الملف المصري 613
26/6/2013
في هذا الملف:
صباحي : تردد «الإخوان» في بداية الثورة وانضموا إليها بعد انكسار الشرطة ووقوع الشرق الأوسط بين «مُرشدين» مرهون بنتائج المعركة المفتوحة في مصر
الحلقة الثانية
صباحي: عجز مرسي عن الاجابة وقال «اريدك معي نائباً للرئيس» ... شعار «يسقط يسقط حكم العسكر» أضر الثورة وقرب بين الجيش و«الاخوان»
الحلقة الثانية
غــــــــــدا حلقة ثالثة,,,
صباحي : تردد «الإخوان» في بداية الثورة وانضموا إليها بعد انكسار الشرطة ووقوع الشرق الأوسط بين «مُرشدين» مرهون بنتائج المعركة المفتوحة في مصر
الحلقة الأولى
حاوره شربل غسان / الحياة اللندنية
قدر حمدين صباحي ان يكون معارضاً على مقاعد الدراسة وفي النقابات وفي البرلمان ايضاً. وقدره ان يدخل السجن. مرة في عهد انور السادات ومراراً في عهد حسني مبارك. اما في عهد الرئيس محمد مرسي فقد اقتصر الامر،حتى الساعة، على تلقيه تهديدات.
يلعب مؤسس «التيار الشعبي» دوراً بارزاً في قيادة «جبهة الانقاذ» المعارضة. يتصدر صفوف المحتجين ضد عهد مرسي على غرار ما فعل في ميدان التحرير ابان الثورة التي اسقطت مبارك.
لفتني قبل عام حصوله على ما يقارب خمسة ملايين صوت في الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية. لفتني ايضاً تمسكه بارث الطروحات القومية والناصرية في زمن انحسرت فيه العروبة على ابرز ملاعبها المصرية والعراقية والسورية.
يعتبر صباحي 30 حزيران (يونيو) الجاري فرصة لانطلاق موجة جديدة تستكمل الثورة وتوقف «الاستبداد» الاخواني وتفتح الباب لانتخابات رئاسية مبكرة.
سألت «الحياة» صباحي عن هذا الموعد وعن مصر الضائعة بين الثورة والمرشد والرئيس ,,,
وهنا نص الحلقة الاولى من الحوار الذي شارك فيه مدير مكتب «الحياة» في القاهرة الزميل محمد صلاح:
> هل أنت قلق على مصر؟
- أكيد، كلنا قلقون على مصر.
> العربي الذي يراقبها هذه الأيام، يطرح على نفسه سؤال: هل استقالت مصر من دورها؟
- مصر جُرِّدت من دورها أكثر مما استقالت، لكن الطبع غلاّب. مصر عندما تُجرَّد من دورها لا تستطيع أن تستقر ودورها ليس مسألة إرادة يحددها حاكم أو جماعة، فهي مستعصية على تقييد دورها أو كبحه أو تدجينه أو تحريكه، وأعتقد بأنها تعرّضت لكل هذه المحاولات.
نعتقد دائماً بأن دورها هو نتاج الجغرافيا والتاريخ. مصر لا تستطيع أن تفلت من موقعها في الجغرافيا ولا دورها في التاريخ، لكنها جُرِّدت من دورها منذ زمن، وتحتاج في الوعي واللاوعي، في وعيها الجمعي إلى استعادة هذا الدور.
> هل انتهت مصر طه حسين ونجيب محفوظ، مصر الرائدة ثقافياً؟
- هذا جزء من دورها. طه حسين ونجيب محفوظ وجميع مبدعي مصر وفنانيها لم يكونوا قراراً تم أخذه، بل كانوا أبناء حالة في مصر وواحداً من تجليات دورها. هذه الحالة غير قابلة للانقطاع ولكن يمكن أن تجد ظرفاً مواتياً أو ظرفاً معاكساً.
ما يقلقنا على مصر أن اللحظة الحالية يمكن أن تكون غير مواتية أو لا تمكّن مصر من أن تلعب دورها، بحكم طبيعة السلطة التي تحكمها الآن واختياراتها وتوجهاتها وسلوكياتها.
هذه السلطة عائق أمام أن تلعب مصر دورها أو أن تكون نفسها.
> حين نتابع الأحداث نسأل أين مصر في سورية، أين مصر في لبنان، أين مصر في العراق؟ هل انكفأت إلى جراحها؟
- هذا سؤال صحيح. مصر قادرة على أن تؤكد دورها، بصرف النظر عن درجة الجراح التي تتعرض لها، لكن عندما تجد نظاماً يؤمن بها ويعرف قَدرَها، أو بتعبير آخر يستجيب لقدرها. قدر مصر الطبيعي جداً أنها ليست لنفسها ولا بنفسها. مصر لمحيطها وبه. بلا عروبة لا تكون مصر.
> حين تنظر إلى إيران، دولة شبه كبرى في الإقليم، في موقع الهجوم لا الدفاع، وفي مقابل ذلك انحسار للدور المصري، ألا تشعر بالخيبة، بالقهر؟
- أشعر بأن ذلك توزيع خاطئ للأدوار في هذه المنطقة من العالم. دائماً هناك 3 أدوار فاعلة، وهي طبيعية: العربي والإيراني والتركي، وينبغي لهذه الأدوار أن تدرك ما بينها من عوامل تدعوها للتكافل، وأن بينها نوعاً من الصراع المعلن أو الخفي على النفوذ.
كل فراغ تتركه إحدى هذه القوى الثلاث ستتقدم لملئه إحدى القوى الصديقة والمنافسة. فهذه ليست عدوة، ليست متصادمة، هي قوى علاقتها يحكمها التنافس في إطار كونها كلها تنتمي الى الدين الغالب: الإسلام، وإلى الجغرافيا ذاتها وتاريخ فيه من التعاون والوفاق والشقاق والصراع جملة دروس. فإذا شحب ضوء في أي نقطة تغزوه الأضواء الساطعة في النقطة الأخرى.
مصر مجردة من دورها منذ اختارت طريق السلام مع إسرائيل باتفاقية كامب ديفيد، وكانت تلك اللحظة التي أرّخت أن تختار مصر اختياراً لا تكون فيه قائداً طبيعياً، وهو موقعها الطبيعي في أمتها... اختياراً يتخلى عن القضية الأساسية لأمتها، بصرف النظر عن كفاءته سياسياً أو ضروراته في لحظته أو تعبيره عن موازين قوى.
الأكيد أن دور مصر ارتبط بقدرتها على أن تدرك أنها جزء من المحيط العربي، وهي كانت تمثل قائداً طبيعياً لقارة أفريقيا... عالم مترامٍ ومتنوع في تشكيلاته القومية، هو العالم الإسلامي.
عبد الناصر حاول تلبية احتياجات هذا الدور، وهناك دور أوسع، عندما كانت (مصر) طرفاً قائداً في مشروع للمستضعفين يسمى عدم الانحياز، لمحاولة الإفلات من القطبية الثنائية في هذا الزمن. عندما ندرك إلى أي مدى كان هذا الدور متسقاً مع طبيعة مصر وموقعها ودورها في التاريخ، يعطيها نفوذاً حقيقياً في هذه الدوائر، ونقارنه بما بعد كامب ديفيد، نجد انحساراً تدريجياً، أسميه تجريداً لمصر من دورها لأنها مارست اختياراً لا ينسجم مع اختيارات أمتها العربية. منذ تلك اللحظة ومصر في انحسار، تدفع ثمن مسألتين، كامب ديفيد والثورة الإيرانية. تراجعت مصر عن قيادة الموضوع الفلسطيني وأخذته إيران وتقدمت به.
