: خصخصة الدول لصالح رجال الأعمال، ويستخدم رجال الأعمال والمدراء ليقوموا بمهمات سياسية؟!
حقوق الإنسان ما بين عدالة السماء ومصالح المنتفعين!
بقلم: رائد محمد دبعي – القدس
ما من شك بأن الهدف الاسمى للديانات جميعا هو الإرتقاء بإنسانية الانسان ، والحفاظ على كرامته وحقوقه الاساسية ، إذ تشترك الديانات بانها تحترم قدسية الحياة ، وحرية الانسان ومصلحته وكرامته ، والسعي نحو تحقيق العدل والسلام وسلامة البيئة ، من خلال ما شرعه الله لعباده من العقائد و العبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة ، التي تنظم علاقة الفرد بخالقه ، وعلاقة الافراد ببعضهم البعض ، والقائمة على الاخلاق القويمة التي تصون الانسان من الإنحراف والزيغ ونوازع الهوى .
فقد سبقت الأديان جميع الاتفاقيات الخاصة بحقوق الانسان ومنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 ، والقانون الدولي الإنساني والذي يتكون من اتفاقيات جنيف الاربع الخاصة بالحروب لعام 1949 ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966 ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966 ، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة سنة 1984 ، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 .
فالوصايا العشر في الديانة اليهودية جاءت لتحرر البشر وتعلي من شأن الإنسان وتحفظ كرامته الإنسانية وحقوقه ، كما دعا أنبياء بني إسرائيل إلى تحري العدل والحق والإستقامة ، واهتموا بدور الضمير الإنساني في صياغة أفعال البشر وتصرفاتهم داعين إلى إخضاعها للعقل والمنطق[1] .
وجاءت الديانة المسيحية لتؤكد ذات الدور الأخلاقي للأديان ، ولتحرر البشرية وتخرج كل ما هو مثالي وجميل في النفس البشرية من خلال تطهيرها وصفائها الروحي ورفعها للواء التسامح والإخاء الإنساني ، فالدين المسيحي جاء ليؤكد على المساواة بين البشر : " الحق الحق أقول لكم : ما كان الخادم أعظم من سيده ولا كان الرسول أعظم من مرسله "[2] وهو الأمر الذي يؤكده القديس بولس في رسالته إلى أهل غلاطية : " ليس هناك يهود وإغريق ، ولا حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى ، فكلهم سواء في يسوع المسيح "[3].
كما اهتم السيد المسيح عليه السلام بحقوق الاطفال : " من قَبلَ واحداً من هؤلاء الأطفالِ بأسمي يكون قد قَبِلَني "[4] ، كما ركزت الديانة المسيحية على كرامة الإنسان ، ووضعت حجر الأساس لتقييد التوظيف السياسي والمصلحي للسلطة ، من خلال المناداة بمبدأ الفصل بين السلطة الدينية والدنيوية من خلال رفع المسيحيين الاوائل شعار : " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ، كما أنها دافعت عن حقوق العبيد والمستضعفين ضد الأثرياء وكذلك من خلال دفاعها عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل .
كما ان ولادة لاهوت التحرير" Teología de la liberación" عام 1968، والقائم على الدفاع عن حقوق الفقراء ، وشجب التباين الكبير بالثروة بين الدول الصناعية الكبرى و دول العالم الثالث ، الناتج عن السياسات التوسعية للأولى على حساب خيرات الثانية وحقوقها الإنسانية ، وظهور اساقفة تحررين من أمثال " غوستاف غيتييرز ، وأوسكار أرنولفو روميرو، و ليوناردو بوف، جون سوبرينو ، وهيلدر كامارا ، والأم تيريزا " ونضالهم الإنساني لصالح حقوق المحرومين والفقراء ضد هيمنة وتسلط الأثرياء ، إلا دليل على الدور العظيم للكنيسة في مجال الدفاع عن حقوق الانسان [5].
كما كان ولا يزال للكنيسة في فلسطين والمشرق العربي دورا وطنيا وتحرريا كبيرا ، هذه الكنائس الملتزمة بالمشروع التحرري الذي يناضل لتحقيق الكرامة والحرية والعدل والسلام وحقوق الانسان .
