اقلام واراء محلي 579
25/12/2013
في هذا الملـــــف:
اتفاق إطار أم أوسلو (2)
هاني المصري/ جريدة الأيام
سلطتان فلسطينيتان مأزومتان!
رجب ابو سرية/ جريدة الأيام
لا مجال لأي ضغط على الفلسطينيين
حديث جريدة القدس
المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية أمام خيار اتفاق مرحلي
ماجد الشيخ/جريدة القدس
الجولة العاشرة و"اتفاق الإطار"
عريب الرنتاوي/جريدة القدس
تجربة العيساوي دروس وعبر
راسم عبيدات/ جريدة القدس
" الخديعة الكبرى "
عبد الرحيم ملوح/جريدة القدس
سوريا على درب الآلام
عدلي صادق/ الحياة الجديدة
العودة في الرؤية الاسرائيلية
عادل عبد الرحمن/ الحياة الجديدة
سامر العيساوي يصعد إلى القدس من جديد
يحيى رباح/الحياة الجديدة
خطة كيري تضع الرئيس الفلسطيني أمام خيارات صعبة
د.إبراهيم أبراش/وكالة معا
في ظل العبث .....
يونس العموري/وكالة معا
اتفاق إطار أم أوسلو (2)
هاني المصري/ جريدة الأيام
تتوارد الأنباء عن استعدادات أميركية غير مسبوقة وصلت إلى حد حجز السفارة الأميركية لخمسين غرفة في أحد الفنادق الكبرى في القدس، لتُشغِلَها الطواقم التي سترافق وزير الخارجية الأميركية في زيارته نهاية الشهر القادم أو بداية الشهر الذي يليه، من أجل عملية كبرى لفرض "أوسلو 2" مغطى باتفاقية إطار لا تسمن ولا تغني من جوع.
كما يثار جدل حول صحة ما يقال إن جون كيري طرح خطة من أجل التوصل إلى "اتفاق إطار" بدلاً من تسوية نهائية، تتضمن ترتيبات أمنية تتبني جوهر المطالب الإسرائيلية، لأن هناك مصادر متعددة تتحدث عن هذه الخطة وبنودها، بينما ينفرد صائب عريقات بتأكيد وجودها تارة، عندما قال في حديث للصحافيين في بيت لحم عشية الأعياد: نقبل اتفاقًا انتقاليًا لا تزيد مدته على عام، ويحدد الحدود وتبادل الأراضي ومكانة القدس واللاجئين والإجراءات الأمنية، بينما نفى في مقابلة أخرى القبول بذلك، كما نفى وجود خطة أميركية أصلاً.
وبغض النظر عن هذا الجدل، سأتناول في هذا المقال فكرة التوصل إلى "اتفاق إطار" لتبيان: هل هي خطوة صائبة، أم لا بد منها لأنها أهون الشرين، أم أنها خطوة ضارة وأضرارها مضاعفة كونها تعيد إنتاج تجربة أوسلو، ولم نتعظ مما جرى بعد أكثر من عشرين عامًا على توقيع ذلك الاتفاق المشؤوم؟
لنبدأ بالتعرف إلى ما تعنيه عبارة "اتفاق إطار" انطلاقًا من الوقائع الماثلة والخبرة المستفادة، فهي تعني اتفاقًا حول الخطوط العامة التي سيتم الاتفاق عليها من دون الدخول في التفاصيل، وتترافق مع اتفاق حول حل انتقالي يتضمن كل ما يمكن الاتفاق على تطبيقه في الجوانب المختلفة السياسية والاقتصادية والأمنية. أي أن "اتفاق الإطار" أكثر تفصيلاً من "إعلان المبادئ" وأقل تفصيلاً من "معاهدة سلام" نهائية، وسيتضمن ما يمكن الاتفاق عليه حاليًا وتأجيل ما يُختلف عليه إلى مفاوضات قادمة يتم الاتفاق على أن تنتهي خلال مدة أقصاها عام، ولكنها ستستمر إلى إشعار آخر، أو ستنتهي من دون اتفاق نهائي؛ ما يعني إعطاء الاحتلال مدة إضافية لكي يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس، إلى مليون مستوطن، بعد أن وصل حاليًّا إلى أكثر من 700 ألف.
إن التوصل إلى "اتفاق إطار" يعني عمليًا استمرار الأمر الواقع جوهريًا بصيغ وتفصيلات وتغطيات جديدة. وإذا كان استمرار الأمر الواقع مفيدًا للفلسطينيين أو أهون الشرين، فلم لا؟، "فما لا يدرك كله لا يترك جله"، أما إذا كان أسوأ الشرور جميعًا فيجب العمل بكل قوة لتغييره.
ما نراه في الواقع حاليًا أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي تحظى بتأييد غالبية الإسرائيليين تحاول وبمعدلات غير مسبوقة استكمال خلق الأمر الواقع الاحتلالي الاستيطاني العنصري، الذي يقطع الطريق على الاستجابة لأي حق من الحقوق الفلسطينية، بما فيها حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولة حتى على حدود 67، وما نراه على أرض الواقع أيضًا أن الحكومة الإسرائيلية بدعم أميركي وتواطؤ وعجز عربي ودولي تستخدم المفاوضات لكسب الوقت والتغطية على ما تقوم به؛ لتتجنب بروز خيارات أخرى لدى الفلسطينيين، والعزلة والضغوط المتنوعة التي يمكن أن تحدث إذا تم وقف أكذوبة ما تسمى "عملية السلام". لذا على الفلسطينيين تبني إستراتيجيات جديدة قادرة على تحقيق المصالح والحقوق الفلسطينية، أو على الأقل، إحباط المخططات الإسرائيلية وجعل الاستمرار في تطبيقها مكلفًا جدًا لإسرائيل؛ حتى لا يستمر الأمر الواقع الذي سيقود عاجلاً أو آجلاً الى قبوله والتعايش معه، وربما قبول إحدى صيغ الحلول الإسرائيلية.
لا نضيف جديدًا بالقول إن المفاوضات أحد أشكال العمل السياسي الضرورية، التي لا يمكن تجنبها إلا إذا كان بالإمكان اعتماد أشكال أخرى، مثل استخدام القوة العسكرية، أو غيرها من أشكال القوة لحسم الصراع من دون مفاوضات. فالمفاوضات تكون ضرورية عندما لا يستطيع أي طرف من طرفي الصراع حسمه لصالحه، ولكن حتى تكون المفاوضات مجدية لا بد من توفر استعداد للطرفين للمساومة، بحيث يحصل على جزء من مطالبه، ويتنازل كليًا ونهائيًا أو مؤقتًا وجزئيًا عن بقية المطالب.
إن الخبرة الطويلة العريضة للمفاوضات دلت على أن الاستعداد للمساومة توفر من جانب واحد، وهو الجانب الفلسطيني الذي قدم تنازلات كبرى بالاعتراف بإسرائيل، ووقف المقاومة المسلحة، وبالالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتجزئة القضايا والحلول، والاستعداد لحل متفق عليه بالنسبة للاجئين، والموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي"، وما يعنيه من ضم أراضٍ في الضفة والقدس المحتلة في أي حل نهائي، كما تدل المواقف والممارسات الإسرائيلية الحالية على عدم توفر أي استعداد إسرائيلي للمساومة، وعلى أنها تستخدم المفاوضات للتغطية على ما تقوم به من حسم للصراع لصالحها، أي لصالح طرف وضد مصالح الطرف الآخر؛ لذا فإن المفاوضات الثنائية برعاية أميركية ومن دون أسس ولا مرجعية ومن دون الاتفاق على وقف الممارسات الاحتلالية، وليس التوسع الاستيطاني فقط؛ سياسة ضارة على طول الخط لا يمكن أن يحصد الفلسطينيون منها لاحقا سوى ما حصدوه سابقًا من تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان واستكمال الجدار والعدوان والحصار والانقسام وتهميش القضية الفلسطينية.
يبرز هناك دائمًا رأي يقول إن وقف المفاوضات لم يؤد إلى وقف الممارسات الإسرائيلية، وخصوصًا إلى وقف الاستيطان، وهذا صحيح؛ لأن وقف المفاوضات بعد فشل وانهيار قمة "كامب ديفيد" ومباحثات "طابا" لم يؤد إلى اعتماد إستراتيجيات جديدة، ووقف المفاوضات بعد استئنافها بعد مؤتمر "أنابوليس" لم يكن وقفًا حقيقيًا للمفاوضات، بدليل عقد المفاوضات "التقريبية" و"الاستكشافية" وعدد هائل من اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية المختلفة، السرية والعلنية. لقد مُنِحَ خيار المفاوضات وقتًا طويلاً ولم يحقق شيئًا تقريبًا، وأضاع معظم ما تحقق في المرحلة التي سبقته التي تم فيها إحياء القضية وبلورة إطار وكيان واحد ممثل للشعب الفلسطيني ومدافع عن حقوقه وأهدافه الوطنية.
إن وقف المفاوضات كان جزءًا من عملية المفاوضات نفسها، وكان يستهدف دائمًا استئنافها بشروط أفضل أو أقل سوءًا، مع أنه أدى إلى استئنافها بشروط أسوأ، والدليل الدامغ على ذلك أن استئناف المفاوضات في نهاية تموز الماضي تم من دون الاستجابة لأي شرط من الشروط الفلسطينية، على أساس أن إطلاق سراح الأسرى القدامى تم بشروط سيئة وفي إطار صفقة تشمل تجميد التوجه إلى الأمم المتحدة.
في ظل الاختلال الفادح في ميزان القوى والهوة الواسعة جدًا بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني، والأوسع أكثر بين الموقف الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية التي تجاوزتها المفاوضات حتى في حدها الأدنى، وفي ظل عدم استعداد إسرائيل، ولا أقول الحكومة الإسرائيلية فقط، للمساومة ومنح الفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم أو مطالبهم التي تتقزم باستمرار المفاوضات؛ كانت المفاوضات وستكون ضارة.
تأسيسا على ما سبق، لا مفر إذا أردنا من تجاوز المأزق الشامل الذي واجهه ويكاد الجميع أن يعترف بوجوده من دون الجرأة على طرح خيار آخر قادر على شق مسار جديد ومنحه الوقت اللازم للنجاح، لأن الوهم بأن الحل على الأبواب والدولة على مرمى حجر لم يؤد إلى دولة ولا إلى حل، وأصبحنا أضعف وقدرة إسرائيل على فرض أحد خياراتها المفضلة أكبر.