> مَنْ يحكُم مصر الآن، رئيس منتخب أم حزب الرئيس أم جماعة «الإخوان المسلمين»؟
- جماعة «الإخوان»، هذا ترجيحي.
> هل تعتقد بأننا بعد الربيع العربي، نتجه إلى شرق أوسط ضائع بين مرشدين، المرشد الإيراني ومرشد «الإخوان»؟
– هذا الأمر ستحسمه مصر، والسؤال لا يزال من دون إجابة، لأن الأمر مرهون بأن يتمكن «الإخوان» من مصر، ويقدّموا نموذجاً مرضياً للشعب المصري ومن ثم الشعب العربي... الوصول إلى السلطة في حد ذاته اختبار، وهو لا يؤسس بالضرورة لتقديم أي نموذج قادر على النجاح ولا نشر نفوذه خارج الإقليم.
> وهل تتوقع أن ينجح «الإخوان»” في تقديم هذا النموذج؟
– أعتقد بأنهم الآن في محيط عام، والنتائج بالغة الوضوح. «الإخوان» عجزوا عن تقديم أي نموذج جديد لحكم مصر، هم يعيدون إنتاج نظام مبارك لكن بسحنة جديدة.
> أقام «الإخوان» طويلاً في المعارضة ثم جاؤوا إلى السلطة، هل لديهم برنامج أم لا، أو لديهم برنامج خفي لم يتمكنوا بعد من تمريره؟
– مصر بعد 25 يناير، ليست حالة أي بلد آخر ولا أي مرحلة أخرى. «الإخوان» لم يأتوا إلى الرئاسة في ظل أوضاع ديموقراطية مستقرة، فيها تداول للسلطة وعرض للبرامج ومَنْ يفوز ينفذ برنامجاً، وإذا فشل يتم تغييره. هم أتوا في عملية ثورية كبرى، بدأت بكتلة تاريخية كبرى نزلت إلى الميدان فأسقطت رأس النظام، وهذا تعبير عن إرادة جماهيرية غالبة، حددت أهدافها بـ: العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
ومن يأتي بعد هذه الثورة ليس له حق اختراع أهداف غير التي صاغها الملايين وقدموا شهداء من أجلها، ولكن ستكون كفاءته في أن يبحث أفضل الطرق بأقل كلفة وفي أسرع وقت للتقدم في اتجاه هذه الأهداف. نحن لم نطلب ولا نطلب من مرسي أن يحقق هذه الأهداف في سنة، بل نطلب منه تقديم مسار يقنع الناس بأن يمضي في هذه الاتجاهات.
بعد سنة (على حكم الرئيس مرسي) اكتشفنا أن منهج «الإخوان» في إدارة الدولة المصرية، من مؤسسة الرئاسة وهي في قبضتهم، والحكومة وهي أيضاً في قبضتهم، يقود إلى مزيد من الشره المتفاقم لامتلاك المواقع.
فكرة التمكين لديهم، والاستحواذ على أكبر مقدار من مفاصل الدولة وأجهزتها، هي فرصة أهم لديهم في أدائهم من استكمال الثورة أو تحقيق أهدافها... حيازتهم السلطة منفردين أهم من تحقيق أهداف الشعب الذي أتى بهم إلى السلطة عبر انتخابات.
> هل تقول إنهم خانوا الثورة؟
– تعبير خيانة الثورة يمكن أن يكون دقيقاً، لكنني لا أفضّل استخدامه. كل مشتقات الخيانة أفضِّل تنحيتها عن الصراع المحتدم الآن. أفضّل البحث عن تعبيرات أخرى، ولكن حين يصف أحد الواقع بأنه خيانة للثورة، لا أعتقد بأنه ينأى عن الحقيقة، ففي النهاية الثورة اختيارات ومصالح للذين قاموا بها وأهداف وأحلام، وعندما تأتي سلطة تتنكر لكل هذا، فإن استخدام تعبير مثل ذلك، يمكن أن يكون عادلاً ومنصفاً.
> تريد القول إن اتهام «الإخوان» بخيانة الثورة ليس مستغرباً، ولو بحثتَ عن تعبيرات أخرى؟
– هذا تعبير راقٍ. أرى أن «الإخوان» في هذه السنة برهنوا على أنهم ضد أي مشروع وطني يجمع المصريين. لديهم مشروع آخر، وهذه نقطة بالغة الأهمية، لها علاقة بالدور المصري.
مصر طوال التاريخ تحاول أن تجسد هويتها وانتماءها لثقافتها ونتاج ضرورات الجغرافيا والتاريخ فيها، في مشروع يعبّر عن إدراك لهذه الحقائق، ولا يمكن أن يتجلى ذلك إلا في مشروع وطني يدرك دور مصر، ولا يمكن أن ينفصل عن عروبتها ودورها القومي، ويمتد إلى الدوائر الأخرى الأفريقية والإسلامية.
الآن، نعاني من الصراع بين المشروع الوطني الذي عبّرت عنه ثورة 25 يناير ومشروع «الإخوان المسلمين»، وهو غير مطابق للأولى. يتوهم «الإخوان» حين يرون أن «أخونة» مصر ستقدم حلاً، المطلوب ليس «أخونة» مصر بل تمصير «الإخوان»، أن يدركوا أنهم جزء من جماعة وطنية.
الأمر الآخر أننا اكتشفنا درجة التناقض بين مشروع الجماعة ومشروع المجتمع. المجتمع عبّر عن نفسه بوضوح جداً في 25 يناير، فيما مشروع الجماعة مختلف عنه، وهذا أمر واضح.
عندما قامت الثورة كان درسها العبقري البليغ أنها عبّرت عن أحد تجليات مصر، وأهمها الوحدة والتنوع، فمصر هي بلد التنوع والاندماج في الاندماج ذاته، وهو يكاد أن يكون أكثر مجتمعات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، اندماجاً وتنوعاً في آن. اللحظة الكاشفة في ميدان التحرير عبرت عن تلك الحقيقة، وحين ترى مجتمع ميدان التحرير في 25 يناير، ترى صورة زاهية جداً مثل البستان المتعدد الألوان، مجتمعاً منسجماً جداً. المسلم والقبطي كانا موجودَيْن في صورة رائعة، الريف والحضر، أهل سيناء بزيهم البدوي والنوبيون، طبقة من العمال والفلاحين إلى شرائح الطبقة الوسطى بأعلى درجاتها.
كل الأنماط الثقافية الفرعية كانت حاضرة. وكل الاتجاهات السياسية: الإسلامية واليسارية والليبرالية والقومية، كل هذه التنظيمات كانت موجودة. كذلك المرأة والرجل، وإذا كان هذا هو الدرس الذي انتصرت به مصر في هذه الثورة، فماذا ترى الآن؟ ترى أن جزءاً من هذا التنوع سرق الثورة لمصلحته على حساب هذه المكونات، جماعة «الإخوان» صافية تسيطر على الدولة.
> سمعتُ من سياسيين مصريين أن «الإخوان» انضموا إلى الثورة بعد انطلاقها ولم يكن لهم دور في تفجيرها، وأنهم حين رأوا أن الثورة تحمل على الأقل احتمال النجاح، انضموا إليها.