جاءت الديانة الإسلامية لتكمل الدور الإنساني للأديان في الحفاظ على حقوق الإنسان وتأكيد قدسيتها وحرمة انتهاكها ، فالاسلام أكد على تكريم الإنسان وعلو شانه : " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا " [6] ، كما أكد الإسلام على مبدأ الوحدة الإنسانية : " يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " [7] ، والإسلام جاء ليؤكد على حقيقة المساواة بين البشر، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : " لا خير لعربي على اعجمي الا بالتقوى " وهو الأمر الذي اكده الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله حينما قال : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا "
وحق الحياة من الحقوق المقدسة في الاسلام وانتهاكها يعتبر كبيرة من الكبائر : " مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "[8] ، كما ساوى الاسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ، فقد اوصى صلى الله عيه وسلم بالنساء خيرا: " استوصوا بالنساء خيرا " ووصفهن بشقائق الرجال ، كما أن الإسلام حفظ حرية الرأي والتعبير ولم يحجر على الفكر والابداع ، ودعا الى الشورى ونهى عن الإستبداد والظلم والتعسف في استخدام السلطات .
كما أن الديانات غير السماوية تقوم على احترام حرية الفرد وحقوقه الأساسية ، فالفكر البوذي يرسي قيم المحبة والتسامح والتحرر التام عبر الالتزام بمبادئ بوذا الذي يقول " إن الحرية أنواع وأولها التحرر من الأباطيل والأكاذيب البالية وأوسطها أن تصبح مقادير أنفسنا بأيدينا وآخرها أن نكون الإله نفسه " ، وكذلك الحال في الديانة الهندوسية والتي تتميز بتسامحها الشامل وانفتاحها العقائدي.
إلا أن الغاء الحدود مابين الدين والتدين، وبين مرجعية الدين ورجال الدين، وبين النص الديني ومفهوم النص ، وبين الفقه والشريعة ، قد أدى إلى تحريف غاية الأديان القائم على احترام الفرد وحقوقه الأساسية ، مما فتح المجال واسعا لرجال الدين لتأويل نصوص الدين وتوظيفها بل وقولبتها وتطويعها في أحيان أخرى لخدمة مصالحهم الدنيوية مستخدمين الدين لخدمة دنياهم ,وادارة حركة صراعاتهم السياسية و الحفاظ على امتيازاتهم ، في تعارض واضح مع جوهر الدين القائم على حرية الفكر والاعتقاد والانقياد لله وحده دون غيره ، فقد سبق أن استخدم البابا " اوربان الثاني "، شعار حماية قبر المسيح في القدس غطاءا لتبرير وتسويق اعتداء الفرنجة على القدس وفلسطين والمشرق العربي مما تسبب بمقتل ما يزيد عن سبعين ألفاً من أهل البلاد مسلمين ومسيحيين ، خدمة لشهوات أقلية من رجال الدين وتحقيق نزواتهم وأطماعهم تحت شعار " إن الحل هو تحويل السيوف لخدمة الرب " .
وتعتبر الكنائس المتصهينة أو " المسيحيون الصهاينة " Christian Zionism القائمة على الإيمان بأن عودة الشعب اليهودي إلى أرضه المزعومة في فلسطين، وإقامة كيان يهودي فيها والسيطرة على القدس وتهديد هويتها ومقدساتها يمهد للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه لمملكة الألف عام – حسب زعمهم- مثالا صارخا على تواطؤ مدعي تمثيل المؤسسة الدينية ممثلة ببعض الكنائس البروتستانتية الأصولية التي تقيم شراكة فكرية وسياسية مع الحركة الصهيونية في فلسطين في علاقة تبادلية تحقق مصالح كل منهما وتغذيها ، على حساب الغالبية العظمى من المواطنين الذين اعتبروا حطبا جاهزا للإحتراق لغرض المحافظة على علو تسلط طبقة رجال الدين .
