النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الملف المصري 840

  1. #1

    الملف المصري 840


    الأحد
    06/10/2013



    في هذا الملف


    • اسرائيل استهترت بالقوة العربية فدفعت الثمن وتبددت مقولة أن الجيش الاسرائيلي لا يقهر
    • أسرار حرب أكتوبر.. من ملفات الموساد الإسرائيلي
    • الحلقة الأولى....خداع الموساد وتسريب موعد حرب اكتوبر
    • الحلقة الثانية...إسرائيل لم تصدق أن السادات سيحارب
    • الحلقة الثالثة ...حياته وتجنييده..أشرف مروان في عيون إسرائيلية
    • وضع خطة «المآذن العالية» فى حرب أكتوبر....ما لا يعرفه الناس عن الفريق سعد الشاذلى
    • «الطائر المجنون» يروي لـ«الشروق» تفاصيل أطول معركة جوية في حرب أكتوبر










    اسرائيل استهترت بالقوة العربية فدفعت الثمن وتبددت مقولة أن الجيش الاسرائيلي لا يقهر
    دنيا الوطن
    حرب أكتوبر هي الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة التي شنتها كل من مصر وسوريا في 6 أكتوبر من عام 1973م بهجوم مفاجئ من قبل الجيش المصري والجيش السوري على القوات الإسرائيلية التي كانت مرابطة في سيناء وهضبة الجولان.
    تعرف الحرب باسم حرب أكتوبر في مصر فيما تعرف في سورية باسم حرب تشرين التحريرية اما إسرائيل فتطلق عليها اسم حرب يوم الغفران.استفادت سوريا ومصر من عنصر المفاجأة فلم تكن تتوقع اسرائيل أن يشن عليها هجوما عربيا في ذلك الوقت حقق الجيشان المصري والسوري الأهداف الإستراتيجية المرجوة من وراء المباغتة العسكرية لإسرائيل، كانت هناك إنجازات ملموسة في الأيام الأولى بعد شن الحرب، حيث توغلت القوات المصرية 20 كم شرق قناة السويس، وتمكنت القوات السورية من الدخول في عمق هضبة الجولان. ما في نهاية الحرب فانتعش الجيش الإسرائيلي فعلى الجبهة المصرية تمكن من فتح ثغرة الدفرسوار وعبر للضفة الغربية للقناة وضرب الحصار على الجيش الثالث الميداني وعلى الجبهة السورية تمكن من طرد السوريون من هضبة الجولان.
    نتائج الحرب:

    • استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس، واسترداد جميع الأراضي في شبه جزيرة سيناء.
    • استرداد جزء من مرتفعات الجولان السورية بما فيها مدينة القنيطرة وعودتها للسيادة السورية.
    • تحطم أسطورة أن جيش إسرائيل لا يقهر والتي كان يقول بها القادة العسكريون في إسرائيل.
    • تمهيد الطريق لاتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل والتي عقدت في سبتمبر 1978م
    • عودة الملاحة في قناة السويس في يونيو 1975م

    وثائق كشفت بعد الحرب بسنوات
    اعتزم وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي ديّان خلال اليوم الثاني من حرب أكتوبر عام 1973 استخدام السلاح النووي ضد الجيشين المصري والسوري، ورأى انه من دون ذلك ستختفي إسرائيل من خارطة المنطقة، إلا أن رئيسة الوزراء حينئذ غولدا مائير رفضت عرض ديّان وآثرت الحكمة في رد الفعل.وأظهرت وثائق، أنه كان واضحا لقادة إسرائيل السياسيين والأمنيين أن هناك احتمالات كبيرة لاندلاع الحرب، إلا أنهم لم يروا أنه يتوجب عليهم فعل شيء ما من أجل منعها.



    شهادات اسرائيليون
    شهادة حاييم هيرتزوج ...في مذكراته عن حرب أكتوبر ، قال حاييم هيرتزوج رئيس دولة إسرائيل الأسبق :" لقد تحدثنا أكثر من اللازم قبل السادس من أكتوبر وكان ذلك يمثل إحدى مشكلاتنا فقد تعلم المصريون كيف يقاتلون بينما تعلمنا نحن كيف نتكلم لقد كانوا صبورين كما كانت بياناتهم أكثر واقعية منا كانوا يقولون ويعلنون الحقائق تماما حتي بدأ العالم الخارجي يتجه إلي الثقة بأقوالهم وبياناتهم ".
    شهادة جولدا مائير ....في كتاب لها بعنوان "حياتى" ، قالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل خلال حرب أكتوبر :" إن المصريين عبروا القناة وضربوا بشدة قواتنا في سيناء وتوغل السوريون في العمق علي مرتفعات الجولان وتكبدنا خسائر جسيمة علي الجبهتين وكان السؤال المؤلم في ذلك الوقت هو ما إذا كنا نطلع الأمة علي حقيقة الموقف السىء أم لا ، الكتابة عن حرب يوم الغفران لا يجب أن تكون كتقرير عسكري بل ككارثة قريبة أو كابوس مروع قاسيت منه أنا نفسي وسوف يلازمنى مدى الحياة".
    وكانت شهادات الاسرائليون بعد الحرب أن حرب أكتوبر حطمت أسطورة أن اسرائيل جيش لا يقهر وأحدثت تغيرا جذريا فى الوضع الاقتصادى فى الدولة الإسرائيلية، وأن العرب خرجوا منتصرين واسرائيل خرجت بالهزيمة المريرة.
    أسرار حرب أكتوبر.. من ملفات الموساد الإسرائيلي
    محمود صبري جابر-الوفد المصرية
    بمناسبة الاحتفال بنصر أكتوبر المجيد، قررنا أن نعرض على جمهور قراءنا الرواية الإسرائيلية بشأن خديعة حرب أكتوبر المجيدة، المعروفة لدى دولة الكيان باسم "حرب يوم الغفران"، كما جاءت في أحد أهم الكتب التي تناولت انتصارات وإخفاقات الموساد الإسرائيلي، وهو كتاب "الموساد..العمليات الكبرى" الذي يقع في 319 صفحة، ويتكون من مقدمة واثنين وعشرين فصلاً تتناول 22 عملية من عمليات الموساد الإسرائيلي...ذلك الكتاب الذي صدر عشية الأعياد اليهودية 2010 عن دار النشر التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت" للكاتبين ميخائيل بار زوهار ونسيم مشعال، والذي قمت بترجمته كاملاً واخترت لجمهور قراء بوابة الوفد الفصل الثالث عشر من الكتاب الذي يتناول خديعة العميل أشرف مروان، الذي حاز على العديد من الأسماء الكودية لدى الموساد، منها العميل "بابل"، "الملاك"، "الرشاش"، "حوتيئيل".
    الحلقة الأولى....خداع الموساد وتسريب موعد حرب اكتوبر
    رغم مرور 40 عاماً كاملة على حرب السادس من أكتوبر المجيدة، مازالت إسرائيل عاجزة عن استيعاب ما حدث لها من هزيمة نكراء وانهيار لكل المسلمات والبديهيات التي لطالما قامت عليها النظرية الأمنية الإسرائيلية.
    40 عاماً مضت ومازالت أصداء تلك الملحمة مدوية في دولة الكيان الصهيوني، التي استطاع الزعيم الراحل "أنور السادات" خداعها أكثر من مرة قبل وأثناء وبعد حرب أكتوبر 73، فاستطاع بذكاءه وفطنته تضليل الإسرائيليين لدرجة جعلتهم لا يصدقون فيها أنهم تعرضوا للخديعة الكبرى حتى يومنا هذا في محاولة لنفي الواقع والهروب من الحقيقة المريرة التي لا تقل

