النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: اقلام واراء محلي 514

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    اقلام واراء محلي 514

    اقلام محلي 514
    2/10/2013

    في هذا الملـــــف:

    غزة ليست حماس
    بقلم: حديث القدس- القدس
    اسرائيل ومفاوضات الهروب من الاستحقاقات
    بقلم: محمد السعيد ادريس – القدس
    كشفان رئاسيّان
    بقلم: عريب الرنتاوي – القدس
    "أوسلو" والدولة الفلسطينية
    بقلم: أشرف العجرمي – الايام
    الوحدة لا الصراع مدخل الانتفاضة
    بقلم: علي جرادات – الايام
    تغريدة الصباح - لها وحدها يصحّ الكلام
    بقلم: محمود شقي – الحياة
    الخشية من اعتزال مشعل!
    بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
    أطلق ذقنه حدادا على نفسه
    بقلم: عيسى قراقع – معا
    هل بدأ الإنعطاف التاريخي؟
    بقلم : نعيم الاشهب - pnn





    غزة ليست حماس
    بقلم: حديث القدس- القدس
    الحصار المفروض على قطاع غزة يطال مئات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين غير المسيسين. وقد ظهر من احتفالات انطلاقة فتح مطلع هذا العام الحشود الغفيرة التي شاركت في الاحتفالات، وهذا يؤكد أن الشعب الفلسطيني في القطاع ليس حماس، ولا يجب اعتباره كذلك على سبيل التعميم الخاطىء :فهناك من المنتمين لحركة فتح وللفصائل الأخرى ومن غير المنتمين إلى أي من هذه الفصائل، ولا لحماس، أضعاف الذين ينتسبون لحماس. وهذه هي الحقيقة التي يتوجب بناء السياسات العربية والدولية على أساسها.
    ومما لا شك فيه أن سيطرة حماس على غزة منذ العام ٢٠٠٧ قد جلبت على مواطني القطاع معاناة لا ناقة لهم ولا لمعظمهم فيها ولا جمل. في غزة مواطنون من حقهم مثل سائر أبناء الشعب الفلسطيني أن يعيشوا حياة كريمة، وأن يتمتعوا بحرية السفر من القطاع وإليه- وهو الحق الذي كفلته لهم شرعة حقوق الإنسان بشكل صريح وواضح. وهذا الحق ينسحب على كل المعابر التي تصل القطاع بالعالم الخارجي بما فيها المعابر مع مصر، ومع اسرائيل.
    وإذا كان هناك خلاف وتوتر في العلاقات بين الحكومة المصرية التي تولت السلطة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي من جهة، وبين حركة حماس التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، ولا تستطيع أو لا ترغب في قطع الصلة مع تلك الجماعة من الناحية الأخرى، فإن السؤال المطروح على الأشقاء في مصر هو :ما ذنب عشرات الآلاف من المرضى والطلاب والمتعاقدين للعمل في دول الخليج وغيرها، ولماذا تفرض القيود على مغادرتهم للقطاع؟.
    هناك وسائل تمتلكها الجهات السيادية المصرية، التي نكن لها كل الاحترام، تستطيع من خلالها التحقق من هويات الأشخاص الذين تشتبه بأن لهم علاقة بالأحداث المؤسفة في مصر الشقيقة، وبإمكانها وضع قائمة بأسمائهم ومنعم إذا ثبتت إدانتهم بالأدلة القاطعة من دخول الأراضي المصرية. أما فرض هذا الحظر شبه الكامل على المواطنين الغزيين، والسماح لحافلة واحدة أو حافلتين فقط بدخول الجانب المصري من معبر رفح كل يوم، فهو إجراء نأمل ونتوقع من الأشقاء المصريين، الذين كانوا في مقدمة من ضحى من أجل فلسطين، أن يعيدوا النظر فيه بما ينسجم مع ما عهدناه في مصر عبر تاريخها الطويل من الإحساس القومي الرفيع، والشعور القومي الأصيل، والتعاطف الصادق مع معاناة الشعب الفلسطيني المزمنة تحت نير الاحتلال.
    وتبقى قضية الانقسام هي الشغل الشاغل لأبناء الشعب الفلسطيني. وقد قلنا وكررنا القول إن الوحدة الوطنية هي طوق النجاة لحماس في هذه الظروف المصيرية التي تحيط بالقضية الفلسطينية. والسبيل الوحيد لتحقيق هذه الوحدة هي الانتخابات التشريعية والرئاسية التي اقترحها الرئيس أبو مازن. وإذا كانت حماس واثقة من الفوز في هذه الانتخابات كما تقول، فلماذا المماطلة من جانبها وخلق المعاذير لتفاديها، مع أن الوقت الراهن هو أنسب الأوقات لإجرائها، ولمعرفة رأي الشعب الفلسطيني في توجهات مختلف الفصائل، وتقييمه لأدائها خلال ما يزيد عن سبع سنوات انقضت على آخر هذه الانتخابات عام ٢٠٠٦.
    مصر كدولة شقيقة مدعوة لرفع القيود عن سفر الغزيين الذين لا علاقة لهم بحماس، أو بالتسييس عامة، واسرائيل مطالبة بفتح معابرها أمامهم كذلك. ويكفي الغزيين ما عانوه خلال سنوات الحصار الطويلة والمضنية، التي آن الأوان لإنهائها، ومنح أبناء القطاع ما يحتاجونه من إمدادات الغذاء والدواء والوقود، وقدرا كافيا من الحرية في الانتقال والسفر من غزة وإليها.




    اسرائيل ومفاوضات الهروب من الاستحقاقات
    بقلم: محمد السعيد ادريس – القدس
    لا أحد في مقدوره أن يكشف سر تفاؤل جون كيري وزير الخارجية الأمريكي بمآل الجولة الجديدة من المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية خلال لقائه مؤخراً وفدي التفاوض الإسرائيلي برئاسة تسيبي ليفني والفلسطيني برئاسة صائب عريقات .
    ربما كيري وحده هو من يعرف، وربما يشاركه هذه المعرفة رئيسه باراك أوباما وصديقه بنيامين نتنياهو الذي لم يشأ أن يتأخر كثيراً عن اللقاء به عقب اختتام مناقشاته في جنيف مع سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي حول اتفاق تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية .
    لقاء كيري مع نتنياهو والصور التي نشرت لهذا اللقاء كادا ينطقان بأصوات الضحكات العالية للحليفين الأمريكي والإسرائيلي عنواناً للسعادة البالغة من اطمئنانهما لمسار الأحداث والتطورات في العالم العربي التي تكشف أنها تسير في اتجاه لم يكن يحلم به أحد من قادة الجانب الاسرائيلي، فهي أحداث وتطورات تحقق الكثير من الأحلام الاسرائيلية بأيدي العرب أنفسهم، وبتغذية أمريكية كي تكتمل التفاعلات في الاتجاه المرغوب والمأمول: المزيد من طمأنة إسرائيل على مستقبلها .
    كل ما استطاع أن يقوله جون كيري في لقائه مع ليفني وعريقات هو التصريح بأن الإسرائيليين والفلسطينيين اتفقوا على تكثيف محادثات “السلام” بينهم، وزيادة المشاركة الأمريكية واكتفى بالتلميح بأن كل المطلوب من الإسرائيليين الآن هو “تعليق تطبيق سياسة توسيع المستوطنات”، مجدداً توقعاته، التي يروج لها منذ فترة كمبرر لبدء ومواصلة التفاوض، بأن “التوصل إلى اتفاق سلام سيحقق الأمن والرخاء الاقتصادي في المنطقة” ومحذراً من أن الفشل ستكون له تداعياته السلبية..