كما وظفت فئة من رجال اليهودي قرائتهم المشوهة للدين ، وأحالوها إلى أداة سيطرة وقمع سياسي وإجتماعي ليهود العالم من جهة ، ووسيلة لتبرير التوسع الاستيطاني وطمس الوجود العربي في فلسطين من جهة أخرى، ويتم ذلك بصورة منهجية تحت غطاء ديني يبرر للمحتل ممارسته المتناقضة مع جوهر الدين القائم على الحرية والعدالة والكرامة الانسانية من جهة أخرى، إذ استندت تلك القوى على نصوص تلمودية لتبرير عدوانها على أصحاب الارض الحقيقيين مثل " أرض الميعاد " واستندت الى أوهام تلمودية من قبيل " أولى بك أن تعيش في صحراء فلسطين من أن تسكن قصراً عظيماً في بلاد بعيدة " مستندة في ذات الاطار الى نصوص دينية لترسيخ الرواية الصهيونية بأن يهود العالم هم شعب الله المختار : "لأنك شعب مقدس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" وهو الأمر الذي يتناقض مع جوهر الدين القائم على تقديس حرية الانسان وحقوقه الأساسية .
إندرجت الكثير من حركات الاسلام السياسي ومنذ عصور طويلة في ذات الاطار ، ووظفت الدين لخدمة مصالحها واهدافها واسباغ أردية الشرعية على أفعالها تحت شعارات " حاكمية الله " أو " المرجعية الدينية " أو " ولاية الفقيه " أو " الربانيون " سواء من خلال تجييش الجماهير وتحشيدها عاطفيا من خلال وعدها بالفردوس في الحياة الاخرة، أو من خلال ترهيبها وانذارها بالعقاب والجحيم، بعد ان احتكرت الفضاء الديني وتسلحت بادعائها تمثيل مشيئة الله على الارض موهمة الوجدان الجمعي للجماهير الاسلامية بأنها ممثلة للإسلام ولا انفصام بينها وبين الدين وهو الامر الذي يتعارض مع أسس ومبادئ حقوق الانسان القائمة على احترام إرادة الانسان وضميره وحقه بحرية الفكر والاعتقاد وهو الأمر الذي تسبب بخسارات فادحة للإنسانية والإسلام خلال الصراعات الدنيوية التي راح ضحيتها عشرات الالاف من صحابة رسول الله وكتبة الوحي وحفظة القرآن الكريم والتي راح ضحيتها أيضا الخليفة العادل علي بن أبي طالب الذي راح ضحية لادعاء فئة من المسلمين تمثيل مشيئة الله من خلال توظيفهم لشعار " لا حكم إلا لله " .
ختاما فان الأديان جميعا تعتبر منارة للدفاع عن حقوق الانسان ، وقاعدة للدفاع عن كرامته وضميره وحقه بالاختيار والاعتقاد ، إلا أن توظيف نقاء الدين وتشويهه لخدمة بعض المنتفعين من أصحاب المصالح هو ما يشوه رسال الأديان ويحرفها عن دورها الحقيقي في الارتقاء بالانسان من خلال حفظ حقوقه الانسانية .
ملاحظة : هذا المقال حاصل على الجائزة الاولى على مستوى فلسطين ضمن مسابقة شبكة «معا» ومؤسسة الحق فئة المقال .
في الطريق الى أريحا
بقلم: بهاء رحال - الحياة
الى تلك البقعة التاريخية من العالم سرنا وقطعناً شوطا طويلاً في الطريق بين المعرجات والمتعرجات، طريق ملتوية وملتفة حول ذاتها الى الوادي البعيد ثم الى أعلى قمة الجبل تهبط وتصعد في طريق ملتوية تسمى واد النار وهي أكثر. كان لا بد من تسميتها طريق وادي الموت إلا انه اعتاد الناس على هذا الاسم منذ القدم، فالطريق الى أريحا من بيت لحم بعد الجدار وإغلاق طريق القدس لا بد أن تمر من هذه المنطقة التي في نهايتها يستوقفك حاجز "الكونتينر" وهو عبارة عن حاجز عسكري إسرائيلي وظيفته زيادة المعاناة على المواطنين وإطالة وقت السفر تحت أشعة الشمس الحارقة حاله كحال باقي الحواجز الإسرائيلية المنتشرة فوق كامل أراضي الضفة والتي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض.