المسار الجديد البديل تتضح معالمه باستمرار، وهو يبدأ بإعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام على أساس سياسي واضح واقعي من دون مغامرة ولا تفريط، وعلى أساس شراكة حقيقية لقوى شعب يمر بمرحلة تحرر وطني من دون أوهام بقيام دولة من دون إزالة الاحتلال أو برضا الاحتلال، وبعد ذلك الخيارات واضحة: وهي المقاومة بكل أشكالها التي تناسب كل مرحلة، والتدويل، والمقاطعة، ووقف التطبيع، والاستعداد للتخلص التدريجي من التزامات "اتفاق أوسلو"، واستعادة الأبعاد العربية والإسلامية والدولية والتحررية الإنسانية، والاقتناع بأنك لا تستطيع الحصول بالمفاوضات على ما لم تكن قادراً فعلاً على الحصول عليه والاحتفاظ به.
سلطتان فلسطينيتان مأزومتان!
رجب ابو سرية/ جريدة الأيام
إذا كانت سلطة حماس في غزة وجدت نفسها في ضائقة ليس لها حدود، حين تم إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر، فجأة منذ الثالث من تموز الماضي، الأمر الذي نجم عنه إغلاق كل الأنفاق التي كانت تربط بين غزة وسيناء، وتقديم الأموال الطائلة لحركة حماس وحكومتها في غزة، فضلا عن فتح "كوة" مهمة في جدار الحصار، فإن سلطة فتح في رام الله، ليست بأفضل حال، رغم أن الإدارة الأميركية في ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية، نجحت في تحريك عجلة المفاوضات التي كانت متوقفة لفترة وصلت إلى ثلاث سنوات.
بعد لجوء حركة حماس لفض الشراكة السياسية مع فتح بالقوة العسكرية في حزيران من العام 2007، ظلت حماس تسعى بكل ما أوتيت من قوة لجر حركة فتح إلى مصالحة دون شروط، فيما كانت فتح تصر على التراجع عن نتائج الانقلاب، وعلى تقديم حماس اعتذاراً للشعب الفلسطيني عما اقترفته من خطئية الاقتتال الداخلي، وظل الحال هكذا إلى حين، كان الطرفان يتجاذبان شد ورخي شعرة معاوية بينهما، أحيانا عبر التراشق الإعلامي المترافق مع اعتقالات لكوادر الطرفين لديهما، وأحيانا أخرى عبر تهدئة إعلامية/ أمنية، وهلم جرا.
ورغم أنهما في أكثر من مناسبة وقعّا على اتفاقات للمصالحة وإنهاء الانقسام، إلا أن ترجمة الاتفاقيات بينهما لم تجد طريقها للواقع أبدا، وكان واضحا أنه وحسب الظروف، يتشدد هذا الطرف هذه المرة فيما يتشدد ذاك تلك المرة، والنتيجة أن حالة "عض الأصابع" بينهما قد طالت واستمرت، إلى حيث يمكن القول إنهما ومعهما الكل الوطني، فضلا عن المصلحة الوطنية العليا وعموم الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده قد خسر جراء هذه الحالة، فلا حماس ظفرت بغزة محررة، رغم كل محاولات الحركة مع حلفائها وكوادرهم في كل مكان، لم تنجح في فتح لا معبر رفح ولا البحر، كما أنها لم تنجح في فتح الأبواب السياسية المغلقة في وجهها من قبل الغرب منذ أن نشأت الحركة.
وباستثناء اتفاقيات التهدئة التي كانت تعقدها الحركة مع الجانب الإسرائيلي عبر الوساطة المصرية، بما في ذلك صفقة تبادل الأسرى مع شاليت، وهي تفاهمات أمنية وليست سياسية، لم تحقق الحركة أي مكسب سياسي، أفضل مما حققته عبر صناديق انتخابات العام 2006.
أفضل لحظة عاشتها الحركة كانت من حزيران 2012 إلى حزيران 2013، أي ذلك العام الذي تولى فيه مرسي العياط منصب رئاسة مصر، حيث لم تبد الحركة أي استعداد لمتابعة طريق المصالحة، وأظهرت ميلا لإغلاقه للأبد، وأكثر من ذلك داعبتها الأحلام، بإقامة منطقة حرة بين غزة ومصر، وحتى فتح قنصلية مصرية في غزة!
طبعاً كل ذلك تبدد مع سقوط حكم الإخوان، حيث سرعان ما تدهورت أحوال غزة، فقد تمت العودة لصيغة إغلاق معبر رفح وفتحه بقرارات إدارية/ سياسية بين فينة وأخرى، وأسوأ أمر كان هو إغلاق الأنفاق، لذا فقد ارتفعت عقيرة حماس بالعودة لأجواء المصالحة ولأول مرة يتم عرض إدارة مشتركة لغزة بين حماس وفصائل العمل الوطني، لكن دعوات حماس قوبلت بآذان صمّاء من قبل السلطة في رام الله، وأبعد ما قوبلت به تلك الدعوات من قبل قادة فتح والناطقين باسمها، هو أنها لم تتضمن أي شيء جديد، وأنها لا تستجيب لمتطلبات إنهاء الانقسام!
طبعا وكأن القدر أو أن يدا خفية تلعب من وراء الكواليس، ففي اللحظة التي كان يسقط فيها حكم الإخوان في مصر، كانت الطريق تنفتح أمام جون كيري ليعيد الفلسطينيين والإسرائيليين للمفاوضات، الأمر الذي وجدت فيه سلطة فتح فرصة للتقدم على خشبة المسرح السياسي، رغم أن المفاوضات جرت، منذ البداية بشكل ملتبس، ودون شروط المفاوض الفلسطيني للعودة للمفاوضات، أصلا، وقد بات مع الحديث عن اتفاق الإطار، أن المفاوضات تجر الطرف الفلسطيني إلى مأزق حقيقي، يضع سلطة رام الله في موقف حرج للغاية، فهي إن قبلت اتفاق الإطار، ستواجه بمعارضة سياسية وشعبية عريضة، وإن رفضته فإنها ستواجه مشاكل جمة على الصعيد الخارجي، ستواجه ضغوطا أميركية وأوروبية، أقل ما يمكن أن ينجم عنها، هو عجزها عن تمويل سلطتها، وفي المقدمة بالطبع فاتورة المرتبات الشهرية.
لن ندخل في هذه المقالة بما يشاع من تفاصيل اتفاق الإطار، ومدخله الأمني، الذي عبر عن توافق أميركي/ إسرائيلي ليس فقط لما يجب أن تنتهي إليه المفاوضات، بل للسياق الذي ستجرى فيه، والذي أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه يسعى إلى تمديد المرحلة الانتقالية الحالية، إلى أن تتم إعادة ترتيب الإقليم. لكننا نريد القول بكلمة واحدة فقط، وهي أنه إذا كان الطرفان يعيشان في مأزق حقيقي، فلم كل هذه المكابرة، ومحاولة أحدهما تحقيق النصر على الآخر، رغم أن ثمن ذلك هزيمة كليهما أمام الآخرين، ولم يلجأ أحدهما أو كلاهما، في لحظة الضائقة للآخرين ـ عربا أو مسلمين أو أجانب ـ ولا يلجأ إلى شقيقه، وإلى شعبه، حيث لا بد أن يجد الملاذ، وربما الخلاص، قبل أن يضيق الشعب ذرعا بهما معا ومعهما الاحتلال، وكثير من القوى الإقليمية، وينتفض وفق مقولة ـ يا وحدنا!
لا مجال لأي ضغط على الفلسطينيين
حديث جريدة القدس
التقارير التي تتحدث عن ضغوط محتملة قد تمارسها الولايات المتحدة على الجانب الفلسطيني في المفاوضات التي ترعاها واشنطن بين اسرائيل والفلسطينيين لن تعود بأي جدوى، ولن تثمر عن أي تغيير في المواقف الفلسطينية الثابتة من القضايا موضوع التفاوض، وعلى رأسها ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل وجدول زمني لتنفيذه.
ولا مجال لأي تغيير في المواقف الفلسطينية، لأن الجانب الفلسطيني قدم كل التنازلات في السابق، وأثبت مرونة قياسية في التجاوب مع الطروحات والمبادرات العربية والدوليةالتي وقفت منها اسرائيل موقف التحفظ على أقل تقدير، والرفض القاطع في كثير من الحالات.
محور المواقف الفلسطينية هو مرجعيات الشرعية الدولية التي نصت صراحة، ودون مواربة، وبموافقة دول العالم كلها، بما فيها الولايات المتحدة، على انسحاب اسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، وهذا ما ورد في قراري مجلس الأمن ٢٤٢ و٣٣٨. فالسلام العادل الذي دعت إليه تلك المرجعيات لا يمكن تحقيقه ما دامت اسرائيل تحتل ولو شبرا واحدا من الأراضي الفلسطينية، إلا إذا تمت مبادلته بما يماثله في المساحة والأهمية من الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر، وبتوافق بين الجانبين.
ومن هنا فإن إصرار الجانب الفلسطيني على حدود العام ١٩٦٧ كأساس لمفاوضات الجلاء عن الأراضي المحتلة، هو مجرد تحصيل حاصصل وليس شرطا مسبقا. والأراضي التي يطالب الفلسطينيون بالانسحاب منها هي أراض محتلة بمفهوم القانون الدولي، وليست أراضي متنازعا عليها كما تزعم اسرائيل انسجاما مع أطماعها الاحتلالية والاستيطانية.
والقدس مدينة تم احتلالها مع محيطها في الضفة الغربية عام ١٩٦٧، وبالتالي فإن القرارين الصادرين عن مجلس الأمن ينطبقان عليها بنفس القدر الذي ينطبقان فيه على امتدادها في الضفة الغربية، وليس هناك من سند للتعامل معها بطريقة مختلفة وفقا للادعاءات الاسرائيلية.
وفي الأساس، فإن الاستيطان مرفوض ومدان دوليا باعتباره العقبة الكبرى أمام السلام. ومن غير الممكن للفلسطينيين التعايش مع الاستيطان، أو ابتلاع وجوده بين ظهرانيهم شوكة في حلوقهم، وعائقا أمام التواصل والاتصال بين أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة.
أما قضية اللاجئين وحقهم في العودة لديارهم أو التعويض لمن لا يريد ممارسة هذا الحق، فهو حق لا ينقضي بالتقادم، ولا يمكن لأي مسؤول فلسطيني من أي مستوى كان التنازل عن هذا
الحق، أو المساومة بخصوصه.
