اقلام محلي 561
30/11/2013
في هذا الملـــــف:
... نحو فجر الحرية
بقلم: حديث القدس – القدس
معادلة قضاء عدالته على المحك!
بقلم: حمدي فراج – القدس
"عوفر"..سجنٌ أم مرجُ غزلان؟
بقلم: المحامي جواد بولص – القدس
الإضرابات المتكررة تدمير لعملية التعليم
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
اذن، هناك طريق آخر
بقلم: صادق الشافعي – الايام
مظاهرة خارج الزمان والمكان
بقلم: باسم برهوم – الحياة
ثقافة المعارضة
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
بيت لحم .... بعضا من هدوء وبعضا من سياحة لكن دون سلام
بقلم: اكرم عطاالله العيسة – معا
... نحو فجر الحرية
بقلم: حديث القدس – القدس
صادف امس اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وذكرى مرور ستة وستين عاما على قرار التقسيم وقد تم احياء هذا اليوم في الوطن والشتات وفي منظمة الامم المتحدة التي اقرت حق شعبنا في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني في الوقت الذي تقف فيه الغالية الساحقة لشعوب العالم ودوله الى جانب فلسطين ونضالها العادل من اجل التحرر من الاحتلال واحقاق الحقوق المشروعة لشعبنا، وبعد ان حظيت فلسطين باعتراف اممي بها كدولة تحت الاحتلال وتمتعها بصفة مراقب مما فتح آفاقا جديدة امام النضال الفلسطيني وقضى نهائيا على اوهام الاحتلال الاسرائيلي في طمس القضية الفلسطينية وتصفيتها.
لقد مضت عقود طويلة من الزمن منذ ان صدر قرار التقسيم ثم النكبة عام ١٩٤٨ وبعد حوالي عقدين من نكسة عام ١٩٦٧ الا ان شعبنا الذي اقتلع من دياره وتشتت لاجئوه في مختلف اصقاع الارض، ظل متشبثا بوطنه فلسطين وفجر ثورته المعاصرة بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات اواخر عام ٦٤ ومطلع العام ٦٥ ليبدأ مسيرته الشاقة والطويلة نحو الحرية والاستقلال ممسكا بزمام قضيته ومقدما تضحيات جسام، قوافل من الشهداء والجرحى وعشرات الآلاف من الاسرى حتى اصبحت فلسطين محفورة في ضمير ووجدان المجتمع الدولي واصبحت رقما صعبا لا يمكن القفز عنه او تجاوزه.
واليوم، وبعد كل ما حققته ثورة شعبنا من انجازات وصولا الى الاعتداف الدولي بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا لشعبنا عام ١٩٧٤ووصولا الى انتفاضة شعبنا الاولى ثم الاعتراف المتبادل بين اسرائيل ومنظمة التحير وبدء عملية اوسلو، الا ان تحديات جسام لازالت امامنا وفي مقدمتها العقبات التي يضعها الاحتلال الاسرائيلي امام التوصل الى حل دائم وعادل للقضية واقدامه على نسف اسس ومبادىء عملية السلام ومحاولته ترسيخ الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس، وهي العقبات والتحديات التي يجب التصدي لها سواء بوحدتنا الداخلية وتمسكنا بكل الثوابت الوطنية ومواصلة النضال من اجل نيل حقوقنا المشروعة ومن خلال استمرار حشد هذا الدعم الدولي ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في الزام اسرائيل بانهاء احتلالها غير المشروع والتخلي عن اطماعها التوسعية والاقرار بالحقوق الثابتة والمشروعة لشعبنا.
وان ما يجب ان يقال هنا ان اسرائيل تخطىء خطا جسيما اذا ما اعتقدت انها يمكن ان تثني شعبنا عن نيل حقوقه كاملة او انها من خلال مواقفها وممارساتها يمكن ان تنتقص من الحقوق المشروعة لشعبنا، فهذا الشعب المناضل الصابر المرابط سيظل وفيا لتضحيات شهدائه وجرحاه واسراه وسيظل متمسكا بجقوقه المشروعة بما في ذلك حق اللاجئين في العودة وستظل فلسطين محفورة في قلب وضمير ووجدان كل فلسطيني، وستواصل مسيرة شعبنا نحو الحرية والاستقلال متطلعين الى دعم المجتمع الدولي ولك المحبين للحرية والعدالة ومؤمنين بقوة واصرار شعبنا وبوقوف امتنا العربية والاسلامية الى جانب فلسطين. ونأمل ان تحتفل فلسطين بيوم التضامن العام القادم وقد حققت خطوات اخرى هامة نحو تحقيق اهداف شعبنا الوطنية وان يكون هذا الانقسام المأساوي قد انتهى وعادت وحدتنا الوطنية كما كانت دوما درعنا الواقي وسلاحنا القوي في مواجهة كافة التحديات.
معادلة قضاء عدالته على المحك!
بقلم: حمدي فراج – القدس
ترددت طويلا وانا أقنع نفسي بأن الاحكام الصادرة بحق الفتيات المصريات الاربع عشرة ومدتها أحد عشر عاما ، ان العقوبة طالتهن بالتساوي ، وذهبت كي اطمئن نفسي (أخدعها) ، بان يتم تقسيم الأحد عشر عاما على الاربع عشرة فتاة ، رغم صعوبة عملية القسمة الحسابية ، بحيث تقل المدة عن سنة وتزيد على نصف السنة .
ولكن الحقيقة تدحض الاباطيل والافتراءات والشائعات ، فقد توضح ان الحكم كان احدى عشرة سنة لكل فتاة ، ولم يبق الا ان نذهب لندقق في لائحة الاتهام ، إن كانت منسجمة مع هكذا احكام ، خاصة وان هناك ما هو دائم الترديد من ان القضاء المصري قضاء عادل ومستقل ونزيه ولا يتدخل في الشؤون السياسية ، فوجدنا ان لائحة الاتهام لا ترقى ابدا الى اعتبار ما قامت به هؤلاء الفتيات الى مستوى الجريمة ، فقد تظاهرن وأخللن بالنظام وانتمين لتنظيم ارهابي وضبطن بحوزتهن سلاح ابيض .
ولو افترضنا صدق النيابة في صياغة هذه اللائحة الاتهامية ، فإن التظاهر يتبعه بشكل تلقائي اخلال بالنظام ، وحده الادنى اغلاق الشارع وعدم تمكن السيارات من المرور ، وهو حال مصر منذ ثورتها العظيمة قبل سنتين ، اما موضوع السلاح الابيض ، فهي كلمة كبيرة تحتاج الى تدقيق ، وتسمية الادوات المضبوطة باسمائها ، وإن تعذر تسميتها ، فلا بأس من تصويرها ، ان كانت سكين او موسى او مطوى ، او مشبك شعر ، لكن هل كلهن ضبطن وبحوزتهن سلاح أبيض كي تكون الاحكام بحقهن موزعة عليهن بالتساوي؟
اما الامر المضحك ، فهو انتماؤهن لتنظيم ارهابي هو الاخوان المسلمين ، الذي حتى قبل خمسة اشهر كان يحكم البلاد والعباد ، وهناك فرق بين ان يكون هذا التنظيم محظورا وبين ان يكون ارهابيا ، فهذا قضاء يحتاج الى تثقيف واقامة التوازن بين المواصفات والمسميات ، وكيف يمكن توفر ذلك في غمرة ايام معدودة بين اعتقال الفتيات ومحاكمتهن هذه المحاكمة السريعة ، ونحن نرى قضايا مرت عليها الاشهر والسنون تنتظر دواليب العدالة ان تدور ، فلا تدور .
الطامة الكبرى في فضح عدالة هذا القضاء ونزاهته المزعومة ، ان عدد من هؤلاء الفتيات هن قاصرات لم يتجاوزن الخامسة عشرة من اعمارهن اليافعة واليانعة ، لا تجوز محاكتهن في محاكم البالغين ، وبالتالي فإن الانتماء لحزب سياسي ، بغض النظر ان كان ارهابيا ام سلاميا ، هي مسألة مدحوضة من تلقاء نفسها .
إن هذه الاحكام الصارخة بحق نخبة من فتيات مصر وحرائرها وقادتها للمستقبل ، بغض النظر عما قمن به من تظاهر ، يفترض ان يكون حقا من ابسط حقوقهن ، لهي احكام صادمة ، لا تقل صدميتها عما كان يروجه قادة رابعة من ان جبريل يأتي للاعتصام معهم في الميدان .
"عوفر"..سجنٌ أم مرجُ غزلان؟
بقلم: المحامي جواد بولص – القدس
من أين أستمد قوّتي اليوم لأواجه تلك الشقراء الصغيرة التي تقف هناك على حاجز"قلنديا"؟ على رأس سبابتها مفتاحُ نهارك؛ إن هي شاءت يسَّرت، وإن كان ليلها حطامًا فالبقيّة في نهارك.
يستنزفني هذا الروتين ويرهق إنسانيّتي. في كلّ مرّة أسافر من بيتي في القدس لمكتبي في رام الله، وبالعكس،عليَّ أن أعبر من هذا الحاجز. هو قطعة من جهنم وإفراز واقعٍ فرضته عنجهية محتلٍّ يغرق في بحرٍ من بارود. في هذه الأمكنة تريدنا إسرائيل أن نتصرّف كالخراف، فصرنا "أدجن من نمر"- كما في تلك القصّة، وأطوع من حمار. ونبقى نحن وجهًا لذلك الكوكب، وجندُ الاحتلال وجهه الآخر القاتم؛ مخلوقات بقامات كسيقان البامبوك لا أرض أسقتهم الحب، ولا صدر أرضعهم رائحة الزنبق، أنوفهم فوّهات بنادق.
أستنجد بخيالي، يسرع بي إلى محطتي التالية، قد تنسيني ذلَّ الطوابير. أشرع بترتيب فواصل لقائي مع مجموعة من الأسرى الإداريين الذين ينتظرون زيارتي في سجن "عوفر". أبتسم من قهر، فكيف لإسرائيل أن تعبث باللغة والجمال مرّةً على مرّة.
"عوفر"، يا إلهي، هو بالعربية "الخشف"، الظبي ابن الغزال، ذلك الذي صاحب الشعراء في ساعات حبهم والوَلَه، وعلى قفزاته طربت حروفهم ورقصت قصائدُ. مَن غير محتلّ مختال قادر على خصي الكلام واغتصاب اللغة؟ فهل قيل أغشُّ من محتل!.
وجدت نفسي أمام بوابة السجن، كأنني كنت تحت تأثير مخدّر، لم أتذكر كيف عبرت من الحاجز. كانت أمامي مجموعة من السيارات، وعلى يساري كذلك وخلفي. في كل ناحية تتدافع مركبات، كأنه يوم السياقة الأخير قبل القيامة. السائقون والسائقات متشابهون بعتمة وجوههم والتحديق صوب أصابع المجندات والجنود الذين يقفون كسيقان البامبوك بلا ملامح تذكر.
لم أستعد بقية المشهد، صوت ضابط السجن يرحِّب بقدومي، ويدعوني للدخول. في الطريق إلى غرفة الزيارة يدلي الضابط ببعض من آرائه في الأسرى الأمنيين. لم أُتفاجَأ حين عبّر عن احترامه الشديد لهم، لا سيّما لكبارهم. لقد اعترف أمامي أنه تعلّم الكثير من
حكمتهم وصبرهم وطريقة مواجهتهم للحياة.
ربّما كان علي أن أشكره، لكنني لم أفعل. لقد انشغلت بتحيّة الأسيرين جمال الطويل ونبيل النتشة، اللذين أدخلا تمامًا في تلك اللحظة لغرفة الزيارة. جلسنا متقابلين، يفصل بيننا لوح زجاج سميك وقرار تعسفي من قائد جيش الاحتلال يبقيهما رهن الاعتقال الإداري لستة أشهر قابلة للتجديد.
أعرف جمالًا منذ أكثر من عشرةِ أعوام. أمضى معظمها سجينًا. لسنوات اعتقل بدون تهمة، بل لكونه مشبوهًا كناشط كبير في حركة "حماس". مثله عانى ابن الخليل نبيل النتشة، الذي صار السجن بيته، والبيت مكانًا للزيارات العابرة؛ هكذا بادرني نبيل بدعابة وبسمة ليؤكد أنه أمضى حوالي زهاء عشرة أعوام في السجن بدون تهمة محدّدة، بل بادعاء انه ناشط في حركة "حماس"، ويشكل خطورة على أمن المنطقة!.
"أي خطورة هذه التي يرجع تاريخها لأكثر من خمسة عشر عامًا مضت وأيُّ أمنٍ هذا؟"، أردف نبيل بما صار أقرب إلى الضحك وقال: "لقد قلت لضابط المخابرات "بكفيكو كذب، مش معقول أن أكون خطيرًا على أمنكم طيلة هذه السنوات وأن لا تستطيعوا إثبات ولو تهمة واحدة تدينونني بها! يكفي تجبّرًا .. يكفي ظلمًا! دعوني أعيش بين عائلتي وأولادي السبعة، فأنا إنسان مريض،أريد أن أحيا بإيماني وأعمالي. سجنكم لن يغيِّرنا ولن يحبّبنا باحتلالكم الذي كان بغيضًا وسيبقى".
كان الوجع ينقط بين البسمة وأختها. لم يشعراني به، لكنني معهما أنا منذ بداية الحكاية، وأعرف كيف يكون صهيل الجياد الأصيلة حنينًا، وكيف يتألَّم أسد بعيدًا عن ربعه.
مائة وستون فلسطينيًا، أخذوا في جنح ظلام من بيوتهم الدافئة، وسجنوا بدون تهمة ولا ذنب معرّف. بعضهم قضى أكثر من عامين، وما زال يجهل متى وكيف قد يأتي الفرج. بعضهم، مثل نبيل النتشة وجمال الطويل، لا يهنأ واحدهم ببضعة أشهر من حرية إلا وتطاله يد القهر مجددًا، فيعود سجينًا ينتظر في حالة من الترقّب القاتل.
لقد "بلغ السيل الزبى"، هكذا قرّر المعتقلون الإداريون في سجون الاحتلال الإسرائيلي. من الواضح أن ما تقوم به إسرائيل يستهدف فئات قيادية فلسطينية بغرض تحييد نشاطاتها وتأثيرها في أماكن سكناها. إنّها اعتقالات كيديّة سياسيّة لا شأن لها بما تدّعيه إسرائيل من مساسٍ محتمل بأمنها وبسلامة جمهورها.
إلى ذلك، فمصادرة حرّيات آلاف الفلسطينيين بدون تأمين حقهم بالدفاع عن أنفسهم من خلال محاكم نزيهة وفرصة معرفة التهم الموجهة إليهم وطبيعة الأدلة والبيّنات المؤسِّسَة لهذه التهم، كلّها ممارسات إسرائيلية جائرة مرفوضة.
لقد شرع المعتقلون الإداريون بتنفيذ برنامج نضالي كانت محطته الأولى مقاطعة المحاكم الإسرائيلية بشكل كامل. قبل يومين أعلنوا إضرابا عن الطعام ليوم واحد، ويعدّون الآن أنفسهم لإضراب ليومين في الأسبوع حتى نهاية العام الجاري، عندها سيجرون تقييمًا وبناءً عليه ينطلقون بخطواتهم التالية.
بهدوء الواثقين حمّلاني الرسالة لكل صاحب ضمير وقلب، مؤكّدين أن الأسرى الإداريين ماضون في مسيرتهم، بيدَ أنّهم بحاجة لكل مناصرة من أبناء ومؤسسات شعبهم ودعم من جميع أحرار العالم ومساندة ممن يستطيعون إليها سبيلا.
كانت برودة تلك الغرفة قد اختفت. اتفقنا على أن نلتقي لنضحك معًا مع قطيع من الغزلان يعرف نبيل أين ترعى وتحب. من شق في باب الغرفة، كان ذلك الضابط يراقب لقاءنا. من عينيه فرَّت دهشة وكأنها تشي أنه أحس من كان الحرّ الطليق، ومن كان السجين.
رافقني الضابط إلى البوابة. لم يتفوَّه بكلمة. عدت إلى سيّارتي، لا أبالي لأنني عرفت من أين أستمدُّ قوتي لمواجهة تلك الشقراء الصغيرة التي تقف كساق من البامبوك على حاجز قلنديا.
بخفة غزال وصلت الحاجز. طائرًا على جناح القصيدة وجدتني أتمتم: "أقول لصاحبي من أين جاء ابن الغزال؟/ يقول: جاء من السماء. لعلّه "يحيى"/ رزقت به ليؤنس وحشتي/ لا أم ترضعه فكنت الامَّ/ أسقيه حليب الشاة ممزوجًا بملعقة من العسل المعطّر/ ثم أحمله كغيمة عاشق في غابة البلّوط...."، أتمتم في وجه تلك المجنّدة التي لم تعرف كيف يكون "رجل وخَشَفٌ في الحديقةِ يلعبان معًا...".
الإضرابات المتكررة تدمير لعملية التعليم
بقلم: عبد الناصر النجار – الايام
لا أدري كيف لا يهتم أب أو أُم لأبنائهم المتعطلين عن المدارس، وربما لا يناقشونهم في ظروفهم المدرسية، ولكن يبدو أن معظم العائلات لا تسأل أبناءها حتى عن سبب تغيبهم، وكأن الأمر سيّان، تعلم الأبناء أم لم يتعلموا.
قد يبدو هذا الحديث غريباً عند البعض، بمعنى ما علاقة هذا بإضراب المعلمين.. ويتساءل: هل للأهل أي تأثير على مجريات العملية التربوية؟! أم أن الأمر مرهونٌ فقط بأضلاع المثلث المعنيين بالأمر وهم: اتحاد المعلمين ووزارة المالية ثم وزارة التربية والتعليم؟.
في تطور الأوضاع التعليمية، يجب ان يكون الدور الأساسي للأهالي الذين يشكلون الرأي العام الضاغط، وهم القوة الحقيقية من أجل انتظام العملية التدريسية في المدارس الحكومية.
وهنا يثار السؤال: هل حالة اللامبالاة التي وصلنا إليها، والتي تسببت عملياً في تدمير نوعية التعليم، ليس في المدارس الحكومية، وإنما أيضاً في الجامعات التي تتلقى معظم طلابها من المدارس الحكومية.
مرة أُخرى نؤكد أن ملايين الساعات التعليمية الضائعة على الطلبة لا يمكن تعويضُها ولا بأي شكل من الأشكال، حتى لو تم تمديد العام الدراسي بأسبوع أو أُسبوعين، لأن انقطاع الطالب المستمر عن المدرسة يؤثر بشكل مباشر على تحصيله وعلى تراكم المعلومات لديه.
ولذلك لا عجب أن نسمع مثلاً أن هناك طلبة في كثير من المدارس الحكومية لا يستطيعون الكتابة أو القراءة بشكل صحيح رغم ترفيعهم إلى مستويات عليا في هذه المدارس، بمعنى أن مدارسنا قد لا تتمكن من محو أُمية كثير من الطلبة إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.. إذن ما العمل؟
مرةً أخرى، حان الوقت لأن يقوم المجتمع بدوره المطلوب من خلال إيجاد آليات الضغط الشعبية والجماهيرية على أضلاع هذا المثلث، فلا يمكن أن تبقى حجةُ المال سيفاً مسلطاً على رقاب المعلمين وحدهم في ظل أوضاع اقتصادية صعبة جداً وغلاء فاحش، ومعدل رواتب المعلمين دون الحدّ الأدنى لحياة كريمة، بل إن نسبةً عالية من مربي الأجيال لا يملكون ثمن أجرة المواصلات حتى قبل نهاية الشهر، وبعضهم لا يستطيع أن يلبي الاحتياجات الأساسية لأبنائه إذا كانوا أكثر من اثنين، والمصيبة عندما يكون هناك ابنٌ أو أكثر في إحدى الجامعات المحلية أو العربية، فسيكون هذا بمثابة كارثة حقيقية.
يجب أن نوازن ولو بالحد الأدنى بين متطلبات العيش الكريم للمعلمين والتربويين حتى يتمكنوا من القيام بدورهم على أكمل وجه... ولا بد من إيجاد مساواة بين هذه الفئة والفئات الأُخرى في الوزارات التي تخضع لهيكليات مناسبة، يترقى فيها الموظف ويزداد راتبُه تدريجياً، على عكس المعلم الذي يظل على هذه الصفة لمدة تزيد في بعض الأحيان على ثلاثين أو خمسة وثلاثين عاماً.
لا بد من ضغط جماهيري حقيقي على وزارة المالية، ولكن لا بد أيضاً، من الضغط على اتحاد المعلمين، من أجل إيجاد آليات أُخرى غير حق الإضراب في محاولة الحصول على الحقوق، يجب على الاتحاد أن يبدأ بحملة توعية للأهالي الذين ربما يقومون بهذا الدور، أو الضغط على النخب للعب دور في هذا المجال.
ولهذا لا يجوز أن يبقى سيفُ الإضراب مسلطاً على رقاب طلابنا الجاهلين بمصالحهم ويعتبرون الإضراب عطلة، غير قادرين على فهم أبعادها المستقبلية الخطيرة عليهم وعلى المجتمع الفلسطيني بشكل عام.
أما وزارة التربية فعليها التحرك بسرعة والضغط المتواصل على الحكومة من أجل تحقيق مطالب المعلمين المشروعة ولو بحدودها الدنيا، لأنه ما لم يشعر المعلمون أن إنجازات ملموسة تحققت لهم فإن دائرة الإضراب ستتواصل، ودائرة التجهيل ستظل مفتوحةً حتى إشعار آخر.
اذن، هناك طريق آخر
بقلم: صادق الشافعي – الايام
بدون العودة الى نقاش جدوى المفاوضات وما يمكن ان ينتج عنها. وبدون سوق البراهين البعيدة حول عدم استعداد اسرائيل لتقديم اي شيء ذي قيمة لانجاح المفاوضات، او التوقف عن مشاريعها الخاصة وبالذات الاستيطانية. البرهان قبل الاخير ان موقف نتنياهو بوقف مشروع بناء 20000 وحدة استيطانية كان تجميدا للمشروع وليس الغاء له، وذلك لم يوقف استمرار المناقصات حوله، وآخرالبراهين الموافقة على بناء اكثر من 800 مستوطنة جديدة في الضفة. وحتى لو اردنا الوفاء بالتزامنا باستمرار المشاركة بالمفاوضات حتى انتهاء مهلة التسعة اشهر لاعتبارات ودواع معينة.
رغم كل ذلك، فلا بد من رؤية وجود طريق آخر، وربما بديل، يمكن ان تسلكه القيادة الفلسطينية بشكل مواز لطريق المفاوضات، او بديلا عنه في حال نسفت الممارسات الاسرائيلية طريق المفاوضات او وصلت بها الى طريق مسدود.
هناك اكثر من علامة واضحة تؤشر على هذا الطريق الآخر يقف في مقدمتها :
- الموقف الاوروبي سريع التطور، فبالاضافة الى الموقف الاوروبي الشعبي المتصاعد ضد استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني والمؤيد لحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، هناك على المستوى الرسمي عنوانان لافتان: العنوان الاول، تمسك الاتحاد الاوروبي بقراره حول رفض التعامل مع المستوطنات ومنتجاتها واشتراط استثنائها من اي اتفاق تعاون بين اسرائيل واوروبا في اي مجال، ومن اي تمويل يقدمه الاتحاد الاوروبي ودوله. ويزيد من اهمية هذا الموقف انه ظل ثابتا رغم كل المحاولات لإثناء الاتحاد الاوروبي عن هذا القرار قادتها اسرائيل مع اصدقاءها الخلص ورغم الضغوط التي مورست عليها، ومن الولايات المتحدة بشكل خاص لالغائه، والمناورات التي رسمت من اجل تأخيره.
والعنوان الثاني، الموقف الفرنسي شديد الوضوح الذي اعلنه الرئيس الفرنسي من على منصة الكنيست الاسرائيلي حين اكد على ضرورة وقف الاستيطان من جهة، وعلى قيام دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل من جهة ثانية، وعلى ان تكون القدس عاصمة للدولتين من جهة ثالثة. وهو موقف يختلف حتى التناقض مع ركائز اساسية في السياسات الاسرائيلية. اضافة الى اللفتة المعنوية التي قام بها، في هذا التوقيت بالذات، بوضعه اكليلا من الزهور على قبر الرئيس الشهيد ياسر عرفات بصفة رسمية كرئيس دولة. والعنوانان معا، يؤشران بوضوح الى موقف لا يقتصر على الدولة الفرنسية وانما يشمل معظم الدول الاوروبية، وهو ما يمكن البناء عليه.
- وجود خلافات بدأت تخرج من تحت الطاولة الى العلن بين اسرائيل والولايات المتحدة، كان ابرزها واكثرها حدة الخلاف حول الاتفاق الاخير بين ايران والدول الخمسة زائد واحد حول برنامج ايران النووي، حيث قاتلت اسرائيل لمنع الوصول الى الاتفاق بينما تجمع مصادر اخبارية ان لقاءات ثنائية بين اميركا وايران هي التي مهدت ومكّنت من الوصول اليه. وهناك ايضا الخلاف العلني حول الاستيطان الاسرائيلي حين اعلن كيري واثناء زيارته الى المنطقة موقفا متحفظا تجاهه، بل اقرب الى الرفض له.
- القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للامم المتحدة باغلبية ساحقة، الذي يؤكد مجددا على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بما في ذلك ان تكون له دولته المستقلة.
والقرار يؤكد حقيقة قدرتنا على النضال في هيئات ومؤسسات الامم المتحدة ووجود تأييد عال لنا فيها.
ان هذه المؤشرات وغيرها، تحصل في اطار ومن ضمن متغيرات واسعة وهامة تحصل على الصعيد العالمي، تتمثل اساسا في :
- تراجع الدور الاميركي وقوته، وسيره في اتجاه متراجع نحو فقدان موقعه كالقطب الاوحد في العالم لصالح قطبية كونية جديدة متعددة الاقطاب ( ويبدو ان اميركا نفسها لم تعد مهتمة بهذا الموقع وليس لديها القدرة على تحمل تبعاته).
- تصاعد الدور الروسي واستعادته لموقعه كدولة عظمى وريثة لدولة الاتحاد السوفياتي وزيادة حجم وتأثير الدور الذي تلعبه روسياعلى المستوى العالمي. بالذات كون هذا الدور يأتي من موقع الدعم لقضيتنا الوطنية وحقوقنا المشروعة.
والمتغيرات تحصل ايضا على مستوى اقليمنا وتمثلت مؤخرا في الاعتراف لايران بحقها بالتخصيب النووي وان ضمن شروط وبنسبة لا تتجاوز 5% ، كما تتمثل في سقوط المراهنات على اسقاط النظام السوري والاتيان بنظام بديل على المقاس المطلوب، لصالح البحث عن حل سياسي لا يشترط انهاء النظام.
والحديث في كل ما تقدم يتناول العوامل الخارجية وهي ذات قيمة وتأثير متصاعدين. فاذا اضفنا لها العامل الذاتي المتمثل بقناعة شعبنا وجاهزيته النضالية العالية وممارسته مقاومة الاحتلال بكل الطرق، ثم استعداده للتجاوب مع العوامل الخارجية والاستفادة منها فاننا نصبح امام طريق آخر واضح المعالم، هو طريق المزاوجة ما بين المقاومة الشعبية والنضال السياسي الاقليمي والعالمي، على قاعدة النضال لتحصيل واسترداد حقوقنا التي تقرها لنا جميع الشرائع والاعراف والقوانين الدولية، وعلى اساس متين من التمسك بها والثبات عليها.
ان الاقرار بوجود طريق آخر يمكن ان يكون موازيا الآن وان يتحول الى بديل في وقت وظرف قادمين، يفترض بعد الوعي به، اعطائه كل فرص الدرس والتبلور والتطوير والتنفيذ.
مظاهرة خارج الزمان والمكان
بقلم: باسم برهوم – الحياة
مشهد الاشتباك بين مجموعة من المتظاهرين والشرطة الذي جرى يوم الأربعاء الماضي في رام الله على خلفية المظاهرة المناهضة للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، يصلح أن يقدم نموذجاً لما سيكون عليه الحال في الدولة الفلسطينية الديمقراطية العصرية في المستقبل. ما شاهدناه بدا وكأنه يحصل في سويسرا، شرطة مهنية تمارس أقصى درجات ضبط النفس، ومتظاهرون مرفهون يواجهون الشرطة بكل الأساليب المتاحة ديمقراطياً، والتي تشمل أحياناً الشتائم وكل أنواع الاستفزاز اللفظي والجسدي، بالرغم أنهم خرجوا عن المألوف الوطني الفلسطيني.
هذا المشهد بدا وكأنه مستورد، مشهد خداع خارج الزمان والمكان لا يعكس واقع شعب وسلطة وفصائل يخضع للاحتلال. المتظاهرون وشعاراتهم لا تمت للواقع بصلة ولا رجال إلا في ظل الواقع الفلسطيني هذا هو مكانهم بالرغم من اندهاشنا لهذه المهنية العالية وضبط النفس الذي فاق كل التوقعات.
الخطير بالمشهد هو غياب الشعارات الوطنية المناهضة للاحتلال، الذي هو أساس البلاء وسبب الواقع المعقد المؤلم الذي تعيشه السلطة. فقد خلت المظاهرة التي قال اصحابها انها ضد المفاوضات من شعارات تؤكد على الثوابت الوطنية، العودة، الحرية، الاستقلال، شعارات تؤكد على مقولة يدعمها كل الشعب الفلسطيني بمن فيهم الرئيس ابو مازن ان «لا مفاوضات مع الاستيطان» كما خلت المظاهرة عن أي شعار يؤكد على هوية القدس، وهوية فلسطين العربية، وعن المطالبة بتحرير الأسرى الأكثر خطورة، ولا أدري من المسؤول، عن هذا الوعي المشوه لدى هؤلاء الشباب والشابات الذين هتفوا بشعارات غاية بالخطورة «واحد الصهيونية والسلطة واحد» « يسقط يسقط حكم العسكر» «الشعب خط أحمر».
إذا كان هؤلاء الشباب والشابات ينتمون للفصائل الوطنية الفلسطينية، فهذا أمر بغاية الخطورة، وإذا كانوا يتحركون من تلقاء أنفسهم، فيجب على الفصائل التواصل معهم وعدم تركهم فريسة لوعي مشوه بعيدا عن الواقع، فقد أظهر هؤلاء أنهم غير ملمين إطلاقاً بتعقيدات الواقع السياسي الفلسطيني، وأن لديهم هدفا لا يمت للوطنية الفلسطينية بصلة، هذه الوطنية التي تربى عليها أجيال متمسكة بالحقوق الوطنية الفلسطينية حتى الموت. ولا اعتقد ان القائد الراحل ابو عمار قد فرط بالثوابت رغم أنه فاوض الإسرائيليين لسنوات، واستشهد من أجل الدفاع عنها. كما يجب أن يدرك هؤلاء الشباب والشابات ان الرئيس أبو مازن هو من ذلك الجيل السياسي التاريخي الذي يدرك تماماً جدول أية مفاوضات. ولماذا نلجأ لها وفي أية ظروف إقليمية ودولية.
ما شاهدناه يوم الأربعاء ليس احتجاجاً على المفاوضات التي لا يرغب بها معظم الشعب الفلسطيني بما فيها القيادة الفلسطينية. ما شاهدناه هو مشهد مستورد يحاول التعامل مع الواقع الفلسطيني كما وكأنه مماثل لواقع الدول العربية التي عاشت تجربة «الربيع العربي». وهي اليوم تعيش حالة تمزق وحروب أهلية. ان ما يريد التغيير فالطريق واضح، فالاحتلال الإسرائيلي يجب أن يبقى الأولوية في المواجهة، وأن أية مواجهة أخرى هي انحراف عن البوصلة مع حرصنا الشديد على حرية الرأي والتعبير.
ثقافة المعارضة
بقلم: عادل عبد الرحمن – الحياة
المعارضة بشكل عام, هي فن إدارة الصراع مع اهل الحكم والممسكين بدفة الامور في هذه المؤسسة او تلك أيا كانت طبيعة عملها، سياسية او اقتصادية او اجتماعية او نقابية او ثقافية او تربوية او صحية .. إلخ لتحقيق الاهداف المعلنة في اللحظة المعينة بافضل الوسائل والسبل، والعمل على استقطاب قطاعات جديدة لجانب صفوفها، لدعم توجهاتها.
والمعارضة حق طبيعي ومشروع لقطاعات المجتمع المختلفة. وتواجدها في هذه الساحة او تلك مرهون بطبيعة النظام السياسي القائم، ومحتوى العقد الاجتماعي (الدستور) الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. لا سيما ان بعض الانظمة لا تسمح لاي شكل من اشكال المعارضة بالتواجد حتى لو في نطاق ضيق، او يقوم النظام بتشكيل معارضتة الوهمية، والتي تعمل وفق مصالح وحسابات اهل النظام.
دون إطالة في حق المعارضة باشكالها ومستوياتها المختلفة في التعبير عن رأيها ووجهة نظرها في ممارسات وسياسات النظام السياسي القائم، فإن الرسالة، التي اود إيصالها للمعارضة الفلسطينية، تتمثل في استخلاص عِبَّرْ ودروس ما حصل في مظاهرة يوم الاربعاء الماضي، التي خرجت للتنديد بالمفاوضات، وطالبت بوقف التنسيق الامني والمفاوضات مع الجانب الاسرائيلي، وابرز ما يمكنني تدوينه:
اولا: حق التظاهر والاعتصام والتعبير عن الرأي, حق مشروع كفله النظام الاساسي لكل فلسطيني بغض النظر عن خلفيته الفكرية والعقائدية والسياسية. ولا يجوز لاي قائد او جهاز أمن الحؤول دون تعبير القوى السياسية عن مواقفها ووجهات نظرها بالطرق المشروعة، التي كفلها القانون والنظام.
ثانيا: لكل فعل سياسي شعار ناظم, بهدف إيصال رسالة محددة لصانع القرار السياسي في منظمة التحرير ودولة فلسطين. ولا يجوز خلط الامور ببعضها البعض دون تدقيق في محتوى الشعار، كما حصل في تظاهرة يوم الاربعاء لبعض قوى اليسار، حيث رفع بعضهم شعارا منقولا حرفيا وبطريقة مشوهة : "يسقط .. يسقط حكم العسكر!" والسؤال للمتظاهرين وللقائمين على التظاهرات، اين هو حكم العسكر؟ ألسنا جميعا تحت براثن الاحتلال الاسرائيلي؟ ولماذا النقل الحرفي المشوه للشعار من مظاهرات الشعوب العربية؟ أليس في هذا النقل التبسيطي فقر حال سياسيا؟ أليس الشعار كما ورد عبارة عن شكل من اشكال الغوغائية ؟
ثالثا: هناك ميادين وساحات معروفة في المدن الفلسطينية المختلفة، وفي رام الله يوجد ميدان المنارة. وفي حال شاءت اي مجموعة متظاهرة الاقتراب من مقرات الرئاسة او الحكومة، فعليها ان تنتبه اسوة بكل دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، ان هناك مسافة فاصلة بينها وبين مقر الجهة الحكومية المعنية، لأن الهدف من التظاهرة إيصال رسالة ما, وبغض النظر عن مكانها (المظاهرة) فانها تصل وبسرعة البرق للجهات القيادية المعنية.
رابعا: على القائمين على أي فعالية سياسية (تظاهرة ام اعتصام) الفصل بين المؤسسة العامة وبين السياسات, التي تنتهجها وتنفذها القيادة وعدم الخلط بين السلطة كنواة للدولة الفلسطينية المستقلة، واحد اهداف الشعب الفلسطيني الاساسية وبين ممارسات الجهات الحكومية. وبالتالي الانتباه لرفع الشعار السياسي بحيث يتم التركيز على الممارسات والاخطاء الموجودة.
خامسا: حرية التعبير والرأي, لا تعني الوقوع في شرك اللغة الشوارعية، والسقوط في دائرة الذم والقدح للقيادة ورجال الأمن والاجهزة الامنية، كما حصل في مسيرة يوم الاربعاء الماضي، عندما تعرض البعض من الفتيات والشباب المشارك بالمظاهرة لشخص الرئيس ابو مازن، رمز الشرعية الوطنية. لأن من حق هذا القائد او تلك الاجهزة ومنتسبيها، الذين تعرضوا مباشرة للاساءة والقدح والذم رفع دعوى قضائية امام المحكم للاقتصاص منهم. لأن هذا ليس من حق أي متظاهر، والعكس صحيح ايضا، ليس من حق منتسبي الأجهزة الامنية منعهم، لأن من حق المتظاهرين الدفاع عن حقهم الشخصي.
سادسا: منتسبو الاجهزة الامنية، هم ابناء الشعب الفلسطيني، وهم مناضلون، وليسوا اداة هدم وقمع للمواطنين، رغم الاقرار المبدئي بوجود اخطاء لبعضهم هنا وهناك. ولكن على المتظاهرين او المعتصمين التمييز بين المبدأ الناظم لطبيعة وهوية هذا المناضل او ذاك، وبين الاخطاء, التي يرتكبها بعضهم. فضلا عن ان مهمتهم الامنية تتركز على حماية امن الوطن والمواطن، وحماية المتظاهرين اولا وثانيا وثالثا، وعندما يقدم احدهم الماء لاحدى الفتيات, من حقها ان ترفضها وان لا تأخذها من يده، ولكن طالما تعامل الشرطي بأدب ومهنية, على الفتاة المحترمة التعامل بذات السوية، وعدم اللجوء للشتم والسباب غير المبرر.
سابعا: المرأة الفلسطينية, كانت وما زالت حارسة نيران الثورة الفلسطينية واهدافها. ولم يحد احد عن التمييز بين المرأة كشريك اساسي في النضال الوطني، وإيلائها المكانة التي تستحق في صفوف المواقع والمراكز القيادية، وبين بعض النساء اللواتي يقعن في اخطاء تسيء لنضالهن ومواقعهن في احزابهن والمجتمع عموما. ما وقعت به بعض الفتيات في مسيرة الاربعاء، معيب، وفيه سقوط في مستنقع اللغة الشوارعية، لا يجوز لفتيات فلسطين بغض النظر عن درجة الاستفزاز في حال وجدت من أي جهة الانحدار نحو اللغة المذكورة آنفا، والمرفوضة من الجميع, من الرجال والنساء على حد سواء.
لا يملك المرء بالمحصلة، سوى ان يدعو للمعارضة الفلسطينية الارتقاء بدورها ومكانتها في الساحة الوطنية من خلال إتقان فن إدارتها الجيدة لصراعها مع صانع القرار، والدفاع عن مصالح الشعب العليا بعيدا عن المهاترات والردح المعيب بحق الشعب كله، وليس بحقها لوحدها.
بيت لحم .... بعضا من هدوء وبعضا من سياحة لكن دون سلام
بقلم: اكرم عطاالله العيسة – معا
فجأة تتوقف حركة السير على المفرق الرئيس "باب الرقاق" الذي يعتبر شريان الحركة الاكبر بين مناطق مدينة بيت لحم, اربع جيبات عسكرية اسرائيلية تسير في دورية غير عادية, لا يوجد هناك من مؤشر او من داواعي لمرورها. فلا احداث على المدخل الشمالي للمدينة والذي يوصلها للقدس , ولا احداث عند بلدة الخضر جنوب بيت لحم, والتي كثيرا ما تشهد مواجهات مع جنود الاحتلال والمستوطنين. والمدينة من المفترض انها تخضع للسطلة الفلسطينية المدنية والامنية منذ عام 1995 بناءا على اتفاق اوسلو, كان ذلك في الاسبوع الاول من شهر سبتمبر 2013.
هو نفس المكان الذي اختلف فيه بعضا من الشبان الفلسطينيين قبل عشرون عاما, فمنهم من بصق, او القى حجرا على الجنود مودعا, وجزءا اخر تقدم منهم باغصان من الزيتون دلالة للسلام, كان ذلك يوم اعلان المبادئ قبل عشرون عاما, معتقدين ان السلام قد حل وان الاحتلال قد زال. فلا من القى حجرا قد فاز بوادعهم, ولا من اعطاهم غصنا من الزيتون اقنعهم بصدقية نوايا الفلسطينيين بالتوصل الى حل عادل.
القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية منشغلتين بجولات من المفاوضات , تبدوا علنية ولكنها سرية المحتوى, وكلا العسكر الاسرائيلين والمواطنيين الفلسطينين يبدوان وكانها غير عابئين بها, فالجيبات العسكرية تتحرك بمنتهى الحرية, غير مكترثة باي اتفاق او اية محادثات, والفلسطينيين سكان المدينة, لم يعدودا يدركون او يحسون ما هو الفرق بين مدينة محتلة ومدينة محررة .
هي مدينة بيت لحم مركز محافظة بيت لحم , هذه المدينة الموغلة بالقدم وبالتاريخ مدينة كنعانية تعود جذورها الى الفي عام قبل الميلاد , ميلاد السيد المسيح عليه السلام اضاف لها صبغة وقدسية دينية, وبامتزاج الدين مع السياسية والتاريخ لهذه المدينة فقد اخذت حيزا مهما عبر كل مشاريع واقتراحات السلام التي استهدفت حل قضية الصراع العربي الاسرائيلي.
قرار التقسيم الصادر عن الامم التحدة في تشرين الثاني عام 1947, اخذ تلك الحصوصية الدينية وذلك التماس الروحي بينها وبين مدينة القدس, وكان " المقترح القرار يقول بمدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية" لم يرى هذا القرار النور بعد ان عاجلته حرب العام 1948.
من وحي العلاقة التاريخية والروحية ما بين القدس و بيت لحم, كانت خصوصية المدينة وفق قرار التقسيم, حيث تتمركز القيادات الدينية المسيحية على مختلف طوائفها الشرقية والغربية في مدينة القدس, وهي التي اعتادت دوما على الانطلاق بمواكبها في اعياد الميلاد من القدس ويقوم ممثليى القيادات المحلية في بيت لحم باستقبالهم رسميا عبر موكب من الخيالة عند دير مار الياس, والذي كان يمثل نقطة الحدود الشمالية لبلدية بيت لحم , ولا يبعد عن منتصف مدينة القدس سوى 6 كيلومترات. وبالتالي فان اسرائيل انتهكت ما اعتاد الفلسطينيون على اعتباره طقسا دينيا تاريخيا , و اجتماعيا في مواكبة البطاريكة عند دخولهم لحدود المدينة المقدسة وبيت لحم.
لم تعد الحركة بمثل تلك السهولة التي كانت قبل عشرون عاما, حيث اصبح المدخل الشمالي لبيت لحم نقطة حدودية بكل معنى الكلمة, ولا يمكن للفلسطينيين الدخول والخروج منه الا عبر تصريح خاص من السلطات الاسرائيلية, وبدلا من تمثل الحدود الشمالية لمدينة بيت لحم احد اهم مناطق التوسع السكاني الطبيعي لبيت لحم, فقد اقيم جدار يعزلها وتم بناء مسوطنة جبل ابو غنيم على اراضيها في العام 1997, على الرغم ان جبل ابو غنيم هو جزء من الاراضي التي احتلتها اسرائيل 1967, وشكل ذلك احد مسامير نعش حل الدولتين عبر اغلاق حالة التواصل الجغرافي والسكاني والطبيعي ما بين القدس وبيت لحم, خاصة انه اتصل بتجمع جيلو الاستيطاني المقام شمال غرب بيت لحم.
بشكل اسبوعي وعلى مدار الثلاثة اعوام الماضية تنشط حركة فلسطينية وبمعاونة نشطاء اجانب وفي بعض الاحيان نشطاء سلام اسرائيليين , على تنظيم انشطة غير عنفية لمقاومة الجدار وتمتد بمحاذاة, بيت جالا , الولجة والمعصرة, حيث ان المواقع الثلاث على تماس مع بعض المستوطنات, او اراضي مههددة بالاستيطان والجدار العازل. يضاف الى ذلك حالة الاشتباك شبه المتواصلة مابين بعض الشبان الفلسطينيين والجنود والمستوطنين الاسرائيليين في محاذاة بلدة الخضر, ومخيم عايدة للاجئين, وعلى مقربة شارع ستين الذي تم بناؤه على اراضي بيت جالا والخضر حتي يصل القدس مع مستوطنات الخليل.
ان اكتمال هذا الحزام الاستيطاني والجدار يعني الاغلاق الكامل لشمال غرب, وغرب وجنوب بيت لحم, بما يعنيه ذلك الغاء اية امكانية للتواصل جغرافيا مع المناطق الواقعة في ريف بيت لحم الغربي, وكذلك قطع التواصل مابين بعضا من سكان بيت جالا واراضيهم القريبة من مستوطنة جيلو شمال غرب بيت لحم.
يحلو للكثير من الفلسطيين ان يقولوا قبل اوسلو كنا وكنا, بمعنى ان الحال كان افضل بكثيرا قبل اوسلو, فصاحب بستان الزيتون البيتجالي الذي يقع في محاذاة مستوطنة جيلو " ابو جورج" يقول قبل اوسلو كنت اذهب لحقلي اهتم باشجاري دون اية معيقات تذكر, اما اليوم فانني وعن قريب سأفقدها بحكم الجدار العازل على الجانب الشمالي الغربي لمحافظة بيت لحم.
في رسالة وجهها فلسطيينيون مسيحيون من بيت جالا احدى المدن اللصيقة لمدينة بيت لحم, الى البابا فرنسيس في شهر ابريل الماضي, يقولون "اسرائيل تود فصل بيت لحم والمناطق المجاورة لها عن القدس واماكننا المقدسة" و قالت الرسالة ايضا " لقد تركنا وحدنا لنواجه الاعتداءات الاسرائيلية ضد شعبنا الأعزل, ونحن على الرغم من التهديدات الاسرائيلية, لا نزال نكافح للبقاء في بلدنا" يعلق على ذلك احد النشطاء في مكافحة الجدار والاستيطان من بيت لحم, قبل اوسلو كنا نعاني الاستيطان فقط اما بعد اوسلو فاضيف الجدار لمعاناتنا, وقبل اوسلو كنا نقول سيكون لنا دولة وحدود, اما الان فصرنا نعيش في مدنا محدودة بجدران ونقاط تفتيش من كل جانب.
هدوء وسياحة- لكن دون سلام:
على مدار الخمس سنوات الماضية شهدت مدينة بيت لححم ومدن بيت ساحور وبيت جالا بناء اكثر من عشرة فنادق جديدة, كل ذلك تم في غياب التوصل الى اتفاق سياسي فلسطيني اسرائيلي بل حتى في ظل توقف العملية التفاوضية برمتها هذا من جانب, ومن جانب اخر فان عملية البناء هذه التي تؤشر الى نموا ما تتم في حالة لا تتسم بالهدوء على مستوى الضفة الغربية, بل انها وفي احيان كثيرة حملت بعض نواحي التفجر الانتفاضي الواضح مثلما حصل في نهاية العام 2011 وفي مع معظم عام 2012. السؤال الذي يطرح نفسه ما هو سر ذلك؟
يقول احد اصحاب الفنادق في بيت لحم, " هنالك نوعيين من السواح الذين يمكن ان يزورا بيت لحم, الاول هو من تكون بيت لحم جزءا من جولة سياحية شرق اوسطية له, وهو السائح الغني, وهو لا يميل الى ان تكون زيارته لبيت لحم الا كجزء من زيارة اعم واشمل, لأسرائيل وبعض الدول المحيطة, وهذا النوع من السواح يرهن زيارته للمنطقة بالاجواء السياسية والامنية للمنطقة بمجملها, اما السائح الاخر فهو الافقر .
مما لا شك فيه ان مدينة بيت لحم ومحيطها تعتبر مثالا له ما يميزه, فهي من جهة وبسبب طابعها الديني التاريخي والذي لا يمكن ان ينتهي ستظل تمثل نقطة جذب سياحية, وهذا يعني نموا اقتصاديا, لكن هذا الجذب قد يهبط احيانا وقد يزدهر في احيان اخرى تبعا للحالة الامنية المحلية اولا والاقليمية ثانيا, ومن جهة اخرى فان وقوع بيت لحم في محاذاة مدينة القدس والتي تمثل نقطة جوهرية في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي, يضعها في دائرة الاستهادف الاسرائيلية من حيث الاستيطان والمصادرة واحيانا الحصار.
قراءة بيت لحم خارج السياق الفلسطيني قد تخرجنا بنتائج متناقضة,حيث ان المحافظات الفلسطينية الاخرى لا تتسم بالخصوصية التي تحملها بيت لحم , فمدن مثل طولكرم وجنين وقلقيلة , اصبحت بعد حصارها بالجدار والمستوطني طاردة للسكان اكثر مما هي جاذبة لهم , اما الخليل ونابلس فهما بحكم اتساعهما الجغرافي مقارنة بالمناطق الاخرى, فهما ما زالتا قادرة علي استيعاب حالة الضغط التي تعيشها, اما رام الله فهي بحكم محوريتها السياسية والاقتصادية والادارية فهي اكثر جذبا للأهتمام.
اما بيت لحم والتي تتقلص كل يوم بسب الحصار والجدار, الا انها مصرة على الصمود والتصدي لمحاولة ليس فقط سرقة اراضيها وانما سرقتها كتراث وطني وديني وسياحي فلسطيني وتسويقه للعالم كأنها مدينة ومعلم سياحي اسرائيلي. ويصر الاسرائيليين على ابقاء السلام بعيدا عن ارض السلام .


رد مع اقتباس