وأخيراً وبعد حذر شديد اجتزنا طريق واد النار وتوقفنا عند حاجز "الكونتينر"، طابور طويل من الحافلات تنتظر أن يأذن لها الجنود بالمرور، لكنهم الآن مشغولون باستلام وجبة الطعام، إذن لا بد من الانتظار طويلاً، أطفأ صديقي المركبة وأشعلنا سيجارتين ونظرنا لبعضنا بغضب ثم تنافخنا وقلنا لا بأس ربما لا ننتظر طويلاً وبدأنا نعد السيارات التي أمامنا، واحد، اثنان، ثلاثة حتى وصلنا الرقم أربعون وكنا نحن رقم واحد وأربعون، فازددنا غضباً، حالنا كحال غيرنا ممن يقفون هنا في هذا الطابور الذي ليس له نهاية قد تراها بالعين.
وبعد أن انقضت ساعة ونصف الساعة من الزمن، عاد الجنود وبدأوا يمارسون عادتهم كل يوم، يدققون في هويات المواطنون ويتفحصون المركبات، إجراءات مملة وقاسية، الأمر الذي سيستغرق وقتا إضافيا حتى نستطيع أن نعبر هذا الحاجز اللعين، وبعد ساعة ونصف الساعة اقتربنا من الحاجز وأشارت إلينا مجندة بيدها من بعيد، اقترب، فاقتربنا وأشارت بيدها مرة أخرى، توقف، فتوقفنا، ثم هرع الجنود وبدأوا بعمليات التفتيش والتنكيل دون أن ندري ما هو السبب، استغرق الأمر ساعة أخرى ونحن متوقفين تحت أشعة الشمس عند حافة الطريق حتى عادت إلينا المجندة نفسها وقامت بإعطائنا بطاقات الهوية وقالت: الآن اذهبوا.
ركبنا السيارة دون أن نعرف ما هو السبب الذي استدعى حالة التفتيش هذه ودون أن نُسأل أو يتحدث إلينا احد، ومضينا في طريقنا الى أريحا، أول مدينة يقع عليها غضب الرب وآخر مدن السخط، سنحاول الوصول إليها قبل الغروب، إن أفلحنا في ذلك، ربما نصل وربما يستوقفنا حاجز ( طيار) يعيد الكرة ويفعل بنا ما فعل حاجز "الكونتينر".
سانغام
بقلم: عدلي صادق - الحياة
الهنود يعشقون السينما. فلم يمض عام واحد، على العرض السينمائي الأوروبي الأول، في منتصف العشرية الأخيرة من القرن التاسع عشر؛ حتى كان العمل السينمائي القصير، نفسه، معروضاً في مدينتي بومبي وكلكتا.
في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، يقيم المجلس الوطني للعلاقات الدولية، وهو تابع لوزارة الخارجية؛ حفلاً لإحياء اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. قبل سنتين كنت عند بوابة المجلس عندما صادفني رجل قدم نفسه بأنه جنرال متقاعد، كان قد خدم كملازم في قوات الطوارئ الدولية، ضمن الوحدة الهندية المرابطة أمام مدخل مدينة دير البلح، في الموضع الذي سماه المحتلون "كفار داروم" وطردوا منه في العام 1948 بعد أن حاصرهم الجيش المصري فيه لثلاثة أشهر، ثم عادوا واحتلوه في العام 1967 كمعسكر سابق لقوات الطوارئ الدولية. فهم يستندون الى واقعة شراء يهودي لقطعة الأرض، في العام 1930. كان الجنرال يتحدث بلهجة حميمة فيما عيناه تبرقان بمحبة صادقة. تأثرت بكلماته، ولما جاء دوري في الحديث، لم أرغب في تكرار الشرح السياسي والحديث المطروق عن وجوب قيام الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة في العام 67 وعاصمتها القدس، أو القراءة من النص الذي أعددته. وضعت أمامي على المنصة، بطاقة التعريف بالجنرال، التي أعطاها لي عند المدخل، لكي لا أخطئ في قراءة اسمه. بدأت الحديث به مشيراً الى مصادفة اللقاء عند البوابة، وجعلت دير البلح مدخلاً للموضوع الذي يشمل العناوين الرمزية للقضية، وللعلاقات الهندية ـ الفلسطينية. فقد كان عدد كبير، من شُبان دير البلح، يختلطون يومياً بالجنود الهنود، ويتعلمون منهم لغتهم، ويتذوقون اغنياتهم ورددوها. بعدئذٍ لم يكن أطرف من صديقي البدوي الفلسطيني "أبو مغيصيب" وهو يغني بالهندي، فيداري عن السامعين شغفه بالحب. فالعاملون في الخدمات داخل المعسكر ذي المئتين وخمسين دونماً، من بين هؤلاء الشُبان، كانوا هم الأبرع في التحادث باللغة الهندية، إذ تأسست بؤرة استثنائية للصداقة بين الشباب من الشعبين، في موازاة الصداقة بين نهرو وجمال عبد الناصر. وبشكل عام، كانت رمزيات الأمم المتحدة التي تتزيى بها القوة الهندية، قد جعلتها في مقام الطرف الغالب، لذا كان تأثير اللغة الهندية، على محيطها، عندما تتكلمها وحدة قوات طوارئ؛ أقوى من تأثير مليون عامل هندي فقير في بلد عربي!
وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) كانت تستأجر من دور السينما شرائط سينمائية استفدت أغراض عرضها في الصالات، لكي تعرضها بين الكثبان الرملية الصفراء، لإبهاجنا نحن الحزانى. عمال "الوكالة" كانوا يغرزون قائمين ثم يدبّسون طرفي شاشة بيضاء، لحين وصول السيارة البيضاء التي تحمل آلة العرض. تعلن الوكالة عن المناسبة، وتكتب اسم الفيلم، على لوحة خضراء في نادٍ لرعاية الشباب. غير أن الصغار كانوا وسيلة الإيصال الإعلامي الأسرع. فكلما شاهدوا العمال ينصبون القائمين والشاشة، لن يتأخر سريان الخبر، في كل الأرجاء، عن نصف الساعة. وعند العرض، كان الراغبون في التخفف من الزحام، يختارون الجلوس قبالة قفى الشاشة، حيثما تبدو المصافحات، في الفيلم، باليد اليسرى، والكل قعود على رمال الأرض، فمنها جئنا واليها نعود!
جاء فيلم "سانغام" الطويل، ذا عرض استثنائي. فهو علامة فارقة في السينما الهندية، استطاعت من خلاله "بولويود" أن تقدم لـ "هوليود" الأميركية، فكرة تصوير اللقطات في الهواء الطلق، وأن تُستبدل الديكورات ومطابقات أو دمج الأشرطة؛ بالتقاط المشاهد الطبيعية في الأنهار وفي الجبال شديدة الإخضرار. و"سانغام" الذي أخرجه وأنتجه بالألوان، راج كابور في العام 1964 يمثل علامة فارقة في الثقافة السينمائية للهنود، وتكاد لا تجد من لا يعرف منهم "سانغام" ولا يحفظ قصته وأغنياته. أحداث الرواية تجسد مقولة يتداولها الكثيرون باعتبارها حديثاً عن رسول الله عليه السلام، وهي "حديث" غير صحيح على الرغم من مقصدها النبيل: "من حبَّ وعَفَ وكتم وصَبَر ومات فهو شهيد". وفي الفيلم، أدخل عنصر النزاع المسلح مع باكستان حول كشمير، إذ غاب الطيار العاشق الذي أسقطت طائرته، وظل الطرف المحب الأصيل للفتاة نفسها، في الرواية، كاتماً صابراً، حتى عاد الأول على غير توقع، فيما الثاني ومحبوبته "رادا" مقدمان على الزواج، ليقع ثلاثتهم في مأزق لا يجد الأول، العائد، مخرجاً منه سوى الانتحار!
بالطبع، لم أروِ للسامعين قصة الفيلم لأنهم يعلمونها. لكنني أشرت الى ذلك العمل السينمائي، في وقته، باعتباره عنصر معايشة واشتراك، بين الهنود والعرب عامة، وعلى وجه الخصوص، كان بلغته وتفصيلاته وأغنياته، عنصر استمتاع وتحادث بين شباب قوة الطوارئ الهندية وشُبان دير البلح، ومنذئذٍ، عُرف لفظ التمنع والدلال الأنثوي: ناهي.. ناهي!