    أهمية عن هزيمة جيشها في الحرب على أيدي الجيش المصري الباسل، وهي أن جهاز المخابرات الإسرائيلي الأسطوري "الموساد" ابتلع الطعم جيداً وسقط رهينة دهاء الرئيس السادات.
    بطل تلك الحلقات هو شخصية اتهمها الكثيرون بالخيانة والعمالة، وبرأها الرئيس الأسبق "محمد حسني مبارك" من كل تلك الاتهامات وقال إنه كان وطنياً مخلصاً وقام بالعديد من الأعمال الوطنية التي لم يحن الوقت للكشف عنها، مشدداً على أنه لم يكن جاسوساً لأي جهة على الإطلاق....بطل تلك الحلقات ليس أحداً سوى الدكتور أشرف مروان...الرجل الذي عاش غامضاً ومات في ظروف غامضة وأحاط حياته ومماته ستار كثيف من الغموض.
    هو الرجل الذي خدع إسرائيل لدرجة جعلتها بعد مرور 40 عاماً لا تصدق أنها وقعت أسيرة لأكذوبة وخديعة عظيمة نسجها بطل الحرب والسلام الرئيس "أنور السادات". بمناسبة الاحتفال بنصر أكتوبر المجيد، قررنا أن نعرض على جمهور قراءنا الرواية الإسرائيلية بشأن خديعة حرب أكتوبر المجيدة، المعروفة لدى دولة الكيان باسم "حرب يوم الغفران"، كما جاءت في أحد أهم الكتب التي تناولت انتصارات وإخفاقات الموساد الإسرائيلي، وهو كتاب "الموساد..العمليات الكبرى" الذي يقـــــع في
    319 صفحة، ويتكون من مقدمة واثنين وعشرين فصلاً تتناول 22 عملية من عمليات الموساد الإسرائيلي...ذلك الكتاب الذي صدر عشية الأعياد اليهودية 2010 عن دار النشر التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت" للكاتبين ميخائيل بار زوهار ونسيم مشعال، والذي قمت بترجمته كاملاً واخترت لجمهور قراء بوابة الوفد الفصل الثالث عشر من الكتاب الذي يتناول خديعة العميل أشرف مروان، الذي حاز على العديد من الأسماء الكودية لدى الموساد، منها العميل "بابل"، "الملاك"، "الرشاش"، "حوتيئيل".
    قبل البدء في تفاصيل هذا الفصل من الكتاب الذي سينشر في سلسلة شيقة من 6 حلقات، تجدر الإشارة إلى أن مؤلفا الكتاب هم البروفيسور ميخائيل بار زوهر الذي يعد أحد أكبر أدباء التجسس في اسرائيل، وأنه منذ نحو 50 عاماً وهو يكتب عن عمليات الاستخبارات الإسرائيلية، ولا سيما عن الموساد، ومن أبرز أعماله ما كتبه عن العلاقات العسكرية السرية لإسرائيل وفرنسا، والانتقام من الكوادر القيادية الفلسطينيينة في السبعينيات، والسيرة الذاتية لرئيس الموساد إيسر هرئيل.
    والمؤلف الثاني هو نسيم مشعال، فهو يهودي عراقي الأصل من مواليد 1949، وهو صحفي ومذيع بالتليفزيون والإذاعة الإسرائيلية، وقد قام مشعل في السنوات الأخيرة بتغطية العديد من الموضوعات الخطيرة، كان أبرزها الاتصالات السرية بين إسحاق رابين والرئيس السوري حافظ الأسد، والعلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وتطبيق اتفاقات أوسلو، واغتيال رابين.
    تبدأ الحلقة الأولى من السلسلة بـ "فلاش باك" يحاول من خلاله الكاتبان وصف الساعات الحاسمة قبيل الحرب في الليلة الواقعة بين الرابع والخامس من أكتوبر 1973، والتي قام فيها الرئيس السادات بتسريب موعد الحرب مع العميل أشرف مروان(أو مثلما يرد ذكره في هذا الفصل "العميل حوتيئيل") في محاولة لمعرفة ردة فعل إسرائيل، وما إذا كانت ستعلن حالة الطوارئ أم أنها لن تصدق المعلومات الخطيرة التي نقلها عميلها بمكتب السادات- على حد ظن الموساد الإسرائيلي. وسوف نخوض فيما يلي في رحاب تفاصيل الحلقة الأولى، مثلما جاءت في كتاب "الموساد العمليات الكبرى"، وما علينا سوى أن نسبح في بحر تلك الخديعة الكبرى، ونعيش تلك اللحظات في عيون إسرائيلية....

    والآن ننتقل إلى التفاصيل..
    .... في الليلة الواقعة بين الرابع والخامس من أكتوبر 1973، في تمام الساعة الواحدة، تلقى رجل الموساد "دوبي" اتصالاً هاتفياً من القاهرة. كان دوبي، وهو أحد كبار مشغلي العملاء بالموساد، يعمل من قاعدة الموساد في لندن. المكالمة الهاتفية أفزعته. على الجانب الآخر من الخط كان أهم عميل للموساد وأكثرهم سرية على الإطلاق، والذي عرف باسم العميل
    حوتيئيل" (في بعض الوثائق لقبوه بـ "الرشاش" أو "الملاك"). لم يقل حوتيئيل إلا كلمة واحدة: Radish – "فجل". أصيب دوبي بقشعريرة. واتصل فوراً بقيادة الموساد، وأبلغ بالكلمة الكودية. وفي اللحظة التي وصل فيها الأمر إلى علم رئيس الموساد، تسفي زامير، أبلغ بدوره رئيس مكتبه فيردي عيناي بأنه "مسافر إلى لندن".
    كلمة "فجل" حملت في طياتها أنباء مروعة. فالكلمة معناها "من المتوقع هجوم فوري على إسرائيل".
    وبحسب التعليمات المترتبة على كلمة السر هذه، كان يجب على زامير مقابلة عميله في لندن فور تلقيه الإشارة.
    رحلة العال للندن كانت كاملة العدد. حجز زامير طائرة خاصة وأقلع على الفور إلى العاصمة الإنجليزية. وفي الطابق السادس بإحدى البنايات السكنية في لندن، على مقربة من فندق "دورشستر"، كان الموساد يمتلك شقة آمنة. الشقة مأهولة ومؤمنة ومزودة بأجهزة تسجيل، حيث تم استئجارها وتجهيزها من أجل هدف واحد: اللقاءات مع حوتيئيل. في اللحظة التي وصل فيها تسفي زامير هناك، انتشر حول البناية قرابة عشرة عملاء للموساد لتأمين قائدهم تحسباً لأن تكون الرسالة جزء من مؤامرة لاعتقاله أو المساس به. ترأس قوة التأمين تسفي ملحين المخضرم، الرجل الذي كان أحد أفراد الطاقم الأسطوري الذي اعتقل أدولف آيخمان في الأرجنتين.
    زامير، المتوتر والمنفعل، انتظر طوال اليوم عميله المصري. والأخير، كعادته، تأخر في روما خلال رحلته ولم يصل إلى لندن إلا في ساعة متأخرة من الليل. التقى الاثنان في الحادية عشر مساء. في تلك الأثناء حلت عشية عيد الغفران على شعب إسرائيل.
    استغرق اللقاء بين تسفي زامير وحوتيئيل ساعتين. وحضر دوبي اللقاء وسجل مضمونه.
    وفي نهاية اللقاء، في حوالي الساعة الواحدة، ودع تسفي زامير عميله حوتيئيل. وبينما كان دوبي يتهامس للحظة مع حوتيئيل في الغرفة المجاورة ويعطيه أجره المتفق عليه- مائة ألف دولار- عمل زامير على صياغة برقية عاجلة للبلاد. لكن رجال الموساد لم يجدوا كود السفارة، الذي يمكنهم عن طريقه إرسال تلك الرسالة العاجلة. الساعات تمر، وصبر تسفي زامير بدأ ينفد. اتصل هاتفياً بمنزل فيردي عيناي. المكالمات الهاتفية لم يرد عليها... عاملة الاتصال اليائسة قالت: "لا يوجد رد. اعتقد أن هذا يوم عيد هام في إسرائيل". "حاولي الاتصال مرة أخرى"، طلب زامير. وفي النهاية أيقظت رنات الهاتف رئيس مكتبه، والذي بدى عليه النوم تماماً. قال له زامير: "خذ صحناً ممتلئاً بالماء وضع قدميك فيه، ثم خذ ورقة وقلم رصاص". عندما نفذ فيردي التعليمات، أرسل له زامير كلمة السر: "الشركة توشك على توقيع عقد اليوم قبل حلول المساء". وأضاف: "الآن، ارتدي ثيابك، واذهب إلى القيادة وأيقظ الجميع".

