في هــــــــــــذا الملف:
نتنياهو بين الدلة واللادولة
بقلم: ناجي صادق شراب عن الخليج الاماراتية
هل هناك شيء اسمه شعب فلسطيني؟
بقلم: أمجد ناصر عن العربي الجديد
«حماس» وإيران وحدود الرهان
بقلم: أحمد دياب عن الحياة اللندنية
قوة عربية عسكرية .. زال الاحتلال عادت فلسطين!
بقلم: خميس التوبي عن الوطن العمانية
نتنياهو بين الدولة واللادولة
بقلم: ناجي صادق شراب عن الخليج الاماراتية
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image005.gif[/IMG]
نتنياهو لم يتناقض مع نفسه وفكره الصهيوني المتشدد الذي يؤمن به، والذي يقوم أساساً على رفض فكرة الدولة الفلسطينية، والإيمان بفكرة الوطن البديل في الأردن .
وليس معنى ذلك قيام دولة فلسطينية على حساب الأردن كدولة، ولكنه يقصد أن لهم دولة .
جاءت تصريحاته أثناء معركة الانتخابات الأخيرة معبرة ومجسدة لهذا الفكر، الذي صاحبه حالة من العداء والكراهية لكل ما هو عربي وفلسطيني . وكان واضحاً وصريحاً عندما قال لا للدولة الفلسطينية، فهو يؤمن بمقولات الفكر الصهيوني الذي يتحدث عن أرض "إسرائيل الكبرى"، و"الأرض الموعودة"، و"أرض الأجداد والآباء"، ولذلك ليس غريباً ما قاله والده عنه إن ابنه "أي نتنياهو" لا يؤمن بفكرة الدولة الفلسطينية، فالدولة الفلسطينية في فكره وفي الفكر الليكودي تلغي فكرة "إسرائيل الدولة"، بل تلغي فكرة دولة لكل اليهود .
وبمتابعة وقراءة فكره عبر التصريحات المختلفة، وقراءة خطبه في مؤتمرات هرتسليا، خصوصاً مؤتمر هرتسليا عام 2009 فقد كان نتنياهو واضحاً في رفض فكرة الدولة الفلسطينية .
وإذا كان هناك قصور فالمسؤولية تقع على الفلسطينيين . وهو عندما يصرح بقبوله بالدولة الفلسطينية فهو يعني أيضاً رفضاً لها، وهنا الشروط اللامتناهية التي يضعها على قيام هذه الدولة، فهو يشترط دولة منزوعة السلاح بالكامل، ما يعني سلب الدولة من أهم عناصرها وهو عنصر السيادة، والتحكم في كل المنافذ البرية والجوية لهذه الدولة، أي دولة بلا منافذ ومخارج، ويشترط أن هذه الدولة ليس من حقها أن تعقد اتفاقات مع أي دولة من الدول، إضافة إلى التحكم في مواردها الطبيعية والمالية وقدراتها الاقتصادية، ولا يكتفي بذلك بل يضيف شرطاً باعتراف "حماس" بهذه الدولة، واعتراف الفلسطينيين ب"إسرائيل" دولة للشعب اليهودي فقط، وهو ما يعني التخلص من كل سكان الداخل .
ولم يكتف نتنياهو بتساوق بين ما يؤمن به من فكر وبين الممارسة السياسية، فلقد سخر فترات حكمه الثلاث كلها في ترجمة هذا الفكر إلى واقع على الأرض من خلال التسريع في عمليات الاستيطان التي قد التهمت كل الأرض الفلسطينية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية، وبمحاولة فصل أي امتداد لها مع الأردن من خلال التمسك بمنطقة الأغوار، وإقامة المستوطنات عليها وبإقامة الحواجز والفواصل الاستيطانية بين المناطق السكانية الفلسطينية ما بين شمال وجنوب وشرق وغرب بكتل استيطانية يصعب إزالتها . وقد نجح في الواقع في قيام دولة استيطان على حساب الدولة الفلسطينية .
مقابل ذلك نجح الشعب الفلسطيني في تثبيت هويته القومية والوطنية، ونجح في انتزاع اعترافات دول كثيرة، وانتزاع اعترافات الأمم المتحدة بحقه في تقرير مصيره، وقيام دولته على حدود معترف بها، ونجح أيضاً في فرض بدايات عزلة ومقاطعة على "إسرائيل" . ولذلك هو يتعامل مع فكرة الدولة من هذا المنظور السكاني فقط، فالدولة لديه ليس لها سيادة، وليس لها جيش وسلاح يدافع عنها، كل هذه الوظائف تقوم بها "إسرائيل"، وهنا هو يحاول أن يفصل بين فكرة الشعب والذين يعتبرهم أو ينظر إليهم على أنهم مجرد كتل سكانية ليس لها حقوق سياسية، إنما مجرد حقوق معيشية مثل المأكل والمشرب والمسكن، وغير ذلك، وتقوم عليهم سلطة حكم ذاتي ترعى أمورهم وتنسق مع "إسرائيل" في المسائل السيادية والأمنية التي هي من سلطة "إسرائيل" المطلقة، وأقصى ما يمكن أن تقدمه سلطة أعلى من حكم ذاتي وأقل من دولة سيادية . هذه هي صورة الدولة التي يقبل بها .
نتنياهو يريد أن يدخل تاريخ الزعماء اليهود التاريخيين على حساب الدم الفلسطيني، وهو فعلاً قد دخله من خلال أنه الوحيد الذي سيحكم أربع فترات . لكن ما لم يدركه نتنياهو أنه قد فشل خلال حكمه في أن يحقق ل"إسرائيل" الأمن والبقاء، وأنه خلق حالة من الكراهية والتحريض غير المسبوقة، وأنه الوحيد الذي عمل على تشويه صورة "إسرائيل"، وليدرك أنه لا أمن وبقاء ل"إسرائيل" إلا بقيام دولة فلسطينية ديمقراطية مسالمة، وأن هذه الدولة هي حتمية تاريخية وسكانية قصر الوقت أو طال، ولو أراد نتنياهو أن يسجل له أنه حافظ على "إسرائيل" فيكون ذلك أن يطرق باب السلام مع الفلسطينيين، ليحل السلام محل الحرب، والتعايش محل الكراهية، والتكامل محل التنافر .
هل هناك شيء اسمه شعب فلسطيني؟
بقلم: أمجد ناصر عن العربي الجديد
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image006.gif[/IMG]
يُضربُ المثل، عادةً، بجهل الأميركيين ببلدان العالم وشعوبه وتواريخهم. لكن، يبدو أن السياسيين الأميركيين هم أجهل الجميع. تذكّروا فقط جهل جورج بوش الابن بأسماء بعض البلدان الحليفة له ورؤسائها. غير أن اقتران الجهل بالتجهيل المقصود، والعنصرية بالانتهازية السياسية، يمكن أن يصل إلى حد شطب شعب من الجغرافيا، وكأنَّه لم يكن.
ومرة أخرى، أقصد للمرة الألف، يطلع سياسي أميركي جاهل، حاقد وعنصري، ليكرر كليشيه: لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني. هذا ما قاله، أخيراً، حاكم ولاية آركنسو السابق والمرشح للرئاسة الجمهوري، مايك هاكيبي، بعد عودته من زيارة إسرائيل. لا يني هذا "الاكتشاف" المذهل يقع كلما زار سياسي أميركي إسرائيل، أو على نحو أدق، كلما قام سياسي أميركي بترشيح نفسه لمنصب حكومي، فما بالك بمن يضع عينه على البيت الأبيض. ألم "يكتشف" الجمهوري العنصري، نويت غنغريتش، ذلك عندما دخل سباق الرئاسة عام 2011، وقال الكلمات نفسها: لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني.
للتذكير فقط، نقول إنَّ كليشيه "لا وجود لشيء اسمه شعب فلسطيني" هي جملة رئيسة وزراء إسرائيل، غولدا مائير، والتي قالتها بعد حرب 1967 عندما سقطت فلسطين بكاملها تحت الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي. لكن، من هم أولئك الذين طردتهم حروب إسرائيل منذ 1948 واحتلت أرضهم كلها بعيد "حرب الأيام الستة"؟ من هم أولئك الملايين الذين هجّروا داخل بلادهم وخارجها، ورفعت إسرائيل في سمائهم نجمتها السداسية؟ إنهم ببساطة: عرب! ولا يستوي أن يكون المرء عربياً وفلسطينياً في الوقت نفسه؟! كيف ينتمي إلى بلد وقومية (ولا نقول إلى دين) في الوقت نفسه؟ هذا يبدو أنه صعب على إدراك الأميركيين، أو غيرهم ممن يسألون هذا السؤال الغبي، غير التاريخي.
لكن، كيف يكوِّنُ بولنديون، روس، مغاربة، عراقيون، أوكرانيون، بيض، سمر، سود البشرة، "شعباً" واحداً يدعى "الشعب اليهودي"، فليس هو السؤال. فلا يُسأل سؤال كهذا أمام "شعب الله المختار". من يجرؤ أصلاً على طرح هكذا سؤال: من أنتم أيها الذين جئتم إلى هذه الجغرافيا العربية المسماة فلسطين؟ من أنتم أيها الخليط البشري الطالع من عنصرية الغرب وعقده ولاساميته، كي تجردوا الشعب الذي طردتموه من اسمه؟ لا أحد يجرؤ على هذا السؤال، حتى لو صيغ بألطف العبارات وأكثرها دبلوماسية.
كم مرةً سمعنا أن الفلسطينيين لم يشكلوا دولة مستقلة في يوم من الأيام، وأنهم لم يبدأوا طرح سؤالهم "الفلسطيني"، إلا مع الانتداب البريطاني على فلسطين. لكن، من يقول هذا الهذر التاريخي ينسى أن كل بلاد الهلال الخصيب، بما فيها فلسطين، كانت تحت الحكم العثماني نحو خمسة قرون. هذا ينطبق على السوريين واللبنانيين والأردنيين والعراقيين، مثلما ينطبق على الفلسطينيين، لكنَّ لا أحد، اليوم، ينكر على السوريين والعراقيين واللبنانيين والأردنيين اسمهم، فلِمَ ينكر على الفلسطينيين هذا الاسم؟
نحن نعرف. وهم يعرفون. ومن يريد أن "يغلّب" نفسه سيعرف. كيف سيبررون للخليط البشري الذي كوَّنته الفكرة الصهيونية مكاناً لهم في فلسطين، وهناك شعب آخر اسمه الشعب الفلسطيني؟ عليهم أن يجرّدوا سكان فلسطين من اسمهم المستمد من مكانهم، وإحالتهم على فضاءٍ اسميٍّ واسعٍ هم العرب. لكن، أن يكون الفلسطينيون لاجئين في بلاد أشقائهم العرب، فليس مهماً. هذه مشكلة العرب، وربما "المجتمع الدولي".
فلسطين سقطت بيد الاحتلال البشري والعسكري الصهيوني، ولكن، لم يسقط اسمها. فقد أدرك هذا الصراع على الاسم مفكرون وكتاب ومناضلون فلسطينيون كثيرون، منذ نهاية الحكم العثماني. مئات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى قدموا حياتهم وحرياتهم الشخصية في سبيل بقاء هذه الكلمة: فلسطين، التي ينتمي إليها شعب، اسمه الشعب الفلسطيني.
«حماس» وإيران وحدود الرهان
بقلم: أحمد دياب عن الحياة اللندنية
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.gif[/IMG]
بعد قطيعة بين إيران وحركة «حماس» الفلسطينية امتدت لأكثر من ثلاث سنوات، بسبب اعتراض «حماس» على القمع الذي يمارسه النظام السوري بدعم من إيران بحق المعارضة السورية، جمدت طهران علاقتها بالحركة، التي لم تكترث بدورها بموقف طهران المستجد، إذ كانت ترى في تقدم موجة الربيع العربي تعويضاً عن خسارتها الحليف الإيراني، خصوصاً مع صعود نجم «الإخوان المسلمين» في مصر والإسلاميين عموماً في أكثر من بلد عربي. لكن خلال الشهور القليلة الماضية تواترت التقارير والتصريحات واللقاءات التي تشير إلى إمكانية عودة العلاقات بين «حماس» وطهران إلى سابق عهدها، ففي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، زار وفد قيادي من المكتب السياسي لـ «حماس» طهران، ما اعتُبر عودة للدفء في علاقات الطرفين.
أما أحدث التطورات في علاقات «حماس» بطهران، فكان اللقاء بين رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، ورئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، في الدوحة في 11 آذار (مارس) الجاري، وهو الأول من نوعه على هذا المستوى، ما يؤكد عودة المياه إلى مجاريها بين الطرفين، وإيذاناً بعدم وجود «فيتو» على زيارة مشعل إلى طهران، وهي الزيارة التي جرى الحديث عنها مراراً، ولم تتم حتى هذه اللحظة، لما تردد عن اعتراض النظام السوري وبعض الأجنحة في «حزب الله» اللبناني عليها، لكنها باتت مسألة وقت لا أكثر.
وبطبيعة الحال، لا تطرأ الأحداث والتطورات مصادفة، فثمة حوافز وضغوط تدفع الطرفين إلى معاودة استئناف العلاقات بينهما، فـ «حماس» بحاجة ليس فقط إلى قوة إيران ووزنها الإقليمي، بل كذلك إلى التسليح الإيراني، وكذلك دعمها المالي، وترددت أحاديث كثيرة، خلال العامين الماضيين، عن أزمة مالية تعانيها الحركة، بعدما أوقفت طهران مساعداتها عقب القطيعة مع «حماس».
كما تراجع مخزون الأسلحة والذخائر داخل القطاع بعد استنزاف معظم المخزون منها أثناء الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة على القطاع، لكن الأهم هو سقوط رهان «حماس» على تنظيم «الإخوان» في مصر بعد عزل محمد مرسي عقب ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وتفاقم الخلافات مع رئاسة السلطة الفلسطينية حول الكثير من القضايا الأمنية والسياسية.
أما إيران فمن مصلحتها توثيق العلاقة مع «حماس» من أجل منح خطابها وادعاءاتها في شأن المقاومة والممانعة الصدقية، وحتى لا تكون الساحة الفلسطينية بعيدة من تأثيرها ونفوذها، علاوة على سبب أكثر أهمية، يتعلق بحاجة إيران الماسّة إلى حليف سنّي، أو غطاء سنّي، تتصور أنه يبعد عنها شبهة الانحياز الطائفي والقومي لتدخلاتها وعربدتها في المنطقة.
وإذا كانت الأوضاع الذاتية لـ «حماس»، والموضوعية المحيطة بها، تضطرها إلي «خيار» العودة إلى «الحضن الإيراني»، فإن التطورات والمستجدات الإقليمية في المنطقة تجعل من هذا «الخيار» أشبه بجلد الذات حسياً وبالانتحار السياسي معنوياً، لأنه ينطوي على خسارة سياسية مؤكدة. فمن ناحية أولى، قد يحرج هذا الخيار القوى السنّية التي تناصر «حماس» في العالمين العربي والإسلامي، حيث سيكون من الصعب على الحركة تفسير تحول موقفها من إيران، في ظل إصرارها على مواصلة دعمها نظام الأسد في سورية والحوثيين في اليمن، فضلاً عن الاجتياح الإيراني للعراق تحت مزاعم محاربة «داعش».
ومن ناحية ثانية، فإن هذا الخيار يأتي في وقت تبدو طريق «حماس» إلى الرياض «سالكة» واحتمالات عودة الدفء نحوها واردة، غير أن الأمل المعقود الذي تعقده «حماس» على إعادة ترميم علاقاتها مع السعودية ولو في الحد الأدنى، لن يكون متاحاً، في المدى القريب، إذا زادت الحركة وتيرة علاقتها مع إيران، كما يتزامن هذا الخيار مع «مراجعة» القاهرة موقفها من تصنيف «حماس» حركة «إرهابية»، كما أن هذه التطورات الإيجابية نحو «حماس» مرتبطة بطريق مباشر وغير مباشر بالسياسات الإيرانية الاستفزازية في المنطقة.
ومن ناحية ثالثة، فإن رهان «حماس» على عوائد تحسين العلاقة مع طهران مبالغ فيه إلى حد كبير. ففي الوقت الذي تواجه فيه إيران مشاكل في تمويل حلفائها التقليديين (في سورية و»حزب الله» والعراق واليمن) بسبب الضائقة المالية الناجمة ليس فقط عن العقوبات الدولية الطاحنة، بل أيضاً عن تراجع أسعار النفط والغاز خلال الشهور الستة الماضية، فإنه لا يمكن تصور أن إيران ستهب لمساعدة غزة مالياً في هذه الظروف. وعلى رغم أن هناك مصلحة إيرانية واضحة في تعزيز قوة «حماس» العسكرية، إذ إن إيران معنية بوجود أكثر من طرف يمتلك القدرة على مناوشة ومشاغلة إسرائيل عسكرياً، لكن حتى عندما كانت العلاقات بين الطرفين في أوجها، فإن الدعم العسكري الإيراني لـ «حماس» كان محدوداً، إذ إن إيران لم تزود الحركة بالصواريخ المتطورة التي زودت بها «حزب الله»، وحتى إذا أرادت إيران إمداد «حماس» بالسلاح حالياً، فإن الحصار المُحكم الذي تفرضه إسرائيل على غزة يحدّ تماماً من إمكانية وصول هذا الإمداد.
وفي الأحوال كافة، تبقى علاقة «حماس» بإيران «استثنائية» على صعيد الطائفة، و»تكتيكية» على صعيد السياسة، في ضوء حال الحصار الذي تعانيه «حماس». لكن حالة الاستقطاب الطائفي في المنطقة، وسياسة الغطرسة الإيرانية نحو أزماتها، ستدفعان «حماس» إما إلى مراجعة خطواتها نحو طهران أو الاستمرار في الرهان الخاسر عليها.
قوة عربية عسكرية .. زال الاحتلال عادت فلسطين!
بقلم: خميس التوبي عن الوطن العمانية
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image008.gif[/IMG]
في ظل حركة التدافع والحماسة والإثارة في عروض النخوة، وفي إطار اللهاث القائم وغير المسبوق على قيادة حلبة اللهاث لإنجاز ما فشل فيه الاستعمار قديمه وجديده، تبدو المنطقة مقدِمةً على حفلات جنون دموية تقام على مسارحها، سواء المسارح المستمرة فيها أساسًا حفلات الجنون الدموية الصاخبة، أو تلك التي يجري تهيئتها ليشمل هذا الصخب الجنوني الملون بالأحمر القاني المنطقة كلها.
وفي صلب هذه الحماسة والنخوة المعاد إنتاجهما وفق مقاسات وتفاصيل العصرنة والحداثة بتلاوينها المتعددة من الانبطاح والعمالة إلى التآمر والخيانة، بعد أن قعى عليهما (الحماسة والنخوة) الاستعمار بقديمه وجديده، لا تبدو الكفة متأرجحة بين انتكاسة الخلاف المتأزم، وهاوية المكاسب المتنازع عليها، كما كان في السابق، بل لم تعد هناك كفتان، وإنما كفة واحدة، وهي كفة الرابح القاعي على كرسيه العالي يشاهد ـ تارة بابتسامة خبيثة وأخرى بقهقهة ـ ما تسيله حفلات الدم الصاخبة المجنونة من أنهار، ويستلذ بروائح كتل اللحم البشري المفروم أو بروائح الأجساد التي تملأ الأرض العربية. حفلات صاخبة بقيادة المايسترو الأميركي وبإعداد صهيوني لسيناريوهاتها وبأبطال وفرق راقصة عربية ـ إسلامية.
قبل العام 2011م كان بُعيْدَ كل حفلة دم في فلسطين أو العراق أو لبنان، كانت الأسئلة التي تقفز مباشرة إلى الأذهان هي: ما، ومن، السبب؟ ومن يحقن الدماء العربية التي تنهمر كل يوم من أوردة القتلى والجرحى؟ ومن يوقف هذا العنف الذي يهدد بتحويل المنطقة بكاملها إلى أنهار من دم؟ فكانت الإجابة على هذه التساؤلات تنصرف ـ بداهة ـ إلى إزالة مسبباتها، فعلى قوات التحالف الأنجلو ـ أميركي أن تحمل عصاها وترحل عن بلاد الرافدين، بعد أن أدت ـ مشكورة ـ دورها في نشر (الديمقراطية) في العراق بثمن لا يقل عن مئة ألف قتيل أغلبهم مدنيون، إضافة إلى مئات الآلاف من المصابين، وتشريد الملايين، وتدمير البنى الأساسية بالكامل، وتلويث البيئة العراقية بمخلفات اليورانيوم المستنفد التي تواصل دورها التخريبي في التربة والماء والهواء لمئة عام على الأقل، وتصفية وتشريد علمائه وتقويض بنية نهضة علمية عادت إلى الخلف الآن لقرن كامل على الأقل، واستنزاف نفط العراق، وزرع بذور الفتنة الطائفية بين الإخوة وأبناء العمومة والقائمة طويلة جدًّا.
وفي فلسطين ولبنان فإن الدماء لن تحقن إلا بعد زوال الاحتلال عن كامل الأراضي العربية المحتلة في الخامس من يونيو عام 1967م، وأي محاولات لهدنة أو وقف لإطلاق النيران مع استمرار الاحتلال واغتصاب حقوق الغير، لن يكون أكثر من (استراحة محارب) مؤقتة سيندلع العنف بعدها، وتراكم الظلم والشعور بفقدان الأمل في تسوية سلمية عادلة، سيكون حاضنًا لأجيال جديدة من الذين يدفعهم اليأس والقنوط إلى الضرب في كل اتجاه وأيًّا كان الثمن فهم ـ أصلًا ـ لا يملكون ما يخسرونه.
إذن، كان الشعار العربي المرفوع قبل العام 2011م؛ أي قبل تفتح أزهار “الربيع العربي” لا حل لوقف النزيف الدم العربي إلا بزوال المحتل، وإحلال البديل الوطني محله من خلال مشروع وطني يتوحد حوله المكتوون بالاحتلال يمكِّنهم من إدارة بلادهم وصيانة سيادتها واستقلالها. أما اليوم وبعد العام 2011م وتنسم العرب روائح أزهار “ربيعهم” أصبح هذا الشعار من المحرمات والمحظورات في العمل العربي “المشترك” الجديد؛ لأنهم أمسوا ـ حسب أنوفهم التي غدت لا تشم سوى كل ما هو غربي صهيوني ـ لا يشمون روائح عربية خالصة، وإنما يشمون هواءً ملوثًا بروائح “صفوية رافضية خارجية”، فلن تستلذ أنوفهم بروائح “ربيعهم” المعطر بروائح “الديمقراطية والحرية الغربية، وحقوق الإنسان الغربي، ولا مغطى بأثواب “الرأسمالية والإمبريالية”. وعليه بات الصهيو ـ غربي حليفًا وصديقًا وعاملًا للخير وحاقنًا للدماء العربية ومدافعًا عن الحق العربي، وأي عمل مقاوم ضده هو عمل عدائي إرهابي يجب أن يضرب وتتوحد الجهود لردعه ووضع حد له.
المثير للحيرة والسخرية في الوقت ذاته، هو إقرار جامعة الدول العربية في ختام أعمال قمتها السادسة والعشرين في شرم الشيخ أمس إنشاء قوة عربية مشتركة، تشارك فيها الدول اختياريًّا، وتتدخل هذه القوة عسكريًّا لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة أي من الدول الأعضاء بناء على طلب من الدولة المعنية، وهو القرار الذي تحفظ عليه العراق. ولعل الأسئلة الأكثر إلحاحًا والمثيرة للسخرية هي: ما الدول الأعضاء المقصود بها؟ هل فلسطين من ضمنها؟ وماذا لو طلبت السلطة الفلسطينية التدخل لدفع الإرهاب الصهيوني عنها وإزالة الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية؟ أليس من حقها؟ فمدينة القدس المحتلة تتعرض منذ أكثر من ستة عقود للتهويد، ويتعرض المسجد الأقصى للتدنيس والانتهاك وتدمير أساساته، والفلسطينيون المقدسيون يهجرون من منازلهم، كما يعاني الفلسطينيون من تهديدات محدقة وخطيرة في معتقلات الاحتلال الصهيوني وفي قطاع غزة المحاصر، فهل يمكن أن تلبي القوة العربية الطلب الفلسطيني ؟ وبالتالي كيف تعمل هذه القوة العربية العسكرية وتؤدي دورها إذا كانت هناك دول عربية محتلة من قبل دول عربية، سواء بالسيطرة على قرارها السياسي والسيادي أو عبر الإرهاب وبإنتاج وتشكيل عصابات إرهابية وتمويلها ودعمها بالتدريب والمال والسلاح لتدمير هذه الدول العربية؟
فضلًا عن السؤال الأكثر إلحاحًا والحال هذه: كيف يتأتى أن تضحي دولة عربية بجنودها الذين أشركتهم في القوة العربية في مواجهة عصابة إرهابية أنتجتها ومولتها وسلحتها ضد دولة عربية طلبت المساعدة كما هو الحال على سبيل المثال في ليبيا ولبنان، فليس سرًّا أن ما يسمى “داعش” و”جبهة النصرة” وغيرها من العصابات الإرهابية المتقاتلة هي ممولة من دول عربية ودولة إقليمية؟ ولذلك وبعيدًا عن الضبابية وغياب التفاصيل عن هذه القوة العربية، فإنها إما أن يكون حالها كحال اتفاقية الدفاع المشترك، أو تكون قوة رديفة للجماعات الإرهابية التي تدمر وتخرب وتقتل في الدول العربية المستهدفة.


رد مع اقتباس