مدخل لمبدأ «الفوضى الخلاقة»
بقلم: عادل عبد الرحمن - الحياة
مبدأ الفوضى الخلاقة ليس نتاج عصر العولمة، وان كان أحد سماته. يعود طرح المبدأ الى زمن نشوء وتأسيس الماسونية، وهو ما أشار له الكاتب الاميركي دان براون. ويمكن الافتراض، ان المصطلح ظهر الى السطح في كتابات المؤرخ الاميركي تاير ماهان عام 1902، عندما كانت الولايات المتحدة منشغلة بكيفية فرض سيطرتها على جمهوريات الموز في اميركا اللاتينية، والنصف الغربي من الكرة الارضية.
ومصطلح «الفوضى البناءة» او «الفوضى الخلاقة» او «التدمير البناء» ليس بعيدا عن المصطلح البريطاني «فرق تَّسد»، لان القوى الاستعمارية الغربية في سعيها للسيطرة على شعوب المستعمرات في اصقاع الكرة الارضية، كانت معنية بتفتيت النسيج الوطني والقومي لتلك الشعوب على اسس دينية وطائفية ومذهبية واثنية / عرقية ارتباطاً بخصائص وسمات كل شعب من الشعوب، بهدف شرذمتها وتفتيت وحدتها، وكي يسهل احتلالها واستغلال ثرواتها.
المتتبع لسياسات الغرب الاستعماري قديما وحديثا، وافرازته وتداعياته الاستعمارية، يلحظ أن تلك القوى تعيد انتاج شعاراتها ومصطلحاتها والمبادئ الناظمة لسياساتها وممارساتها العدوانية. وهذا ما حصل مع مبدأ «الفوضى الخلاقة»، الذي اعيد انتاجه بعد أحداث ايلول /سبتمبر 2001، عندما توسع به الاميركي مايكل ليدين عام 2003. ثم عمقه صامويل هانتنغتون، مؤلف كتاب «صراع الحضارات»، الذي ربط بين نشوء الامبراطوريات والصراع مع الحضارات الاخرى، الشريكة الاساسية في بناء الحضارة البشرية. مستنتجا، ان مطلق حضارة تود السيادة، عليها العمل على التدمير الممنهج للحضارات الاخرى. وهو ما يفترض الارتكاز الى ذات القاعدة الناظمة لمبدأ «التدمير البناء»، والتي تقوم على فرضية التدمير من اجل البناء. وليس البناء والمراكمة على البناء القائم، والمشاركة في البناء المشترك للحضارة البشرية.
وتجلى مبدأ «الفوضة البناءة» بوضوح مع صعود ادارة بوش الابن، عندما اطلقته كوندليزا رايس، وزير خارجية الولايات المتحدة في نيسان 2005. وكان تم تطبيق وترجمة المبدأ قبل اعلان رايس في أفغانستان والعراق تحت ذريعة «الحرب على الارهاب»، وبتواطؤ من العالم ككل، الغرب والشرق على حد سواء، لم يقف صامتا تجاه الانتهاكات الاميركية الخطيرة لمبادئ السلم العالمي وحقوق الانسان، بل ان الاقطاب والدول أعلنت وقوفها الى جانب الامبراطورية الاميركية. مما أطلق يدها الارهابية الطولى ضد شعوب الارض باعتمادها مبدأ «التدخل في شؤون الدول قبل وقوع الاذى!» الملازم للـ «فوضى الخلاقة»، الامر الذي فتح شهية طغم رأس المال المالي العالمية وخاصة الاميركية والصهيونية لأخذ القانون باليد، والاختراق الفاضح لمبادئ وشرائع ومواثيق الامم المتحدة كلها وخاصة مواثيق حقوق الانسان، التي نادت بها، ومازالت تنادي بها الولايات المتحدة الاميركية صباح مساء، لاستخدامها في مواجهة الشعوب الضعيفة، ولتبرير تدخلها في شؤون وسيادة تلك الدول والشعوب.
نسي قادة الاقطاب الدولية ان المنتج الحقيقي لارهاب الدولة المنظم، هي الولايات المتحدة الاميركية وربيبتها دولة التطهير العرقي الاسرائيلية. التي استباحت شعوب الارض قاطبة، وارتكبت ابشع الجرائم والمذابح ضدها، وخاصة الشعوب الفقيرة ومستلبة الارادة والواقعة تحت نير الاحتلال كما الشعب العربي الفلسطيني. وما وقع من ضحايا في تفجير البرجين الاميركيين 2001، لا تزيد على ثلاثة آلاف ضحية، رغم الترحم عليهم، وادانة تنظيم «القاعدة» وكل قوة ارهابية نفذت عملا اجراميا، فانها لا تساوي شيئا امام ما وقع من ضحايا في دول العالم عموما والدول العربية والاسلامية خصوصا نتاج تطبيق مبدا «الفوضى الخلاقة»، التي تقدر بعشرات ومئات الالاف من الضحايا، فضلا عن التدمير المنهجي للدول والشعوب، التي قامت بشن الحروب عليها كما العراق وافغانستان والصومال، وحتى التي لم تحتلها مباشرة كما السودان وليبيا وغيرها من شعوب قارتي آسيا وأفريقيا.
من الذي يقتل الفرص ويدمر الجهود؟
بقلم: يحيى رباح - الحياة
حكومة بنيامين نتنياهو الجديدة، التي يحتل فيها المستوطنون من سكان المستوطنات المقامة بقوة السلاح والاغتصاب في الضفة الغربية والقدس، واجهت منذ اللحظة الأولى الحراك الأميركي الجديد الذي بدأه الرئيس أوباما بزيارته للمنطقة، ولقاءاته في البيت الأبيض مع عدد من قادة المنطقة، والذي استمع إلى تقارير عن ما قالته اللجنة الوزارية العربية، ثم هذه الزيارات الأربع التي قام بها وزير خارجيته جون كيري، إسرائيل، الحكومة الحالية، واجهت كل ذلك بنوع من الاستفزاز والاستهتار، وآخر صفعة وجهتها حكومة المستوطنين للجهود الأميركية، تمثل في العطاء الجديد الذي أقرته هذه الحكومة ببناء ألف وحدة سكنية جديدة في القدس، وقبل ذلك بقرار شرعنة البؤر الاستيطانية التي اعتبرتها حتى المحكمة الإسرائيلية العليا غير شرعية، ناهيكم عن الاستفزاز اليومي على مدار الساعة، سواء تلك المداهمات التي يقوم بها الحاخامات المجانين المستهترين هم واتباعهم للأقصى وباحاته، أو هدم البيوت، وقضم رؤوس الأشجار، أو السلوك اليومي الشائن الذي وصل إلى حد الانحدار الأخلاقي في الكامل، والغطرسة القذرة، والتي تمثلت باستدعاء طفلين شقيقين في عمر السادسة والسابعة للتحقيق معهما من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية!
ماذا تبقى بعد ذلك؟
الحقيقة أن الكلام الذي نسمعه من جون كيري، أو الذي نسمعه من شمعون بيريس، لم يعد له معنى، سواء فيما يتعلق بالمبادرات الاقتصادية – وهذه نكتة سخيفة جداً – فما دام الاحتلال قائماً، وإسرائيل لا تعترف بأنها دولة احتلال، وأميركا تضغط بكل ثقلها ضد أي طرف في العالم يريد أن يفعل القرارات الدولية، فالكلام الأخر كله لا معنى له، ولا قيمة له، بل إن هذا الكلام الباهت يضاعف من حجم الشعور بالاستفزاز والإهانة للفلسطينيين، لأنه كلام لا علاقة بالواقع، بل هو أشبه بالثرثرة المجانية المستفزة.
اعتقد أن الرئيس أبو مازن في خطابه الشجاع الذي ألقاه في المنتدى الاقتصادي الدولي على شاطئ البحر الميت في الأردن، وبحضور جون كيري وشمعون بيريس قد أرسل رسالة واضحة بهذا المعنى، عندما قال إن الأجيال الفلسطينية الجديدة قد فقدت الثقة بعملية السلام، لماذا؟ لأن عملية السلام كما نراها الآن، لا تحدث فرقاً أي فرق، هي مجرد زيارات في انتظار نتنياهو، ونتنياهو سلم كل صلاحياته للمستوطنين، ولم يكتف بذلك، بل جاء بهم في حكومته ليكونوا في صلب القرار.
ولا بد من صوت يقول له إن اللعبة لا يمكن أن تستمر على هذا النحو، فمن أين يأتي هذا الصوت، من جون كيري، من الرئيس أوباما في فترته الرئاسية الثانية، من المجتمع الدولي أم من الانفجار الذي يحتقن ويراكم في قلوب القلسطينيين؟