    هرع فيردي عيناي لتنفيذ التعليمات وبدأ بالاتصال بقيادات الدولة والجيش. تلخصت الرسالة التي أراد أن ينقلها في كلمة واحدة: "اليوم ستندلع حرب".
    في وقت لاحق وصلت البرقية التي كتبها زامير: "وفقاً للخطة يعتزم المصريون والسوريون الهجوم قبيل حلول المساء. إنهم يعرفون أن اليوم هو يوم عيد لدينا، ويعتقدون أن بمقدورهم أن يعبروا قبيل الظلام. الهجوم سيكون وفقاً للخطة المعروفة لنا. السادات لن يستطيع أن يؤجل الهجمة بسبب التعهدات التي قطعها لرؤساء دول عربية أخرى، وهو يريد الوفاء بتعهداته املة.
    وعلى حد تقدير المصدر، فإنه على الرغم من تردد السادات، فإن فرص الهجوم تصل إلى 99.9%. وعلى حد قولهم، فإن النصر سيكون حليفهم، لذا فإنهم يتوجسون خيفة من نشر مسبق، والذي من شأنه أن يؤدي إلى تدخل خارجي. وهذا قد يردع بعض الشركاء الذين سيفكرون مرى أخرى ما إذا كان ذلك مجدياً أم لا. الروس لن يشاركوا في العملية".
    الرسالة الدراماتيكية التي نقلها رئيس الموساد لم تستقبل في كل مكان وكأنها توراة من السماء. رئيس شعبة المخابرات العسكرية، اللواء إيلي زعيرا، كان على قناعة بأن الحرب لن تندلع رغم كل التقارير الاستخبارية المقلقة. وقد كان على يقين تام بأن الانتشار الواسع للجيش المصري على امتداد قناة السويس ليس إلا جزءً من مناورة كبيرة. كما اعترف زعيرا أمام زامير بأنه "ليس لديه تفسير" للتقرير الذي رفعه "يحمور" من الوحدة 848، (فيما بعد الوحدة 8200، وهي وحدة التنصت بالجيش الإسرائيلي). فقد أفاد "يحمور" بأن مجموعة المستشارين العسكريين السوفيت في مصر وسوريا تغادر الدولتين. كانت هذه علامة واضحة على أن الحرب باتت وشيكة، إلا أن زعيرا لم يغير رأيه.
    رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية والجزء الأكبر من المؤسسة الأمنية ظلوا أسرى لتلك الرؤية. فقد اعتقدوا جميعاً أن مصر لن تهاجم إسرائيل إلا إذا توافر شرطان: الأول، أن تحصل من الاتحاد السوفيتي على مقاتلات قادرة على مضاهاة الطائرات الإسرائيلية، وكذلك مدمرات وصواريخ قادرة على مهاجمة العمق الإسرائيلي، والشرط الثاني، هو ضمان تعاون الدول العربية الأخرى معها في عملية ضد إسرائيل. وطالما لم يتم استيفاء هذا الشرطان، بحسب تلك الرؤية، لا يوجد أي احتمال لهجوم مصري. مصر ستهدد، وتستفز، وتجري مناورات وتستعرض عضلاتها، لكنها لن تشن الحرب.
    جميعهم كانوا على علم بأن مصر لم تحصل على المدمرات. ثمة أحد لم يذكر للحاضرين أنه أيضاً في العام 1967، كانت إسرائيل أسيرة لرؤية خاطئة.
    في ذلك العام كان جزء كبير من الجيش المصري في اليمن، حيث كان يقاتل القوات الملكية. وافترضت إسرائيل أن مصر لن تقوم بأي عملية هجومية أو استفزازية، طالما أن جزء من جيشها غارق في الوحل اليمني. الخطأ في تلك الرؤية لم يتضح إلا في 15 مايو 1967، عندما توغل جزء كبير من الجيش المصري في سيناء وطرد ناصر مراقبي الأمم المتحدة وأغلق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية. كان يجب على الخبراء الإسرائيليين إدراك أن المنطق الإسرائيلي والمنطق العربي ليسا دائماًَ متشابهان.
    لحسن حظ إسرائيل أنها أفاقت قبل فوات الأوان وانتصرت في الحرب.


    هذه المرة أيضاً في جلسة الحكومة التي انعقدت في السادس من أكتوبر، حلقت تلك الرؤية البائسة في الأفق. ليس فقط زعيرا، وإنما أيضاً بعض وزراء الحكومة تشككوا في مصداقية الخبر بشأن الهجوم المصري السوري الوشيك. وكان حوتيئيل قد نقل مرتين في الماضي، في نوفمبر 1972 ومايو 1973، خبراً حول حرب وشيكة(إلا أن العميل حوتيئيل تراجع عن ذلك الخبر في اللحظة الأخيرة). في مايو 1973 تم استدعاء الاحتياط، وهو ما كلف الدولة مبالغ طائلة- 34.5 مليون دولار.
    الحلقة الثانية...إسرائيل لم تصدق أن السادات سيحارب
    تتناول تلك الحلقة كيف لم تصدق إسرائيل تحذير نشوب الحرب الذي أرسله الرئيس السادات بواسطة العميل "أشرف مروان"، أو كما يطلق عليه الموساد "العميل حوتيئيل"، وهو الخبر الذي كان بمثابة بالونة اختبار وجس نبض للوقوف على استعدادات إسرائيل للحرب.
    وتتضح من السطور القادمة من كتاب "الموساد العمليات الكبرى" حالة الشك والارتياب التي أصابت إسرائيل فيما يتعلق بنية الرئيس السادات للحرب، والذي جعلهم يطمئنون تماماً من عدم نية مصر للحرب رغم أن كل المؤشرات أكدت لهم أن ثمة حدث جلل على وشك الحدوث، الأمر الذي يجسد تماماً كيف نجح الداهية الزعيم الراحل في تنويم أجهزة مخابرات إسرائيل لتفيق على أول وأكبر هزيمة تتعرض لها جحافل الكيان الصهيوني منذ إقامتها الدولة العبرية على أرض فلسطين.
    والآن ننتقل للتفاصيل،،
    كان الجميع في جلسة الحكومة الطارئة التي انعقدت في هذا الصباح- كانوا جميعاً على علم بمدى خطورة الوضع، ومع ذلك قرروا استدعاء الاحتياط على نطاق محدود. كما قرر الوزراء عدم المبادرة بهجمة استباقية لسلاح الجو على القوات المصرية الهائلة على امتداد قناة السويس.
    عاد رئيس الموساد "تسفي زامير" للبلاد، وأصر على رأيه. الحرب وشيكة. لقد أبلغ حوتيئيل بهجوم مصري سوري مشترك يبدأ مع غروب الشمس.
    في الساعة 14:00 ظهراً، جمع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية مراسلي الشئون العسكرية بالصحف ليقول لهم إن هناك احتمالاً ضعيفاً فحسب لاندلاع حرب. وفجأة، دخل أحد مساعديه ووضع أمامه ورقة. قرأها زعيرا، ولم ينبس ببنت شفة، أخذ الباريه ثم خرج من الغرفة مسرعاً. بعد مرور دقائق معدودة سمع دوي الصافرات.
    في وقت لاحق ترددت ادعاءات خطيرة من قيادة شعبة الاستخبارات العسكرية ضد حوتيئيل، الذي ضلل زامير عندما حدد ساعة الغروب كساعة الصفر للهجوم، في حين بدأت الحرب في الظهيرة. وبعد فترة اتضح أن الساعة تغيرت في اللحظة الأخيرة بعد مشاورات بين الرئيسين المصري والسوري. عندئذ، كان حوتيئيل في الجو متجهاً إلى لندن.
    الغريب أن رجال شعبة الاستخبارات العسكرية غضبوا من الخطأ في تحديد الساعة، وكذلك من التحذيرات السابقة لحوتيئيل التي اتضح أنها أنباء خاطئة. لم يتعامل رجال شعبة الاستخبارات العسكرية مع حوتيئيل كمصدر مخابراتي، ولكنهم تعاملوا معه كمندوب للموساد الإسرائيلي في مكتب الرئيس المصري، ويجب عليه أن ينقل بدقة متناهية وصراحة كل ما يحدث هناك.

    إلا أنهم تجاهلوا حقيقة أنه على الرغم من المكانة الرفيعة للغاية التي يحظى بها حوتيئيل لكنه كان مجرد جاسوس يقدم تقارير ممتازة وليس دائماً الرجل الخارق، شأنه شأن أي جاسوس آخر.
    خلال الحرب استمرت تقارير حوتيئيل لإسرائيل. وعندما أطلق المصريون صاروخي سكاد على تجمعات الجيش الإسرائيلي، وتسببوا في سقوط العديد من الجنود، وصل خبر مهدئ من حوتيئيل فحواه أن هيئة الأركان العامة المصرية لا تعتزم استخدام تلك الصواريخ خلال الحرب، وأن مصر لن تصعد الهجوم على إسرائيل.
    انتهت حرب يوم الغفران في 23 أكتوبر. ودفنت إسرائيل آلاف القتلى، وتم التوقيع على اتفاقيات الفصل بين القوات، واتفاقيات كامب ديفيد، واتفاقية السلام مع مصر. انتهت فترة ولاية تسفي زامير. وقد حظى زامير بتقدير كبير لأنه كان الوحيد بين أسرة المخابرات الإسرائيلية، الذي أشار إلى النوايا الحربية للمصريين والسوريين، وأعلن خبر اندلاع الحرب. لو كان قادة الدولة أكثر إصغاء لتحذيراته واتخذوا التدابير على الفور ووجهوا ضربة جوية استباقية، لربما كانت نتائج الحرب مختلفة. الحجة التي ساقها وزراء الحكومة بأن إسرائيل امتنعت عن ذلك حتى لا تتهم ببدء الحرب بدت غريبة ومعقدة، فهل كان جل همهم في ذلك الوقت ألا تتهم إسرائيل ببدء الحرب، أم أن تدافع عن نفسها بكل الوسائل المتاحة.
    علاوة على ذلك، زعم المؤرخ الدكتور أوري بار يوسف أن تحذيرات حوتيئيل أنقذت هضبة الجولان، حيث أنه في ساعات ما بعد الظهيرة في السادس من أكتوبر بدأت تصعد إلى الهضبة تشكيلات الدبابات التي تم حشدها في ذات الصباح، والتي نجحت في التصدي للسوريين في نيفح. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وفي أعقاب الضغط الجماهيري غير المسبوق، تشكلت لجنة تحقيق رسمية برئاسة القاضي أجرانات، والتي حققت في أحداث حرب يوم الغفران، وأمرت بالإقصاء الفوري للواء زعيرا من منصبه (إضافة إلى عدد من الضباط، من بينهم رئيس الأركان دافيد اليعازار). وقد أدى فشل زعيرا في التنبؤ بالتحركات المصرية، ناهيك عن رفضه المتعنت لتصديق تحذيرات حوتيئيل، إلى قرار اللجنة الحاسم بإقصائه.
    الحلقة الثالثة ...حياته وتجنييده..أشرف مروان في عيون إسرائيلية
    تتناول الحلقة الثالثة من السلسلة معلومات شخصية عن الدكتور "أشرف مروان" أو العميل "حوتيئيل"، وهي المعلومات المتوفرة لدى الموساد الإسرائيلي عن المرحوم "مروان"، والتي قد تكون صائبة أو كاذبة، ولكنها بالقطع المعلومات المتداولة والواردة في ملفه لدى جهاز المخابرات العامة الإسرائيلي "الموساد"...
    وننتقل الآن إلى التفاصيل
    من هذا الـ "حوتيئيل"؟ على مدار السنين نشر عدد لا حصر له من الألغاز والأحاجي حول هويته. الواضح أنه كان الشخص المقرب للغاية من النخبة الحاكمة المصرية والقيادة العامة للجيش المصري. لكن ثمة أحد لم ينجح في اختراق حصن السرية الذي أحاط بهويته الحقيقية. الصحفيون لقبوه بالعميل "بابل"، ونسبوا له صفات أسطورية، وكان موضوعاً لعدد كبير من التقارير الصحفية وكتب الجاسوسية الخيالية.
    لسنوات طويلة حمل اللواء إيلي زعيرا في قلبه مشاعر الإحباط الشديد. كان مصمماً على إثبات براءته، وقرر أن يعرض للعالم روايته. جلس اللواء وألف كتاباً. واضطر في كتابه للتعاطي مع السؤال: لماذا رفض تحذيرات حوتيئيل؟

    كتب اللواء أن حوتيئيل لم يكن أكثر من عميل مزدوج، تمت زراعته في الموساد من قبل المصريين الأذكياء لتضليل الإسرائيليين.
    قفز الكثير من الصحفيين على تلك المقولة وكأنهم عثروا على غنيمة كبيرة، وسارعوا بالقول إنه كان عميلاً مزدوجاً وفقاً لأفضل التقاليد السوفيتية. وأوضحوا أن دوره هو أن ينقل للعدو معلومات دقيقة موثوقة لكسب ثقته، وعندما يأكل الطعم يقدم له تقريراً كاذباً يؤدي إلى انهياره.
    كانت هذه حقاً قصة رائعة فسرت كل شيء، أو تقريباً كل شيء.
    لقد تجاهل زعيرا ومريديه معلومة صغيرة واحدة: كل تقارير حوتيئيل كانت حقيقية من التقرير الأول حتى الأخير، أين التضليل إذاً؟
    عندما كان بمقدوره أن يضلل إسرائيل فعلاً وتهدئة مخاوفها من انتشار الجيش المصري، اختار العميل المزدوج تحديداً أسلوباً آخر. أولاً، قبل الحرب نقل لمساعد زامير رسالة "فجل" بمعناها الدراماتيكي، ثم سافر إلى لندن، وحذر زامير من الهجوم الوشيك.
    لكن زعيرا ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. في عام 2004، عندما صدرت طبعة جديدة من كتابه، كشف هوية حوتيئيل. لم يكتف زعيرا بذلك، ولكن أفصح مرة أخرى صراحة عن اسم أشرف مروان في سلسلة مقابلات صحفية، وفي برنامج تليفزيوني ذو شعبية "موساف هموسافيم" الذي يقدمه الصحفي "دان مرجليت".
    أثار الاسم دهشة كبيرة لدى كل من يعرف الساحة السياسية المصرية. لم يكن بمقدورهم تصديق أن مروان بالفعل كان جاسوساً إسرائيلياً. من كان مروان؟ من كان كبير الجواسيس؟
    على ملعب التنس في هليوبوليس التقت في عام 1965 فتاة لطيفة وخجولة بشاب صغير وأنيق من أسرة طيبة. الفتاة، منى، هي الابنة الثالثة في أسرتها، لكنها لم تكن الأذكى بينهم. اختها هدى كانت أكثر ذكاء منها، وتميزت في دراستها بالمدرسة في الجيزة، لكن منى كانت ساحرة، وكانت المحببة لدى والدها. الشاب ابن الـ 21 عاماً الذي قابلته منى، جاء من أسرة ثرية ومحترمة، وكان قد حصل للتو على درجة البكالوريوس في الكيمياء، ثم تجند في الجيش. وسرعان ما وقعت منى في غرامه.
    بعد فترة قصيرة أرادت أن تعرفه بوالدها: وهكذا تعرف العاشق الشاب بأسرة الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
    كانت منى حقاً هي الابنة المدللة للزعيم المصري.
    تشكك ناصر كثيراً أن تكون هذه هي الخطبة المناسبة لابنته، إلا أن الأخيرة لم تترك أمامه خياراً آخر. وفي النهاية دعى الرئيس والد الشاب، والذي كان ضابطاً كبيراً في الحرس الجمهوري، وتحدث الاثنان عن زواج أبنيهما. بعد مرور عام، في يوليو 1966، تزوج الخطيب الشاب ومنى ناصر ابنة الرئيس، وبعد فترة قصيرة من التحاقه بالخدمة في قسم الكيمياء بالحرس الجمهوري، وفي نهاية العام 1968، نقل إلى مكتب الرئيس.

    اسم صهر الرئيس هو أشرف مروان.
    صحيح أن الشاب تزوج زيجة طيبة، مثلما يقولون، لكن منصبه لم يرضي طموحاته، لذا طلب الحصول على موافقة بالسفر إلى لندن لاستكمال دراسة الماجيستير. حصل على الموافقة، واستقر في العاصمة الإنجليزية، تحت رقابة مشددة من قبل السفارة المصرية.
    ويبدو أن رقابة السفارة لم تكن مشددة بالقدر الكافي. أحب أشرف مروان حياة الترف والبذخ، والمتعة والمغامرات- ولندن في نهاية الستينيات وفرت له كل هذا على نطاق واسع. لم تمر إلا أيام معدودة حتى أنفق الصهر الشاب كل مصروفه، وبدأ رحلة البحث عن مصدر مالي جديد لتمويل رغباته.
    وسرعان ما وجد الممول.
    الممول يدعى سعاد، وهي زوجة الشيخ الكويتي عبد الله مبارك الصباح. سحر أشرف القرينة الرومانسية ومنحها السعادة، بينما أغدقت عليه هي بالمال بلا حساب. لكن هذه التسوية لم تصمد طويلاً. فقد تكشفت في النهاية علاقة الغرام بين الاثنين، وأمر ناصر بإعادة الصهر المارق إلى مصر. وطلب من ابنته أن تطلق من هذا الزاني، لكنها رفضت بشدة. وفي النهاية قرر ناصر بقاء مروان في مصر والسماح له بالسفر إلى لندن فقط من أجل تقديم أعماله الأكاديمية. وأجبره على إعادة المال للسيدة الصباح. بدأ مروان العمل في مكتب ناصر وتم تكليفه بعدة مهام وأعمال صغيرة.
    في عام 1969 سافر أشرف مروان مرة أخرى إلى لندن لعرض عمله الأكاديمي. إلا أنه سافر إلى هناك وفي نيته تقديم شيء آخر: خيانة ناصر. فقد كان محبطاً ومستائاً بشدة من الإهانة التي تعرض لها من قبل الرئيس المصري. ولذا، اتصل هاتفياً بالسفارة الإسرائيلية، وطلب التحدث مع الملحق العسكري. عندما رد عليه أحد ضباط الجيش الإسرائيلي الموجودين هناك، عرف نفسه بأنه أشرف مروان، وقال صراحة إنه يريد العمل لحساب إسرائيل. وطلب رفع عرضه على المسؤولين. لم يتعامل الضابط الإسرائيلي معه بالجدية اللازمة وتجاهل طلبه، وكذلك الحال بالنسبة للاتصال الثاني من جانب مروان، حيث لم يتلق رداً فورياً، إلا أنه في هذه المرحلة وصلت المعلومة إلى ممثلي الموساد. رئيس بعثة الموساد في أوروبا شموئيل جورن تلقى مكالمة هاتفية من مروان، وقد عرف أن مروان هو صهر الرئيس ناصر، وأدرك على الفور مدى أهمية الرجل، وطلب منه ألا يتصل بالسفارة مرة أخرى، وأعطاه رقم هاتف بديل- وسارع باستدعاء قيادات الموساد.
    وصل الخبر في إسرائيل إلى رحافيا فيردي، رئيس شعبة "تسوميت"، شعبة تجنيد العملاء بالموساد، وكذلك وصل إلى رئيس الموساد تسفي زامير. شكل الاثنان طاقماً خاصاً لبحث عرض مروان. وهنا، أشارت كل القرائن إلى مناورة من العدو: رجل مقرب من النظام يعرض نفسه متطوعاً، ولم تبذل أي جهود لتجنييده. بدى ذلك مريباً للغاية، لعله يكون عميلاً مزدوجاً؟ ربما أرسل كطعم من قبل الأجهزة السرية المصرية؟
    من ناحية أخرى- ربما تفسر تلك المعادلة بطريقة مختلفة تماماً: رجل مقرب من النظام يعرض نفسه متطوعاً. لا شك أن لديه قدرة على الوصول لمواد سرية للغاية لا يستطيع أحد الوصول إليها، ناهيك عن العملاء الإسرائيليين الذين يعملون اليوم في


    مصر. كما عرض على طاقم التحقيق تفاصيل ومعلومات حول شخصية مروان- شاب طموح، محب لحياة الترف والبذخ، ومحب للمال أيضاً. الإغراء كان كبيراً.
    عاد جورن إلى لندن والتقى مع مروان. وقد رأى أمامه شاباً أنيقاً مهندم الثياب، يحرص على مظهره. قال له مروان صراحة إنه أصيب بإحباط شديد من جراء هزيمة مصر في حرب الأيام الستة، وإنه يريد مساعدة إسرائيل، والوقوف مع الجانب المنتصر. لكن فضلاً عن هذا التفسير الأيديولوجي، أشار مروان إلى رغبته في المال: فقد طلب الحصول على 100 ألف دولار مقابل كل لقاء يبلغ فيه مشغليه الإسرائيليين بتقرير هام حول ما يجري في مصر.
    مال جورن لقبول هذا العرض، رغم الثمن الباهظ الذي طلبه مروان. مبلغ كهذا لم يدفع لعميل بالموساد قط. إلا أن جورن كان في حاجة أولاً لدليل دامغ على أن مروان مستعد للعمل، وطلب منه أن يحضر له وثائق سرية تثبت مدى قوة مروان ورغبته في مساعدة إسرائيل. إحضار تلك الوثائق كان من شأنه ربط مروان بالموساد، حيث أن هذا ينطوي على إدانة ذاتية، ويمثل دليلاً قطاعاً على أنه أصبح الآن عميلاً إسرائيلياً، وبالنسبة لمصر عميلاً للعدو.
    لم يتردد مروان كثيراً وسارع بإحضار الوثيقة الأولى للموساد. النص الكامل للمناقشات التي أجراها ناصر في موسكو في 22 يناير 1970، والتي طلب فيها من السوفيت تزويده بقاذفات متطورة ذات مدى عمل كبير وقادرة على ضرب العمق الإسرائيلي.
    أدهشت الوثيقة قرائها، والآن أصبح قادة الموساد على قناعة بأن كنزاً كبيراً قد سقط في أيديهم. وأرسلوا "دوبي" إلى لندن، وكلفوه بتشغيل حوتيئيل، ووفروا له كل الوسائل التقنية: استئجار شقة آمنة للقاءات في لندن، وتجهيزها بأجهزة تسجيل وتنصت، وتأمينها، وإعداد صندوق منفصل لتمويل أجر حوتيئيل. وهكذا، أصبح من الممكن بدء العمل.
    جرت اللقاءات بناء على طلب مروان، ووفقاً للإجراءات المتفق عليها مع دوبي. اعتاد مروان الاتصال هاتفياً بأشخاص وسطاء (يزعم البعض أنهم كانوا في الغالب نساء يهوديات مقيمات في لندن)، وهؤلاء عملوا على نقل المعلومات للموساد. نقل مروان معلومات كثيرة ووثائق سرية للغاية ذات طابع سياسي وعسكري، وفي بعض اللقاءات شارك العقيد مائير، رئيس وحدة 6 (شعبة الجيش المصري) في شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية. اعتاد مائير على السفر إلى لندن باسم مستعار، وملابس وأغراض منزوعة الماركات لإخفاء أي إشارة تدل على هويته. واعتاد التجول في لندن مترجلاً وبالسيارات للتخلص من أي مراقبة محتملة، وفي النهاية كان يصل إلى البناية السكنية، ويصعد للطابق السادس.
    وهناك وجد شخصاً أنيقاً-وإن لم يكن لطيفاً بصفة خاصة- وساخراً للغاية ينظر إليه باحتقار شديد. لم يلطف مروان سلوكه إلا عندما اتضح له أنه يجلس أمام شخص غزير المعرفة والخبرة.
    في إحدى المرات طلب من مائير أن يسلم لمروان شنطة مغلقة، وعندما سأل ماذا بداخلها، قالوا له "شقة في الميدان الرئيسي للدولة"، ملمحين له بالأموال الطائلة الموجودة بداخلها. وفقاً لحسابات الموساد، كلفت تقارير مروان الموساد خلال السنوات التي عمل فيها لحسابه أكثر من 3 مليون دولار.


    توفي ناصر في 28 سبتمبر 1970، وخلفه في المنصب أنور السادات، الذي سخر الكثيرون من ضعفه وتردده. البروفيسور شمعون شامير، أحد كبار الخبراء الإسرائيليين في الشئون المصرية، حلل شخصية السادات لحساب شعبة الاستخبارات العسكرية. رجل ضعيف ورتيب، قال شامير في سبتمبر 1970، مؤكداً أنه لن يستطيع الصمود كثيراً في السلطة ولن يشن حرب. هكذا اعتقد أيضاً الكثيرون في مصر. لكن مروان قرر الوقوف إلى جانب السادات، وأخذ من زوجته مفاتيح خزينة والدها، وأخذ من هناك الوثائق السرية الخاصة بناصر وأحضرها إلى مكتب السادات.
    بعد بضعة أشهر وقف إلى جانب السادات مرة أخرى في مايو 1971، عندما دبرت مجموعة من الزعماء المصريين خطة للانقلاب. وكان ضمن مخططي الانقلاب (ذو الطابع السوفيتي) عدد من الأسماء الشهيرة: على صبري، نائب الرئيس سابقاً، ومحمد فوزي وزير الحربية سابقاً، وشعرواي جمعة وزير الداخلية، وعدد من الوزراء والشخصيات السياسية الرفيعة.
    المتآمرون خططوا لاغتيال السادات أثناء زيارته لجامعة الإسكندرية، لكن السادات وجه ضربة استباقية لهم واعتقلهم جميعاً. لقد ساعده مروان بإخلاص شديد، ووقف إلى جانبه عند قمعه هذا التمرد. وهكذا، ارتفعت مكانة مروان لدى الرئيس، وتم تعيينه سكرتيراً للرئيس لشئون المعلومات والمستشار الخاص للرئيس. كما صاحبه في سفرياته للعالم العربي، وكذا شارك في اللقاءات السياسية.
    مع علو شأن مروان تحسنت تقاريره أيضاً. في عام 1971 سافر السادات عدة مرات إلى موسكو لإجراء لقاءات مع زعمائها، وقدم إلى ليونيد بريجنيف قائمة بالأسلحة التي تريدها مصر لمهاجمة إسرائيل. وقد شملت القائمة طائرات ميج 25. وبدوره، سلم مروان لمشغليه بالموساد تلك القائمة، وعندما طلب هؤلاء النص الكامل للمحادثات بين السادات وبريجنيف أحضرها لهم مروان أيضاً. تأثر تسفي زامير بشدة من المادة التي أحضرها مروان وقابله شخصياً . المادة الخام التي أحضرها مروان للموساد تم توزيعها في عدة المكاتبات بين مسئولين كبار بشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، ورئيس الأركان العامة حاييم برليف(والذي خلفه دافيد اليعازر) ونائبه اللواء يسرائيل طال. وعلى صعيد القيادة السياسية تم توزيع المادة على رئيس الوزراء جولدا مائير ووزير الدفاع موشيه ديان والوزير بلا حقيبة يسرائيل جليلي.
    وضع خطة «المآذن العالية» فى حرب أكتوبر....ما لا يعرفه الناس عن الفريق سعد الشاذلى
    الوفد المصرية
    لم يكن الفريق سعد الشاذلى مجرد رئيس لأركان الجيش المصرى فى حرب 1973، فهو عبقرى، خطط ودرس وتوقع ودرب وعبأ جنوده وتحمل المسئولية كاملة، وساهم فى تحقيق نصر عسكرى مازال يُدَرَّس فى كبرى المراكز البحثية والجامعات العسكرية إلى اليوم. كنت محظوظاً أننى اقتربت من حياته وفكره وأسرته ومعاركه
    واستطعت أن أشعل عود كبريت على مساحات منسية ومتجاهلة من حياته عندما قدمت للمكتبة المصرية كتاباً عن سيرته بعنوان «العسكرى الأبيض» ضممت فيه جزءاً من أوراقه، وجانباً من كتاباته التى لا يعرف عنها المصريون شيئاً.. وقد هالنى كم الاتصالات والرسائل التى تلقيتها من داخل وخارج مصر التى كشفت لى جوانب أخرى جديدة فى حياة الرجل الذى لاشك فى عبقريته وتفرده وعظمته.

    وما لا يعرفه الناس عن سعد الشاذلى أنه ابن الحاج الحسينى الشاذلى، والسيدة تفيدة الجوهرى زوجته الثانية فى قرية شبراتنا بمركز بسيون بمحافظة الغربية.. ولد فى أبريل عام 1922 وسمىّ على اسم سعد زغلول معشوق المصريين الأول فى تلك السنوات، كان والده أحد ملاك الأراضى الزراعية قد تزوج مرتين وأنجب من الأولى تسعة أبناء هم: محمد، وحامد،
    وعبدالحكيم، والحسينى، وعبدالسلام، ونظيمة، وفريدة، وبسيمة، ومرسية.. أما الثانية وهى والدة سعد الشاذلى فقد أنجبت له مظهر، وسعد، وألفت، ونبيلة.
    ومنذ الطفولة الباكرة ارتبط «سعد» وجدانياً وعقلياً بحب العسكرية، كان الطفل الصغير يستمع إلى حكايات متوارثة حول بطولات جده لأبيه الشاذلى الشاذلى، الذى كان ضابطاً بالجيش، وشارك فى الثورة العرابية وحارب فى معركة التل الكبير.
    كما أن ابن عم والده هو عبدالسلام باشا الشاذلى الذى تولى مديرية البحيرة (وهو ما يشبه منصب المحافظ الآن) ثم تولى بعد ذلك وزارة الأوقاف، فضلاً عن ذلك - وطبقا لرواية ابن خالته عبيد العقاد لى - فقد كان لوالده كلمة مسموعة فى شبراتنا والقرى المحيطة وكانت العائلات الكبرى تقصده ليصلح فيما بينها. وفى ظل تلك الظروف نشأ سعد مقدراً للقيم، ومحافظا على المبادئ، ملتزما بالأخلاق العامة، ومحباً للعطاء بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
    ومن الغريب أن اسم سعد كان مجرداً، لكن فيما بعد أضاف الناس إليه لقب «الدين» ليصبح «سعد الدين» نظراً لتدينه واستقامته، والواضح وفقاً لأفراد أسرته أنهم لا يتذكرون بشكل دقيق تلك الفترة التى أُضيف لاسمه كلمة «الدين» ليصبح سعد الدين.
    كانت عيني سعد - بعد أن أتم دراسته الثانوية - على الكلية الحربية بعد أن التحق بها أحد أبناء العائلة فى 1933 هو اللواء عبدالمنعم الشاذلى، وبالفعل يلتحق سعد بالكلية الحربية عام 1939، ليتخرج بعد عام ونصف العام فى نفس الدفعة التى تخرج فيها خالد محيى الدين، عضو مجلس قيادة ثورة يوليو عام 1952، ورئيس حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى، فيما بعد.
    شارك سعد الشاذلى ضابطاً صغيراً فى الحرب العالمية، إلى جانب الجيش الإنجليزى، لكنه لم يكن يشعر بأهمية القتال لأنه لم تكن هناك عقيدة لديه يقاتل من أجلها، فيما بعد شارك فى حرب 1948 ضمن فرقة للحرس الملكى وتعرّف على القتال العسكرى بشكل واقعى وتيقن أن المعارك الحربية تستلزم تدريباً وخططاً واستراتيجيات وإمكانيات.
    تزوج سعد عام 1943 من السيدة زينات السحيمى، كريمة مدير الكلية الحربية وهو بالمناسبة الرجل الذى توسط لإدخال أنور السادات الكلية الحربية، وتعرف سعد الشاذلى على الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بعد أن سكنا معاً فى عقار واحد بالعباسية، وعندما قامت الثورة عام 1952، اعتذر الرجل عن قبول العمل فى المخابرات العامة وفضّل الاستمرار فى الجيش، وسافر إلى الولايات المتحدة فى بعثة تدريبية عام 1953 فى المظلات وعندما عاد كلفه عبدالناصر بتأسيس سلاح مظلات، وفيما بعد كانت ابنته الكبرى شهدان أول امرأة مصرية تقفز بالمظلات من الطائرة، والمثير أن «سعد» لم يرزق بذكور وإنما ثلاث فتيات هن: شهدان، وسامية، وناهد.


    وفى عام 1960 تم تكليف سعد الشاذلى بقيادة الفرقة المصرية المكلفة بحماية الأراضى الكونغولية، والمساعدة فى تهريب أبناء لومومبا إلى القاهرة، ثم عُيّن بعدها ملحقاً عسكرياً فى سفارتنا بلندن، قبل أن يعود ليتولى قيادة فرقة خاصة عرفت باسم فرقة «الشاذلى» تضم 1500 جندى.
    ولا يعرف كثير من الناس أن تلك الفرقة قامت بأخطر وأغرب مغامرة فى حرب يونية 1967 وهى مغامرة تشابه إلى حد كبير ما فعله أريل شارون فى ثغرة الدفرسوار بعد حرب أكتوبر 1973. لقد صدرت الأوامر ألغيت المهمة، ثم تم تكليفها بالتمركز فى المحور الشمالى وعادت القيادة وألغت المهمة، ثم طلب منه أن يتمركز جنوب المحور الأوسط على بعد 20 كيلو متراً من القوات الدولية، وهو ما أرهق قواته بلا مبرر واضح، وفى صباح 5 يونية قامت الطائرات الإسرائيلية بتدمير مطارات مصر ونقاطها العسكرية، ثم بدأت توغلها فى أراضى سيناء عندما أصدر عبدالناصر قراره المؤسف بالانسحاب، فى تلك الاثناء انقطع الاتصال بين الشاذلى وقيادته وكان عليه أن يفكر فى طريق للتصرف فلم يجد بداً من التوجه شرقاً داخل الأراضى الاسرائيلية فى شريط ضيق بعيد عن مسار الطيران الإسرائيلى، بقى «الشاذلى» وفرقته داخل إسرائيل يومى 6 يونية و7 يونية، ثم انسحب فى ظلام ليلة 8 يونية بعد أن تلقى اتصالاً من القيادة بذلك.
    وخلال حرب الاستنزاف يتولى الرجل قيادة منطقة البحر الأحمر ويتمكن من وقف عمليات الاختطاف اليومية التى كانت تتم ضد مدنيين وموظفين مصريين من جانب القوات الإسرائيلية.
    ويحكى لنا اللواء محمد أحمد التميمى أحد رجال الصعقة المصرية أن «الشاذلى» درب قوات مصرية خلال الفترة من سبتمبر وحتى ديسمبر 1969 على تنفيذ عمليات ضد القوات الاسرائيلية وبالفعل تم فى 30 مايو 1970 تنفيذ عمليتين داخل سيناء أسفرت الاولى التى شنتها الكتيبة 83 صاعقة عن قتل 35 إسرائيلياً وأسر اثنين، بينما أسفرت العملية الثانية عن تدمير اللواء 135 مشاة لإحدى النقاط القوية داخل خط بارليف وقتل 13 إسرائيلياً وأسر جندى واحد، وهو ما دفع جولدا مائير إلى الاستغاثة بالرئيس الأمريكى نيكسون لعرض مبادرة لوقف إطلاق النار.
    بعد مجىء السادات لمح بذكائه وحسه السياسى قدرات سعد الشاذلى المبهرة، فاختاره فى 16 مايو 1971 رئيساً لأركان القوات المسلحة، خلفا للفريق محمد أحمد صادق، الذى أُختير وزيراً للحربية، بدلاً من الفريق محمد فوزى الذى تم الإطاحة به فى ثورة التصحيح.
    وفى أكتوبر 1972 استدعى السادات سعد الشاذلى وأخبره أنه سيعين المشير أحمد إسماعيل وزيراً للحربية، وكان الرجل على خلاف سابق مع الشاذلى، لكنهما التزما بالعمل فيما بينهما للإعداد لحرب أكتوبر.
    وتتجلى عبقرية سعد الشاذلى فى حرب أكتوبر فى اهتمامه بالدخول فى أدق التفاصيل، مشكلة خزانات المياه الملتهبة، الساتر الترابى، إقامة الكبارى وتأمينها تحت نيران العدو، ثم كيفية صمود المشاة لمدة أربع وعشرين ساعة لحين عبور الدبابات.. إنه كما قال لى حفيده كريم أكرم يعشق التفاصيل، ويرى أن مواجهة أى مشكلة كبيرة تستلزم تفكيك المشكلة إلى عدة مشكلات صغيرة والتعامل مع كل واحدة على حدة.


    فى الليل تسللت مجموعات من الصاعقة لإغلاق خزانات المواد الملتهبة بالأسمنت قبل المعركة بيوم واحد، وتوصل المهندسون المصريون إلى فكرة استخدام مضخات المياة فى إزالة الساتر الترابى بدلاً من ضربه بالديناميت، ثم ابتكر سلاح المهندسين كبارى متميزة سريعة التركيب أمكن إقامة العشرات منها فى وقت قياسى، لقد طبع رئيس أركان القوات المسلحة كتيباً تفصيلياً لجنوده يتضمن تعليمات فى كافة ما يخص حتى ربط رباط حذائه.
    فى الثانية ظهر السبت السادس من أكتوبر عام 1973، قصفت مائتا طائرة مصرية مواقع للعدو الإسرائيلى داخل سيناء، بعدها بعشر دقائق صب ألف مدفع نيرانه على خط بارليف، فى الوقت الذى بدأت فيه قوات المشاة عبورها فى قوارب مطاطية، مع عبور لواء دبابات برمائية.. ولم تمضِ ثلاث ساعات حتى كان عدد القوات العابرة 32 الف مقاتل، وفى اليوم التالى تحاول اسرائيل شن هجوم مضاد بالدبابات وتلقى هزيمة جسيمة، وتتوالى الانتصارات المصرية فى سيناء ويتم تدمير خط بارليف، تماما وتكتب مجلة دير شبيجل الالمانية أن الشاذلى هو العقل المدبر وراء نصر أكتوبر، وتكتب لوموند الفرنسية أن الرجل يستحق لقب روميل العرب.
    وبعدها تبدأ الاختلافات فى أوجه النظر ويعارض القادة العسكريون تطوير الهجوم الذى دعا إليه السادات للتخفيف عن الجانب السورى وتبدأ مشكلة الثغرة ويقترح الشاذلى سحب لواءين من شرق القناة للقضاء عليها وينفعل السادات وتبدأ الأزمة الشهيرة.
    ويرى السادات أن دور «الشاذلى» العظيم فى الحرب يستلزم تقديراً خاصاً بعدها فيعرض عليه العمل سفيراً فى لندن فيرفض الرجل ويلح السادات حتى يقبل ثم ينتقل بعدها سفيراً لمصر فى البرتغال، حتى يستفزه تحميل السادات مسئولية الثغرة له فى مذكراته «البحث عن الذات» وهو ما ينافى الحقيقة، فيقدم بلاغا إلى النائب العام ضد رئيس الجمهورية، ويسافر إلى المنفى الاختيارى فى الجزائر مشاركا فى جبهة الرفض ويكتب مذكراته عن الحرب، ويحاكم الرجل غيابياً أوائل حكم مبارك ويصدر ضده حكم بالسجن ثلاث سنوات ويعود مطلع التسعينيات ليقبض عليه بالفعل وتنقلب الأمة المصرية داعية إلى تحريره ليخرج محاطاً بمحبة الناس وتقديرهم، إلى أن رحل بعد ثورة 25 يناير بأيام عندما أبلغته ابنته وهو مريض أن المصريين ثاروا على الرئيس مبارك، فابتسم فى امتنان قبل أن يسكن قلبه فى 10 فبراير عام 2011.
    وقد كتب الفريق الشاذلى 4 كتب متنوعة لم ينشر فى مصر منها سوى كتاب واحد هو مذكرات حرب أكتوبر الذى حصلت عليه دار «رؤية» للنشر، أما باقى الكتب فقد صدرت جميعاً فى الجزائر وهى «مذكرات السلك الدبلوماسى»، و«الخيار العسكرى العربى»، و«الحرب الصليبية الثامنة» فى جزءين، وهو كتاب ضخم عن حرب الخليج والقدرات العسكرية للدول العربية وقصة تدمير جيش العراق.
    وقد شاع بين محبي الرجل - وما أكثرهم فى أجيال الشباب - أنه كتب مذكراته حول رحلة حياته، وحقيقة الأمر أن الزميل أحمد المسلمانى كان قد اتفق معه على إجراء سلسلة من الحوارات وتسجيلها فى كتاب لصالح إحدى المؤسسات العربية وتم بالفعل التسجيل وكتابة العقد، إلا أن عدم التزام المؤسسة الخليجية التى اتفق معها «المسلمانى» كان داعياً أن يقرر «الشاذلى» فسخ العقد، فقد كان رحمه الله دقيقاً وملتزماً للغاية بكافة التفاصيل.


    وصفه قائد جيش الدفاع الإسرائيلي بـ«الطائر المصري المجنون» بعدما أصاب أحد أهم قادة طيرانهم..
    «الطائر المجنون» يروي لـ«الشروق» تفاصيل أطول معركة جوية في حرب أكتوبر
    الشروق
    لا يمكن حساب معاركه الجوية بمقاييس الخبراء العسكريين، خاصة وأنه نفذ 52 طلعة جوية فى 18 يوما، متجاوزا بذلك الرقم القياسى الأمريكى.. إنه اللواء طيار أحمد كمال المنصورى، الذى وصفه قادة جيش الدفاع الإسرائيلى بـ«الطائر المصرى المجنون» بعدما تمكن فى معركة جوية «مدهشة» من إصابة أحد أهم قادة طيرانهم.
    اللواء المنصورى يروى فى حوار مع «الشروق» قصة أطول معركة جوية، استغرقت 13 دقيقة كاملة، احتفظ بعدها بلقب «صاحب أطول معركة طيران».
    وفيما يلى نص الحوار:
    • كيف ترى العبور؟
    ــ أعتبره يوم رفع الرأس لمصر والعرب جميعا، عندما اسقطنا السماء فوق رأس العدو الصهيونى، بقرار شجاع من بطل الحرب والسلام الرئيس السادات، عندما اختار يوم كيبور (عيد الغفران اليهودي) بذكاء لافت، لندك حصون العدو، الذى أفقدنا ما يزيد على 100 ألف شهيد مصرى منذ حرب 1948 وحتى اكتوبر 1973.
    • كيف بدأت الضربة الجوية؟
    ــ للأسف هناك من تحدث عن أن الضربة الجوية كانت من 6 إلى 8 طائرات للتقليل من حجمها وأثرها، إلا أننى تشرفت بالمشاركة وأنا أحمل رتبة الملازم أول ضمن الطلعة الجوية التى نفذها 220 طيارا مصريا، عبروا قناة السويس منذ الساعة الثانية ظهر، يوم 6 أكتوبر وحتى الساعة 2:05 فى ضربة جوية أفقدت العدو اتزانه، حتى نرد على النكسة والهزيمة فى يونيو 1967، وتتويجا لصبرنا الطويل على الصهاينة واحتلال أرضنا.
    • يسجل تاريخك العسكرى أنك صاحب أطول معركة جوية.. ما هى تفاصيل تلك المعركة؟
    ــ أكرمنى الله بهذا اللقب فقد خضت أطول معركة جوية مدتها 13 دقيقة، فى يوم 15 فبراير 1973، على الرغم من أنه كل المعارك السابقة لا تتجاوز 3 دقائق، وكنا نستقل أنا وزميلى طائرتين ميج 21، ونحمل 4 صواريخ و400 طلقة، ضد 6 طائرات فانتوم إسرائيلية تحمل 48 صاروخا و30 ألف طلقة، وكل طائرة تحمل طيارين، الأول مهمته القيادة الجوية والثانى التصويب وإطلاق الصواريخ، وبدأت الاشتباكات، وبتوفيق من الله استطعت فى أول 30 ثانية أن أصيب طائرة قائد سرب العدو الذى كان يقوم بالاستطلاع، ويحاول استفزازنا.


    كان حرصى على الموت قدر حرص الآخرين على الحياة، وعلى الرغم من أننى كنت أقول لزملائى أننا لا نريد الموت فى سبيل الوطن بل الحياة منتصرين، لأن الطيار الذى يستشهد يكلف البلد طائرة بـ 50 مليون دولار، إلا أننى كنت أقاتل بشراسة، وانتهت المعركة بنفاد صواريخنا.
    • ما هو أكثر مشهد لا تنساه من المعركة؟
    ــ بعد انتهاء ذخيرتنا كانت الطائرات الصهيوينة لا تزال تهاجمنا، فسألنى زميلى الشهيد الطيار، حسن لطفى: «اعمل إيه؟» فرددت عليه «اللى يدخل عليك إخبط فيه»، لأن هدفنا كان تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة، وبالفعل اصطدم زميلى بأحد الطائرات التى هاجمته فاستشهد، ودمر طائرة العدو، وفى ذلك الوقت كان يتبقى لدى 100 لتر وقود تكفينى لمدة 30 ثانية فقط، ودعوت الله حينها أن يتم نعمته وأنقذ طائرتى، وبالفعل نزلت بالطائرة على طريق مدق لا يتجاوز عرضه 8 أمتار، وطوله 150 مترا، على بعد 60 مترا من شاطئ البحر عند فنار الزعفرانة، والطائرة لمست الأرض وسرعتها 400 كيلو متر فى الساعة، ودخلت بالطائرة فى الرمل وأوقفت عجلاتها، ونزلت منها خارا ساجدا، بينما كانت طائرة اسرائيلية تحوم بحثا عن ضحاياهم من المعركة، إلا أننى اختبأت ووصلت فى نفس الوقت كتيبة تابعة للواء مشاة ميكانيكى، اطلقت نيرانها صوب طائرة العدو فابتعدت، فهللت للجنود المصريين، وبمجرد أن شاهدونى اعتقدوا أننى إسرائيلى، فانهالوا على ضربا وكسروا عمودى الفقرى بدبشك بندقية أخ عزيز مصرى، والحمد لله على كل حال.
    • كيف دوَّن الإسرائيليون تلك المعركة؟
    ــ أنتجوا فيلما ساخرا اسمه (Crazy egyptaion pilot) الطائر المصرى المجنون، وأنا سعيد بخوفهم وتصويرهم لشجاعتى بأنها جنون على العدو الصهيونى الذى كان يحتل أرضى ويهدد عرضى، وكان كل ما أفكر فيه هو ألا يحققوا هدفهم.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. الملف المصري 545
    بواسطة Aburas في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-04-24, 09:42 AM
  2. الملف المصري 544
    بواسطة Aburas في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-04-24, 09:42 AM
  3. الملف المصري 393
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-11-05, 10:44 AM
  4. الملف المصري 381
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-09-26, 11:39 AM
  5. الملف المصري 380
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-09-24, 10:28 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •