اقلام واراء محلي 581
27/12/2013
في هذا الملـــــف:
السريّة والمفاوضات!
بقلم: سميح شبيب عن صحيفة الأيام
هل ستضعنا خطة كيري أمام أوسلو ٢ ؟!
بقلم: راسم عبيدات عن صحيفة القدس
ستجني على نفسها براقش!!
بقلم: هاني عوكل عن صحيفة الأيام
إطلاق الأسرى لا علاقة له بتكثيف الاستيطان
بقلم: هيئة التحرير عن صحيفة القدس
الفلسفة السياسية للحركة الأسيرة -الحلقة الخامسة
بقلم: عيسى ابوزهيرة عن صحيفة القدس
رئيس وحكومتان: مقاربة جديدة للمصالحة الوطنية
بقلم: محمد ياغي عن صحيفة الأيام
2014: عام تجديد القديم الفلسطيني؟!
بقلم: رجب ابو سرية عن صحيفة الأيام
السريّة والمفاوضات!
بقلم: سميح شبيب عن صحيفة الأيام
منذ بدء المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، الجديدة، تم الإعلان بوضوح وصراحة بأن هذه المفاوضات ستتمتع بسرية كاملة، ولن تكون في تداول الإعلام. لعله من نافلة القول، بأن السرية بل السرية التامة، هي أمر لازم وضروري، في مسار مفاوضات صعبة وشائكة، ومحطاتها موضع خلاف بين الطرفين الرئيسيين . لعل مراجعة سريعة، لاتفاقات دولية سابقة، ويصلح اتفاق بودوستيك بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية مثالاً عليه. فإن السرية التامة في إنجازه كانت أمراً لازماً لا مفر منه، وعبر تلك السرية، تم تجنب الكثير من الإشكالات داخل الاتحاد السوفياتي نفسه.
وكذلك الأمر، فإن الاتفاق الفلسطيني - الإسرائيلي ١٩٩٣، تم طبخه وإنجازه عبر ممرات سرية تامة، لولاها لما تم إنجاز هذا الاتفاق التاريخي. المسألة في مسارات المفاوضات الجارية، والحفاظ على سريتها يرافقها نشر المزيد من التقارير والأخبار والتسريبات عبر الصحافة الإسرائيلية، خاصة "يديعوت احرونوت" و"هايوم" التقارير تتناول مسائل أمنية تتعلق بالمفاوضات ومساراتها، ومواقف الولايات المتحدة، ولعل الاطلاع على تلك التقارير، من شأنه ان يدلل، على أنها تقارير تم إعدادها بعناية فائقة، وبأنها قادرة على إعطاء الانطباع، بأن هناك إعدادات لنقاط اتفاق قادمة .. يأتي ذلك في ظل غياب النص الإعلامي الفلسطيني الذي لا يزال يلتزم بالسرية، حفاظاً على مسارات التفاوض.
المسألة هنا، لا تتعلق بالاحترام بما اتفق عليه .. بمعنى ان المسألة ليست مسألة أخلاقية، بقدر ما هي مسألة سياسية.. ما تقوم به إسرائيل من تسريبات هو جزء من عملها السياسي الرامي الى تفجير المفاوضات وسط الطريق، وخلق المزيد من الإشكالات داخل الوضع الفلسطيني نفسه، وبث ما يخدم مصالح الحكومة الإسرائيلية، داخل الشارع الإسرائيلي نفسه..
لا يعني ذلك، الاستجابة للابتزاز الإسرائيلي، وخروج الطرف الفلسطيني عن صمته، عبر اللجوء الى الإعلام.
المسألة هنا، تحتاج الى وقفة جدية، يتم خلالها دراسة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلي، وتحديد مراميه وأهدافه.. وبالتالي العمل على درء مخاطرها، والحيلولة دون نجاحها، عبر وسائل إعلامية فلسطينية، تأتي عبر معبر واحد، وهو الإعلام الحكومي، والناطق الرسمي، عبر بيانات إعلامية، ترسم الملامح العامة لسير المفاوضات، دون الدخول بتفاصيلها وتفنيد التقارير الإسرائيلية، دون ذكرها ..
هنالك قضايا أمنية بارزة منها مسألة الأغوار والحدود وغيرها، وللفلسطينيين موقف واضح إزاءها، ولا مانع من تجديد هذا الموقف وإبرازه، مع التأكيد على أن المفاوضات لا تزال متواصلةً وهناك إمكانية لنجاحها في حال الالتزام الإسرائيلي الإسرائيلي بمبادئ السلام ومقوماته!
هل ستضعنا خطة كيري أمام أوسلو ٢ ؟!
بقلم: راسم عبيدات عن صحيفة القدس
الطبخة او الخطة او الحل السياسي الذي سيحمله كيري في جولته القادمة للمنطقة، بوصف الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، مرعب ولا يمكن لأي فلسطيني الموافقة عليه، ولا يوجد ما تتفاوض عليه الأطراف، فالطبخة والخطة تشترط الإعتراف بيهودية الدولة، فضلاً عن المفاوضات على الحدود تراعي حدود عام 1967،مع مراعاة الكتل الإستيطانية القائمة بأمر الواقع، وتواجد عسكري اسرائيلي وامريكي في الأغوار لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، ومحطات إنذار اسرائيلية على رؤوس جبال الضفة الغربية، وقوات مشتركة متعددة الجنسية على الحدود الفلسطينية - الأردنية.
وواضح ان كيري استبق جولته الجديدة للمنطقة، بسلسلة مكثفة من اللقاءات السياسية والأمنية بين الأطراف العربية والدولية والأمريكية والإسرائيلية والفلسطينية، تضمن فرض مثل هذه الطبخة والخطة السياسية، وخصوصاً ان القيادتين السياسيتين الأمريكية والإسرائيلية، باتتا على قناعة تامة، بان هذه الفترة تشكل فرصة ذهبية لإسرائيل وامريكا، لفرض مشروع يصفي القضية الفلسطينية بشكل كامل، وخصوصاً بان الأخطار العربية المحيطة بإسرائيل لم تعد قائمة والحديث يجري عن حل انتقالي واتفاق إطار، يجري الإتفاق على تفاصيله خلال عام.
ونحن الذين اكتوينا بنار الإتفاقيات المؤقتة والإنتقالية، ندرك بأن الإحتلال والداعمين له،لا يلتزمون ولا يحترمون أية اتفاقيات، ويستغلونها فقط من اجل كسب الوقت وفرض وقائع وحقائق جديدة،فأوسلو الذي وقع في ايار 1993،كان مفروض ان ينتهي في أيار/1999،تنسحب اسرائيل خلاله من 90 % من أراضي الضفة الغربية،لنجد بعد عشرين عاماً بأن هذا الإتفاق قد كرس الإستيطان وضاعفه بأكثر من عشرة أضعاف والمزيد من مصادرة الأرض ونهبها كذلك المزيد من الشهداء والأسرى والجرحى.
ما يجري الحديث حوله من اتفاق إطار في نهاية كانون ثاني من العام القادم/ 2014 والذي حجزت له الخارجية الأمريكية على حد قول الصحيفة الإسرائيلية "يديعوت أحرنوت "(50) غرفة في أفخم فنادق القدس الغربية، لكي تكون جاهزة من اجل إستقبال (130 ) من طاقم كيري الذي له علاقة بالمفاوضات، والذين سيخوضون لقاءات امنية وسياسية مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في هذا السياق جرى لقاء امني فلسطيني - امريكي قبل أسبوع ، قاده من الجانب الفلسطيني اللواء ماجد فرج مسؤول المخابرات الفلسطينية، حيث جرى نقاش بنود الإتفاق الأمني الذي صاغة الجنرال الأمريكي جون آلن، وكيري يستعد لجولته الجديدة من اجل صياغة بنود الإتفاق في شقه السياسي، والتوصل إلى اتفاق إطار، يجري التفاوض حول تطبيق تفاصيله خلال عام.
وسبق ذلك لقاء بين المبعوث الأمريكي للشرق الوسط ولعملية السلام مارتن انديك والرئيس أبو مازن في المقاطعة، ولنفس الغاية والغرض التقى الرئيس أبو مازن مع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، فالعرب وبالتحديد مشيخات النفط الخليجية وعلى رأسهم بندر بن سلطان، والذي تسلم الملف الفلسطيني بعد فشل قطر في معالجة الملف السوري، سيمارسون ضغوطاً على السلطة ورئيسها لقبول خطة او مشروع كيري، والذي سيضعنا أمام مشروع سياسي أخطر بكثير من مشروع اوسلو، وسنكون امام كارثة حقيقية تمس حقوقنا وثوابتنا ومشروعنا الوطني، وبالتحديد قضايا اللاجئين والقدس، مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني.
فكيري القادم للمنطقة، يريد هذا الإتفاق بأي شكل لكي يتجنب فشل المفاوضات، ويعبر نيسان القادم،نهاية الفترة المحددة للتفاوض(تسعة شهور)، وقد كسب المزيد من الوقت، وبمجرد توقيع الإتفاق تفرض حقائق ووقائع جديدة، يصبح على السلطة الفلسطينية التعاطي والتعامل معها،والمأساة والطامة الكبرى، ان وفد السلطة للمفاوضات المستقيل والمتبقي منهم في لقاءات ومحاضرات لهم صرحوا وقالوا بأن حكومة نتنياهو عادت للمفاوضات لأسباب تكتيكية وليس كإستراتيجية سلام، وما يثير السخرية والإستغراب، ما صرح به محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» والوزير في ثلاث حكومات سابقة ورئيس مؤسسة "بكدار، في معرض تبريره لإستقالته من الوفد المفاوض، بأن اسرائيل تنصلت من إلتزاماتها وتعهداتها التي على أساسها عاد الفلسطينيون للمفاوضات، وهو يدرك بان ذلك كذب وخداع وتضليل، فالسلطة الفلسطينية عادت للمفاوضات متعارضة مع أغلب مكونات المجتمع الفلسطيني ومركباته من احزاب وقوى ومؤسسات مجتمع مدني وجماهير ومتجاوزة قرارات المؤسسات الفلسطينية من لجنة تنفيذية ومجلس مركزي التي رفضت العودة للمفاوضات، بدون الوقف الشامل للإستيطان وإطلاق سراح الأسرى، بل وفي عودة السلطة للمفاوضات فرض نتنياهو شروطاً ومعادلات جديدة،حيث قسم أسرى ما قبل اوسلو(104) أسرى إلى أربع دفعات، ومع إطلاق سراح كل دفعة او مجموعة منها، يتم الإعلان عن مشاريع ومناقصات إستيطانية لبناء المزيد من الاف الوحدات الإستيطانية في القدس والضفة الغربية، وبالتالي العودة لتلك المفاوضات، لم تأت من اجل وقف الإستيطان وتحرير الأسرى وحماية القدس،فشتيه بعظمة لسانه يقول أن اسرائيل قسمت المدة الزمنية المحددة للتفاوض(9 ) شهور الى ثلاثة مراحل ثلاثة أشهر للعب وثلاثة اشهر للتواصل وثلاثة أشهر لعقد الإجتماعات، وكان يشعر بانه يتفاوض مع تسيفي ليفني واسحق مولخو، وليس مع الحكومة الإسرائيلية،التي كانت عندما تطلق دفعة من الأسرى الفلسطينيين عدد من وزرائها يتظاهرون أمام السجن الذي سيطلق سراح الأسرى الفلسطينيين منه، فضلاً عن انه خلال فترة الثلاثة أشهر من التفاوض استشهد 31 فلسطينياً وهدم اكثر من 206 منازل فلسطينية، واعتقل حوالي (600) فلسطيني، وهذا يؤكد على ان هذه الحكومة المتطرفة، لا يوجد في برنامجها سوى المزيد من الإستيطان والقتل والتدمير وفرض الوقائع والحقائق، والتفاوض من اجل التفاوض، بدون تقديم أية استحقاقات او تنازلات جدية من اجل السلام.
أما صاحب كتاب ونظرية «الحياة مفاوضات»، كبير المفاوضين الدكتور صائب عريقات، فقد قال في جولة له مع قناصل وسفراء اجانب، بانه عاد الى بيت لحم بعد شهر، ليجد بأن هناك شوارع للإسرائيليين واخرى للفلسطينيين، وبأن المزيد من الأرض التهمت وصودرت، وانا بدوري أتساءل واقول «صح النوم»، فهل هو قادم من كوكب آخر وهو يقود المفاوضات ويعرف جيداً ماذا يحدث على الأرض؟، ولا يجوز استغفال واستهبال هذا الشعب العظيم والمضحي، والعمليات الإستعراضية للإستقالة والعودة عنها.
جولة كيري هذه هي الأخطر والإدارتان الأمريكية والإسرائيلية مصممتان على فرض حل وتسوية على شعبنا الفلسطيني، يريدون التقاط هذه الفرصة التاريخية من اجل إنهاء القضية الفلسطينية وتصفية حقوق شعبنا الفلسطيني، مستفيدين من الحالة العربية الضعيفة والمنهارة، والواقع الفلسطيني المنقسم والضعيف، ولذلك فإن الجميع يتحمل المسؤولية، السلطة الفلسطينية بالدرجة الأولى والقوى والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وعلينا أن نستفيد من المتغيرات والتوازنات الجديدة للفكاك من الرعاية الأمريكية المنفردة والمنحازة بشكل سافر لإسرائيل، من اجل المطالبة بعقد جنيف دولي للقضية الفلسطينية،جنيف دولي قد يمكننا من تحقيق الحد الأدنى من حقوقنا الوطنية والمشروعة، دولة فلسطينية على 22 % من مساحة فلسطين التاريخية،وإلا فإن طبخة وخطة كيري ستكون اسوأ من اوسلو بعشرات المرات، وتحمل مخاطر التصفية والتبديد لحقوقنا الوطنية وقضيتنا الفلسطينية، وسنكون أمام أوسلو (2 ) أسوأ بكثير من اوسلو واحد.
ستجني على نفسها براقش!!
بقلم: هاني عوكل عن صحيفة الأيام
قريباً سيعود وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى المنطقة، حتى يتمنى على إسرائيل إطلاق الدفعة الرابعة والأخيرة من سراح الأسرى الفلسطينيين، كما فعل قبل ذلك لإطالة أمد المفاوضات وإبقاء عجلاتها في حركة مستمرة.
الدفعة الثالثة من الأسرى الفلسطينيين، ستفرج عنهم إسرائيل أواخر هذا الشهر، لكن مصادر عبرية تقول إن هذا الإفراج مرتبط بإعلان مشروعات استيطانية جديدة، ويأتي بمباركة مختلف أركان الحكومة الإسرائيلية التي تحرص على عدم توقف هذا الاستيطان.
لا يمكن لأحد أن يصدق أن إسرائيل تقدم على إطلاق سراح الأسرى مجاناً، أو أنها تقوم بذلك من أجل السلام أو لتقريب وتحسين علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، ذلك أن أي قرار إسرائيلي مستند إلى دراسة معمقة وخطة محكمة، تستهدف في الأساس تحقيق مصلحة البلاد.
الثمن الذي يدفعه الفلسطيني هو الموافقة على استكمال المفاوضات في إطار صفقة الإفراج عن الأسرى، أما موضوع التوسع الاستيطاني فهو تصرف إسرائيلي بحت، غير متصل بموافقة أو عدم موافقة السلطة الفلسطينية عليه، لأن إسرائيل لا تقيم وزناً للسلطة.
إسرائيل لن تتخلى عن الاستيطان ما دامت حية، فهي التي قامت على أساسه سواء في مرحلة ما قبل الدولة أو بعد ذلك، وفي نكسة حزيران العام 1967، احتاجت إسرائيل لاحتلال ومصادرة بعض الأراضي العربية، حتى توسع من نفوذها وتدعم أمنها، أو مبادلة تلك الأراضي المحتلة بالسلام الكامل والآمن الذي يديم وجودها.
هذا أيضاً حصل في أوسلو، حين قسّم الاتفاق الأراضي إلى "أ" و"ب" و"ج"، بما يعني عودة بعض الفصائل الفلسطينية إلى كل من غزة والضفة، وتأسيس سلطة حكم ذاتي على أراضٍ فلسطينية كانت تحتلها إسرائيل، مقابل تحقيق السلام والأمن ومساهمة السلطة في صياغة معادلة أمنية تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
إن أحد أسباب عدم نمو أوسلو اتصل تحديداً بالاستيطان، وكان هذا الأخير أكبر حجر عثرة أمام تقدم أي مفاوضات عقدت بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، حتى أن خطة خريطة الطريق التي أنتجها الرباعي الدولي توقفت بسبب الأعمال الاستيطانية الإسرائيلية.
ومن يتابع خط سير المفاوضات السابقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، يلاحظ أن فشلها انسحب على الاستيطان، الأمر الذي يعني أن إسرائيل لن توقف هذه السياسة باعتبارها من مرتكزات قيام الدولة الإسرائيلية، ومن الثوابت السياسية غير الساقطة.
ما يضيف على المفاوضات الجارية تعقيدات حقيقية، هو أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هي بالفعل حكومة مستوطنين، وعلى الأرجح أن هناك تفاهماً إسرائيلياً - أميركياً يتعلق بموافقة الثانية للأولى على مواصلة التوسع الاستيطاني.
ولعل وزير الدفاع موشيه يعالون كان أكثر من واضح حين علّق على خطط استيطانية جديدة بالقول "إن من حقنا أن نبني وفقاً لتفاهماتنا واتفاقاتنا مع الأميركيين، ووفقاً لذلك سنستمر في البناء"، الأمر الذي يعني أن إسرائيل تتبنى الاستيطان قلباً وقالباً، وتسير به تحت الرعاية الأميركية.
ربما تعتبر إسرائيل أن مفتاح الوصول إلى السلام يكمن في الأرض، وأن تحقيقه الآن صعب للغاية في ظل الصراع المتواصل مع الطرف الفلسطيني، وبالتالي تسعى الدولة العبرية لكسب المعركة على الأرض الفلسطينية عبر تهويدها بالاستيطان، ومن ثم الخوض في السلام.
المعنى أن إسرائيل التي لم تحصل على إجابة موفقة من السلطة الفلسطينية بخصوص الاعتراف بها دولة يهودية، تحاول ترسيم هذه الدولة على الأرض، من جهة مصادرة أراضٍ فلسطينية وتهويد المقدسات وتزوير التاريخ لكسب المعركة.
حينها سنكون أمام معطيات جديدة وأمام تكوم أطنان من الثقل في ميزان القوى الإسرائيلي، وسيصبح السلام إما درباً مستحيلاً على الفلسطينيين، أو أنهم سيقبلون به بمعطيات مختلفة تماماً عن الحالية، وهكذا يكون وكما يقول المثل قد "وقع الفأس في الرأس".
إن ما يفعله نتنياهو الآن هو تهويد الدولة، وأيضاً تهويد السلطة الفلسطينية، إذ في الأولى يتوسع بالاستيطان ومن ثم الديمغرافيا، وأكبر دليل على ذلك ما يتعلق بحجم وأعداد المستوطنين في الضفة الغربية، الذي لم يتجاوز 110 آلاف منذ الإعلان عن أوسلو عام 1993، وما وصل إليه العدد اليوم متجاوزاً النصف مليون مستوطن.
أما موضوع تهويد السلطة الفلسطينية، فهذا يعني إرسالها إلى القاع وإضعافها وشل قدرتها على الحركة، وإبقاءها فاقدة للسيادة الوطنية وصلاحيتها محدودة للغاية، وأما اليوم فهي أضف إلى ذلك، فاقدة للشرعية، الأمر الذي يعني أن إسرائيل تستغل مثل هذا الجرح الفلسطيني الداخلي لتصب الزيت على النار نحو تعميق الكراهية والانقسام والتشتت بين الفلسطينيين.
مع ذلك فإن السلطة وبإرادتها قررت الارتهان لإسرائيل، خصوصاً حين تصمت عن كل هذا التغول الاستيطاني، والأهم عندما يتزامن مع الإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية، وكأن ذلك يصبح تواطؤاً فلسطينياً وموافقة ضمنية على الاستيطان الإسرائيلي، مع أنه في حقيقة الأمر ليس كذلك.
كم نددت السلطة وشجبت واستنكرت الأعمال الاستيطانية الإسرائيلية، وكم نبهت إلى أن ذلك من شأنه أن يفشل المفاوضات، وكم مرة هددت بانسحابها من العملية التفاوضية، وإلى اللحظة تواصل إسرائيل فعل كل ما تريد، دون أن نلمس موقفاً فلسطينياً قوياً تجاه الفظائع الإسرائيلية.
إذا كانت إسرائيل لا تقيم حساباً للسلطة ولا لرد فعلها، فالأولى لنا أن يكون لدينا رد فعل موجه ضد إسرائيل وسياساتها، ومن شأنه أن يُحصّن البيت الفلسطيني الداخلي، لأن السكوت عن مواصلة الاستيطان في حضرة مفاوضات هشة، يعمق من أزمة السلطة ويربطها بعلامات استفهام مشبوهة وكثيرة.
لماذا لا نختبر الموقفين الأميركي والأوروبي ونضعهما أمام مسؤولياتهما تجاه ما يسمى العملية السلمية، مع العلم أنهما طالبا إسرائيل بالتوقف عن إعلان أي مشروعات استيطانية جديدة، وعليه إذا صح القول إن هناك مشروعات سيتم الإفراج عنها مع الدفعة الثالثة للأسرى الفلسطينيين، فعلى السلطة الفلسطينية وقف مهزلة المفاوضات.
نعم وقف هذه المهزلة، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولعل مواصلة إسرائيل للاستيطان يعطي الجانب الفلسطيني فرصةً ويسهل عليه الانسحاب الأحادي من هذه المفاوضات، التي ليس لها مرجعية ولا ظهر يؤمن الحماية للطرفين ويكون الفاصل بينهما ويحفظ حقوقهما.
لقد أخطأت السلطة كثيراً في حقها وفي حق الشعب الفلسطيني، وعليها استثمار الفرصة حتى تقول "لا" في وجه الاستيطان، بما يؤدي إلى خطوات عملية تنسجم وهذه المفردة، أما البقاء عند نغمة التنديد والوعيد وانتظار كيري حتى "يطبطب" على جرحنا ويوصل حبل المفاوضات بلاصق صمغي، فهذا يعني أن السلطة ستجني على نفسها في يوم من الأيام، كما فعلت براقش!
إطلاق الأسرى لا علاقة له بتكثيف الاستيطان
بقلم: هيئة التحرير عن صحيفة القدس
مرة أخرى تتردد التقارير عن اعتزام الحكومة الاسرائيلية الإعلان عن مخططات جديدة لإقامة ما بين ألف وآلفين من الوحدات السكنية الاستيطانية، تزامنا مع إطلاق سراح دفعة جديدة من الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية. وقد سبق أن أعلنت تلك الحكومة عن مخططات لتكثيف الاستيطان مع إطلاق سراح الدفعة السابقة، وذلك في تحد سافر لروحية الجولة الراهنة من المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، وفي تهديد خطير لها.
ولم تتأثر اسرائيل في حينه بالرفض الفلسطيني والإدانة التي صدرت عن المجتمع الدولي لهذه المخططات، ولا باستقالة أعضاء في الوفد الفلسطيني المفاوض احتجاجا على الإعلان الاسرائيلي، وها هي تعيد الكرة الآن دون أن تأخذ في الاعتبار ردود الفعل الفلسطينية والدولية التي بدأت تتوالى رفضا لمخططات التوسع الاستيطاني، ولمبدأ الاستيطان بحد ذاته.
والذريعة التي تستخدمها الحكومة الاسرائيلية هي ، كما في المرة السابقة، تهدئة المتطرفين في اسرائيل الذين يحتجون على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين. وهذه ذريعة واهية لأنه لا توجد أي علاقة أصلا بين الإفراج عن الأسرى من ناحية- وهو تصرف يفترض أن تكون اسرائيل قد نفذته منذ عقدين من الزمن، ومع التوقيع على إعلان اوسلو- وبين الإقدام على خطوات يعارضها المجتمع الدولي وتتناقض جوهريا مع المفاوضات وعملية السلام عامة، مثل الاستيطان الذي اعتبرته الأسرة الدولية في قرارات مرجعياتها الشرعية عقبة كبرى في طريق السلام، بل العقبة التي تحول دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، التي هي الغاية والهدف من المفاوضات السابقة والحالية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي.
والقطاعات المتطرفة في المجتمع الاسرائيلي، الذي يميل باطراد نحو اليمين، هي قطاعات ترفض العملية السلمية وتتشبث بالاحتلال والاستيطان. واسترضاء هذه القطاعات معناه إعطاء الضوء الأخضر لها لتقوم بنسف وتدمير كل فرص السلام العادل الذي يعيد الأمن والاستقرار لهذه المنطقة.
وقد وصل الاستيطان في الضفة الغربية بالفعل نقطة قريبة من اللاعودة، وتوجد حاليا هياكل حقيقية لدولة استيطانية في الضفة موازية لاسرائيل نفسها، ويتزايد عدد المستوطنين بشكل دراماتيكي حيث يقترب عددهم الآن من ثلاثة أرباع المليون.
إن وجود هذا العدد الكبير من المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة من شأنه أن يقرع ناقوس الخطر أمام كل ممن يعنيه ما يسمى بالسلام والمفاوضات. ولا يجب السكوت على هذه الظاهرة التي تهدد وجود الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن الاستيطان هو القضية التي يجب إيلاء الاهتمام الأكبر بها لوقف التوسع الاستيطاني أولا، ثم تصفية الظاهرة الاستيطانية واجتثاثها من جذورها، ثانيا.
الأسرى الفلسطينيون يتوجب إطلاق سراحهم وإغلاق هذ الملف المؤلم والحساس نهائيا. وفي الوقت نفسه، فإن الاستيطان يجب أن يتوقف إذا أريد لمفاوضات السلام أن تستمر بشكل إيجابي وذي مصداقية من جانب اسرائيل. وهذه هي الرسالة التي من المناسب توجيهها للوسيط الأميركي، ولكل من يعنيه أمر السلام والأمن والاستقرار لكل شعوب المنطقة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
الفلسفة السياسية للحركة الأسيرة -الحلقة الخامسة
بقلم: عيسى ابوزهيرة عن صحيفة القدس
جاء في الحلقات السابقة ان كل محاولات التنكر والجحود وإدارة الظهر لحقوق الأسرى لم تفلح في كسر شوكتهم والنيل من عزيمتهم وارادتهم رغم التضحيات الجسام ، إلا أن اتفاق واسلو ترك أثرا نفسيا ومعنويا وقانونيا سيئا على قضيتهم السياسية والوطنية المهمة .
فمنذ اللحظة الأولى للتوقيع على وثيقة إعلان المبادئ في واشنطن بتاريخ 13/9/1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل حدث تحول نفسي عند الاسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الاسرائيلية حيث ارتفعت مستويات التوقع لديهم ، والمتعلقة بإنهاء معاناتهم والافراج عنهم حيث رأوا ان حصيلة اية تسوية سياسية بين طرفي النزاع لا بد وان تشمل اطلاق المعتقلين كجزء لا ينفصل عن هذه التسوية السياسية وعن آفاق الحل وبناء الاستقرار والسلام ، إلا أن أملهم باء بخيبة أمل وذهبت أحلامهم أدراج الرياح .
وقد بنى الاسرى الفلسطينيون تطلعاتهم باقتراب تمتعهم بالحرية من منطلق ان التسويه السياسية قد وضعت حدا للحرب والصراع والكراهية بين الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي وبالتالي فإن المرحلة الجديده تقضي الافراج عنهم باعتبارهم جنودا كانوا أحد عناصر الصراع الذي وضعت اتفاقية بناء السلام نهاية له .
ان توقعات الاسرى انطلقت من مقومات عقائدية ، وتنظيمية وذاتية شكلت بمجملها المنهجية السياسية والفكرية التي ميزت مجتمع الحركة الاسيرة من ناحية السلوك والتربية وقواعد الالتزام ، فالاسرى ينظرون الى ذاتهم بأنها بأنها تحظى بالاهتمام لدى الجميع ، وبأنهم خيرة ابناء الشعب الفلسطيني و رموزه وأبطاله وبأن نضالاتهم وتضحياتهم ومعاناتهم الطويلة هي التي أوصلت الى طريق السلام والحل السلمي والتعايش وبالتالي هم أحق فئات الشعب بالتمتع بثمار السلام العادل وبالحرية وبالمشاركة في بناء المجتمع الفلسطيني .
الاسرى بذلك أقاموا تصوراتهم على أساس انهم يحتلون مكانه خاصة لاجدل حولها في تفكير وعقلية قيادتهم ، إضافة الى حصيلة ثقافية اختمرت لديهم من مجموع التجارب العالمية التي درسوها ، وإطلاق سراح الأسرى في حالة التوقيع على اتفاقيات سلام بين الدول المتصارعة ، كعملية اطلاق سراح الاسرى وفق جدول زمني بعد توقيع اتفاقية سلام بين ايرلندا وبريطانيا عام 1998م .
لقد نص الاتفاق بين حكومة المملكة المتحده لبريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية وحكومة ايرلندا بتاريخ 10/4/1998 على مايلي :
• كلا الحكومتين ستضعان آليات لتشكل برنامجا سريعا لاطلاق سراح الأسرى بمن فيهم الاسرى المدانون باعتداءات في ايرلندا الشمالي .
• سوف تكمل الحكومتان عملية مراجعة خلال إطار زمني محدد وتحدد تواريخ الافراج عن الأسرى المستوفين للشروط في فترة لاتزيد عن سنتين .
• ان الحكومتين سوف تسعيان الى تطبيق هذه الترتيبات مع نهاية حزيران 1998.
• ستستمر الحكومتان بالاعتراف بأهمية الاجراءات التي تسهل اعادة اندماج الاسرى في المجتمع .
ان اتفاقية اوسلو التي فتحت عهدا جديدا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وشكلت منعطفا تاريخيا وتحولاً نوعياً على مسار القضية الفلسطينية لم تتطرق الى قضية الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية نهائياً والذين بلغ عددهم عند التوقيع على هذه الاتفاقية اكثر من احد عشر الف أسير فلسطيني وعربي في مختلف السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف ،فنصوص وبنود الاتفاقيه تخلو من أية إشارة او معالجة لمسألة الاسرى . وقد اكد على ذلك زياد ابو زياد وعضو لجنة المفاوضات في حينها في ندوه عقدت في القدس بقوله " انه لم يتم طرح قضية المعتقلين في أوسلو بشكل أساسي وجدي ولم يتم التطرق اليها وتم الاعتماد حسن نوايا الجانب الاسرائيلي كما انه لا يوجد اي بند من بنود أوسلو خاص بالمعتقلين في حين انه سبق التوقيع على الاتفاقية تأكيدات مختلفة على لسان مسؤولين فلسطينين حول أهمية قضية المعتقلين باعتبارها في سلم الاولويات والاهتمامات لديهم .
وكتب المحامي زياد ابو زياد ان عدم إدراج قضية الأسرى يعود الى أسباب ذاتية تتعلق بالمفاوض الفلسطيني وذلك عندما قال " ان الذين شاركوا في المفاوضات السرية التي أدت الى اتفاق أوسلو لم يكن بينهم اي مفاوض فلسطيني من داخل الاراضي المحتله وان هؤلاء ليست لديهم الحساسية التي يتعامل بها فلسطينيو الاراضي المحتلة اتجاه قضية الأسرى" .
وأقر المفاوض نبيل شعث " ان خطأ قد حصل " ، ووجه رسالة خاصة عبر الراديو الى المعتقلين وعدهم فيها بأنه لن يتم التوقيع على اتفاق القاهره الا اذا تم التوصل الى اتفاق مفصل بشأن الاسرى وتحديد جدول زمني لعملية الافراج عنهم .
وتوالت الوعود والتصريحات على لسان مسؤولين فلسطينيين تؤكد على العمل من أجل الافراج عن جميع المعتقلين دون استثناء وذلك على ضوء حالة الاستياء التي عمت أوساط الاسرى وأهاليهم بعد إعلان بنود وثيقة المباديء على الملاء .
أما الجانب الاسرائيلي فقد أخذ ينفي وجود اي اتفاق او التزام أو حتى وعود بإطلاق سراح المعتقلين ولكنه من منطلق ما أسماه بناء الثقه " ومن جانب واحد قام بعد التوقيع على وثيقة إعلان المباديء بإطلاق سراح 600 أسير فلسطيني على ثلاث دفعات ، ويبدو في التحليل النهائي ان المفاوض الفلسطيني إما اعتمد على حسن نوايا حكومة اسرائيل فيما يتعلق بالافراج عن الاسرى الفلسطينيين حيث اعتقد انها ستكون نتيجه منطقية لاي اتفاقية سلام ، وإما ان قضية الاسرى لم تكن بالنسبه له ذات اولوية وأهمية أمام قضية إعادة انتشار الجيش الاسرائيلي واقامة الحكم الذاتي الفلسطيني وما بين الاحتمالين تفجرت أزمة الاسرى وظلت مدار جدل في طريقة معالجتها في السنوات الاحقة .
الطعن في مصداقية الاتفاق :
جاء موقف الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية مفعما بالاستياء الشديد وعكس موضوع تجاهل قضيتهم في أوسلو وترك آثارا نفسية صعبة وكبيرة عليهم حيث أصيبو وأهليهم بخيبة أمل وتساءلوا عن مكانهم في الاتفاقيه ، وخرجت منهم عشرات الرسائل والبيانات الموجهه الى القيادة الفلسطينيه ومؤسسات حقوق الانسان تظهر مدى ما أصابهم من إحباط معبرين فيها عن عدم رضاهم عن أداء المفاوض الفلسطيني وطالبوا في هذه الرسائل الجماهير الفلسطينية التحرك والعمل لإثارة قضيتهم وإطلاق سراحهم .
رئيس وحكومتان: مقاربة جديدة للمصالحة الوطنية
بقلم: محمد ياغي عن صحيفة الأيام
شاءت "حماس" أم أبت، فإن قرار الحكومة المصرية بإعلان جماعة الإخوان المسلمين حركة "إرهابية" سينعكس سلباً عليها وعلى أهل غزة عموماً. وليس من المستبعد أيضا، أن تصدر السلطات المصرية قراراً باعتبار "حماس" تنظيما إرهابيا بسبب جذورها وعلاقتها بالإخوان المسلمين ("المصري اليوم" - الإثنين المنصرم).
لن نتوقف هنا عند صحة القرار المصري من عدمه، ويكفي القول إن هذا القرار يستدعي صراعا أهليا لا تحتاجه دولة تثقلها الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الخانقة، وتحتاج إلى تكاتف وتماسك وطني لحلها. ما يهمنا هو أن تدرك "حماس" ومعها السلطة في الضفة أن البيئة الإقليمية لم تعد قادرة على خدمة المشروع الوطني الفلسطيني ببعدية "المقاوم" و"المفاوض"، وأن هذه البيئة عاجزة أكثر من أي وقت مضى عن المساهمة في إنهاء الاحتلال أو حتى في رفع الحصار المضروب على غزة منذ سنوات سبع.
في السابق كان هنالك محور للمقاومة وآخر للاعتدال. المقاوم كان قادراً على إسناد "حماس" مالياً وعسكرياً.. والمعتدل كان ملاذ السلطة لتجنيد موقف دولي داعم لها في المفاوضات مع إسرائيل. كلا المعسكرين سقطا!
تركيا فتحت على نفسها باباً كان يمكنها الاستغناء عنه، ورمت بثقلها خلف معارضة مسلحة للنظام السوري أصبحت تخشاها. اليوم همها الوحيد تأمين حدودها مع سورية. وتركيا، كما قطر، كانت قادرة على مساعدة "حماس" سياسياً عندما كانت مصر تحت حكم الإخوان.. اليوم لا حلفاء لحركة "حماس".
السلطة ليست بحال أفضل. الحكومة المصرية منكفئة على نفسها.. كانت حربها على الإرهاب في سيناء فقط، واليوم حربها تشمل مصر كلها بعد تفجير الدقهلية - المنصورة. السعودية أولوياتها معروفة.. تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، ولهذا بالذات هي تعمل على إسقاط النظام السوري وإضعاف حزب الله. ما تبقى من دول عربية كان وزنها أصلاً قبل الربيع العربي خفيفاً، وأصبح منعدماً بعده. بشكل مختصر، البيئة الإقليمية معادية لحركة "حماس" ومجافية للسلطة في الضفة على حد سواء.
هذا المعطى الجديد يفرض على الطرفين "فتح" و"حماس" استعادة الوحدة الوطنية للحفاظ على القضية الفلسطينية من "الضياع".. ونقول "الضياع" لأن فرص استعادة الشعب الفلسطيني لأرضه سواء بالمفاوضات أو بالمقاومة أصبحت أكثر بعداً من أي وقت كان منذ ظهور الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
مشاريع الوحدة منذ اتفاق مكة إلى القاهرة لم تنجح، والسبب يعود في الأساس إلى أن طرفي الخلاف أرادا وحدة وطنية تتيح لكل منها الاحتفاظ بمواقفه السياسية ومكاسبه على الأرض. "فتح" أرادت العودة لغزة وإخضاع أجهزة "حماس" الأمنية لها، وأرادت قبول "حماس" ببرنامجها السياسي. "حماس" من جانبها أرادت وحدة تتيح لها اقتسام المنظمة، والحفاظ على سيطرتها الأمنية على غزة، وعدم الالتزام بالمسار السياسي أو بنتائج المفاوضات. هذا النوع من الخلافات لا يمكن التغلب عليه، وبالتالي كان الفشل ملازماً لكل الاتفاقات.
المقاربة الجديدة تنطلق من واقع أن غزة والضفة في ظل الاحتلال ليست وحدة جغرافية واحدة؛ إسرائيل تفصلهما عن بعض، وهي ستتدخل في أية مقاربات للحل بحكم سيطرتها على معابر غزة، وعلى الضفة عموما. بمعنى لو وافقت "حماس" على تسليم غزة للسلطة، فإنها ستبقى في وضع أمني أفضل من أجهزة أمن السلطة، لأن إسرائيل لن تسمح للأخيرة بأن يكون لها سلاح فعال خوفاً من وقوعه في أيدي "حماس"، أو لعدم ثقتها بأمن السلطة. ضمن وضع كهذا حتى لو عادت أجهزة السلطة الأمنية لغزة فهي لن تكون قادرة على بسط سيطرتها عليها.
المسألة الأخرى أن غزة محررة فعلياً ولا تستطيع دبابة أو جندي إسرائيلي دخولها دون مقاومة مكلفه للجانب الإسرائيلي.. بينما الضفة ما زالت خاضعة لسيطرة إسرائيل الأمنية المطلقة. بقاء غزة محررة هو مصلحة فلسطينية لا يجب التفريط بها.
الاعتراف بهذا الواقع هو مقدمة للإقرار بضرورة البحث عن مقاربة فلسطينية جديدة للوحدة هدفها في الأساس الحفاظ على القضية الفلسطينية من الضياع ورفع الحصار عن غزة.
ما الذي يمنع ضمن هذا الواقع أن تكون لمنظمة التحرير حكومتان واحدة في الضفة والثانية في غزة، وكلاهما خاضعتان لسلطة رئيس منظمة التحرير وهو في هذه الحالة الرئيس عباس.
"حماس" تقر خلال ذلك بأن المسار السياسي هو من اختصاص منظمة التحرير، ويتم تمثيلها في مؤسساتها وليس مهماً هنا حجم التمثيل، لأن الأسس التي يمكن البناء عليها لقياس نسبة التمثيل وهي الانتخابات لجموع الشعب الفلسطيني غير ممكنة. التمثيل هنا رمزي هدفه تجاوز مسألة الصراع والخلاف.. وتنحصر مهام الحكومتين في إدارة القضايا اليومية الخاصة بحياة الناس.
حكومة "حماس" يمكنها الاحتفاظ بسيطرتها الأمنية على غزة وهي في النهاية في موقف دفاع عن غزة وليست في موقع الهجوم منه، لكنها في المقابل تتعهد بعدم تنفيذ عمليات من الضفة (هي لم تقم بذلك منذ سنوات)، وتلتزم أيضاً بالسماح بحرية العمل السياسي والإعلامي في غزة. في المقابل تتعهد السلطة في الضفة بالسماح بحرية العمل السياسي لـ "حماس" وبحقها في تشكيل منظمات أهلية خيرية ودعوية.
سياسياً وجود "حماس" داخل المنظمة لا يعني أن المنظمة ستغير من سياساتها (أصلاً لا توجد لحركة حماس خيارات عملية).. وهي لا تعني أيضاً أن "حماس" ستكون شاهد زور على مفاوضات لا تريدها (لا توجد فرصة لاتفاق سياسي مع إسرائيل).. وفي جميع الأحوال يجب الاتفاق بين الطرفين بأن أي اتفاق سياسي محتمل سيكون خاضعاً للتصويت عليه من قبل فلسطينيي الضفة وغزة، وسيلتزم الجميع بنتائج التصويت قبولاً أو رفضاً، وهو ما يعني بأن "حماس" ستحتفظ بحقها في الدعوة لرفض الاتفاق لكنها لن تعترض على تنفيذه إن تم التصويت عليه بنعم.
مقاربة كهذه بشأن الوحدة تساعد أولاً أهل غزة على تجاوز الحصار، وتساعد السلطة في مشروعها التفاوضي، وتخلق مناخاً من الثقة بين الفلسطينيين يمكن البناء عليه لوحدة أعمق وأشمل.
هذه مقاربة تستدعي التفكير - حتى اليوم، "حماس" و"فتح" أرادتا كل شيء ولم تحصلا على شيء. يمكنهما على الأقل في بيئة إقليمية سيئة التوافق على القليل المهم: رفع الحصار عن غزة، وإعطاء حرية التفاوض للرئيس عباس بإجماع فلسطيني.
2014: عام تجديد القديم الفلسطيني؟!
بقلم: رجب ابو سرية عن صحيفة الأيام
بإعلان الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، تكون الأمور بين الدولة والإخوان قد دخلت ضمن دائرة "كسر العظم"، وهذا يعني بأنه ما عاد ممكناً التوصل إلى "حل" من شأنه أن يدخل الإخوان بموجبه، ضمن الحالة السياسية المصرية، كما أن ذلك يعني بأن "فصلاً" من التوتر الميداني ستشهده مصر خلال الفترة القادمة.
على أي حال، فإن إقدام الحكومة المصرية على اتخاذ هذا القرار، يشير إلى أن نظام ما بعد 30 حزيران، في مصر قد بات ممسكاً بمقاليد الأمور الداخلية، وأنه بات قوياً لدرجة أن يقوم بكسر ظهر أكبر تنظيم سياسي في مصر، بل ربما أكبر تنظيم سياسي في المنطقة بأسرها، دون أن يتردد لحظة واحدة، وهذا يؤكد خطأ المسار الذي سار عليه الإخوان منذ 30 حزيران الماضي، وحتى قبل ذلك، حيث كان يمكنهم أن يتجنبوا مثل هذا المصير لو أنهم أبدوا تعقلاً أكبر، لكن ولأن "لو" لا تغير من واقع الحال شيئاً، وحيث إن من شأن ذلك القرار أن يعني ملاحقة عناصر الإخوان وفق القوانين العسكرية، أي دون الحاجة إلى مذكرة اعتقال من قاض، ومن ثم حبسهم دون حكم مدني بالسجن، وما إلى ذلك، فإن ما يعنينا بشكل مباشر هو ما سينجم عن هذا من تداعيات على الجانب الفلسطيني، وبالتحديد على إخوان/ فلسطين.
التوضيح جاء فورياً من وزير التضامن الاجتماعي المصري د. أحمد البرعي، وهو الوزير المختص، والذي سبق له وأن أعلن قرار حل جماعة الإخوان المسلمين قبل بضعة أسابيع، وقال فيه بالحرف: إن حماس جزء من تنظيم الإخوان المسلمين، وهذا يعني أن كل عنصر من عناصر حماس لم يعد بمقدوره أن يدخل الأراضي المصرية لهذه الصفة وحسب، ولم يعد الأمر يحتاج تهمة أو حكما بضلوعه في عملية تفجير أو أي شيء من هذا القبيل، الذي له علاقة بالأمن المصري، كما أن الأمر هذا يتجاوز الموقف السياسي، فحتى بعد انتهاء الفترة الانتقالية، لن يكون بمقدور الحكومة القادمة أن تغير هذا القرار بسهولة، وربما كانت الأيام القليلة القادمة ستوضح تماما أبعاد هذا القرار، ليس فقط على تواجد بعض قيادات وكوادر حماس في مصر (موسى أبو مرزوق مثالاً)، وليس فقط على عجز قيادات وكوادر وعناصر حماس المقيمين في غزة من دخول مصر وحسب، ولكن سينعكس على لقاءات المصالحة بالتأكيد وبشكل مباشر وفوري.
علينا أن نراقب ونترقب، إن كانت الحكومة المصرية وفق هذا الإعلان ستقوم باعتقال كل عناصر الإخوان المصريين، دون الحاجة إلى تهمة التورط في عمل أمني مخل بالنظام العام، وإن فعلت، فهل ستقوم باعتقال قيادات وكوادر وعناصر حماس المقيمين بمصر، وإن فعلت، فكيف يمكن أن تظل مصر - بعد ذلك - راعياً لملف المصالحة بين فتح وحماس، حيث إن قيادات حماس لن يكون بمقدورها دخول الأراضي المصرية؟!
طبعاً، هذا الإعلان يزيد من الوضع الحالي في غزة سوءاً، ويزيد من الضغط على حماس، في غزة - خاصة - والتي باتت لا تعرف ماذا تفعل، هل تواصل "استجداء" أبو مازن لإنجاز المصالحة، وخروجها من المأزق، أم تفتح الجبهة مع إسرائيل، سعياً لقلب الطاولة، وهي تدرك أنها هذه المرة، قد لا تنجو من السقوط من على كرسي الحكم في غزة، وأن أحداً لن يسارع إلى نجدتها من آلة الحرب الإسرائيلية؟
الأيام الماضية الأخيرة، شهدت مؤشرات على ما يمكن أن يحدث من مؤشرات الانفجار، حيث باتت غزة في "طنجرة" الضغط، تغلي، وبالتأكيد، فإن أفضل خيار للفلسطينيين، هو أن يتم إنجاز المصالحة فوراً، ليس فقط لتجنيب غزة الكارثة القادمة، بل أيضاً لإنقاذ السلطة من المأزق التفاوضي الحالي، والذي باتت مقدماته واضحة عبر اتفاق الإطار، الذي يسارع جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة إلى عقده مع نهاية شهر كانون الثاني القادم.
أبو مازن الذي أكد خروج الـ 26 أسيراً بعد غد الأحد، يشير بذلك إلى تجاوز المفاوضات عنق الزجاجة، والأهم أنه بشّر بإنجاز المصالحة قريباً، بما يشير إلى أن السلطة ربما تسعى إلى "تمرير" اتفاق الإطار، مع اتفاق المصالحة، حيث لن يكون بمقدور حماس رفض المصالحة، فيما تعجز السلطة عن رفض اتفاق الإطار، وهي بحاجة إلى أجواء شعبية من نمط تلك التي ستحتفل بإعلان المصالحة، حتى يمر اتفاق إطار يتضمن حلاً انتقالياً، وربما دولة مؤقتة، على خير، دون أن يواجه المفاوض الفلسطيني برفض سياسي وشعبي عارم.
إنما هي أيام إذا، ويتأكد لنا أن العام 2014 قد يحمل مع بداياته، التوصل لاتفاق انتقالي، لا يختلف كثيرا عن اتفاق أوسلو قبل عشرين سنة، أي التجديد لاتفاق قديم، وربما أيضاً التجديد لنظام سياسي قديم، عجز عن الوصول بالفلسطينيين إلى آفاق الحرية رغم التضحيات الجسيمة، بكل آلياته ورموزه وأشكاله!


رد مع اقتباس