    تصريحات كيري خالية من أي مضمون، وجاء خطاب الرئيس الأمريكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد بالدليل القاطع أن السلام الحقيقي القائم على العدل والذي يتوافق مع ما سبق أن أصدرته الأمم المتحدة من قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية خاصة والصراع العربي - الاسرائيلي عامة ليس له أولوية تذكر في أجندة إدارته . فالخطاب ركز على قضيتين أساسيتين: الأزمة السورية ومستقبل العلاقة مع إيران على ضوء ما سيتم التوصل إليه من حلول لأزمة برنامجها النووي، إضافة إلى التداعيات المتلاحقة لما يسميه ب “الربيع العربي” .
    والفقرة الوحيدة التي تحدثت عما يسمى “عملية سلام الشرق الأوسط” لم تذكر نهائياً اسم الشعب الفلسطيني ولا القضية الفلسطينية، لكنها تحدثت عن إسرائيل، وأمن إسرائيل على النحو الذي يبتغيه الإسرائيليون فقد تحدث عن موقف إدارته “الملتزم بالسعي للسلام بين العرب والإسرائيليين” . وأكد أن بلاده “لن تساوم على أمن إسرائيل أو دعمنا لها كدولة يهودية” .
    هكذا . . لكنه لم يكتف بذلك بل تحدث عن “المجازفة” من أجل السلام . كل هذه الالتزامات الخاصة بأمن ووجود إسرائيل دولة يهودية يراه مجازفة من أجل السلام، فأي أفق حقيقي للسلام يقوده الآن جون كيري؟
    السؤال مهم، لأن اندفاعة كبرى نحو تجديد التفاوض الفلسطيني - الاسرائيلي جاءت في أوج انشغال الإدارة الأمريكية وارتباكها في إدارة ملف الأزمة السورية، وقبول السلطة الفلسطينية الانخراط في هذه الجولة جاء ضمن تراجع السلطة عن التزامها المسبق بربط أي تفاوض جديد بإعلان إسرائيلي صريح بوقف سياسة التوسع الاستيطاني في القدس المحتلة والضفة الغربية، بل على العكس جاء هذا الانخراط وأعقبه المزيد من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي بمشاركة قوية من الجيش الإسرائيلي نفسه، فضلاً عن كل ما يحدث من اعتداءات خطيرة على المسجد الأقصى واعتداءات على الفلسطينيين .
    الظروف غير المواتية للتفاوض فلسطينيا لا تتعلق فقط بثبات مواقف الأمريكيين والإسرائيليين بالنسبة للسياسة الاستيطانية وغموض الموقف من قضايا التفاوض الجوهرية، لكنها تتعلق أيضاً بالحالة الفلسطينية غير المواتية والظروف العربية غير الداعمة أو غير المهيأة لدعم موقف المفاوض الفلسطيني .
    فالمصالحة الفلسطينية باتت أبعد مما كانت منذ عام أو عامين، والتراشق الأمني المتبادل متصاعد في الضفة وغزة لأنصار الطرفين، والتشكيك في النوايا بين القيادتين متصاعد، ناهيك عن غياب أي ظهير عربي حقيقي داعم لمسيرة التفاوض، فمعظم الدول العربية باتت مشغولة بأوضاعها الداخلية غير المستقرة، ومنقسمة حول إدارة الأزمة السورية، والعلاقة مع إيران، والجامعة العربية في انحسار غير مسبوق لدورها وفعالية ومصداقية هذا الدور، وكلها أمور تؤكد أن “بيئة التفاوض” بالنسبة للطرف الفلسطيني غير مواتية، لذلك فإن السؤال: لماذا المفاوضات الآن..؟
    أياً كانت خلفية الاندفاع الفلسطيني نحو المفاوضات، فإن الفشل يتهددها لأسباب كثيرة .
    أول هذه الأسباب، أن ما يحكم موقف حكومة نتنياهو الآن هو إدراك عن يقين، مفاده أن إسرائيل ليست مجبرة الآن على تقديم أية تنازلات للفلسطينيين، ربما العكس هو الصحيح فهم يدركون أن الوقت يعمل لمصلحة المشروع الاسرائيلي، وأنه لم تعد هناك أي قوة غربية قادرة على تهديد إسرائيل، وأن دولاً عربية، من خلال مصالحها الذاتية الخاصة، تعطي أولوية للعلاقة مع الولايات المتحدة وباتت تتأفف من أعباء القضية الفلسطينية، لكن الأهم هو التركيز الإسرائيلي الآن على الملف النووي الإيراني بعد أن فتح قبول الرئيس السوري التخلص من قدراته الكيماوية شهية الإسرائيليين للتخلص من الخطر النووي الإيراني .
    وما يتردد الآن من وجود خلافات داخل حكومة نتنياهو بين مؤيد ومعارض للتفاوض مع الفلسطينيين لا يخرج عن نطاق “المداعبة السياسية” و”الإخراج المسرحي” لجولة التفاوض الجديدة، وادعاء وجود معارضين لقبول رئيس الحكومة لدعوة التفاوض التي يتزعمها وزير الخارجية الأمريكي، فهم جميعاً معارضون ل “حل الدولتين” وفي مقدمتهم نتنياهو، وهم جميعاً تسري عليهم المقولة الساخرة: “نعم أؤيد عملية السلام طالما أنها لن تفضي إلى حل، ونعم أقبل فكرة الدولتين، لكني لا أعمل على إنجاحها”.
    في مثل هذه الظروف فإن محصلة التفاوض لن تخرج عن ثلاثة احتمالات: أولها، التوصل إلى اتفاق ينص على إقامة دولة فلسطينية، لكن سوف يجرد هذه الدولة من كل مقومات الوجود فضلاً عن الثمن الذي سيكون فادحاً، فهي دولة ليست على حدود الرابع من حزيران 1967 لكنها تركز على مبدأ “تبادل الأراضي” الذي دعمته جامعة الدول العربية للأسف، ما يعني تمكين اسرائيل من ضم كل الكتل الاستيطانية في الضفة وجعل الجدار العازل خطاً للحدود، مع اعتبار القدس عاصمة مشتركة، والتنازل عن حق العودة . وثانيها، التوصل إلى شبه اتفاق أو اتفاق جزئي لا يعقبه أي انسحاب من الضفة، أما الاحتمال الثالث فهو الفشل .


    كشفان رئاسيّان
    بقلم: عريب الرنتاوي – القدس
    كشف الرئيس الأمريكي عن اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني، أكدته مصادر روحاني، الاتصال عكس رغبة الطرفين في توفير حلول سياسية لا لمشكلة "النووي الإيراني" فحسب، بل ولكثير من مشاكل المنطقة ... وعلى نحو متزامن، كشف الرئيس اللبناني عن بدء انسحاب قوات حزب الله من لبنان، وهو أمر لم تؤكده مصادر الحزب بعد، بيد أن مصادر لبنانية عديدة، قالت إن الحزب بدأ انسحاباً متدرجاً وهادئاً من سوريا.
    واللافت في الأمر، أن هذه التطورات المتسارعة على مسار العلاقات الأمريكية – الإيرانية، تأتي تزامناً مع تقدم "الوفاق الدولي" بين موسكو وواشنطن، والذي بدأ بـ “جنيف 1" مروراً بصفقة الكيماوي، في جنيف أيضاً، وانتهاءً بـالتسوية الكبرى" لم يعد ينقصها سوى اللمسات الأخيرة لـ “جنيف 2"، ولا يمكن لعاقل، إلا أن يربط مسارات الانفراج هذه، أحدها بالآخر.
    إن صح هذا التشخيص، والأرجح أنه صحيح، فإن ما قاله بان كي مون، عن "أهم فرصة" تتاح للسوريين للخلاص من حروبهم وحروب الآخرين عليهم، يبدو قولاً في محلّه تماماً ... وليس مستبعداً أن نرى في قادمات الأيام عجلة "جنيف 2" وقد بدأت بالتدحرج، كما ليس مستبعداً أبداً، أن تطرأ تغييرات جوهرية في مواقف ومواقع الأفرقاء من الأزمة.