- واقعياً، أولاً لا بد أن نذكر أن حرمان جماعة «الإخوان» من هذا الفضل هو أمر حقيقي، لكنه لا ينسب لأي حزب آخر في الوقت ذاته، هو منسوب إلى طاقة شابة عابرة للأحزاب في مصر ومتجاوزة لها. هؤلاء هم دعاة 25 يناير، روح جديدة متجلية في شباب 25 يناير، لكن التفاعل مع هذا الشباب كان آخر مَنْ التحقوا به هم «الإخوان المسلمون» في 28 كانون الثاني (يناير). قبل الثورة تشكّل نوع من التعبير الجماعي يُسمى البرلمان الشعبي، في أعقاب نتائج الانتخابات المزورة في 2010، واتفقنا في هذا البرلمان أن يحشد كل طرف أعضاءه في دوائرهم ليوم 25 يناير، لأن قدرتهم على الحشد ستكون عالية جداً، فإذا تخيّلنا أن كل نائب عاد إلى دائرته وجمع أنصاره، فهذا سيعطي زخماً شديداً للثورة، وأنا كنت في دائرتي في بلطيم بمحافظة كفر الشيخ، واتفقنا على تنظيم تظاهرة. رفض «الإخوان» المشاركة فيها، وفي الثالثة فجراً حضر أحد مسؤوليهم إلى منزلي وأبلغني أن من الممكن أن يشارك أحد كوادرهم فيها.
خلال النهار كان وجودهم ذا طابع رمزي، وحين زادت الأعداد بدأت المسيرة، وعندما تحركنا كانوا واقفين، وكلما تحركنا حرصوا على أن يكونوا في آخر الصفوف. وحين خرجنا إلى الشارع الرئيسي لنتجه من شرق البلد إلى غربها، وجدنا الأمن بالسلاح وقد نصب حاجزاً من الجنود وخلفه سيارات للشرطة والقوات جاهزة للمواجهة.
في هذه المواجهة لم يكن هناك إخواني واحد. اخترقنا حاجز الشرطة، وكنت على رأس التظاهرة في الصف الأول المتصادم مع قوات الأمن وجُرِحت. حتى حين اجتزنا حاجز الشرطة بعدما واجهَنا الأمنُ بالماء واضطر لفتح الصفوف وتحركت المسيرة، لم يلتحق بنا «الإخوان»، وحتى آخر المدينة.
حدث أن شاباً من البلد أصر على تسلق بناية لتمزيق صورة لحسني مبارك في مشهد مؤثر جداً يومها، ولم يكن «الإخوان» طرفاً، في كل مكان في مصر. وفي 28 يناير، شاركت في تظاهرة من ميدان مصطفى محمود إلى ميدان التحرير، وحين وصلنا إلى فندق «شيراتون» في ميدان الجلاء كان واضحاً أن الثورة ستنتصر، لأننا كنا طوفاناً من البشر ووجدنا طوفاناً آخر من ميدان الجيزة يلتحق بنا، لم يكن «الإخوان» مشاركين فيه.
في هذا اليوم، حدث الصدام الهائل مع جهاز الشرطة الذي تضعضع. يومها كانت المسافة من ميدان الجلاء إلى ميدان التحرير، ساحات قتال واشتباك ضار جداً، أبطاله الحقيقيون كانوا أبناء الأحياء الشعبية، أبناء الغضب الذين حرموا طويلاً. هم الذين شكّلوا ساتراً لأبناء المثقفين وأبناء الطبقة الوسطى وطليعة لصدام مباشر مع قوات الأمن. فاختفت الشرطة، التي أعتقد أنها انكسرت ميدانياً، لأنها لم توفر جهداً ولا سلاحاً في يدها، وتأكدت أن الشعب سيغلبها، وربما قرر عناصرها الانسحاب، وحين خلع جنود الشرطة ملابسهم وانضموا إلى المتظاهرين، كان الأمر انتهى.
> في 28 يناير كُنتَ في التظاهرات، مَنْ كان مشاركاً؟ وهل «الإخوان» كانوا غائبين؟
- أسماء كثيرة كانت مشاركة. في مسيرة مصطفى محمود كان المخرج السينمائي خالد يوسف والممثل خالد الصاوي والممثل خالد النبوي، وحشد من القيادات، كلها من أجيال لعبت دوراً في السياسة خلال السبعينات، من المنتمين إلى اليسار، وكان هناك رامي لكح والشاعر جمال بخيت، وعدد هائل من الأهالي انضموا إلينا ومن لم يستطع دعمنا شاركَ من على الشرفات بالزغاريد والتلويح. كان مشهداً ملهماً جداً، في هذا اليوم بدا أن طاقة الشعب قادرة على كسر الهجمة الرئيسية للأمن لينهار.
بعدها بدأ ظهور «الإخوان» عشية 28 يناير، وفرحنا بوجودهم كشركاء، لأنهم عانوا مثلنا، وكان وجودهم أخيراً قراراً ثورياً تأخروا فيه، ولم نعاملهم أبداً باعتبارهم جسماً غريباً. كل الناس كانت متكاملة ومتضامنة إلى أبعد درجة، لكنهم في الميدان يتميزون بتكتيكات فارقة تخصهم وأهمها موقفهم من الحوار مع عمر سليمان آنذاك.
أتذكر أن البرلمان الشعبي قال فلنشكل قيادة من عدد من الأسماء تكون مسؤولة عن إدارة الميدان والحالة الثورية، وكانت تجتمع في عيادة الدكتور عبد الجليل مصطفى القريبة من ميدان التحرير، وهو كان من العناصر الأساسية من «الجمعية الوطنية للتغيير»، وكان مفترضاً أن يكون محمد البرادعي وأيمن نور وعصام العريان وعدد مهم من الأسماء المقترحة لتكوين تلك القيادة.
> كان فيها عمرو موسى؟
– لا، لم يكن عمرو موسى جزءاً من هذه الحالة. هو أطل عليها في ما بعد. كان موجوداً في الجامعة العربية ومن الطبيعي ألاّ يكون مشاركاً في جدل القوى المعارضة لمبارك، لأنه موجود في موقعه الرسمي طوال عمره، لكنه نزل إلى الميدان من مقره في الجامعة، وعبّر عن تعاطف وتعاضد مع المتظاهرين لاحقاً.
> يوم 28 مساء هوجمت أقسام الشرطة وصباحاً هوجمت السجون، وخرج الرئيس محمد مرسي، ما تفسيرك لهذه الأحداث، هل هذا ترتيب من «الإخوان»؟
– أرى أن خطة السجون كانت جاهزة، أما الهجوم على أقسام الشرطة فحتى لو لعب «الإخوان» فيه دوراً، هو كان نتيجة طبيعية للصدام، إذ كانت هناك حرب تكسير، من الطبيعي أن تمتد إلى أقسامهم، والأكيد أنه كان فيها قصد واضح. اقتحام السجون بدا مسألة مجهّزة ومخططاً لها، انتظرت الظروف المواتية.
> وهل كان «الإخوان» يتوقعون الثورة، بالتالي جهّزوا خطة اقتحام السجون؟
– هذا وارد في الاعتبار، لكنني لا أعتقد بأن العملية المحكمة التي نُفِّذت لإطلاق السجناء، هي وليدة 48 ساعة من التنفيذ والتخطيط الذي ظهر الآن في محاكمة هروب سجناء وادي النطرون.
> الفريق أحمد شفيق قال في حوار سابق إن عناصر حمساوية جاءت وأخرجت محمد مرسي من السجن، وأعطته هاتف ثريا ليتصل بقناة الجزيرة. هل لديك الانطباع ذاته بأن عناصر خارجية شاركت في تحرير السجناء؟
– الأمر لا يتعلق الآن بالانطباعات، بل بمعلومات قدّمها شهود وتحقيقات أمام واحد من القضاة المحترمين، هو خالد محجوب، ومن جملة المستفاد من هذه التحقيقات أن ما قلته يرويه شهود، وهذه معلومات متداولة أمام المحكمة.
> نعود إلى حوار عمر سليمان مع المعارضة أثناء الثورة، وموقف «الإخوان» منه...
- «الإخوان» حضروا الاجتماعات وأنا دعيت إلى لقاء رفضته مباشرة، وأبلغت اللجنة التي شُكِّلت في الميدان أنني رفضت احتراماً لإرادة الميدان، لكي لا يكون هناك سلوك يكسر معنويات هذا الجمع. بعدها تلقيتُ اتصالاً يطلب مني ضرورة الحضور للقاء عمر سليمان، ويومها تحدثت إلى الدكتور عبد الجليل مصطفى، وأبلغته أن هناك دعوة أخرى للقاء سليمان، وطلبت منه الاجتماع لاتخاذ موقف موحد من هذه الدعوة. خلال النهار اجتمعنا في عيادة الدكتور عبد الجليل مصطفى، وأبلغني الحضور أن أياً منهم لم يتلقَّ مثل هذه الدعوة، وكان جالساً واحد من «الإخوان»، وأثنى الجميع على موقفي والعودة إلى القيادة الجماعية. واكتشفتُ أنه فيما كنا نناقش الأمر، التحق «الإخوان» باجتماع مع عمر سليمان، وكان مرسي والكتاتني حاضرَيْن. هذا يوحي بأن لديهم تصوراتهم التي تخص مصالحهم، على رغم وجودهم في الميدان ومشاركتهم مع الجميع. اتضح أن «الإخوان» كان لديهم مشروعهم الذي يريدون تنفيذه، والثورة وفرت لهم أعظم فرصة لتحقيقه، لذلك أنظر لهم بطريقة أرجو ألاّ تكون ظالمة، فهناك أسلوب أدائهم الآن في السلطة الذي يُعبّر عن درجة عالية جداً من الأنانية.
> كانوا مستعدين للقبول بعمر سليمان؟
– لا أعرف، لكنهم جلسوا معه، والأكيد أنهم كانوا مستعدين لتسويات مع النظام في وقت كان الميدان يهتف ضد أي حوار مع هذا النظام ويرفض أي تنازلات يقدمها، خصوصاً أن 28 يناير شهد سقوط شهداء ودماء، بالتالي لم تكن هناك فرصة للعودة.
فحين تخرج عن الإجماع وتذهب للتفاوض، هذا يعني أنك تملك أجندة خاصة، من الممكن أن تلتقي في مساحات مع الجماهير وشركاء القيادة، ومن الممكن أن تنفصل عنهم، وحين تقرر ستختار ما يخدمكَ أنت ويعبّر عن وجهة نظرك، لا عن الناس.
> أين كنت يوم 11 شباط (فبراير)، يوم تنحي مبارك؟
– كنت خارجاً من خيمتي في الحديقة المتاخمة لمسجد عمر مكرم المطل على ميدان التحرير. يومها كنا نُصلي في الحديقة وكان معنا القائد الميداني العتيد كمال أبو عيطة رئيس اتحاد النقابات المستقلة، مؤسس أول نقابة مستقلة ضد سلطة مبارك، نقابة الضرائب العقارية.
وكنت أُصلي إماماً بمجموعة من المعتصمين بينهم كمال أبو عيطة، وصلّينا المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، وكانت الصلاة جهرية وفي الركعات الأربع الجهرية في صلاتي المغرب والعشاء قرأت سورة النصر وآية واحدة: «إذا جاء نصر الله والفتح...»، وسلمنا ونحن نتبادل التحية بعد الصلاة، ارتفعت في الميدان موجة من التهليل، وهذا كان إيذاناً باستقبال خبر تنحي مبارك.
وأعتبر أن من دواعي فألي السعيد أنني كنت موجوداً في الميدان لحظة تنحي مبارك، وأنا مؤمن بأن هناك مدداً من الله تحقق للمصريين ولا أعوّل في تفسير الأحداث على عواملها المادية فقط. فجزء رئيسي ومهم جداً في ما حصل بمصر له علاقة بالروح وقدر الإيمان في نفوس الناس، وهذا أمر نتلقاه بحكم تكويننا ومعتقداتنا، مسلمين ومسيحيين.
> هل تكره حسني مبارك كثيراً؟
– لا أكرهه نهائياً، لا كثيراً ولا قليلاً، أنا عندي عجز خلقي عن الكراهية، وهذا الشعور لا أتمتع به.
> وهل كنت تتصور قبل 25 يناير أن يسقط نظام مبارك؟
- نعم، كنتُ واثقاً من سقوطه، وأعتبر نفسي واحداً من قلائل في مصر آمنوا بأن الثورة آتية وستُسقِط مبارك، إيماناً يصل إلى حد اليقين. كنت أعبّر عنه وألقى كثيراً من الاستهجان من نخبة تشاركني الرأي ذاته تماماً في نظام مبارك، لكنها لم تكن توافق على هذا اليقين الذي تعتبره ذا طابع صوفي.
الدكتور عمرو حلمي، وهو واحد من أهم المثقفين النبلاء ورائد في زراعة الكبد، تولى وزارة الصحة بعد الثورة أثناء حكومة عصام شرف، اعتاد منذ سنوات أن يعقد في عيادته في شارع قصر العيني «صالون الأربعاء» في الأربعاء الأول من كل شهر. تجتمع لديه نخبة متعددة الاتجاهات من السياسيين والمثقفين والمبدعين، تلقي الشعر وتستمع للغناء وتناقش قضية مطروحة على المجتمع. في يناير 2011، قبل اندلاع الثورة، كانت النخبة مجتمعة وكلها وطنية، إخلاصها للبلد أكيد كمعارضتها الجذرية لنظام مبارك. كان المتحدث الرئيسي المستشار أشرف البارودي، وهو من نجوم حركة استقلال القضاء في مصر، رجل يمتلك كاريزما، وتحدث في اللقاء عما يشغلنا كلنا إزاء ما يحصل في البلد، لكنه عبّر عن خيبة أمل بالشعب المصري. وقال «لو ذهبت إلى مقهى أحدّث الناس عن مصالحهم، وهم جالسون يشكون الغلاء والفساد، سيستمعون إليّ، وما أن تبدأ المباراة سيقولون: لو سمحت، نريد متابعة كرة القدم».
قال يومها إنه سيسافر إلى الإمارات، وكان يبرر ذلك بإحساسه بأن الشعب غير مدرك لأوضاع بلاده. يومها قلت إنني ضد هذه الرؤية تماماً، وأشرت إلى أن المثقفين المصريين ينظرون إلى الشعب بتعالٍ، ولا يعرفون الطاقة الكامنة لدى هذا الشعب القادر على أن يثور، وسيثور ليطيح هؤلاء الحكام. قلت كلاماً بدا مفارقاً للوعي العام، وتولى كل الحضور تقريباً الرد عليّ بدرجات متفاوتة من الحدة، كما لو كنت في موقف إدانة جماعية من نخبة محترمة. حال مثقفي مصر أنهم لم يكونوا مدركين بما فيه الكفاية طاقة هذا الشعب، ولا متنبئين بهذه الثورة.
شاركتُ في تظاهرات كانون الثاني (يناير) 1977 وكان للحركة الطلابية أثر وحضور. كانت ضد السادات وأعتبِرها «البروفة الجنرال» لثورة 25 يناير. الفرق الزمني 34 سنة، وطوال هذه الفترة كنت متعلقاً بحلم الثورة الآتية. أنا ناصري، كنت أكتب قبل الثورة بعشر سنين، ومع جزء من الجماعة الناصرية من جيلي وأجيال لاحقة، كنا أول من أدخلْنا على مساحة واسعة من الحوار، فكرةَ المقاومة المدنية السلمية، العصيان المدني، أو ما سمّيناه ثورة المواطنين الأحرار وليس ثورة الضباط الأحرار، رغم أننا كنا منتسبين إلى تجربة عبد الناصر.
قلنا إن سيناريو الثورة الآتية لن يكون تكراراً لما فعله عبد الناصر، ولن توجد مجموعة ضباط قادرة على التغيير. ودخلنا في سلسلة اشتباكات مع واقع كثير الجفاف في مواجهتنا، آخر تجلياته كان حركة «كفاية». كنا نقف في تظاهرة لـ «كفاية» من 300 شخص، يحيط بنا ثلاثة آلاف جندي والمارة من حولنا يتعاطفون معنا لكنهم لا ينضمون الى المسيرة.
> هل تعتبر أن حركة “كفاية” ساهمت في تهيئة الجو للثورة؟
– تماماً، اعتبرها واحداً من لاعبَيْن رئيسيَّيْن في الثورة، هما: حركة المثقفين من خلال «كفاية»، وحركة المطالب الاقتصادية والاجتماعية عبر سلسلة هائلة من تظاهرات العمال والموظفين المطالبين بحقوقهم، وعبر إضراباتهم. كان أنجح ما فيها إضراب (موظفي) الضرائب العقارية الذي انتهى بتشكيل نقابتهم المستقلة بقيادة كمال أبو عيطة. ولكن دائماً هناك نوع من أنواع الهوة أو الكبوة ما بين المثقفين في نمط حركتهم وكلامهم، وبين المطالبين بتحسين الأجور وبالحماية من الفصل التعسفي وضحايا الخصخصة والمعاش (التقاعد) المبكر. وحين بدأنا ندرك أهمية ردم هذه الفجوة بين مطالبة المثقفين بالديموقراطية وتعظيم دور مصر ورفع مفاهيم سياسية كبرى، ومطالبة الناس بحقهم في «لقمة العيش»، حين بدأت هذه المساحة تضيق ويحدث تلاقٍ، خلق هذا المناخ المواتي وصنع التجريب الطويل الفاشل، بمعنى ثوري. هذا ما حرك الأرض في مصر.
صباحي: عجز مرسي عن الاجابة وقال «اريدك معي نائباً للرئيس» ... شعار «يسقط يسقط حكم العسكر» أضر الثورة وقرب بين الجيش و«الاخوان»
الحلقة الثانية
قال حمدين صباحي مؤسس «التيار الشعبي» وعضو «جبهة الانقاذ» المعارضة ان مرشح «الاخوان» محمد مرسي الذي كان يستعد قبل عام لخوض الدورة الثانية من الرئاسة عجز عن الاجابة عن سؤال وجهه اليه وهو هل ستكون رئيساً مستقلاً في حال فوزك. وكشف ان مرسي قال له في الاجتماع «اريدك معي نائباً للرئيس».
واعترف صباحي ان شعار «يسقط يسقط حكم العسكر» أضر بالثورة لانه سمح لـ «الاخوان» بمغازلة الجيش والاقتراب منه.
وهنا نص الحلقة الثانية:
> من اللافت أن الولايات المتحدة لم تدافع عن النظام المصري (السابق) الحليف أو التابع لها. هل تعتقد بأن الرأي الأميركي كان له حساب لدى المؤسسة العسكرية؟
– يمكن أن أحدد العوامل الرئيسة المحرّكة للمؤسسة العسكرية في مصر على النحو الآتي: الأول هو العامل الشعبي، إذ يجب أن تكون المؤسسة منسجمة مع تيار واضح ينسجم مع المطلب الشعبي والمزاج الشعبي المصري. والثاني ألاّ يكون تحرّكها مندرجاً في خانة المحظور الأميركي، أي لا بد من أن تجد عدم ممانعة أميركية، وليس موافقة بالضرورة. منذ سنوات يقتصر تسليح الجيش المصري على أميركا، وجزء رئيسي من المعونة الأميركية معونة عسكرية، لذلك يستبعد أن يضحي بمصدر تسليحه الوحيد وبمصدر مهم من مصادر تمويله. ولهذا أتوقع أن يأتي قرار الجيش في المرتبة الثانية بعد العامل الشعبي، أي ألا يكون في تناقض مع القرار الأميركي، إذ يجب أن يكون هناك ضوء أخضر ما.
الجيش في ثورة 25 يناير، مارس الحياد الإيجابي، قال «لن أضرب الناس، ولن أعلن خلع مبارك». نزلَ إلى الشارع في 28 كانون الثاني (يناير)، ويومها عرفنا النبأ من التلفزيون، وكان السؤال في الميدان: كيف سنتصرف مع الجيش؟ كانت إجابتي للناس الذين طلبوا مني أن أخطب في الجماهير في الميدان «حين يأتي أفراد الجيش نلوّح لهم، ونأخذهم بالأحضان، ومن يستطيع، يُلقي عليهم الورود».
أنا رأيت الجيش في تظاهرات 1977 وخلال أحداث الأمن المركزي في العام 1986، في كل الأحوال هو تعامل مع الشعب بهذه الطريقة المنضبطة، وهو بالغ الحرص على ألاّ تهتز صورته عند الشعب. هذا يفسر تصريحات (وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح) السيسي هذه الأيام التي قال فيها إن الجيش مع الشعب المصري، هو مضطر لقول هذا الكلام لأنه وريث تقاليد في الحياة العسكرية المصرية يحاول الحفاظ عليها.
الجيش لم تكن عنده فرصة ليخوض معركة ضد سمعته وعلاقته الوطيدة بالشعب، أو ضد التقاليد العسكرية ذات الطابع الوطني الأصيل، أو ضد توازن قوى. هو يعلم أنه في حال دخل في صدام مع هذه الملايين سيخسر. ماذا كان سيفعل مع الملايين في ميدان التحرير؟ هل يضرب بالدبابات؟ هو أصلاً ليس قوة مكافحة شغب.
> تعرف المشير طنطاوي؟
- شخصياً لا أعرفه.
> وعمر سليمان؟
– ولا عمر سليمان، لا أعرف أياً منهما، لكن المشير طنطاوي التقيته في سياقات عامة، أيام كنت نائباً في البرلمان، وفي القصر الجمهوري عند حسني مبارك، حين كان يذهب النواب إليه، أما عمر سليمان فلم التَقِه أبداً.
> كيف كانت علاقتك بمبارك؟
- رأيي السياسي كان واضحاً. أنا مؤسس لحركة «كفاية»، كنت أراه كل سنة مرة في البرلمان، أما لقاءات شخصية، فلا. ومرة كان يفتتح مصنعاً في دائرتي، ومن الطبيعي أن يحضر نواب الدائرة.
> كيف كان تعامله معك؟
- كان بالغ اللطف، يحرص على مناداتي باسمي، يقول «أزيك يا حمدين وعامل أيه، أيه صلاح سلامة عامل فيك أيه ويضحك، طب والكارفته دي أخبارها أيه».
هو إنسانياً رجل مقبول، ويتعامل بطريقة ودية، لكن مشكلته في سياساته.
لم يكن هناك أي شيء على المستوى الشخصي يمكن أن يُحسب عليه، ولم تكن هناك علاقة تسمح بأن أُشكل انطباعات، أكثر من حيز حسن النية في إنسان يتعامل بشكل جيد. لكن كل سياساته من وجهة نظري المعلنة، كانت خاطئة.
> من صلاح سلامة؟
– كان محافظ كفر الشيخ، وقبلها رئيساً لجهاز مباحث أمن الدولة، وكانت علاقتنا متوترة على اعتبار أنه المحافظ وأنا نائب معارض.
> أيام الثورة كانت ممتعة لك، كناصري. شيء ممتع أن يكون المرء زعيماً وله أنصار.
– أنا تقريباً لم أفرح في حياتي بمقدار ما فرحت بين 25 كانون الثاني ( يناير) و11 شباط (فبراير)، خصوصاً 11 شباط. أنا مقتنع بأن لا فرحة أكبر من ذلك إلا تحرير فلسطين.
> تحرير فلسطين لن يكون على أيامنا...
- على الأقل طالما بقي «الإخوان» في الحكم.
> كيف تشعر حين ترى مبارك آتياً إلى المحاكمة على حمّالة؟
– مبارك لم يعد يأخذ اهتماماً مني. ليس مصدراً للاستهجان ولا للتعاطف، إنه موضوع ثانوي الآن. جدول الأعمال المصري حافل جداً وصعب جداً. مبارك سقط، وبسقوطه من السلطة التشفي به ليس ذا معنى على المستوى الأخلاقي. ومنذ كان في السلطة كنا ضده، بالتالي لا يستحق الانتصار له، خصوصاً من الذين سعوا إلى إسقاطه، وأسقطوه.
أعتبره موضوعاً خارج التاريخ الآن، مشكلتنا أننا قمنا بثورة وأسقطنا رأس النظام لكننا ما زلنا نحصد المرّ الذي كان مبارك يسقينا إياه في الديموقراطية وفي العدالة الاجتماعية.
> انتقلت مصر من مبارك إلى جنرالات الجيش. كيف تقوِّم أداء العسكر في هذه المرحلة؟
– أعتقد أن العسكر أساؤوا إدارة المرحلة الانتقالية. هناك فرق بين مَنْ صنعوا الثورة ومَنْ تركوها تحقق هدفها. نحن أدركنا الخطأ الفادح، وهو جزء من الدروس المستفادة، أن الثوار الذين صنعوا الثورة وقدموا شهداءها، عادوا إلى منازلهم بمجرد أن سقط مبارك. كانوا بالغي الرقي، لم يطلبوا سلطة، لكنهم كانوا بالغي السذاجة، لأن الثورة سلَّمت السلطة لمَنْ لم يصنعها. نظفنا الميدان، وذهبنا إلى منازلنا، وتركنا الثورة في يد المجلس العسكري.
والمجلس خطأه الرئيسي أنه أقدم على ممارسات أسالت دماً وأسقطت شهداء، فبدأ يصنع خصومة مع القوى الثورية الشابة التي كانت تطلب القصاص لشهدائها الذين سقطوا في ظل نظام مبارك، فاكتشفَت أن مزيداً منهم يسقطون في ظل المجلس العسكري.
> وهل هذا بمبادرات منه، أم سوء تصرف، أم استدراك؟
– ظني أن الجيش لم تكن له أي مصلحة في أن تسيل نقطة دم، وهذا جزء من إدراك لبنية هذه المؤسسة وطريقة (اتخاذ) القرار فيها. في النهاية حصلت هذه الأخطاء، بالتالي هو يتحمّل مسؤولية سياسية عنها، بصرف النظر عن المسؤولية الجنائية، كأن يظهر أن هذه الأحداث خدعة أو أن جهازاً آخر مسؤول عنها. نحن أيضاً كثوار، كنا من السذاجة بحيث صنعنا لأنفسنا فخاً، هو: «يسقط يسقط حكم العسكر». هذا كان شعاراً بالغ البراءة والمنطقية، ومن أهم الأخطاء التكتيكية التي ارتكبها الثوار، لأن هذا الشعار خلق المناخ الذي حرث الأرض لـ «الإخوان» كي يتوافقوا مع المجلس العسكري.
> هل تشعر بأن لـ «الإخوان» أحياناً دوراً في الوقيعة بين قوى الثورة والعسكر، وأنهم استغلوا ضيق أفق العسكر واندفاع الثوار للوقيعة، في بعض الأحداث؟
– ليس لديّ ما يجعلني أتهم «الإخوان» بأنهم دعوا إلى تلك الوقيعة، لكن لديّ ما يجعلني أتهم نفسي والثوار بأننا كنا أبرياء وطيبين ومخلصين للفكرة الثورية. نحن أضرّينا جداً بقضية الثورة بهذا الشعار، فكلما كان ينتشر شعار «يسقط يسقط حكم العسكر»، كان «الإخوان» يقدّمون أنفسهم بديلاً شعبياً مؤازراً للمؤسسة العسكرية في مواجهة الثوار الذين يعتزمون تحطيمها والانقضاض على قادتها والاقتصاص منهم.
> مصر صارت في يد المجلس العسكري، هل راود طنطاوي وزملاؤه أن يحكموا؟ هل هربوا من السلطة؟ هل أساؤوا التصرف فوصلت السلطة الى «الإخوان»؟ سلوك طنطاوي يوحي بأنه كان يعتقد أن الطاولة ستنقلب عليه.
– سلوك طنطاوي سلوك رجل لو كان يريد أن يحكم، لما سمح لهذا المقدار من الأخطاء الحمقاء أن يحدث. لا أعرف نيته، لكن سلوكه لا يدل على نية في الحكم. هذا سلوك رجل يريد أن ينهي مرحلة انتقالية ويسلِّم السلطة، وهو أدار هذه المرحلة بكفاءة سياسية بالغة المحدودية. في لحظة ما، اعتقدتُ بأن المسؤول عن تسليم البلد لـ «الإخوان المسلمين» هو المجلس العسكري، وطريقته في الأداء.
> تقول إن المجلس العسكري وطريقة أدائه كانا السبب في تسليم البلد لـ «الإخوان»؟
– كانا سبباً رئيسياً. حين كنا في الشارع نهتف، كان «الإخوان» يجلسون مع المجلس العسكري ليتفقوا، حين كان الشباب يذهبون إلى شارع محمد محمود، كان «الإخوان» يدينون المتظاهرين لمصلحة المجلس، بالتالي كان على المجلس العسكري أن يختار بين من يشتمونه ويقولون «يسقط»، و «الإخوان» الذين يدافعون عنه، فمن الطبيعي أن يقترب ممن يدافعون عنه. ثانياً المجلس العسكري يحكم سياسياً، وهو ليس حزباً سياسياً ولا يملك تنظيماً، ووجد تنظيماً جاهزاً بالغ الانضباط، يطبق السمع والطاعة، اسمه «الإخوان»، يعرض عليه خدماته في أن يؤازره، فيقول اسْتَخْدِمه، بصرف النظر عمن نجح في استخدام الآخر. هذه اللحظة كان السبب الرئيسي فيها هو افتقاد رؤية ذات طابع تكتيكي، فيها من ذكاء الإدارة لدى قوى الثورة الحقيقية، ما سبّب تقسيم البلد إلى نوع من أنواع وفاق إخواني- عسكري لدى طرفيه احتياجات متبادلة، واستطاعا أن يخدما بعضهما بعضاً. هذا ملمح رئيسي من ملامح الفترة الانتقالية.
> هل هناك رأي أميركي للتشجيع على مجيء «الإخوان»، إذا كان يعتبر أن لهم تمثيلاً في الشارع، ويمكن أن يساهم ذلك في وقف الإرهاب؟
– هذا الرأي الأميركي موجود منذ فترة، وهو جزء من الأفكار المتداولة والتي تناقش في وسائل الإعلام ومراكز البحوث. لكن السؤال: هل تبنت أميركا هذه الرؤية أم لا؟ ألاحظ أن الأميركيين ناصروا مبارك، لكنهم وجدوا أن ثمن إبقائه باهظ، بالتالي ستكون الصفقة خاسرة مع نظام حاز كل هذه الكراهية الشعبية. أصبح رهانهم أن يجدوا بديلاً يظهرون معه أنهم يناصرون الديموقراطية، وفي الوقت ذاته يحمي مصالحهم. هم يتحدثون كثيراً عن قيم أميركية، وهذا أصدقه عند المثقفين وحركة المجتمع الأهلي الأميركية ووسائل الإعلام يمكن أن تنتصر لها، لكن هذه القيم تتناقض مع مصالح أميركية، الإدارة معبّر رئيسي عنها ومسؤولة أمام القوى النافذة لضمانها. مصالح أميركا تتحقق إذا وجدت خادماً ديموقراطياً أفضل من الخادم المستبد. الترتيب واضح، أن يكون خادماً للمصالح الأميركية.
حين أدركت الولايات المتحدة أن الثورة المصرية ستنتصر، لم تدفع كلفة الحفاظ على خادم فَقَدَ أوراقه الداخلية. اما هل ساعد الأميركيون في وصول مرسي إلى الحكم، فهذا سؤال لا أدعي أنني أملك قرائن عليه. لكن هناك سياقاً يجعل هذه المقولة مقبولة منطقياً، بصرف النظر عما إذا كانت تمت البرهنة عليها أم لا. هذا السياق يبدأ من أن هناك بدائل في التفكير الأميركي لفكرة العداء مع الإسلام، وهي فكرة مقلقة ومولّدة لكثير من العنف ضد المصالح الأميركية، لأشكال الإرهاب الذي راح ضحاياه مدنيون. دعم الإسلام المعتدل يمكن أن يحقق ميزتين، أن يضمن اعتدالاً إسلامياً في الحكم ويصون مصالح أميركا من حيث جوهرها بصرف النظر عن الأسلوب، وفي الوقت ذاته ينزع مشروعية العداء لأميركا من أيدي الواقفين على أرض الإسلام السياسي. يقدم إسلاماً موالياً لا معادياً، وأكثر جماعة جاهزة بحكم وجودها في مصر يمكن أن يكون لها نصيب، إذا تمت آليات ديموقراطية مثل الصندوق (الانتخابات)، هي جماعة «الإخوان المسلمين». هم أقلية بامتياز في مصر وليسوا غالبية على أي نحو، لكنهم يملكون أقوى تنظيم سياسي.
إذا كانت هناك تفاهمات أميركية - إخوانية، فهذا يمكن أن يحقق هذه المصالح بكلفة أقل. ثانياً، الأولويات في المصالح الأميركية في الوطن العربي تبدأ بضمان أمن إسرائيل وضمان إمدادات النفط، وبالطبع ضمان أن تكون مصر مع أمن إسرائيل والحفاظ على الاتفاقات بين الجانبين، إضافة إلى العبور في قناة السويس.
الآن، «الإخوان» جاؤوا، هناك دور مركب سيلعبونه في مصر، كخليفة لمبارك يحافظ على مصالح الأميركيين ولا يدخل في صدام معهم، ولكن له قوة إضافية بحكم أنهم ليسوا جماعة مصرية بل دولية وإن كان مرشدها مصرياً. معنى هذا أن «الإخوان» إذا دخلوا في اتفاق مع أميركا، سيؤمّنون حماية لمصالحها خارج حدود مصر، بقدر اتساع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، خصوصاً ارتباطهم بـ «حماس» في غزة كجزء مهم في معادلة الصراع العربي - الصهيوني.
هناك تحليل يقول ان الإدارة الأميركية تريد أن تغلق ملفاً فُتح في العام 1948 اسمه الصراع العربي – الصهيوني، ثم النزاع العربي - الإسرائيلي في خفض للمصطلح لتهوين الأمر. يريدون الآن طي هذا الموضوع وأفضل طريقة هي التوصل إلى دولة فلسطينية منزوعة القدرات على المنافسة، ودولة يهودية في إسرائيل. فإذا أتيت لتقول أنا إسلامي، فهذا مبرر ليقول الآخر وأنا يهودي... دولة إسلامية تقدم تبريراً منطقياً، بمبدأ المعاملة بالمثل، لأن تنشأ دولة يهودية. ومن جهة أخرى، إذا كان لـ «الإخوان» نفوذ أو دالة على «حماس» أو أي طرف، ويؤثرون في آخرين منتمين إلى فكرة الإسلام بالمعنى الواسع والتوظيف السياسي له، فأفضل شريك لي يوقع صك طي هذا الملف يمكن أن يكون «الإخوان». أنا لا أتحدث عن حقائق، بل عن تحليل له منطق، وفيه مؤشرات.
الأميركيون لا يساندون محمد مرسي لأنهم يريدون «الإخوان» أو يحافظون على مصالح «الإخوان». إذا كانوا ساندوه فلأنهم وجدوه ملائماً للحفاظ على الرؤية الأميركية، أي المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في الوطن العربي والمنطقة.
> مَنْ الرجل الأساسي لـ «الإخوان» في مصر؟
– هناك مكتب الإرشاد، وهو صاحب القرار، وأعتقد بأن الحزب السياسي ذراع سياسية ولا يأخذ موقفاً. «الحرية والعدالة» كحزب كان ببنية الجماعة وإمكاناتها وهياكلها وكوادرها وسمعتها. لا أرى استقلالاً للحزب عن الجماعة إلا في حدود التفاصيل، على رغم أنه يملك هياكل مستقلة. هو حزب يعمل في السياسة لكنه لا يصنع سياسته.
> هل يَصدُق هذا على الرئيس؟
– هذا يصدق أكثر على الرئيس.
> هل يمكن القول إن المرشد هو رئيس الرئيس؟
– يمكن القول إن مكتب الإرشاد هو رئيس الرئيس. يمكن نظرياً أن يكون المرشد، ولكن عليك أن تمتلك تفاصيل للأفكار النسبية أو الأوزان النسبية داخل مكتب الإرشاد، فالشائع هو أن (النائب الأول لمرشد الإخوان المهندس) خيرت الشاطر قد يكون نفوذه في القرار أكثر من المرشد، وهذا أيضاً كلام ليس له دليل لكنه شائع.
> نفوذ الشاطر أكبر من المرشد، هل نفوذه أكبر من الرئيس؟
– الرئيس لم يكن مرشحاً (الانتخابات الرئاسية)، المرشح كان خيرت الشاطر، وسياق إجرائي دفع به (مرسي) لأن يكون المرشح. وهو يعرف أن ملكاته الشخصية في حال تقدمه كمرشح لم تكن تؤهله للمنافسة، قدرات التنظيم (الإخوان) هي التي أوصلته إلى الرئاسة، ولديه الوفاء الطبيعي والالتزام الطبيعي. تكوينه الشخصي ليس التكوين المبادر الخلاق، ونحن نعرفه منذ سنوات: تكوينه (مرسي) انضباطي أقرب الى أن يكون جزءاً من جهاز بيروقراطي، أكثر من أن يكون طاقة تملك الخيال والرؤية والمبادرة. كل هذا يتيح القول إن محمد مرسي يعود إلى مكتب الإرشاد (الهيئة العليا للإخوان).
عندما وصلنا إلى انتخابات (جولة) الإعادة، كان مرسي يريد الحصول على أصوات مِن التي حصلتُ عليها (في الجولة الأولى)، ويريد ملايين الأصوات التي حصل عليها عبدالمنعم أبو الفتوح، وأنا أعلنت عقب النتيجة (الجولة الأولى) أن مَنْ انتخبوني أحرار، ولم ألزمهم بالتصويت لـ (أحمد) شفيق أو مرسي. وبدأت مفاوضات لأنهما يريدان الحصول مني على تأييد معلن. جلستُ وعبدالمنعم أبو الفتوح مع مرسي، كان اتفاقنا أنا وأبو الفتوح اننا كنا نعتبر محمد مرسي شريكاً في الثورة، وأحمد شفيق تعبيراً عن النظام الذي أسقطته الثورة، فالأكيد أننا لن نؤيد أحمد شفيق.
جلسنا مع محمد مرسي وكان اتفاقنا مع عبدالمنعم أن السؤال الجوهري الذي سنقرر على أساسه هو: عندما يأتي (مرسي) رئيساً في حال دعمناه، هل سيدير مصر مستقلاً، مع حقه في أن يحترم الجماعة ويعاملها معاملة لائقة بوصفها مكوناً رئيسياً في الحياة السياسية، أم سيدير مصر باعتباره واحداً من «الإخوان»؟ كان السؤال حول استقلالية مرسي عن الجماعة، المحك في حوارنا معه.
جلسنا معه لكننا لم نحصل على إجابة تطمئننا، اللحظة كانت حرجة جداً، والفارق (في الأصوات) ضيقاً جداً بينه وبين شفيق، ولو أعلنتُ دعمي له فغالبية من صوّتوا لمصلحتي سيعطون أصواتهم لمصلحته. يفترض في هذه اللحظة الحرجة أن يكون لديه (مرسي) شغف الوصول إلى الرئاسة، حتى وإن كان ليس مستقلاً سيقول: لا، أنا مستقل تماماً ولن أخضع لهم (الإخوان)، لكنه لم ينطقها. قال: «كدا يا عبدالمنعم أنت تسألني هذا السؤال... يعني يا حمدين أنت بعد العمر ده تسألني أنا تبع الجماعة ولا لأ، إحنا طبعاً سنعمل لمصلحة مصر». كانت إجاباته خارج النص، فكررنا التساؤل ولم ينطقها.
الأمر الثاني أن وصول مرسي إلى قصر الرئاسة، جاء على تراث من الصراع بين أجهزة الدولة، ومع الجماعة الآتي من قلبها، ما يعني أن ثقته بالدولة وأجهزتها إن لم تكن مفقودة، فستكون مهتزة بحكم التجارب، لذلك يستعين بالجماعة. إحدى المشاكل الرئيسية في البلد أن يجعل رئيس الجمهورية أجهزة الدولة، التي هو على رأسها، عاملاً ثانوياً، والجماعة الجهاز الرئيسي لإدارة الدولة، وهذه معضلة.
> هل تلقيت عرضاً من «الإخوان» بالحصول على دور في حال أيّدتَ مرسي؟
- نعم، مرسي عرض عليَّ منصب نائب رئيس الجمهورية، في الجلسة ذاتها، قال لي: «أريدك معي نائباً للرئيس»، وكان عبدالمنعم حاضراً، إضافة إلى (رئيس حزب الوسط) أبو العلا ماضي. وقال لي: «سأعلن هذا الحديث»، فأجبت: «أرفض الإعلان، لأنك ستضع نفسك في حرج، ففي حال أعلنتَ ترشيحي نائباً، سأخرج وأعلن رفضي، وهذا لن يفيدك».
> هل اتفقَ معك على سياسات إضافة إلى منصب النائب؟
- لا، لم نتوافق حتى نصل إلى الحديث عن سياسات. كان (مرسي) عرَضَ نائب الرئيس عليَّ وعبدالمنعم أبو الفتوح، على أن نؤيده، وخرجت من الاجتماع الذي عقد في فندق «كمبنسكي» القريب من ميدان التحرير (قلب العاصمة)، متفقاً مع عبدالمنعم على عدم حصولنا على إجابة شافية حول استقلالية مرسي عن الجماعة إذا أصبح رئيساً. دارت الأيام وتمسّكتُ بموقفي بعدم تأييده، لكن عبدالمنعم أبو الفتوح أعلن تأييده، ولم يعطِه شيئاً.
وعرض من احمد شفيق
> هل جلستَ مع شفيق؟
- رأيت شفيق حين كنت نائباً (دورة 2005 – 2010)، ولم أره في الثورة.
> قبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، هل جلستَ معه؟
- لا.
> ألا يعذّبك ضميرك أنك كنتَ سبباً في وصول «الإخوان» إلى الحكم؟ في حال تأييدك لشفيق، ألم يكن ممكناً حصول إصلاحات من داخل النظام؟
- لا أحب أن أدعي الحكمة بأثر رجعي. أيدتُ «الإخوان» قبل الثورة ولست نادماً، لأنهم كانوا محل اضطهاد مثل باقي القوى السياسية، وشاركوا معنا في الميدان ولهم حق أن نظل شركاء.
وهذا يعطي مشروعية لمعارضتي الآن لمحمد مرسي، موقفي ليس أيديولوجياً أو ثابتاً، وأحاول أن أكون منصفاً في مواجهة ما تم فضحه فيهم، كما أنني لا أتنبأ بالغيب، شفيق عرض عليَّ عبر وسيط محترم هو (وزير الإعلام في عهد السادات) الراحل الدكتور منصور حسن، والذي كان هناك اتفاق بين المجلس العسكري و «الإخوان» على أن يطرح رئيساً للجمهورية، اتصل بي وقال: «أرى ضرورة حصول تفاهم مع شفيق» وأنه كان يدعمه، على أن أحصل على منصب النائب، ومن الممكن أن أكون «النائب الذي يدير أكثر الملفات، وبمعايير العمر فإنه (شفيق) لن يستمر سوى دورة واحدة (4 سنوات)، ما يعطيك فرصة التمرس مع جهاز الدولة وتؤهل للعمل». لكنني لم أكن مؤهلاً على الإطلاق لقبول مثل هذا العرض، وهذا ليس موقفاً شخصياً من أحمد شفيق الذي أقدّره وأكنّ له مودة، وكنتُ ذهبت لتعزيته (بوفاة زوجته) في منزله، وهي المرة الأولى التي أجلس معه. كان ذلك قبل إعلان نيته الترشح.
قلت لمنصور حسن: «لا أستطيع أن أقبل هذا العرض»، لكنه طلب مني التفكير في الأمر، قائلاً انه سيعتبر هذا الرد غير نهائي. ولم أتصل به بعدها، لأن السياق في هذه اللحظة كان: إما الثورة وإما النظام القديم. موقفي من أحمد شفيق ليست له علاقة بشخصه، وإنما بما يمثله، إنه جزء من سلطة ثار الشعب عليها، فإذا أعدنا إنتاجها، كان الأجدى القبول باستمراره (شفيق) في منصب رئيس الوزراء أو ترقيته إلى منصب نائب رئيس الجمهورية.


رد مع اقتباس