ويكفي أن قبلت منظمة التحرير الفلسطينية وجود اسرائيل في حدود ١٩٦٧، أي على ٧٨ في المائة من أرض فلسطين التاريخية، وهذا القبول هو، بحد ذاته، أكثر التنازلات إيلاما في التاريخ الفلسطيني المعاصر. ولم يبق، والحالة هذه، ما يمكن للفلسطينيين التنازل عنه أو التفريط فيه. وهذه هي الحقيقة التي يتوجب على كافة الأطراف الدولية، دون استثناء الولايات المتحدة راعية المفاوضات الراهنة، إدراكها ووضعها في الاعتبار على الدوام.
المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية أمام خيار اتفاق مرحلي
ماجد الشيخ/جريدة القدس
يبدو أن الأميركيين باتوا يشددون ضغوطهم على الطرف الفلسطيني، بدلاً من أن يوجهوا تلك الضغوط للجانب الإسرائيلي، في مفاوضات متعثرة ومتعسرة، بدأها وزير الخارجية الأميركي جون كيري بآمال واسعة على أمل أن تتوصل إلى نتائج إيجابية خلال تسعة أشهر، مضى حتى الآن نصفها من دون أن تنجز أي حل لمسألتي الحدود والأمن، وهما اللتان اعتبرتا أبسط مسائل المفاوضات الست.
وبعد جولات مكوكية فاشلة أو نصف فاشلة على الأقل، لم يكن اللقاء الأخير بين كيري والقيادة الفلسطينية مريحاً، في أعقاب استماعه لردود الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على اقتراحات أميركية لإنهاء الخلاف على ملفي الأمن والحدود، والتي تأتي في سياق «خطة الترتيبات الأمنية» التي وضعها فريق أميركي متخصص.
وفي سبيل إنهاء الخلاف على هذين الملفين، التي بدأت عملية المفاوضات بهما، قدم كيري خلال جولته السابقة، بعد لقائه بعباس ونتانياهو كلاً على انفراد، «خطة الترتيبات الأمنية» التي زعم أنها تضع حلولاً لقضية الأمن وحدود الدولة الفلسطينية المرتقبة، ولأن المسألة ليست سهلة، طلب كيري تمديد فترة التفاوض أكثر من الفترة التي اتفق عليها.
القيادة الفلسطينية من جانبها رفضت الخطة الأميركية الجديدة، كونها لا تلبي طموحها في الإشراف على حدودها مع الأردن، ولا تعطيها السيطرة على منطقة الأغوار والمعابر وتكرس الاحتلال، في وقت لا يخفي مسؤولون فلسطينيون أن الوضع العربي العام في هذه الأوقات، الذي يعتريه الضعف، لا يساعد كثيراً في التدخل لمصلحة الموقف الفلسطيني بالضغط على واشنطن.
وكانت اقتراحات كيري تركز على الترتيبات الأمنية في غور الأردن، حيث يطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في حال إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، بالحفاظ على انتشار عسكري إسرائيلي على طول الحدود مع الأردن، مستبعداً ترك مسؤولية الأمن في هذه المنطقة لقوة دولية، أو لقوة فلسطينية - إسرائيلية مشتركة، وهو ما يرفضه الفلسطينيون بشكل قاطع، باعتباره استمراراً للاحتلال وانتقاصاً من سيادتهم.
وفي أعقاب الجولة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي، رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس الخطة الأمنية التي عرضها كيري، والتي تنص على إبقاء وجود عسكري إسرائيلي في غور الأردن، على ما أفاد مسؤول فلسطيني قريب من الملف، وصف اللقاء بأنه «أسوأ من سيىء»، موضحاً أن عباس رفض الأفكار الأمنية لكيري في رسالة رسمية مكتوبة سلمها إلى الجانب الأميركي، مضيفاً أن «الرسالة تتضمن الموقف الفلسطيني من رؤيته للحل، وأولها رفض مطلق للاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية».
وكانت «خطة الترتيبات الأمنية» قد نصت على بقاء التواجد العسكري الإسرائيلي على الحدود المفترضة للدولة الفلسطينية، على أن يخفف تدريجياً وفق الوضع الأمني على الأرض على مدى أربع سنوات، وإبقاء «قوات مختارة»، إلى جانب ترتيبات أمنية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة في مراقبة الحدود، والتي يمكن للولايات المتحدة المساعدة بها.
وإضافة إلى التهديد بالانسحاب من العملية، وفي مسلسل الضغوط وإقامة نوع من المقايضات المجحفة بحق الطرف الفلسطيني، بدأت الإدارة الأميركية تمارس ضغوطها على القيادة الفلسطينية في محاولة لإجبارها على قبول الخطة، حيث أرجأ كيري تنفيذ إطلاق الدفعة الثالثة من الأسرى الفلسطينيين القدامى، وفق الاتفاق الذي جرى قبل انطلاق المفاوضات. في حين كانت إسرائيل وافقت على إطلاق سراح 104 أسرى من القدامى، الذين اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو، على أن يوقف الفلسطينيون مساعيهم الهادفة للالتحاق بالمؤسسات الدولية طوال فترة التفاوض، ووضعت مواعيد لعملية إطلاق الأسرى، وحذرت القيادة الفلسطينية من الإخلال بموعد الإفراج عنهم.
في هذه الأجواء الملبدة والتعقيدات المتزايدة، تتردد أنباء مفادها أن الإدارة الأميركية تسعى إلى «اتفاق مرحلي»، قبل انقضاء الشهور التسعة المخصصة للمفاوضات التي ترعاها، ما يخالف الأسس التي انطلقت منها المفاوضات، والتي تنص على الاتفاق على مجمل قضايا الخلاف خلال المدة المحددة. وهناك توقع كبير بأن يحصل ذلك بسبب صعوبة المفاوضات التي لم تحرز أي تقدم بعد انقضاء خمسة شهور منها. في وقت تعهد نتانياهو بإجراء استفتاء شعبي على أي اتفاق قد يتم التوصل إليه مع الفلسطينيين، ونقل عنه القول خلال اجتماع لكتلة حزب «الليكود» البرلمانية، أن ما يحسم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق من عدمه لن يكون تشكيلة الائتلاف الحكومي، وإنما ماهية الاتفاق وهل يلبي المتطلبات الوطنية الإسرائيلية.
وهنا مربط الفرس، حيث يراهن نتانياهو وائتلافه الحكومي على الإجماع القائم داخل إسرائيل، لرفض أي اتفاق مفترض مع الفلسطينيين، يمكن أن يُجبر على توقيعه جراء الضغوط الأميركية تحديداً، والتذرع في ما بعد بنتائج الاستفتاء المعروفة سلفاً. ما يعني نسف أي اتفاق قبل أن يجف حبره. ومن جهة الفلسطينيين فليسوا في وارد سلق أي اتفاق والموافقة عليه في ظل استجابة الإدارة الأميركية للشروط الإسرائيلية، الساعية أصلاً لنسف المفاوضات، لا لتقديم تسهيلات لها تمهد لإنجاحها. وعلى العموم ما زالت مسألة المفاوضات تراوح في مكانها المعهود: دائرة الفشل أو الإفشال، لا فرق.
الجولة العاشرة و"اتفاق الإطار"
عريب الرنتاوي/جريدة القدس
يبدو أن الوسيط الأمريكي جون كيري، يتجه لفرض "اتفاق إطار" على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، يمهد للتمديد للمفاوضات المباشرة سنة أخرى على أقل تقدير، وفقاً لما صرح به صائب عريقات «كبير المفاوضين»، وقد تكون الجولة العاشرة للوزير الأمريكي، نقطة تحوّل جديدة، في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
ومن الواضح تماماً، أن "الاتفاق" الجديد في حال تمريره، يخدم بكل وضوح مصالح إسرائيل وحساباتها وهواجسها الأمنية، الصحيح منها و"المفبرك"، أما فيما يخص حقوق شعب فلسطين الثابتة، فإن الاتفاق الذي سيسقط بعضها، سيتطرق لبعضها الآخر، بلغة عمومية، حمّالة أوجه، وقابلة للتفسير وإعادة التفسير، في ضوء التطورات على الأرض، كما عبّر عن ذلك، غير مسؤول فلسطيني.
لا نريد أن "نستبق البلاء قبل وقوعه"، لكن تلك آثارنا تدل علينا، فانظروا من بعدنا إلى الآثار ... وآثار مهمة كيري ترتسم في خطته الأمنية، التي تكرس تأبيد الاحتلال الإسرائيلي للغور والمرتفعات والمعابر والحدود، وتجعل من أي دولة فلسطينية منتظرة، سجناً كبيراً، لا يختلف بحال، عن السجن الكبير الذي يُحتجز فيه سكان الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام النكسة وحتى اليوم.
وثمة ما يشير إلى إصرار كيري على تبني وجهة نظر نتنياهو واليمين المتطرف، حول "يهودية الدولة"، وإرجاء البحث النهائي في ملفي القدس واللاجئين، كما تشير تسريبات عدة ... ما يعني أن "اتفاق الإطار" سيحفظ "حقوق" إسرائيل من دون انتقاص، وبكل ما تحتاجه من لغة القطع والحزم والوضوح، أما فيما يخص حقوق الفلسطينيين، فالمسائل دائماً، غائمة وعائمة ومعومة، وقد يستعير "أوسلو 2" لغة الغموض "البناء" من "أوسلو 1"
الصورة تبدو ضبابية بعض الشيء ... ثمة "نبرة" من داخل السلطة تشي بميل واضح للمساومة والتساوق مع كيري ومبادرته ... وهي نبرة تغذيها ضغوط بعض العواصم العربية على الجانب الفلسطيني ... لكننا نسمع من بعض أوساط السلطة، كلاماً مغايراً، يتحدث عن "مخطط" و"محاولة" لتسويق الاحتلال وتبرير استدامته، وهو أمر لن يقبله أي فلسطيني في السلطة وخارجها، نأمل أن يترجم إلى "موقف ووقفة"، لا للتاريخ فحسب، بل وللمستقبل كذلك.
مرة أخرى "الماء يكذب الغطاس"، وأن التاسع والعشرين من الشهر الجاري لناظره قريب ... وسوف تتبدد قريباً ثلوج عاصفة كيري ليظهر ما تحتها، مع أننا بتنا والحق، نقلق تماماً من مغبة اضطرار الجانب الفلسطيني للقبول بمبادرة كيري واشتراطاته الثقيلة، وثمة دواعٍ للقلق، منها ما نطق به البعض في العلن بشكل خاص، ومنها ما يتردد في السر على ألسنة بعض المسؤولين الفلسطينيين.
يقول الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أن أي اتفاق يتوصل إليه مع الجانب الإسرائيلي، سوف يعرض على الشعب الفلسطيني في استفتاء عام، يشمل أهل الضفة والقطاع والمهاجر ... حتى الآن يبدو "المقترح" ديمقراطياً وتشاركياً، وهذا جيد ... لكن الأصل، ألا يقبل الرئيس عباس ابتداءً بأي اتفاق ينتقص من "الحدود الدنيا" لحقوق شعبه الوطنية، كما أقرتها مجالسه الوطنية وقراراته هيئاته الوطنية ومقررات إجماعه الوطني، وأهمها حق العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
المهم، ألا يكرر الجانب الفلسطيني تجربة "أوسلو زائد"، فنعود لاتفاقات إطار وحلول مؤقتة وانتقالية، لكأن 20 عاماً من تجريب المجرب لا تكفي لتعلم الدرس القاسي والمرير ... يبدو أن عطباً أصاب صلابة المفاوض الفلسطيني حول هذه النقطة بالذات، ولقد رأينا من يروّج لتمديد المفاوضات و"اتفاق الإطار" بوصفه خياراً قابلاً للأخذ به فلسطينياً.
مقررات وزراء الخارجية العرب، تدفع بهذا الاتجاه، الكثير من الانتقادات للموقفين الأمريكي والإسرائيلي جرى تداولها في القاهرة، بيد أنها لم تصدر في البيان الختامي الصادر عن الاجتماع ... وثمة قرارات ومطالب اعتاد الوزراء على اتخاذ ما يشبهها في اجتماعات سابقة، من دون أن تعني شيئاً، من نوع: تكليف لجنة للاجتماع بالوزير الأمريكي، والتأكيد على مبادرة السلام العربية ... والحقيقة أن الأهم من الاجتماع مع كيري هو ماذا سيقال له، ألم يصادق الوزراء أنفسهم على مبدأ تبادل الأراضي في لقائهم مع كيري، مجاناً وكعربون صداقة، لحفزه على امتطاء موجتهم حيال سوريا؟ ... كم مرة جرى التشديد فيها على مبادرة السلام العربية منذ إقرارها في 2002، وهل أفلح ركام القرارات الوزارية في بث بعض الروح في عروق المبادرة المتيبسة؟
يبدو أن أسبوعاً واحداً فقط، بات يفصلنا عن واحد من أهم المفاصل والمنحنيات التي تواجه مسيرة الشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل الحرية والاستقلال ... وحتى ذلك الحين، سنبقي أيدينا على قلوبنا.
تجربة العيساوي دروس وعبر
راسم عبيدات/ جريدة القدس
أمس الاول عانق الأسير القائد المقدسي سامر العيساوي الحرية،ليعود ظافراً منتصراً الى مسقط رأسه في قرية العيساوية التي تبعد عدة كيلو مترات عن الأقصى والقيامة فقط،الأقصى الذي يتعرض لمخاطر التقسيم الزماني والمكاني الفعلي على يد الجمعيات الإستيطانية المتطرفة،سامر شكل حالة استثنائية على صعيد الحركة الأسيرة الفلسطينية،وهذا ليس لكونه خاض فقط اطول ملحمة بطولية على صعيد الحركة الأسيرة فلسطينياً وعربياً ودولياً،ملحمة الأمعاء الخاوية،والتي امتدت لتسعة شهور ونيف،بل لكونه أعاد تجليس الهرم لكي يجلس على قاعدته بدل رأسه،بالقول بأن الإرادة والثبات على الموقف والمبدأ قادرة على تحقيق الإنتصارات،وان إستدخال الهزائم او ما يسمى بالواقعية و"الكف لا يناطح المخرز"،لن تحرر وطناً ولا أسرى ولن تصنع حرية،وأثبت وبرهن القائد سامر بالممارسة والفعل والتضحية،بأن إمتلاك ذلك يمكن ان يحقق النصر على اعتى القوى المتغطرسة،فهو رفض كل أشكال المساومات،متسلحاً بإرادة وقرار جريء وعزيمة لا تلين، رافعاً شعاره الناظم بأن لا عودة إلا للعيساوية،وغير ذلك الشهادة في سبيل الوطن والحرية،ولا اخفيكم القول بأننا سعينا الى إجراء نقاش مقدسي حول خطوة سامر بعد مضي ما يقرب من سبعة شهور على قيامه بالإضراب عن الطعام،حيث كنا نبحث عن مخرج،لا يجعل سامر يعود الينا محمولاً على الأكتاف،فنحن نريده حياً نستلهم من تجربته ونبني عليها للمستقبل،ولا أخفيكم بأنه كانت تساور البعض منا الشكوك بأن هناك من يدفع بسامر نحو هذا الخيار من أجل ان يتسلق على تجربته ونضالاته وتضحياته،ففي مثل هذه المعارك غير المعهودة في النضال،تصبح هكذا شكوك مشروعة، ونحن كان هاجسنا سلامة سامر وعودته حياً،وان تكون تجربته بروفة لمعارك إعتقالية اوسع وأشمل،ولكن كل اطروحاتنا وتنظيرتنا سقطت امام صمود هذا العملاق،حيث كان هناك جزم وحزم بأن لا خيار سوى ما إختاره سامر،النصر او الشهادة،والمطلوب فقط دعم صموده وتنظيم اوسع عمليات تضامن واحتجاجات ومسيرات واعتصامات ومظاهرات شعبية وجماهيرية دعماً ونصرة لخطوته النضالية.
والدرس الآخر المستفاد من تجربة القائد العيساوي،هي قضية رفض الإبعاد،تلك القضية الخطيرة،التي قلنا انها واحدة من مثالب صفقة التبادل،صفقة الوفاء للأحرار،على الرغم من تثميننا وتقديرنا العالي لها،التي أبعدت قسراً ما لا يقل عن 40 % من الأسرى المحررين عن ديارهم وبيوتهم،والقول بأن من أبعدوا الى غزة، ذهبوا الى وطنهم،كلام لا يصمد أمام الوقائع والحقائق،فالذاهب الى أرض الوطن غزة وغيرها يكون بإرادة وخيار حر طوعي وليس إلزام قسري،فنحن من تجربة مبعدي كنيسة المهد عام/2002،كان علينا ان نستلهم الدروس والعبر،حيث تم إبعادهم بشكل مؤقت لمدة ثلاث سنوات،ولم يعد أحد منهم حتى الان، فالمبعد المناضل عبدالله داود الذي إستشهد في الخارج،لم يسمح بدخول جثمانه ليدفن في أرض الوطن،وكذلك حال كل الأسرى الذين جرى إبعادهم في صفقة الوفاء للأحرار،وانتهت مدة إبعادهم،لم يوافق الإحتلال على عودة أي منهم،فهذا الإحتلال خبرناه وعرفناه جيداً،لا يلتزم بأية اتفاقيات ولا أعراف ولا مواثيق دولية،تعتمد على حسن النوايا أو غير موثقة وموقعة من أطراف دولية ضامنة لتطبيقها وتنفيذها،وحتى تلك الموقع والموثق منها كثيراً ما يخرقها ولا يحترمها،وقد وعى الأسير القائد العيساوي الدرس والتجربة جيداً،برفضه كل صيغ الإبعاد التي طرحت عليه،وأصر على العودة إلى مسقط رأسه في العيساوية،وكذلك فترة الحكم أصر على ان تكون مقرة وموثقة بتوقيع المحامين وقضاة محاكم الإحتلال،وليس عبر وعود شفوية من اجهزة قمع ومخابرات صهيونية تتنصل منها بعد إنتهاء الخطوة النضالية مباشرة.
والدرس الآخر المستفاد من تجربة الأسير القائد العيساوي،هو البيئة الحاضنة للأسير العيساوي،فهو ولد وتربى في عائلة مناضلة قدمت الشهداء والجرحى والأسرى،فقد إستشهد شقيقهم فادي في المناشطات التي اعقبت مجزرة الأقصى/1994 وكان ناشطا في الإنتفاضة الأولى- انتفاضة الحجر،وكان احد قادتها الميدانيين،اما شقيقه مدحت الذي عرف طريقه لسجون الإحتلال اكثر من مرة،فقد تحرر من الأسر قبل أسبوع على تحرر القائد سامر،وكذلك شقيقيه شادي ورأفت كان معتقلين سابقين وشقيقتهم المحامية شيرين العيساوي،أما الوالدين "أبو رأفت وأم رأفت"فهم نماذج صارخة في التضحية والفداء والصمود والتحدي والكفاح والنضال،وانا لا أبالغ بان والدتهم ضربت مثلاً رائعاً ومميزاً في قوة أعصابها وتحملها وصبرها،وأنا واثق بأنه لو كانت أم غير هذه الأم الفولاذية،لمارست كل أشكال الضغوط على إبنها من أجل ان يفك إضرابه المفتوح عن الطعام،وذلك بغريزة الأم التي لا تريد أن تفقد او تخسر إبنها،ولكن تلك الأم النموذج والرائعة تحملت ما لا تتحمله الجبال،فقالت أنا مع خيار ابني،فإما حرية او شهادة،وهذا قرار يحتاج الى جرأة عالية وأعصاب فولاذية ودرجة غير مسبوقة من الإنتماء.
نعم البيئة الحاضنة من الأسرة والأصدقاء والرفاق والجماهير،لعبت دوراً مركزياً في معركة القائد سامر الإعتقالية،وانا واثق بأنه لو كان هناك إحتضان رسمي بالمستوى المطلوب،لأمكن تحقيق هذا النصر بزمن أسرع،وهذا النصر يجب أن تستلهمه وتتعلم منه بعض القيادات التي تواصل مفاوضات عبثية ،لن تؤدي سوى الى المزيد من ضياع وخسارة تلك الحقوق وتبدد مشروعنا الوطني،فأظن بأن ما يحمله كيري من مشروع سياسي لحل إنتقالي،سيصيب من مشروعنا الوطني مقتلاً،وهذا المشروع أخطر من أوسلو كثيراً.
الأسير القائد العيساوي،حقق إنتصارا كبيراً،انتصاراً يحق لسامر ولعائلته ولرفاقه ولحزبه ولثورته ولكل أبناء شعبه أن يفخروا به،فهذا انتصار يسجل،في ظل تراجع شهدته وتشهده اوضاع الحركة الأسيرة الفلسطينية،والتي عليها أن تدرك جيداً بأنها مستهدفة كمجموع وليس كأحزاب وفصائل منفردة،وبدون وحدة اداتها التنظيمية الوطنية،فلن تستطيع تحقيق إنتصارات جدية وحقيقية.
" الخديعة الكبرى "
عبد الرحيم ملوح/جريدة القدس
قبل أقل من عام وفي النصف الثاني من شهر آذار الماضي ، قام رئيس جمهورية أمريكا باراك أوباما ، بزيارة للمناطق المحتلة وبعد عام تقريباً وفي نيسان 2014 ستنتهي المدة الزمنية التي حددها وزير خارجيته جون كيري للمفاوضات الثنائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول كافة الموضوعات النهائية . وتعريف النهائية مستقى اساساً من إعلان المبادئ والمعروف جيداً باتفاق أوسلو ، علماً أنه كان يجب أن تنتهي مدته الزمنية في عام 1999 ، ولا زال مستمراً حتى الآن وربما لفترة زمنية أخرى . فاتفاق القاهرة الذي سمّي أوسلو 2 لم يلغ اتفاق اوسلوا واتفاق باريس الاقتصادي كذلك . فلا زلنا نعمل وفق هذه الاتفاقات الثلاثة وكأنها القدر الذي لا يرد سياسياً.
وفي المحادثات الأخيرة انحازت إدارة أوباما في دورتها الثانية بما فيها وزير خارجيته جون كيري لتلبية المصالح الإسرائيلية العليا ، ولمطالب حكومة اليمين الإسرائيلي العنصري . فالإدارات الأمريكية المتعاقبة تنحاز باستمرار للمصالح الإسرائيلية العليا كونها تمثل التحالف الأساس لها ولمصالحها في المنطقة ، حتى لو تعارضت المواقف الأمريكية مع الشرعية الدولية، وبالنسبة لإسرائيل فهي دولة قائمة بقوة الاحتلال ومتعارضة دائماً وفي كل ممارساتها مع الشرعية الدولية.
لقد حدد جون كيري بأن المحادثات الإسرائيلية – الفلسطينية برعاية أمريكا سوف تنتهي بحدود 6-9 أشهر . وأنتدب عن أمريكا مارتن أندريك ومؤخراً ديفيد ماكوفسكي كممثليه عن الإدارة بما فيها الخارجية الأمريكية لهذه المفاوضات وهما مع الصهيونية ضد حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني . وبرغم رفض غالبية الفصائل السياسية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني لهذه المفاوضات والأسس والمرجعيات الذي قامت عليها. حتى أن عضو اللجنة المركزية والوفد المفاوض د . محمد اشتيه استقال منذ 2013.11.5 أي بعد أربعة أشهر من بدء المفاوضات . وحدد أربعة أسباب لاستقالته وفق محاضرته في بيت جالا مؤخراً في حين أن صائب عريقات مسؤول الوفد المفاوض الفلسطيني بشرنا بأنه سيتم بعد نيسان 2014 سنة للتفاوض على اعلان المبادئ كما يجري الان الحديث الأمريكي ، وهذا هو موقف نتنياهو المتخلص بما يلي:
1- الاتفاق على إعلان مبادئ في نهاية آذار بداية نيسان أي بعد 9 أشهر ومن ثم عن عام كامل إذا استجابت سلطات الاحتلال لتطبيق هذا الإعلان. علماً أن إعلان المبادئ هذا يكمن فيه كل شيء واضح ومحدد اسرائيلياً ، بينما كل شيء فلسطيني غير واضح وغير محدد . الأمر الذي دفع الرئيس عباس بأن يرسل للرئيس أوباما رسالة غير رسمية [ non paper ] لتحديد الموقف مما طرحه نتنياهو وفق ما جاء به كيري . جيد أن يرسل الرئيس عباس رسالته هذه ، ولكن الأفضل أن تكون رسالة رسمية لأن نتنياهو وكيري واوباما من المفترض أنهم يتعاملون معنا رسمياً .
2- القدس : لقد وافق الطرف الفلسطيني على أنها عاصمة لدولتين هما [ فلسطين وإسرائيل ] وان تكون لها بلدية مفتوحة وتشكل من بلدية للقدس الشرقية وبلدية من القدس الغربية، ولكن الوفد الإسرائيلي حتى الآن يرفض هذا ولسان حالها يقول أن القدس الموحدة هي عاصمة اسرائيل. الأنكى من هذا أن الوفد الفلسطيني وقع بالورطة الإسرائيلية فهي ترفض رؤيتنا ومشروعنا بذريعة أن تبحث بموضوع القدس الشرقية وليس القدس الغربية، وبالتالي من غير الصحيح أن يتدخل الطرف الفلسطيني بشؤون القدس الغربية ، ولآن سلطات الاحتلال تبحث شأن القدس الشرقية فالتفاوض يتم عليها لا غيرها.
3- فيما يتعلق باللاجئين وحق العودة وفق القرار ألأممي 194 لا يحث بعودتهم الى ديارهم التي هجروا منها وفق هذا القرار . يمكن البحث بعودة جزء منهم الى أراضي السلطة الوطنية والجزء الاكبر إسكانه هنا وهناك في الدول التي تقبل بهم ولحل مشكلتهم فيها . والعودة ممكن أن تتم بلم شمل العائلات مع أن غالبية الآباء والأمهات قد ماتوا وبموافقة الاحتلال الإسرائيلي.
4- الاستيطان: وجهة النظر الإسرائيلية لا تفكيك للاستيطان والجدار ...الخ وكل المستوطنات باقية مكانها وتكبر وتسمن باستمرار ، ومؤخراً جرى حديث الوفد الإسرائيلي للمفاوضات الثنائية برعاية أمريكا عن المساحات المطلوبة من أجل التوسع الاستيطاني ومن أجل ربط المستوطنات مع بعضها . مثلاً مستوطنات ( بسيغوت + عوفرا + بيت ايل ) يمكن ربطها وما بينها من مساحات جغرافية مع بعضها البعض .
5- الأغوار ؛ نقاط الحدود الشرقية : الإصرار على أن تكون منطقة الأغوار والحدود الشرقية بيد جيش الاحتلال الإسرائيلي اساساً . وبأن يكون معبر الكرامة مثلاً برقابة إسرائيلية على من يدخل او يخرج من الفلسطينيين وضيوفهم . كما كان أيام أتفاق أوسلو.
6- نقاط المراقبة على الجبال : عدة نقاط للمراقبة على الجبال لصالح الجيش الإسرائيلي من جنوب الضفة حتى شمالها وكلها تحتاج الى مواصلات وطرق اتصال ...الخ .
7- الأنكى من كل هذا أنهم لا يريدون أن يكون للفلسطيني مطار وخاصة بالضفة ، ولسان حالهم أن اذهبوا الى الأردن لإقامة هذا المطار ، في الشونة او الكرامة ...مثلاً حتى يتسنى لهم مراقبة كل فلسطيني يسافر ، وربط الأردن مع فلسطين وبإطار شبكة إسرائيلية واحدة ، وبحيث تمر جميع وثائق السفر عبر الجانب الإسرائيلي . ويرفضون إقامة مطار فلسطيني في قلنديا كما كان قائماً قبل عام 1967.
هذا ما حمله كيري وتبناه سياسياً وعملياً من نتنياهو ، ووافقنا على أن يجلس مدير مخابراتنا مع جون ألن لمناقشته في الخطة الأمريكية الأمنية التي حملها كيري من نتنياهو. الأمر الذي دفع الرئيس عباس للاحتجاج عليها برسالته المشهورة الى ن أوباما . بصفته الرئيس الأمريكي . وحتى الآن لا نعرف ماذا سيحمل الحاوي جون كيري من نتنياهو في جولته القادمة ؟!.
اننا نعيش مرحلة سياسية صعبة ومعقدة ، فالدول العربية منشغلة بمشاكلها الذاتية برغم استجابة وزراء الخارجية للاجتماع الأخير بناء لطلب الرئيس عباس ، ونحن مُنقسمين على أنفسنا بين غزة والضفة ، وحول الموقف السياسي من المفاوضات الجارية ، في حين أن التناقض الأساس هو مع الاحتلال . ومن يريد مواجهته عليه أن يتوحد اولاً. والرهان على أمريكا أكان رئيسها ابيض أم أسود وعلى وزير خارجيتها رهان خاطئ بالأساس ، فأمريكا مهما كان رئيسها او وزير خارجيتها هي مع المصالح العليا الإسرائيلية لأن اسرائيل قوية مصلحة عليا أمريكية في السابق والحاضر وربما في المستقبل كذلك.
ولمجابهة كل ما يحيق بنا علينا العمل موحدين معاً في اتجاهين وكحركة تحرر وطني : (1) العمل ميدانياً بالمقاومة بكل أشكالها وأساليبها ، وقد أعطتنا الشرعية الدولية هذا الحق ما دام الاحتلال لأرضنا قائماً. (2) العمل السياسي في كافة المجالات الدولية بما في ذلك محكمة الجنايات الدولية ، المعروفة بمحكمة روما وفق مصالح وحقوق شعبنا الفلسطيني.
نحن اولاً وأخيراً قيادة للشعب الفلسطيني ومسؤوليتها ، الأساس تكمن في توفير حقوقه الوطنية اولاً.
انها الخديعة الكبرى التي تقوم على أن للاحتلال الحق باحتلاله للأرض والشعب ولإقامة ما يريده من أمر واقع يخدم احتلاله . وعلى الفلسطينيين ومعهم الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم أجمع ضرب رأسهم بالحائط إذا أرادوا . ونحن نقول ان لا سلام ولا احترام لبني البشر دون العيش بحرية وعلى الجميع ان يعمل من أجل هذا بدءاً من الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بالعودة وبتقرير المصير والدولة السيدة المستقلة وعاصمتها القدس .
سوريا على درب الآلام
عدلي صادق/ الحياة الجديدة
في الرمق الأخير من السنة، ووقتما تحل الأعياد المسيحية التي تستذكر فيها الناس، كل ما هو جميل ومبهج في حياتها؛ يتأسى العربي الإنسان، لاشتداد وتيرة القتل في سوريا، ولاتساع دوائر العذاب والموت. غير أن هذا التأسي المرير، لا يفسر الحال وإن كان يقدم وصفاً مختزلاً من خارج السياسة!
في مشهد القتال الدائر، وعلى الجانبين، لا يتبين واحدنا أثراً لذرائع الخطاب السياسي لكل من الطرفين الأقوى، أو مسوّغات وجودهما في الميدان. فلا يقوم برهان على توافر الحد الأدنى من العاطفة القومية وروح الدفاع عن "الأمة" طالما أن "براميل" الإبادة تُلقى من الجو بلا رحمة وبدون تمييز. ولا برهان أيضاً على وجود أي أثر أو رمزية أو اعتبار، لمشروع البناء الديموقراطي المدني في سوريا. بات سلوك الطرفين في الميدان، ينم عن رغبة جامحة في إعادة انتاج القمع والفساد والعربدة والتمييز بين المواطنين، على خلفيات مذهبية ودينية. وفي هذا السياق، بدا لافتاً أن التحالفات تزداد انحطاطاً، ويلعب المال السياسي دوراً خطيراً، إذ يجري "تقريش" بعض الطبقة السياسية في المعارضة وهذا ما عطل توافقها وأربك قدرتها على صياغة مشروعها الديموقراطي. من جهة أخرى جرى "توحيش" القادة الممسكين بمقاليد النيران في الحكم، وإغراقهم في الإحساس بأن هذه الحرب، هي من النوع التناحري الذي لا ينتهي إلا بزوال أحد الضدين!
على امتداد الأيام والشهور والسنوات، كان الظالم حريصاً على جرّ المظلوم المنتفض، الى بوتقة أخلاقه والى طبائع استهتاره بكرامات البشر وأرواحهم ودمائهم. تلونت صورة المتصدر للجانب المظلوم، بألوان التمرد الإرهابي القبيح، الذي تأنفه وتتبرأ من أفاعيله، نفوس البشر الطبيعيين. كان ذلك بالطبع، توخياً لأن تلهج ألسنة السواد الأعظم من الناس بعبارة "ما أحلاكَ يا.. حُكْم". ولقد حقق المستبد بعض النجاح على هذا الصعيد، فيما هو يقدم أسوأ ما عنده من جرائم ضد الإنسانية. وبحضور "داعش والغبراء" ارتسمت المعادلة الضاغطة على روح السوريين. وفي ظلها ارتفعت وتيرة سفك الدماء والتدمير. وهذا أمر طبيعي. فإن كان الطغاة جلابين للغزاة؛ ليست الأصوليات المتطرفة إلا جلابة كل أنواع الكوارث والهمجيات بالإضافة الى الغزاة. هنا، يجتمع المتناحرون من أهل التخوين وأهل التكفير، على الولوغ في دم الشعب السوري الشقيق!
في الرمق الأخير من السنة، ووقتما يتعلق اليائس ـ كالغريق ـ بقشة "جنيف 2" يُلقي الواقع السوري في قلوبنا ظلالاً سوداء ويعذب أرواحنا: طرفان إقصائيان عُنفيان، هما اللاعبان الأقوى في المشهد. كلاهما خَلاصيْ، يتراءى له أن غلبته هي البشارة على المجد وانتصار مؤزر سيحتفل به من فوق الركام والأشلاء، وعلى مَن؟! ليس على الصهيونية، وإنما على الغالبية العظمى من الأمة، أي على كل الطيبين الذين يريدون لسوريا أن تحيا حرة وموحدة وديموقراطية لا إقصاء فيها ولا تهميش، ولا طائفية، ويتمتع أهلها بالمواطنة المتساوية، وتُحترم فيها إرادة الشعب فلا تُختطف ولا تُزوّر!
المؤلم أن وضعية الاستقطاب الحاد بين طرفين يتشابهان في غرائزهما العدوانية، قد ابتلعت المواقف كلها، بل ابتلعت السياسة، إذ لم يتبق شىء خارج هذه المعادلة. لم يعد في وسع الماكث عند بدايات الحراك الشعبي السوري، أن يتحدث عن أمنية ديموقراطية وعن جمهور يتظاهر من أجل تحقيق أمنية الحرية. لا نرى سوى أشلاء يستلها من بين الأنقاض، أناس تحيط بهم رايات وأسماء ألوية وكتائب قرأنا شبيهاتها في تاريخ صدر الإسلام. لم يعد أحد يرى الراية الاستقلالية السورية التي رفعتها المعارضة. غابت كأنما التهمتها عشرات الرايات الأصولية. ففي المشهد، طرفان يتناحران وصيغتان انبثقتا عن منطق واحد، ينـزع الى اخضاع الشعب واستعباده. ربما يصبح واحدنا خارج السياسة، عندما يتحدث في الشأن السوري، ويرى المصيبة في الطرفين الأقوى على الساحة، ويتأسى على غياب وموت الطرف الأصيل، وهو الشعب السوري!
في الرمق الأخير من السنة، وبينما سوريا ما زالت تنـزف وتتعذب، على درب آلام غير مسبوقة في تاريخها؛ ليس لنا إلا أن نضرع الى الله أن يمن على السوريين في العام الجديد، بالسلام والحرية!
العودة في الرؤية الاسرائيلية
عادل عبد الرحمن/ الحياة الجديدة
منذ فترة غير بسيطة وقادة إسرائيل يبحثون عن صياغة رؤية "قانونية سياسية" لوأد وتصفية فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومدنهم وقراهم، التي شردوا وطردوا منها في أثر نكبتهم عام 1948، وإقامة دولة التطهير العرقي الاسرائيلية فوق وطنهم الام. وآخر ما تفتقت "عبقرية" د. عينات ويلف" ما نشرته في صحيفة "يسرائيل هيوم"، حين افترضت أن منح صفة اللاجئ لملايين الفلسطينيين بالتوارث من الاجداد للابناء والاحفاد "مسألة مضللة" وضعها الفلسطينيون !؟ وتعرب المرأة الصهيونية عن أسفها لاستخدام إسرائيل لهذا المصطلح عندما تتحدث عن ملايين الفلسطينيين.
وتقول في مكان آخر من مقالتها، التي تعاني من فقر حال فقهي وسياسي واخلاقي، "فإن مكانة اللاجئ لا تنتقل بالوراثة وبشكل اوتوماتيكي، ولا يتم بأي شكل من الاشكال توريث اللجوء حين يجري العمل لتوطين اللاجئين"!؟
ما تطرحة عينات ليس جديدا في الفكر والممارسة السياسية الاسرائيلية العنصرية، بل هو موضوع مطروح على بساط البحث والتمحيص من قبل صناع القرار ومعاهد الابحاث والدراسات الاستراتيجية الاسرائيلية والاميركية (هناك معاهد ومراكز ابحاث أميركية يمينية وتتبع الايباك وحزب الشاي الجمهوري منكبة على إيجاد مخرج من الاستعصاء الفلسطيني وحق عودته) لايجاد مخرج للمأزق الاسرائيلي من هذا الحق، الذي كفله القانون الدولي. غير ان الذرائع المطروحة تكشف عن ضيق افق، وإفلاس فقهي وسياسي واخلاقي في هذه المسألة، لأن المنطق العقلي البسيط، يقول ان الابناء يتبعون الآباء، وهم استمرار لواقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي. واقع الآباء والامهات يسم ويصبغ الابناء بما يحمله الاباء والامهات من سمات، حتى لو لم تكن الام فلسطينية، واقترنت بأب فلسطيني لاجىء، فابناؤها، هم فلسطينيون لاجئون، وحقهم مساو لحقوق آبائهم وامهاتهم، ولا يقل عن ذلك، وليس لهم صفة أخرى. المفارقة في اللعبة الاسرائيلية الاميركية، والتي تكشف عورة الفكر التطهيري العرقي والعنصري الاسرائيلي، ان قادة الحركة الصهيونية وكل حاخامات الحريديم من الشرقيين والغربيين، يدعون، ان "حق العودة" لليهودي بغض النظر عن قوميته أو مكان ميلاده "مكفول لارض الميعاد"!؟ أليست هذه هي المهزلة الصهيونية الغربية؟ كيف وعلى اي اساس يحق لليهودي، الذي لا يمت بصلة للارض العربية الفلسطينية (فلسطين التاريخية ) العودة لها، ولا يحق للفلسطيني ابن الفلسطيني، الذي طرد جده او أبوه منذ خمسة وستين عاما العودة لها؟ ما هي الحكمة؟ وما هو المسوغ القانوني والفقهي والسياسي، الذي يكفل هذا الفجور الاستعماري؟ أليست هذه العبثية بعينها؟ وأليس هذا هو منطق وقانون الغاب، المرفوض جملة وتفصيلا، ولا يمكن لاي فلسطيني التعامل معه، أو تمريره حتى لو شاء ان يبقى خارج فلسطين.
العودة للفلسطيني، حق مقدس، حق كفله القانون بمستوييه العام والخاص، بمعنى ان هذا الحق مصان لكل مواطن فلسطيني تم طرد والديه او اجداده من فلسطين. ولا يمكن لاي اتفاق سلام ان يتجاوز هذا الحق، واي قائد يرتكب هكذا حماقة مصيره، لن يكون افضل حالا من كل الذين خانوا الشعب على مدار سنوات الكفاح الوطني.
لذا على قادة ومفكري الحركة الصهيونية ان يدققوا الف مرة قبل اللجوء لسياسة التهويش والتضليل ومحاولات الفصل بين الابناء والآباء، لأنها سياسة مرفوضة وساقطة، ولا تمت لاي قانون وضعي او سماوي بصلة، ومصيرها الفشل.
سامر العيساوي يصعد إلى القدس من جديد
يحيى رباح/الحياة الجديدة
الله أيتها الحرية ما أجملك! وما اقدسك! وكم هتفت عفوياً وأن أشاهد البطل الفلسطيني الذي يضاف إلى قائمة الأساطير سامر العيساوي، وهو يخرج من سجن "عوفر" الإسرائيلي على أطراف مدينة رام الله، بعد جولة استمرت في عدة سجون إسرائيلية، قضى منها تسعة شهور، ثلاثين نهاراً وليلة في كل شهر، بأربع وعشرين ساعة في كل يوم، بستين دقيقة في كل ساعة، وهو يشهر في وجه الاحتلال الإسرائيلي وما يمثله من عدوان وعنصرية وقوانين ظالمة ورثوها من زمن الاستعمار القديم، سلاحاً خارقاً وجديداً وملهماً وعجيباً، سلاح الإمعاء الخاوية، لا درع ولا سيف، لا دبابة ولا مدفع، بل سلاح الأمعاء الخاوية! أرجوكم ألا تعذبكم الدهشة، أليس الفلسطينيون هم الذين أنتجوا انتفاضة الحجر، وثورة بساط الريح، وديمقراطية غابة البنادق، والاختباء بأقصى حالات الخطر، ونظرية الانتشار أو الانفجار، وإذاً، فإن سامر العيساوي وهو سليل أولئك الفلسطينيين، مناضل من أبناء هذا الشعب الفلسطيني، شعب يجيد الى حد الإعجاز الصبر على المكاره، والقيامة من الموت منذ قام من فلسطين وليس من أي أرض سواها السيد المسيح الذي نحتفل في فلسطين من كنيسة المهد إلى كنيسة القيامة بمولده وقيامته، وفي هذا السياق المديد العظيم المجيد، فإن سامر العيساوي صنع هو الآخر ملحمته ومعجزته ورقمه القياسي الذي حطم من خلاله كل الأرقام في العالم، الاضراب عن الطعام تسعة شهور لإسقاط جريمة كبرى دأبت إسرائيل على ارتكابها في ظل قوانين لا علاقة لها بمعنى القانون أو العدل أو الحق وهي جريمة الاعتقال الإداري أو الحجز الإداري الذي كان سامر العيساوي واحداً من ضحاياه، فقد خرج من السجن الذي قضى به سنوات طويلة في صفقة شهيرة لتبادل الأسرى، ولكن إسرائيل عادت واعتقلته من جديد، تحت عنوان الحجز الإداري، وقرر هو من جانبه اسقاط هذه الجريمة، وهذا ما كان فعلاً، وها هو سامر العيساوي، عبر تضامن عظيم من زملائه وأبناء شعبه، يخرج من السجن الاسرائيلي ويصعد إلى القدس من جديد.
ربما يأتي باحثون على درجة عالية من الاهتمام والخبرة والتشوق إلى المعرفة ليبحثوا بعمق كيف استطاع شاب فلسطيني أن يصمد في معركة الأمعاء الخاوية تسعة شهور بأيامها ولياليها وساعاتها ودقائقها وثوانيها، وفي وجه كل مؤامرات سلطات السجون لإجباره على فك الإضراب عن الطعام بما فيها الترهيب والضرب والتعذيب النفسي وبث الشائعات وجره من سجن إلى آخر، كيف حدث ذلك كله؟ قال ربك هو علي هين، صدق الله العظيم، أصحاب المعجزات يضيء الله قلوبهم، فيصبح المستحيل ممكنا، ويصبح الخارق عادياً، ويصبح المدهش مألوفاً!
وأنا أتابع قضية سامر العيساوي وقد شاركت في أول خيمة اعتصام تضامن معه في غزة، سمعت والدته القوية الفصيحة تقول" كان يصبر وكنت أصبر معه، يجوع فاشاركه، ويضرب عن الطعام فأضرب عن الطعام أيضاً" مبروك يا سيدتي، لك الحق أن تطلقي الزغاريد أو أن تذرفي الدموع، لأن الدموع أعظم بوابات الفرح.
خطة كيري تضع الرئيس الفلسطيني أمام خيارات صعبة
د.إبراهيم أبراش/وكالة معا
طوال عشرين عاما استمرت المفاوضات مع استمرار الاستيطان كما استمرت السلطة تقوم بوظيفتها وتلتزم بتعهداتها ،وهنا كان الخطأ القاتل في تنفيذ اتفاق أوسلو حيث لم يتم إلزام إسرائيل بوقف الاستيطان وقَبِل المفاوض الفلسطيني بالتعامل مع الرؤية الإسرائيلية التي تقول بان الضفة وغزة أراضي متنازع عليها . هذا الخلل الأول هو ما شجع إسرائيل على الاحتفاظ بالسيطرة حتى الآن على المنطقة ج والتي تقدر مساحتها بحوالي 60% من مساحة الضفة وسمح لها ببناء جدار الفصل العنصري، وهو ما شجع إسرائيل وواشنطن على طرح مبدأ تبادلية الأراضي،وشرعنة التكتلات الاستيطانية الكبرى، والحديث عن بقاء الغور تحت السيطرة الإسرائيلية ، وطرح شرط الاعتراف بيهودية إسرائيل الخ، وهو خلل شجع أخيرا واشنطن أن تُخرج قطاع غزة من التسوية وتطرح اتفاق إطار يمنح الأولوية لأمن إسرائيل و لـ (سلام اقتصادي) وكأن الفلسطينيين مجرد قطيع بشري لا يحتاج لدولة ووطن بل تحسين مستواهم المعيشي من خلال مشاريع اقتصادية وإسكانية ! .
في ظني أن المشكلة ليست في المفاوضات من حيث المبدأ لأنه لا سياسة بدون مفاوضات وحيث إن منظمة التحرير قبلت بالتسوية السلمية للصراع فلا يمكنها رفض المفاوضات كآلية للتسوية ، المفاوضات كالمقاومة مجرد أدوات في العمل السياسي لا يمكن لإحداها أن تلغي الأخرى . المشكلة تكمن في مرجعية المفاوضات وفي غياب إستراتيجية فلسطينية محل توافق وطني حولها ، وفي عدم تسلُح المفاوضين بأوراق قوة على طاولة المفاوضات ، فنجاح المفاوض الإسرائيلي لا يعود لعبقريته بل لأن ورائه دولة وحكومة وجيش ورأي عام موحدين حول قضايا المفاوضات ، بالإضافة إلى واشنطن راعية المفاوضات والمنحازة كليا للموقف الإسرائيلي، بينما في المقابل الفلسطيني فبالإضافة إلى انكشاف المفاوضين أمام الإسرائيليين ولارتباطهم بمصالحهم الشخصية وبجماعات مصالح غير معنية بالتصادم مع الاحتلال ، فأنهم يفاوضون عراة أمام المفاوض الإسرائيلي وبدون مرجعية.
حتى القرار ألأممي 67/19 بتاريخ 29/11/2012 بترقية وضع فلسطين إلى دولة مراقب والذي ملأنا الدنيا ضجيجا حوله واعتبرناه انتصارا عظيما تم طيه ووضعه في الأدراج كما هو حال قرارات سابقة – وهو ما حذرنا منه في مقالات سابقة - . عاد المفاوضون لطاولة المفاوضات ليس اعتمادا على القرار ألأممي كمرجعية تعتبر الضفة وغزة أراضي محتلة بل اعتمادا على اتفاقية أوسلو التي تتعامل إسرائيل من خلالها مع الضفة وغزة كأراضي متنازع عليها وبالتالي من حقها الاستمرار بالاستيطان فيها حتى التوصل لتفاهمات حول الوضع النهائي، وخطة كيري لم تؤسس بالتالي على القرار ألأممي بالدولة الفلسطينية بل على اتفاقية أوسلو ومرجعيتها قرار 242، كما أن العودة للمفاوضات لم تكن بقرار واضح من منظمة التحرير الفلسطينية ، وهذا يعني أن العودة الأخيرة للمفاوضات أعادت شرعنة اتفاقية أوسلو بدلا من أن تتجاوزها ، بالإضافة إلى أن جولة المفاوضات الأخيرة وحتى الجولات السابقة بدءا من 2005 ، لا تبحث موضوع قطاع غزة وتركز على الضفة الغربية ،وهو ما شجع الرئيس أوباما للقول في مؤتمر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية يوم السبت 5 ديسمبر الجاري إن غزة ستكون مستثناة من التسوية القادمة.
مؤكد بان المفاوضات الجارية ستمتد إلى ما بعد المدة المحددة لها – تسعة أشهر- ، وهذا ما أشار إليه صائب عريقات ، لأن كيري أعد اتفاق إطار مؤقت على عدة مراحل يبدأ بالأمن لإسرائيل وتسهيلات ومساعدات اقتصادية للفلسطينيين أما الجانب السياسي وخصوصا القدس واللاجئين والحدود النهائية للدولة والتي سيؤدي حسمها لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة فستحتاج لمزيد من الوقت من وجهة نظر كيري وصائب عريقات . وما نخشاه أنه في ظل : نفس الفريق المفاوض – والفريق المفاوض اليوم هو صائب عريقات فقط- ، والنخب السياسية المهيمنة على صناعة القرار، وضعف السلطة والتهديد بوقف التمويل عنها إن أوقفت المفاوضات ، وحالة الانقسام، في ظل كل ذلك فإن خطة كيري تضع الرئيس أبو مازن أمام مفترق أو خيارات صعبة : في حالة رفض خطة كيري وتوقف المفاوضات فإن الاستيطان سيستمر وستستمر السلطة خاضعة للابتزاز المالي من الجهات المانحة وربما تتعرض إلى ما هو اخطر من ذلك ، وفي حالة قبول خطة كيري سيتبدد الأمل بدولة مستقلة وستفقد القيادة والمنظمة والسلطة مصداقيتهم بل مبرر وجودهم .
والسؤال : ما هو الرد الوطني المناسب على خطة كيري وعلى المفاوضات غير المجدية؟ وهو سؤال غير موجه فقط للرئيس أبو مازن بل للكل الفلسطيني لان المفاوضات وخطة كيري ستحددان مستقبل القضية الفلسطينية . نعتقد أن الدعوة لوقف المفاوضات فقط لا يكفي، فقد سبق وأن تم وقف المفاوضات ولم يتوقف الاستيطان بل ازدادت وتيرته . في ظل استمرار حالة الضعف الداخلي والانقسام وغياب البديل، حتى المقاومة التي كان البعض يلوح بها كبديل للمفاوضات توقفت وتم توقيع هدنة بين فصائل المقاومة في قطاع غزة وإسرائيل وهي هدنة تمتد للضفة والقدس وداخل الخط الأخضر؟ . إذن لا يكفي المطالبة بوقف المفاوضات بل قبل ذلك أو تزامنا معه مطلوب من الكل الفلسطيني الاتفاق على السياسة البديلة والنهج البديل لملئ فراغ وقف المفاوضات ووقف المقاومة معا . لو توقفت المفاوضات مع استمرار توقف المقاومة فمن سيحافظ على وجود القضية الفلسطينية قضية حية في المحافل الدولية وعند الرأي العام ؟ وما نخشاه أنه في حالة توقُف المفاوضات وغياب إستراتيجية مقاومة ضد الاحتلال ستندلع صراعات داخلية في قطاع غزة حول السلطة ، وصراع بين كانتونات فلسطينية متصارعة في الضفة ، وهو ما تريده إسرائيل.
ليس هذا دفاعا عن المفاوضات الجارية بل رفضا للخطاب العدمي الذي لا يملك إلا الرفض دون طرح بديل وطني عملي . المطلوب أن يحدث تزامن بين وقف المفاوضات و توافق فلسطيني أو (مصالحة) ولو في نطاق إستراتيجية وطنية لمواجهة الاستيطان وتداعيات خطة كيري ، سواء قبولها أو رفضها ، عنوان هذا التوافق حراك شعبي واسع في الضفة وغزة وفي الشتات - سواء سميناه انتفاضة جديدة أم مقاومة شعبية - وان يُصاحب ذلك بالعمل على استعادة القضية الفلسطينية حضورها الشعبي : عربيا وإسلاميا وعالميا وهو الحضور الذي تراجع كثيرا بسبب الانقسام وعبثية المفاوضات، وان يُصاحب ذلك أيضا بتحرك جاد نحو المنتظم الدولي : منظمات دولية ومنظمات حقوق إنسان ورأي عام دولي ، وأن يكون هذا الحراك بقرار استراتيجي وليس مجرد تكتيك ومناورة لتحسين شروط المفاوضات أو العودة إليها في ظل استمرار مرجعية أوسلو ، ويكون الهدف من هذا الحراك الدولي توظيف ما يتيحه لنا القرار ألأممي بالاعتراف بفلسطين دولة مراقب واستكمال المعركة الدولية حتى صدور قرار بالاعتراف الكامل بفلسطين دولة مستقلة . ويبقى السؤال الأهم والأكثر إحراجا : هل القيادة والنخبة السياسية صاحبة القرار في الضفة والقطاع مستعدة لخوض هذه المعركة ؟ . الواضح أن الرد على خطة كيري سيكون ( بلعم ) لا رفض قاطع ولا قبول نهائي بل تمديدا للمفاوضات بحجة استكمال بحث قضايا الوضع النهائي ، وهذا معناه استمرار الاستيطان واستمرار الانقسام وبؤس الشعب .
وفي النهاية نتمنى على القيادة الفلسطينية ألا تقع بخطأ تنتقده عند الآخرين . القيادة انتقدت حركة حماس لأنها أدارت الظهر للمصالحة الوطنية وللقرار الوطني المستقل ورهنت مصير القضية بأجندة الإسلام السياسي ، وعندما تذهب القيادة الفلسطينية لجامعة الدول العربية لتأخذ منها موافقة على خطواتها القادمة في قضية مصيرية تخص أولا الفلسطينيين ، في ظل غياب توافق فلسطيني بل رفض حتى داخل منظمة التحرير للمفاوضات ولخطة كيري، فهي تقع بخطأ لا يقل عن خطأ حركة حماس . نعتقد أن العرب سيوافقون على تمديد المفاوضات، وكيف لا وقد استبق صائب عريقات ووافق على تمديد المفاوضات والعرب يقبلون بما يقبل به الفلسطينيون ! كما أن العرب وافقوا بتحفظ على خطة كيري لأنهم اليوم ليسوا في وضع يسمح لهم بمعارضة السياسة الأمريكية.
في ظل العبث .....
يونس العموري/وكالة معا
في ظل كل هذا العبث ... وفي ظل كل هذا الكلام والكلام المضاد والمفاوضات وما يسمى بالتوافق والاتفاق وامكانية صياغة اتفاق الاطار وعقد الجولات التفاوضية ... ومجلس وزراء خارجية العرب قد يقول الكلام الفصل بهذا الصدد ويأتمر باوامر وقرارت البيت الابيض ولكيري ان يقول ما يقول وان يختار التوقيت والمواقيت .....
في ظل كل هذا الصراخ وذلك السكون ...نجدنا على اعتاب بوابات الانتظار لردة الفعل المنطقية والطبيعة حينما تمتهن الكرامة وتستباح حواري وازقة عاصمة الفقراء والمؤمنين بانسانيتهم .... ومرة اخرى يغزونا السؤال المتكرر منذ ان أُخضعت يبوس في أتون الصراع على واقعها الراهن .... مرة اخرى يداهمنا القلق على مصير ابن كنعان في ازقة ايلياء العتيقة وحقيقة مستقبله ومرة اخرى يأتينا النبأ العظيم المرير والحقيقة الساطعة بأن لا ننتظرهم وهي الرسالة التي تلقفناها .... فاياك يا ابن كنعان الرابض على اسوار القلاع العظيمة في القدس اياك يا سيدي أن ( تقرأ حرفاً من كتابات العرب, فحربهم إشاعة, وسيفهم خشب, ووعدهم كذب )...
باسمائهم يجيئون ويجوبون سويعات في دوائر مغلقة ويرقصون رقصات الوجود على اعتاب البيوت التي ما زلت تنبض بالحب والحكايا للمنتظرين لبزوغ فجرهم المتسلل رغما وارغاما .....
هو المشهد الذي لطالما حاولنا تفكيك طلاسمه بلا جدوى ... وهي معادلة قد اصبحت في اعراف تجار المواقف موقف ومواقف، وللحكماء مغادرة مواقعهم ووقائعهم حيث انه وفي ظل المشهد العظيم للحظة الراهنة والتي تقترب نحو تقرير المصير وفقا لما يريدون ويريد الاعراب العاربة المستعربة ... ( اذهب انت وربك فقاتلا وليكن شعارك الان وبهذه المرحلة ان تحاول العيش ولا فرق ان نطقت بالضاد او غيرت لغتك ولهجتك ....
يا ابن كنعان لا تراهن عليهم ولا تراهن على ضجيجهم وامكث حيث انت الان واياك ان تتساوق مع لغة السوق الحديثة وان حاولت الاقتراب من صُناع القرار فخل بينك وبينهم مسافة (فليس بين الرصاص مسافة ...) ولا تعبر مواكب امراء الزيف ...
اعلم ان ثمة خربشات تغزونا وتختلط الاسماء الدالة عن مكنوناتنا وتسقط لغتنا وسط الضجيج الفارغ المضامين.
هي اللحظة التي لابد فيها من اتخاذ الموقف ومن عاصمة الرفض والرافضة وهؤلاء المنظرين يتكون المشهد الاليم هؤلاء الذين ننتظر منهم موقفا يشد ازر قول اللا بوجه من قالوا النعم والنعم هنا جاهزة للتسويق والتساوق في ظل حتمية اتخاذ القرار بضرورة الموافقة على عطايا العم كيري ويكون ان يأتينا من يأتي مستجديا لأساطيل الاطلسي بضرورة ان تتحرك نحو اللاذقية لإسقاط الطاغية وحيث ان الخربشة سيدة الموقف فما كان الا ان يتم وضعنا ما بين حكم الطغاة وما بين الاحتلال والاذلال، والشرق تغرب من خلاله الشمس وقتما تشاء دونما اي شكل من اشكال المواقيت التي شأنها ضبط وقائع اللحظة .... وبالتالي فتذهب انت وربك يا ابن كنعان لتقاتل تيه الصحاري والتخبط سيد الموقف يا سيدي ... لتجوب اصقاع المعمورة باحثا عن ناصر منتصر لك وللقبلة الاولى ولعل ابن مريم قد قرر ان يبعث من جديد لإعادة مشهد الصلب على الجلجلة فقد تكون العودة الى الايمان بالحقيقة مجديا في ظل الخراب والتخريب لكل جماليات اللحظة والموقف .... وتدور الدوائر والحلقة المفرغة ما زالت محكمة الاغلاق وما من سبيل للخروج منها ومن دهاليزها .
في القدس يا سادة يا كرام كان الانتظار سيد الموقف وكان الحديث يدور بالدهاليز لعل وعسى ان تأتي النصرة من هناك من رام الله او القاهرة المنشغلة بحرب داحس والغبراء وقد يكون الامل المنعقد على بيروت مرة اخرى المهمومة بهذه اللحظة بالتطاول على ايقونتها فيروز ... وقد يكون التعويل على امراء جهاد النكاح بان يقولوا ما يمكن ان يقال معلنين بأن حي على الجهاد ... ومفتي الفقراء كان قابع في زنزانة يُسأل عن معنى الكلام والقصد بالقول وما وراء الافتاء .... وللقدس ان تتساءل عن المغزى والمعنى للحظة وما هو المصير في ظل دروب المجاهيل والفتاوى الفارغة المفرغة من نصوص الرب تبقى هي سيدة الموقف ....
ايها السادة .... يا امراء التطبيل والتزمير كانوا ان قالوا ما قالوا من شعارات رنانة براقة بوجوب اعلان حالة النفير العام والاستنفار لنصرة القدس واهلها وتمزيق اتفاقات العهود البائدة وشحذ همم الامة والاطاحة بكل ما من شأنه ان يعيق تحرير عاصمة عواصم الاسلام والمسلمين وتمكين اهلها وبشرها وحجرها من اسباب الصمود والمرابطة .... واكتشفنا بالصمت المتقن واحتراف السكون والسكوت انه الوهم والسراب اللاهثين خلفه ... وها نحن ننتظر لإستقبال العهد الجديد من اتفاق الاطار ولا بأس من التفاوض على المفاوض والمفاوضات ذاتها ....
انقلبت الموازين أيها السادة في قبائل روما الحاكمة، ودموع العذارى على معابد الرب قد صارت مشهدًا مزعجًا بأعراف القوانين الغازية لدهاليز كهنوت الضفة الثانية على شواطىء المتوسط.. ومنذ اللحظة قد صار للرواية مكامن أخرى وللحكاية وجهة مختلفة وللعشاء الأخير سيرة متعاكسة بأفئدة القابعين المنتظرين للبعث الجديد للسيد المسيح، وقد يكون ممكنًا منذ الآن تصديق رواية كبير سدنة المعبد القديم بأن ابن البتول ما كان له أن يأتي هناك.. ولم يتكلم بمهده وإن لم يشف المريض..
... يا ابن مريم أُنبأتك أن معبدك قد دنس.. فسادة الروم بالرماح قد عادوا ليصلبوك مرة أخرى على مشانق أغصان الزيتون المقطعة أوصالها بجوار أسوار البلدة العتيقة.. وأنا هنا قابع بالمكان منتظر للمعجزة من إشارة وبشارة..
والقحطاني العدناني العربي الأمي الامين ربما صار الاختلاف على اسرائه لمهبط الديانات فيه اجتهاد ....
وتلوح بالأفق جميلة تخترق الحواجز لتلقي مزاميرها وتجبرنا على الانصياع للنداء الأخير بالربع الساعة الأخيرة بالظرف الراهن، فقد تكون أورشليم قد أضحت الحقيقة ويكون التجوال سيد الموقف لسادة الفقراء في أقاصي الدنيا لنصرة عشاق القدس ومجانينها..
نعتلي المنصة ونمارس فن الصراخ كانعكاس للحظة التوق من قيود دبلوماسية الكلام، وللكلام أن يعبرعن كينونة الخوف فينا من أن تتغير أسماءنا، ونتوه بصحاري التيه مرة أخرى باحثين لاهثين خلف سراب الماء المتدفق من هناك حيث العطشى للأمل... نقف لبرهة من الزمن قبل الصراخ وافتعال الضجيج... ويكون القرار بأن لابد من ممارسة أعتى أشكال الجنون..


رد مع اقتباس