    قبل صفقة الكيماوي، كانت الاتفاق الدولي حول "جنيف 2" يصطدم بعقبتين اثنتين: الأولى، مصير الرئيس السوري بشار الأسد وموقعه في مرحلة الانتقال وما بعدها ... والثانية، مشاركة إيران في مؤتمر "جنيف 2"، وما إذا من المناسب أن تكون مشاركة كاملة أم جزئية، "عاملة" أم "مراقبة".
    اليوم، وبعد هذه الإنفراجة الواسعة في علاقات إيران بالغرب، بل وبعد كل هذا السباق الدولي نحو طهران، يبدو أن العقبة الثانية، قد باتت وراء ظهرونا، والأرجح أن تكون طهران قد حجزت لنفسها مقعداً من الآن، حول مائدة المفاوضات والحوار، سيما وأنها تعرض، والغرب يرحب، بدورها الجديد، كجزء من الحل لا كسبب من أسباب المشكلة.
    أما "عقبة الرئيس السوري"، فيبدو أنها ستُذلل على مرحلتين: الأولى، من الآن وحتى إنفاذ صفقة الكيماوي وفق الرزنامة الزمنية لقرار مجلس الأمن وخريطة الطرق التي وضعها المنظمة الدولية لمنع الانتشار النووي ... أي أن الرئيس سيبقى في موقعه حتى آخر يوم من ولايته الدستورية في تموز القادم، بل وسيبقى قائداً عاماً للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية المنوط بها أمر "التعاون التام" في تدمير أسلحة سوريا الكيماوية.
    أما المرحلة الثانية، فستبدأ من "الاستحقاق الانتخابي" الذي يتعين إجراؤه في أواسط العام المقبل ... هنا وهنا بالذات، يدور الجدل والخلاف: هل سيكون بمقدور الرئيس السوري أن يترشح لولاية ثالثة؟ ... هل سيطلب إليه أن يرشح من يرتضيه ويختاره لخوض غمار المنافسة؟ ... هل ستبقى موسكو وطهران على دعمهما للأسد أم أن مناخات "التوافق والانفراج الدولي والإقليمي" ستدفع بهما إلى ممارسة الضغط على النظام لمنع ترشح الأسد أو ترشيحه؟ ... هل ستجري الانتخابات في موعدها؟ ... هل ستشارك المعارضة السورية في المنافسة ضد الأسد أو من يختاره ويرتضيه؟ ... وفي حالة تنظيم انتخابات دولية نزيهة برقابة دولية، هل سيمكن إجراؤها في مناطق تخضع لسيطرة الفصائل الإسلامية المسلحة التي ترفض الانتخابات وجنيف والحلول السياسية، بل وترفض الديمقراطية كنظام وتتعهد بإقامة دولة الخلافة الإسلامية؟
    ثم، ماذا إن نجح الأسد في انتخابات حرة ونزيهة؟ ... هل هذا الاحتمال مستبعداً، أم أنه كما يرى مراقبون كثر، قد يكون الأكثر ترجيحاً، خصوصاً إن لم تلتق المعارضة على مرشح واحد، ذي صدقية وكاريزما؟ ... هل سيبقى النظام السياسي في سوريا، رئاسيا أم أن فكرة النظام البرلماني، ستجد دعماً أوسع وأشد، وعندها لن تكون شخصية الرئيس وهويته أمراً ذي بال؟
    في ظني أن العقبات التي تحول دون انعقاد "جنيف 2" قد ذُللِت، على أنه لن يكون مؤتمراً من جلسة واحدة، والأرجح أننا سنشهد مساراً تفاوضياً موازياً لمسار المواجهات الميدانية على الأرض، وفي السياق سيجري بناء توافقات على طبيعة النظام السياسي والإجابة على كثير من الأسئلة السابقة، من دون أن نستبعد احتمال "بناء تحالفات جديدة" قد يكون طرفاها النظام والجيش الحر/الائتلاف، لمواجهة خطر الأصولية الوهابية و"إمارات الشمال السوري الإسلامية"، فالتطورات تسير بسرعة فائقة، وقد نجد صعوبة في اللحاق بها أو الإمساك بأهدابها. وللبحث صلة.

    "أوسلو" والدولة الفلسطينية
    بقلم: أشرف العجرمي – الايام
    بعد تعثر مفاوضات مدريد التي كان يراد لها أن تستمر إلى مالا نهاية بدون أي نتيجة، تم فتح قناة "أوسلو" كقناة استكشافية بوساطة أوروبية، وكانت نظرة اسحق رابين للفكرة أشبه بفكرة مسلية ولم يكن يخطر بباله أن تتطور الأمور إلى مستوى الاتفاق مع منظمة التحرير، وكانت المفاجأة عندما عرضوا عليه خطوطا عامة للاتفاق عندها حصل ما يمكن تسميته تورط في عملية لم تكن مخططة. ولكن على ما يبدو كان هناك تفكير مختلف في النظرة لاتفاق أوسلو لدى الجانبين، فالجانب الفلسطيني اعتبرها خطوة للوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة، وكانت فكرة إقامة السلطة الوطنية أشبه بفكرة برنامج 1974 الذي تحدث عن إنشاء سلطة وطنية على أية أراضٍ فلسطينية يجري تحريرها تمهيداً لإنجاز تحرير كامل الوطن، مع الفرق في الهدف النهائي في الحالتين، حيث في حالة "أوسلو" كان الهدف هو إقامة دولة فلسطينية في حدود العام 1967 فقط.
    أما الجانب الإسرائيلي فكان يريد تغيير الواقع السياسي القائم في التعاطي مع إسرائيل إقليمياً ودولياً، فقد أملت إسرائيل بعد الاعتراف بها فلسطينياً أن يعترف بها العالم العربي وتستطيع فتح قنوات مع كل دول المنطقة بالإضافة إلى أن فكرة وجود القيادة الفلسطينية –قيادة منظمة التحرير بغالبية فصائلها – هنا تحت النظر واليد جيدة لمنع حصول تطورات لا يمكن السيطرة عليها. ولم يكن يدور في خلد الإسرائيليين أن يذهبوا بعيداً إلى درجة الانسحاب الكامل من الاراضي المحتلة في عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. بدليل أن إسرائيل كانت ترفض فكرة البحث في مفاوضات الحل الدائم قبل عام 2000 حيث كان من المقرر أن ينتهي الحل الانتقالي في شهر أيار من العام 1999، وكان إسحق رابين صاحب فكرة عدم وجود مواعيد مقدسة.
    ولم يدقق الفلسطينيون الذين تفاوضوا على الاتفاق في الكثير من التفاصيل وخاصة موضوع تقسيم المناطق الفلسطينية إلى أ، و ب، و ج حتى لم يفحصوا مسألة التواصل الجغرافي للمناطق التي تكون تحت سيطرة السلطة، ولم يضمنوا قضية الإفراج عن الأسرى في الاتفاق، وتغاضوا عن الكثير من التفاصيل المهمة التي وردت في الاتفاق والتي عانى منها الشعب الفلسطيني لاحقاً، والسبب على ما يبدو هو التفاؤل المفرط بأن هذه مجرد مرحلة انتقالية لن تطول والدولة المستقلة قادمة بعد خمس سنوات، فلا داعي للتفكير في الأمور التي ستتغير بمجرد التوصل إلى الاتفاق النهائي.
    وبعد مرور 20 عاماً على اتفاق "أوسلو"، لم يتقدم موضوع الدولة في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، على الرغم من حصول مفاوضات في بعض الأوقات مع الحكومات الإسرائيلية المختلفة بدءاً من قمة كامب ديفيد وحتى المفاوضات الحالية، والفترة الوحيدة التي كان فيها التفاوض حول حدود 1967 كانت فترة رئيس الوزراء إيهود أولمرت. وعلى ما يبدو أنه لم يكن هناك قرار إسرائيلي بالانسحاب من الضفة الغربية في المدى المنظور. وان شئنا فالقيادة الإسرائيلية ليست في وارد التوصل إلى اتفاق نهائي تخلي فيها أية مناطق في العالم العربي، بحجة أن الوضع غير مستقر وأنهم لن يضمنوا الحصول على مقابل اذا انسحبوا من الأراضي المحتلة سواء الفلسطينية أو السورية.
    مع ذلك التطور الوحيد الذي حصل في موضوع الدولة هو الاعتراف الدولي بفلسطين في حدود العام 1967 كدولة غير عضو، وأيضاً في الاعتراف الأميركي الذي ورد على لسان أوباما بأن التسوية تكمن في حل الدولتين على أساس حدود العام 1967 مع تبادل أراضٍ متفق عليه. بمعنى أن هناك اجماعاً دولياً على قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة منذ حزيران 1967. ولم نفعل شيئاً يذكر على تكريس الدولة على الأرض.
    وهذا لا يتم بمجرد الحديث أو تكرار المواقف التقليدية. فما يزال الوطن منقسماً على نفسه ولا تزال غزة خارج معادلة الحسابات السياسية، مع أن الواقع يقول أن قطاع غزة تحديداً هو المكان الوحيد الذي لا توجد به أطماع إقليمية وأنه يمكن أن يكون مركز قوة رئيسي للاقتصاد الفلسطيني بدون علاقة بالاحتلال. وله منافذ على العالم الخارجي لا تسيطر عليها إسرائيل، فقط يحتاج لأن يكون كالضفة تحت سيطرة السلطة التي يجب ان تتحول إلى دولة. ووجود القطاع في إطار السلطة – الدولة يوفر فرصة لإنشاء الميناء البحري واستخراج الغاز واقامة مشاريع اقتصادية زراعية وصناعية وخاصة في مجال الإلكترونيات. وهذا يجعل غزة رافعة للاستقلال الاقتصادي وأيضاً لدعم الخزينة بما يزيد عن 30% من الدخل وهي النسبة التي كانت قائمة قبل الانقسام ومع المشاريع والغاز والميناء قد تصبح هذه النسبة 50 % . وبدلاً من أن يكون القطاع عبئاً على الخزينة يتحول إلى مساهم رئيس في الإيرادات.
    والأهم أنه لا يمكن أن تكون هناك دولة بدون قطاع غزة، وعودة السلطة إلى القطاع سيقوي الموقف الفلسطيني في كل موقع حتى على طاولة المفاوضات. ولهذا من المفروض أن تعاد جميع الحسابات بالنسبة لواقع الانقسام على ضوء التجربة القاسية التي مر بها قطاع غزة المحاصر المنكوب وتجربة العمل السياسي مع إسرائيل. فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن أي فصيل وحده لا يستطيع حمل العبء والمسؤولية وحده سواء في القطاع أو الضفة ولم يعد الشعب الفلسطيني يحتمل مبدأ تقاسم الكعكة أو النظر إلى المشروع الوطني باعتباره مجموع امتيازات ومصالح مادية لهذا الطرف أو ذاك. نحن بحاجة إلى رؤية وطنية شاملة تنبثق عنها خطة تفصيلية لتكريس دولة فلسطين في الأراضي المحتلة وتعزيز قدرة وصمود شعبها على مواجهة السياسات الاسرائيلية من استيطان واستهداف للقدس وغيرها وهذا لا بد أن يبدأ بانهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، فالظروف اليوم مهيأة أكثر من أي وقت مضى لإنجازها إذا ما توفرت الإرادة والجاهزية لذلك.

    الوحدة لا الصراع مدخل الانتفاضة
    بقلم: علي جرادات – الايام
    اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة لا يحتاج، فقط، إلى توافر شرط موضوعي يمثله تعاظم قمع الاحتلال وجرائمه واستباحاته لكل ما هو فلسطيني، إنما يحتاج، أيضاً، إلى اقتران هذا الشرط الموضوعي بشرط ذاتي يمثله توافر إرادة سياسية تنظيمية وطنية موحَّدة ومقتنعة ومستعدة وجاهزة لتحويل أو تطوير شرارة هبة شعبية إلى حريق شامل وممتد يعم سهل الشعب كله. ولو كان الأمر على غير هذا النحو من تلازم الشرطين الموضوعي والذاتي لاندلاع انتفاضة جديدة لكان الشعب الفلسطيني يخوض في معمعان مثل هذه الانتفاضة على الأقل منذ هبة ذكرى "النكبة" في 15 أيار 2011 أو منذ هبة ذكرى "الهزيمة" في 5 حزيران من العام ذاته، أو منذ ما أشعله الأسرى بأمعائهم الخاوية من هبات في نهاية العام 2012 وبداية العام 2013، ولكان، أي الشعب، أنهى خيار "التهدئة" مع الاحتلال السارية بالتفاوض المباشر في الضفة أو بالتفاوض بالواسطة في غزة. أما لماذا هناك حاجة إلى التشديد على الكلام أعلاه الآن؟
    تنم التصريحات الداعية هذه الأيام إلى إطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة، ومثلها التصريحات الرافضة لها، عن تفكير رغبوي بوجهين أنتجهما واقع الانقسام الداخلي.
    يرى الأول أن الفلسطينيين يمكن أن يتحركوا بكبسة زر نحو ما يمكن تسميته انتفاضة مخططة يحتاجها للخروج من مأزق ذاتي لا علاج له إلا بإنهاء الانقسام.
    بينما يرى الثاني أن تأجيل اندلاع انتفاضة اختمر شرطها الموضوعي ممكن إلى أجل غير مسمى بصرف النظر عن تطورات الواقع وحقائقه الكاشفة لفشل خيار لا علاج له بدوره إلا بإنهاء الانقسام.
    إذاً نحن أمام شكلين من تفكير رغبوي، انفصلا، وكل منهما على طريقته، عن حقائق الواقع، ونسيا أو تناسيا حقيقة أن أياً من الانتفاضات الفلسطينية لم تنطلق بقرار، إنما بحدث كان يمكن لحدث آخر سابق أو لاحق أن يطلقها، وأن أياً منها لم تكن بلا مقدمات أسست لها، وراكمت باتجاهها، وأنذرت باندلاعها، وأن توافر قيادة سياسية وتنظيمية وطنية موحدة مقتنعة ومستعدة هو ما أفضى إلى تطوير هذه الهبة أو تلك إلى انتفاضة شعبية شاملة وممتدة.
    مثال ذلك أن الانتفاضة الشعبية الكبرى، (1987)، وانتفاضة الأقصى، (2000) لم تنفجرا بقرار، إنما بحدثين هما على التوالي: حدث دهْس حافلة إسرائيلية لعمال فلسطينيين، وحدث زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى، بينما مهدت لاندلاعهما هبتان جماهيريتان أطلقهما إضراب مفتوح عن الطعام للأسرى، هما على التوالي، هبة نيسان 1987، وهبة أيار 2000.
    يحيل التفكير الرغبوي هذا بشقيه إلى وعي سياسي مريض أفرزته وقائع سنوات الانقسام الداخلي.
    وعي تجذر إلى درجة ألا يتورع أصحابه عن توظيف قضية الانتفاضة أكثر القضايا الوطنية حساسية وتعقيداً وتأثيراً في حياة الفلسطينيين ونضالهم الوطني وتضحياتهم، واستخدامها سبيلاً لتكريس "سلطتيْ" الانقسام الداخلي، إن بدعوة أحد أطرافه إلى إشعال انتفاضة مخططة في الضفة مع الحفاظ على "التهدئة" في غزة، أو بدعوة طرفه الثاني إلى استمرار "التهدئة" على ما هي عليه في الضفة وغزة.
    ولعل هذا ما يفسر عدم اندلاع انتفاضة جديدة رغم توافر شرطها الموضوعي. أما لماذا؟
    إذا كانت الظروف الموضوعية مهيأة لاندلاع انتفاضة ثالثة، وهي كذلك بلا ريب أو شك، لكن الظرف الذاتي غير مهيأ، ليس فقط لأن هناك طرفين يريد أحدهما اشعالها بتخطيط في الضفة، بينما لا يريدها الثاني لا في الضفة ولا في غزة، بل، أيضاً، لأن هذا وذاك يفسد الوعي الوطني العام ويؤخر اقترانه بحالة الاختمار الموضوعي للانتفاضة وضرورتها.
    إذ صحيح أن الشعب الفلسطيني يعيش مواصفات الحالة الثورية التي يشتد فيها القمع إلى درجة تفوق قدرة الناس على التحمل، لكن الشرط القيادي لتفجير هذه الحالة غير متوافر، بل منقسم ومتصارع على تمثيل الشعب الفلسطيني.
    تلك هي الحقيقة المرة التي تجعل أحد طرفيْ الانقسام يستعجل ثمرة الانتفاضة الفجة لأنه يريد توظيفها في أجندة ذاتية فئوية، بينما تجعل طرفه الثاني لا يريد لهذه الثمرة أن تنضج لأنها تتعارض مع خيار ما زال مقتنعاً به.
    وهذا أمر طبيعي، بل بدهي، ذلك أن مدخل الانتفاضة ليس الصراع على تمثيل الشعب الفلسطيني، بل توحيد هذا التمثيل في جبهة وطنية، بها، وبها فقط، يكون لتضحيات انتفاضة فلسطينية ثالثة، في حال اندلاعها، هدف وطني عام كانت الانتفاضة الأولى صاغته في شعار سياسي ناظم هو "الحرية والاستقلال" الذي أكدته الانتفاضة الثانية، لكن استعجال التثمير السياسي للأولى وتعدد خطاب وأجندات الثانية يساهمان (في ظل تحولات عربية وإقليمية ودولية ليس المجال للخوض فيها)، في تقزيم الحصاد السياسي لهاتين الانتفاضتين، وفي بلوغ ما آلت إليه الحالة الفلسطينية من مأزق متعدد الأبعاد والأوجه، لعل الانقسامات الداخلية أخطرها وأكثرها كارثية. لذلك فإن كل فصل لعزيمة انتفاضة ثالثة محتملة عن هدفها الوطني العام إنما يغيب سيان: بوعي أو بجهالة الفرق بين الانتفاضة الشعبية بوصفها فعلاً ميدانياً، وبين حسبانها خياراً سياسياً.
    وهو الفرق المرادف للفرق بين التوقيت الزمني الصدفي والسياسي الضروري لاندلاع الانتفاضات الشعبية الفلسطينية.
    فلئن كان بوسع الأول أن يشعل هبات جماهيرية تغذيها ممارسات الاحتلال الدائمة، فإن توافر قيادة سياسية وطنية موحدة مقتنعة ومستعدة هو ما يحوِّل هذه الهبة الجماهيرية أو تلك إلى انتفاضة شعبية شاملة وممتدة تنقل الحركة الوطنية الفلسطينية من حال إلى حال مختلفة نوعياً، سواء لناحية علاقة أطراف هذه الحركة بعضها ببعض، أو لناحية علاقتها بشعبها، أو لناحية، (وهذا هو الأهم)، كيفية إدارتها - فرادى ومجتمعة - للصراع مع الاحتلال.
    عليه، ثمة مفارقة تحتاج إلى تفسير سياسي وطني موضوعي يتجاوز تبادل الاتهامات المشحونة بوعي سياسي مريض أفرزته وقائع الانقسام الداخلي. إنها مفارقة عدم تطوُّر أي من الهبات الجماهيرية التي وقعت خلال السنوات الثلاث الماضية إلى انتفاضة شعبية شاملة وممتدة، رغم قابليتها جميعاً لذلك.
    تحيل هذه المفارقة إلى ما يعصف بالتنظيم السياسي الفلسطيني من مأزق، سواء لناحية ما تعيشه فصائل وأحزاب الحركة الوطنية، منذ سنوات، من مظاهر التفكك والتشرذم والترهل، أو لناحية ما يعصف بالمؤسسة الوطنية التمثيلية الجامعة من انقسام عمودي أنتجه غياب وحدة الرؤية والبرنامج والقيادة واستشراء ممارسة سياسة تغليب المصالح الفئوية الخاصة، بل والشخصية أحياناً، على المصلحة الوطنية العامة، ناهيك عن تباين الأجندات وتعددها إلى درجة عدم التورع عن اتخاذ الخلاف السياسي غطاء للصراع على تمثيل شعب ما انفك يعيش مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، بل، وما زال أمام انتزاعه لحقه في العودة والحرية والاستقلال مشوار طويل ومعارك كثيرة وتضحيات جسيمة.
    ما يعني أن المسؤولية السياسية عن إجهاض الهبات الجماهيرية الفلسطينية المتلاحقة وعدم تطورها إلى انتفاضة شعبية شاملة وممتدة، لا تقع فقط على عاتق طرفٍ غير مقتنع بالانتفاضة كخيار سياسي، بل، تقع، أيضاً، وبالقدر ذاته، على عاتق طرف ما انفك يدعو الناس إلى انتفاضة ثالثة، يريدها خارج نطاق "سلطته" الاسمية، وبما لا يهددها أو يمس بـ"تهدئة" أبرمها بوساطة طرف ثالث مع الاحتلال، ما يشي بتحويلها، أي "التهدئة"، إلى خط سير سياسي يشكل - في المضمون والواقع - الوجه الثاني لعملة الخيار السياسي ذاته الذي يتمسك صراحة وعن قناعة بضرورة استمرار "التهدئة".
    بقي القول إن خيار "التهدئة" بشقيها في الضفة وغزة لا يمكن له أن يدوم إلى أجل غير مسمى.
    أما لماذا؟ فلأن في جوف سياسة الاحتلال الماضية في استباحة كل ما هو فلسطيني، بدعم من الولايات المتحدة ورعايتها، ما يجعل المسافة بين هبة جماهيرية فلسطينية تخفت وأخرى تشتعل، مسافة سياسية بامتياز، بمعزل عن السبب المباشر الذي أشعل هذه الهبة أو تلك.
    بل، ولأن في جوف هذه السياسة، عدا التمادي في ممارساتها، ما يبقي اشتعال سهل الشعب الفلسطيني كله، أي تطور هباته الجماهيرية المتلاحقة إلى انتفاضة شعبية عارمة وممتدة، خياراً سياسياً قائماً "بالقوة".
    وهو ما سيفرض، تقدم الأمر أو تأخر، إنهاء الانقسام الداخلي كمقدمة لا مناص منها لتحويل هذا الخيار، أي الانتفاضة، إلى خيار "بالفعل"، ذلك لأنه لا مجال لانتفاضة مثمرة بالمعنى السياسي الوطني بلا وحدة.

    تغريدة الصباح - لها وحدها يصحّ الكلام
    بقلم: محمود شقي – الحياة
    ينعقد اليوم وغدًا في مقر المؤتمر الوطني الشعبي للقدس، مؤتمر مكرّس للمدينة المقدسة تحت شعار "القدس ثقافة وهوية، وسأقول في جلسة الافتتاح".
    في مثل هذا اليوم، الثاني من تشرين الأول العام 1187 ميلادية، تم تحرير القدس من حكم الفرنجة الذين حكموا المدينة ثمانية وثمانين عامًا. كانت بلاد المسلمين آنذاك نهبًا للتجزئة وللانقسامات، كما هو حالنا الآن، ما جعل الطامعين فيها يتجرأون على سيادتها وعلى كرامتها الوطنية وكرامة أهلها، إلى أن جاء القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي، الذي وحّد البلاد والعباد، واستحثّ العزائم لتحرير المدينة المقدسة من دنس الغزاة.
    وها نحن اليوم نقف أمام إحدى سخريات التاريخ الذي يأتي مرة على شكل مأساة، وأخرى على هيئة ملهاة، إذ نلتقي في مؤتمر حول القدس، والقدس تخضع لاحتلال إسرائيلي يستهدف المدينة اليبوسية الكنعانية العربية الفلسطينية بمسلميها ومسيحييها، ليجعلها رغم حقائق التاريخ والجغرافيا، ورغم طبيعتها المكرسة للحب وللتعددية وللسلام، عاصمة أبدية لدولة الاحتلال. وليس ثمة من أبد سوى الحقيقة التي تقول إن هذه المدينة كانت عربية قبل آلاف السنين، وستبقى عربية على امتداد الزمان.
    نلتقي الآن، لنحتفي بالقدس من دون الذهاب إلى التاريخ، تاريخها المحتشد بشتى مظاهر الرقي والعمران، مثلما هو محتشد بالمآسي وبالغزوات التي تعرّضت لها، وبعدد الغزاة، فكانت النتيجة أن انتهت الغزوات واندثر الغزاة، وبقيت المدينة التي كانت تضمّد جراحها بعد كل غزوة، وتعيد بناء نفسها لتبقى قادرة على التجدّد والبقاء.
    ونلتقي لنحتفي بها من دون الغوص في أبعاد قدسيتها التي جعلتها مستقرًّا للديانات السماوية، تهفو إليها قلوب البشر أينما كانوا، وتتجسد فيها القيم الدالة على الانفتاح والتسامح والعدالة والأمن والأمان.
    نلتقي الآن لنحتفي بعلاقة المدينة بالناس، ناسها الحقيقيين الصامدين فيها المضحّين من أجلها، المرتبطين بمصيرها، ولنحتفي بعلاقة الناس بالمدينة التي أسبغت عليهم من روحها، فلا تنفصل سماتهم عن سمات مدينتهم التي عاشت معهم وعاشوا معها مختلف أنواع المعاناة، وتجرّعت مثلما تجرعوا صنوف العسف التي جربها عليها وعليهم الغزاة، فلم تهن ولم يهنوا، وظلوا ثابتين على ولائهم لمدينتهم مثلما ظلت وفية لهم مثل أمّ رؤوم.
    ذلك أن المدينة ليست مجرد حجارة وأسوار وأزقّة وشوارع وأسواق، وهي ليست مجرّد مساجد وكنائس مكرسة للعبادة وللوصل بين الأرض والسماء، بل هي قبل ذلك وبعده مكان لتفاعل ناسها معها ولتفاعلها معهم، بكل ما تمثله من حضارة ومقدسات وتاريخ وجغرافيا ومكانة وحضور، وبما تمثله من مركز للحداثة وللتنوير كما كان حالها في النصف الأول من القرن العشرين، ومن حيز لانتشار التزمت وقيم الريف المحافظة فيها كما هو حالها الآن. إنها المدينة التي تعرّف بمواطنيها، وهي التي يعرّف مواطنوها بها في كل مرحلة من مراحل الهبوط أو الصعود. إنها مدينة مواطنيها الباقين هناك وحدهم أمام العزل والحصار والقمع والتهجير، وهي الباقية وحدها هناك أمام هجمة الأسرلة والتهويد إلى حين.
    نلتقي لنحتفي بالمدينة في ذكرى تحريرها على يد صلاح الدين، ولنصغي على امتداد هذا اليوم واليوم الذي يليه، لأوراق فكرية حول حضور المدينة في حياة الناس، وحضور الناس في حياة المدينة، ولنستمع لشهادات أدبية عن علاقة بعض كتابنا وكاتباتنا بالقدس وعلاقتها بهم، ولنستمع أيضاً لقراءات شعرية عن القدس، وعما تشتمل عليه القدس من قيم نبيلة ومن فضاءات، ولنسعد بجوائز القدس التي ستمنح لثلاثة ممن حملوا وما زالوا يحملون رايات الدفاع عن القدس.

    الخشية من اعتزال مشعل!
    بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
    في ضوء الازمة العميقة، التي تعيشها حركة حماس، وفق بعض المعلومات الراشحة، تم عقد اجتماع للهيئة القيادية عبر الفيديوكونفرنس الاولى بين المواقع الرئيسية في الوطن والشتات في الثلث الاخير من ايلول الماضي، تركز على بحث واقع الحركة ومراجعة للمواقف والسياسات، التي تبنتها الحركة منذ اشتعال الثورات العربية مطلع 2011 وحتى الان. وانصبت مواقف تيار ما يسمى ب"المقاومة" بتحميل خالد مشعل، رئيس الحركة وتياره المسؤولية عما آلت اليه الامور في الحركة من انعدام الافق، وحشرها في زوايا الدول المرفوضة شعبيا ( قطر وتركيا) والركض دون تدقيق وراء سياسات جماعة الاخوان في مصر وتونس والاردن، واغلاق الابواب مع تحالفات دول الممانعة (سوريا وايران وبالطبع حزب الله).
    النقاش دفع ابو الوليد، الاعلان عن رغبته بالاعتزال من موقعه التنظيمي والسياسي، وطالب قيادة الحركة بايجاد شخص بديل. ما أثار ردود فعل فورية من قبل اسماعيل هنية وموسى ابو مرزوق وخليل الحية وغيرهم، وطالبوه بالتراجع عن موقفه، لان الاعلان عن ذلك يعني الاقرار بالهزيمة، ويكسر ظهر الحركة.
    مع ذلك الاجتماع، لم يخلص لنتائج واقعية، وبقيت الامور في نطاق التوجهات العامة، ابقاء القديم على قدمه (في الهيئات) ايجاد ملاذ آخر لمشعل بديل عن قطر وتركيا؛ السعي لتوطيد العلاقة مع تيار الممانعة الايراني / السوري، تخفيف حالة الاحتقان مع مصر، والعمل على دفع المصالحة بمعايير غير محددة، بمعنى ترك هذا الملف للمساومة والمناورات، التي تحفظ ماء وجه الحركة.
    اي كانت النتائج، التي خلص لها الاجتماع المذكور، فان النقطة الابرز، كانت قنبلة رئيس الهيئة القيادية، خالد مشعل، الذي لم يعد قادرا على ان يتمثل دور الرئيس الفاعل كما كان قبل التجديد له في الاجتماع الموسع، الذي حصل في مطلع ايار من العام الحالي، لا بل كما اشار المرء اكثر من مرة في هذه الزاوية، ان التجديد لمشعل بالرئاسة،لم يمنحه الثقل، الذي كان يتمتع به قبل الاجتماع، العكس صحيح، كونه خرج مهمشا؛ كما ان وجوده في قطر، جعله اسيرا للسياسات القطرية المرفوضة في اوساط الشعب الفلسطيني عموما وتيار الممانعة الحمساوي خصوصا. اضف الى ان المؤشرات جميعها تفيد ان خالد مشعل يعيش وضع الاقامة الجبرية في الفيلا، التي يقيم فيها بالدوحة تحت ذريعة الخشية عليه امنيا. وغير مسموح له بالظهور الاعلامي الا وفق ما تسمح به القيادة القطرية. وجاء انتصار الثورة المصرية الثانية في نهاية يونيو الماضي، وتجاوز النظام السوري حتى الآن عنق الزجاجة نسبيا، وعدم سقوط بشار الاسد، عمق من أزمة الحركة عموما والرجل على حد سواء. ما دفعه صاغرا لطرح اعتزال منصبه كرئيس للحركة. وهو ما رفضه غالبية المجتمعين.
    رفض المجتمعون في الهيئة القيادية لحركة حماس اعتزال ابو الوليد، ليس حبا به، ولا رغبة ببقائه، ولا حرصا على هيبته ومكانته، لا بل ان السبب الموضوعي يعود للخشية على موقف ووحدة حركة حماس. لا سيما ان جميع الاقطاب وليس فقط محمود الزهار وعماد العلمي، لهم مصلحة في عزل خالد مشعل، لان لكل منهم الرغبة بتصفية حساب معه، لان جميعهم، يرغب بتبوء الموقع ذاته. اضف الى ان هناك اعتبارات مناطقية عند البعض وخاصة الزهار، الذي كسا موقفه بمعايير "المقاومة" وتحمل اعباء الحروب الاسرائيلية ضد القطاع.
    في ضوء ما تقدم، فان النتيجة المنطقية لتعمق الازمة في حركة حماس، تشير الى: اولا غياب مركزية القرار، وانتفاء دور رئيس الحركة لحين؛ ثانيا كل اقليم يغني على ليلاه، وعودة تحمل قيادة الانقلاب في محافظات غزة الدور المقرر والاول في الحركة؛ ثالثا تشوش وضياع لوحة التحالفات العربية والاسلامية بعد ان سقطت التحالفات الرئيسية للحركة، وغياب وحدة الموقف تجاه التحالفات الافتراضية؛ رابعا تراجع مكانة حماس في الاوساط الدولية بعد هزيمة مشروع الاخوان في مصر، واهتزازه في تونس والسودان؛ خامسا حتى اسرائيليا باتت القيادة الاسرائيلية تفكر في سيناريوهاتها تجاه العلاقة مع حركة حماس، التي كانت بالنسبة لسياساتها ومخططاتها المعادية للشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية العليا ذخرا استراتيجيا، دون ان يعني ذلك حتى اللحظة قطع شعرة معاوية معها، لاسيما ان القيادة الاسرائيلية تراهن على وجود حركة حماس كمفجر للحرب الاهلية على الاقل في محافظات غزة، التي ضاقت ذرعا بالانقلاب وسياساته، كما انها تراهن على دورها في الضفة كمساهم رئيسي للخطة الاسرائيلية بتفجير الاوضاع باسم "الانتفاضة الثالثة".
    هذه الصورة المشوشة والناجمة عن الازمة العميقة، التي تنخر صفوف ومؤسسات الحركة، تفتح الباب واسعا امام القوى الوطنية لاغتنام اللحظة السياسية لفرض رؤيتها واجندتها الوطنية، واعادة الاعتبار للوحدة الوطنية وطي صفحة الانقلاب فورا دون تلكؤ. وعلى القيادة الشرعية التقدم بخطى ثابتة لتحمل مسؤولياتها تجاه ابناء الشعب في محافظات الجنوب، والخروج من شرنقة المراوحة والانتظار، لان الوقت من ذهب، ان لم تقطعه القيادة ارتد عليها.

    أطلق ذقنه حدادا على نفسه
    بقلم: عيسى قراقع – معا
    لا هو ميت ولا هو حي، مفقود ومعروف، لا ناقص ولا ممتلئ، يملك اسما يتلاشى وذكريات تضيء الجروح النازفات، جالس على كرسيه المتحرك مثل عمود الغبار ينتظر الزوال.
    ضاق به جسده، يسمع خشخشات روحه تخرج مع سائل الدواء في أنبوب يمتد من القلب إلى القلب ولا يصل فتحة الباب المغلق على الحياة، وفوقه عداد الحسابات لزمن الموت بطيئا بطيئا، لا توقفه مفاوضات السلام بين الحق والباطل، ولا عبور الاقتصاد إلى مدن لم يبق فيها ماء ولا هواء.
    كل شيء في قبضة الجلاد، الروح ملت صاحبها، حملت عمره طويلا كي ينجو، لم يعد متساويا مع الموتى ولا مع الأحياء، وما عليه سوى أن يودع ضياعه وأحلامه ويبحث عن طريقة أخرى للبقاء في هذا الفناء.
    هو الاسير المشلول منصور موقدة، أطلق ذقنه حدادا على نفسه ، وربما حدادا علينا بعد أن تماهت أسباب الحياة والموت في سجون الاحتلال، وبعد أن فشلت أربعون حبة دواء تناولها جرعة واحدة للانتحار ، وهو يحاول أن يجد حياة أخرى أو موت مختلف، يوجع هدوء السجان ويجعل من الموت فكرة للنجاة.
    أطلق ذقنه بعد أن وصل إلى بوابة المقبرة، كل من حوله مشاريع رحيل، زملاء سقطوا قبله: زهير لبادة واشرف أبو ذريع وزكريا عيسى وميسرة أبو حمدية ، وما عليه سوى أن يستعد للنزول إلى كفن ابيض أو كيس أسود، ويلحق بمن قبله وبمن بعده ويتبع الينبوع خلف الجدران.
    أطلق ذقنه ليرى الجميع ما يجري في ذلك الظلام، استهتار بصحة المرضى، انتشار المرض من القمة إلى الهاوية، أصوات غربان ومباضع أطباء بلا رحمة ، لا قبل ولا بعد ، لا أمام ولا وراء، لا يتمنى من الماضي شيئا ولكنه يتمنى غدا صالحا ولائقا في السماء.
    منصور موقدة، بطنه متكور للخارج كالطابة ، معدته من البلاستيك، كيس براز بيد وكيس بول بيده الأخرى، ورم في أسفل رقبته اليمنى ، لا يتنفس إلا بصعوبة ، لا يحرك قدميه، ثلاث رصاصات من نوع دمدم متفجر في عموده الفقري، وماذا بعد، موته معه، وحياته معه، فهو أحسن حالا منا ، نحن لا نملك الاثنتين عندما ندرك علم الحساب في زمن الاحتلال.
    أطلق ذقنه ليمشي صاحيا في جنازته، يرانا ونراه، يقرأ على نفسه الفاتحة، يحمل حتفه بيده ويدفنه كما يشاء، يفرش الأبيض لمن بعده:خالد الشاويش في رجفته المتواصلة، وناهض الأقرع مبتور القدمين لا ماشيا ولا حافيا، معلقا على سلالم الآخرة، ومعتصم رداد يسيل الكيماوي في وريده جرعة جرعة يستعجل الأخيرة القاتلة.
    أطلق ذقنه حدادا على غياب الغياب، لأن محمد براش صار أعمى وأطرشا وبلا ساق يسرى، صار شبحا في هذا الغياب ، ولأن نعيم شوامرة انكمشت عضلاته من اللسان إلى القدمين وانطوى صامتا بلا كلام، ولأن صلاح الطيطي يحمل أمعاءه خارج جسمه، بينما ينزف معتز عبيدو دما وصراخا يطالب بسرير من تراب.
    أطلق ذقنه قبل أن يتوقف جهاز منظم القلب في صدر الاسير رياض العمور وينقطع الاتصال بتخوم الخيال، وقبل أن يتعثر مراد أبو معليق في إيجاد سيارة إسعاف تعيده إلى قطاع غزة ، حيث الندى والمدى والبحر والجمال.
    أطلق ذقنه حدادا على نفسه، ساخرا منا، لأن أحلامه تكملها ذكريات وملائكة، بينما أحلامنا لا يكملها سوى اقتفاء آثار موتانا وأسئلة جارحة.

    هل بدأ الإنعطاف التاريخي؟
    بقلم : نعيم الاشهب - pnn
    كما هو معلوم ، أفرزت نتائج الحرب العالمية الثانية نظاما دوليا ثنائي القطبية . وحين بدأت الحرب الباردة بين القطبين ، كانت أوروبا البؤرة المركزية للتوتر، في ضوء إنقسامها ، لدى استسلام ألمانيا النازية ، وفق خطوط القتال التي وصلتها جيوش الطرفين ، تقريبا : الجيش الأحمر السوفياتي من جهة ، وجيوش الغرب الرأسمالي بالقيادة الاميركية من الجهة الأخرى . ومن هذه البؤرة ، امتد هذا التوتر الى كل بقعة في الأرض .
    وحين انهار الإتحاد السوفياتي ، تكرّس نظام دولي جديد ، أحادي القطبية - الولايات المتحدة . حينها ، انتقلت البؤرة المركزية للتوتر والصراع من أوروبا الى الشرق الأوسط ، أغنى مكامن الطاقة ، عصب الحياة العصرية ؛ فمن يتحكم بها يمتلك صولجان النظام الدولي بلا منازع . وكان هذا تجسيدا لإنتقال مركز المواجهة بين الشرق والغرب الى المواجهة بين الشمال والجنوب. ولإحكام السيطرة على الشرق الأوسط ، شنت واشنطن ، خلال عقد من الزمن ، ثلاثة حروب ، كانت حصرا في الشرق الأوسط . وجنبا الى جنب ، طرحت مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يجسد هذا الطموح الأميركي .
    وإذا كانت معظم الأنظمة في المنطقة مهيأة للإنصياع للإرادة الأميركية في هذا الشأن ؛ لكن ذلك لم يكن كافيا لتحقيق هذا المشروع على أرض الواقع. فقد اصطدم المشروع بإرادة شعوب المنطقة ، التي تتشكك ، بحكم تجربتها المريرة مع السياسة والممارسة الأميركية في المنطقة ، بكل ما تطرحه واشنطن. وغني عن القول ، بأن الدعم السافر وغير المحدود من واشنطن لإسرائيل وممارساتها العدوانية واحتلالها للأراضي العربية ، وقمعها للشعب الفلسطيني الواقع تحت الإحتلال الإسرائيلي منذ عقود.. كل ذلك لعب دورا هاما في الرفض والتصدي لهذه المشروع .
    وجنبا الى جنب ، اصطدم هذا المشروع بمقاومة محور إيران - سورية - المقاومة اللبنانية . وللتغلب على مقاومة هذا المحور ، لم تدخر واشنطن وسيلة الاّ ومارستها ؛ بما في ذلك الحصار الإقتصادي وتجنيد اتباعها في المنطقة ، من إسرائيل الى تركيا ، الى دول الخليج بقدراتها المالية الهائلة في تمويل المؤامرات والدسائس ، وصولا الى شن إسرائيل عدوان عام 2006 على لبنان ، لتصفية المقاومة اللبنانية ، أحد اضلاع المحور سالف الذكر.
    وحين انطلق الحراك الشعبي العربي ، بمشاركة عشرات الملايين وعلى نحو لا سابق له في تاريخ المنطقة ،ظنت واشنطن أنها قادرة على ركوب هذه الموجة الأسطورية ، بشعارات زائفة ، وبنشاط أتباعها في المنطقة ، مستغلّة، عن وعي ، إفتقار هذا الحراك الى قيادات ثورية واعية وبرامج تجسد أهداف وطموحات هذه الملايين الثائرة. لكن إذا كانت واشنطن قد حققت إنجازات مؤقتة في هذا المضمار لا يمكن إنكارها ، إلاّ أنها فشلت بشكل واضح في تثبيت ما حققته وفي إيقاف الحراك الشعبي المندفع وراء مطالب أساسية تتصل بخبزه اليومي وحقه في العمل وحرياته االسياسية. والدليل الواضح على هذا الفشل ، ما هو جار في كل من مصر وتونس ، وحتى في اليمن.
    وفي ذات السياق، كانت سور ية هي " الجوزة" التي استعصت على الكسر. وكان ذلك حصيلة استخلاص القوى ليس على المستوى السوري وحده وإنما كذلك على المستويين الإقليمي والدولي كذلك ، للعبر مما جرى في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن . بمعنى آخر: تحوّلت سورية الى بؤرة تجمعت حول معركتها قوى محلية وإقليمية ودولية ، من الطرفين ، وغدت نتائج هذه المواجهة تقرر صورة النظام الدولي الجديد . وهكذا غدت سورية " القابلة القانونية" لولادة هذا الجديد.
    وإذ كانت حصيلة الحروب التي خاضتها واشنطن في المنطقة ، مضافا اليها نتائج الأزمة المالية - الإقتصادية التي اندلعت العام 2008 ، وما تزال تداعياتها تتفاعل ، قد أصابت االولايات المتحدة بحالة من الإجهاد والإنهاك ، بحيث غدت عاجزة عن شن حروب عدوان جديدة ، وإذ فشل أتباعها في المنطقة ، في تحقيق الأهداف المطلوبة ، رغم ما بذلوه من جهود وبذروه من أموال ، وبخاصة في تجنيد المرتزقة من أكثر من ثمانين دولة للقتال في سورية ،هؤلاء المرتزقة الذين لم يتركوا نوعا من الجرائم المروعة إلاّ وارتكبوها ، ليتحوّلوا اليوم للصراع فيما بينهم على " جلد الدب " قبل اصطياده ، على اختطاف سورية دون السوريين ، موالاة ومعارضة.. في ضوء كل هذا، يبدو أنه لم يبق أمام واشنطن سوى طريق التسويات ، على قاعدة التوازنات التي تشكلت وعكسها صمود سورية خاصة والمحورالثلاثي بعامة.
    وأيا كانت صورة التسويات ، فلا بد وأن تحمل تراجعا وتنازلات من الطرف الأميركي خاصة والإمبريالي الغربي عامة ، وبالمقابل:انجازات لشعوب المنطقة وللمحور الثلاثي المقاوم . ومن المفروض أنه انطلاقا من هذه الإنجازات ستواصل شعوب المنطقة تقدمها نحو المزيد من أهدافها التي ثارت من أجلها .
    وعلى أي حال ، من الخطورة بمكان الإعتقاد بأن جبهة الأعداء فقدت كل قدرة على العدوان والتخريب ، أو أنها طلقت طموحها في حرف الحراك الشعبي العربي عن أهدافه ، طالما يفتقر الى القيادة والبرنامج المطلوبين . فحكام إسرائيل والخليج يعيشون ، اليوم ، حالة مأتم ، وهذا ما يدفعهم الى التقارب والتنسيق، لتصعيد أعمال التخريب لعرقلة أي انفراج في المنطقة . فالأولى التي دأبت ، في السنوات الأخيرة ، على دق طبول الحرب ضد إيران ، لأهداف أميركية - اسرائيلية لا علاقة لها بتخصيب إيران لليورانيوم ، تجد نفسها الآن في عزلة لم تعرفها من قبل ، وبدل حرمان ايران من تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية ، يغدو السلاح النووي الإسرائيلي ، اليوم ، هدفا للمطالبة بتصفيته وإعلان المنطقة كلها خالية من السلاح النووي ، وفي الوقت ذاته ، يتبدد الوهم الذي طغى طويلا بأنها - أي إسرائيل - صاحبة الكلمة العليا في تقرير السياسة الأميركية في المنطقة ؛ بينما حكام الخليج ، وفي مقدمتهم حكام السعودية يتوقعون زلازل تغيّر صورة الخليج برمتها.
    وفي الأجواء الواعدة التي تبشر بها هذه التطورات البالغة الأهمية ، يبدو حجم خطيئة القيادة الفلسطينية ، التي رضخت للضغوط الأميركية - الإسرائيلية - الرجعية العربية ، وتخلت عن مطالبها العادلة لبدء أية مفاوضات . هذه المفاوضات التي قد تكون آخر فرصة لحكام إسرائيل بفرض أكبر ما يمكن من شروطهم المجحفة على الطرف الفلسطيني . فهل تتدارك القيادة الفسطينية هذه الخطيئة والإستفادة من الأجواء الجديدة ؟

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. اقلام واراء محلي 425
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-16, 12:27 PM
  2. اقلام واراء محلي 424
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-16, 12:26 PM
  3. اقلام واراء محلي 423
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-16, 12:25 PM
  4. اقلام واراء محلي 422
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-06-16, 12:24 PM
  5. اقلام واراء محلي 314
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء محلي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-02-07, 11:09 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •