الملف المصري 390
دستور مصر القادم.. إشكاليات عالقة وخلافات
معهد العربية للدراسات
يعرض معهد العربية للدراسات في هذه الدراسة التي قد تكون الأولى في موضوعها، والتي أعدها الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي العام بالجامعات المصرية، لأزمة الدستور المصري الجديد سواء ما يتعلق بتشكيل لجنته التأسيسية أو ما يتعلق بمسودة ومشروع الدستور المصري الجديد الصادر عنها، والمزمع الاستفتاء عليه خلال شهر نوفمبر المقبل، وسط اعتراضات وخلافات متشعبة، طرحتها أغلب القوى المدنية وبعض الاتجاهات الإسلامية لأسباب ومرجعيات مختلفة، عارضاً فيه للعديد من المسائل والقضايا الدستورية المهمة التى شابها عوار كبير، نتيجة للعجلة التى اتسم بها عمل الجمعية التأسيسية، حتى تنجز المهمة التاريخية السامية المنوطة بها، وخشية صدور حكم قضائي مرتقب بعدم دستوريتها مثل سابقتها الأولى، خاصة بعد ما أعلنته المحكمة الدستورية العليا اليوم الثلاثاء السادس عشر من أكتوبر من رفض للمواد المتعلقة بها في مسودة الدستور الأخيرة، ويرحب معهد العربية للدراسات بمختلف المشاركات والاتجاهات في هذا السياق إضاءة وتطويراً للجدل وطرح إمكانيات التوافق.
الدساتير من رحم الثورات
ما إن نشرت مسودة دستور مصر الجديد، حتى وجهت لها العديد من الانتقادات والتساؤلات، وكان الأبرز والأكثر انتشارا وتأثيرا هو نقد التيارات المدنية، وإن ظلت تحفظات ثم رفض الاتجاهات السلفية، ولا زال الأمر عالقا لا يرضي أطرافا كثيرة سياسية وقضائية، فقد اعترضت عليه النيابة العامة وهيئة قضايا الدولة، كما رفضت الدستورية العليا المواد المتعلقة بها، ولا زال الجدل ساخنا وفوارا بخصوصه.
دارت الانتقادات حول أمور متعلقة بمدنية الدولة، ومرج للتشريع، وحقوق المرأة والطفل، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ونظام الحكم، وسلطات الدولة، إلا أننا عمدنا إلى تسليط بعض من الضوء على أمور جد مهمة أيضا مر عليها النقاد مرور الكرام، مثل: بطلان تشكيل الجمعية التأسيسية ذاتها المنوط بها إعداد الدستور، وغياب المشاركة المجتمعية فى إعداد الدستور، والإحالة دوما إلى القانون ليس لتنظيم ولكن لتقييد حقوق الإنسان الدستورية، واستقلال القضاء والرقابة الدستورية، ومسئولية الرئيس، وكيفية إعلان حالة الطوارئ.
العادة أن الدساتير تخرج من رحم الثورات ابنا بارا بها ومعبرا عنها ومنسجما مع أهدافها، فقد خرج دستور" صولون الإغريقى" استجابة للعصيان الذى أبدته شعوب أثينا المقهورة، ويعد أول الدساتير الثورية فى العصور القديمة، فالثورات تعد الوسيلة الأولى الأهم التى تتوسل بها الشعوب، وتستند عليها لإلغاء الدساتير الماضية، وإرساء دساتير المستقبل والعدالة التي تنشدها، هكذا خرج دستور سنة 1923 من رحم ثورة 1919 كما خرج دستور مصر سنة 1956 من رحم الثورة المصرية عام 1952، وكذلك أخرجت الثورة الأمريكية عام 1775-1776 على البريطانيين دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1778 أول دساتير العالم الحديثة قاطبة.
ومفهوميا يعد الدستور الوثيقة القانونية الأسمى التى توضع فى لحظة تاريخية معينة لتحدد طبيعة النظام السياسى، وواقع وهوية المجتمع والدولة، والدساتير تحمل معها فلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، كما أن الدستور يعد صورة صادقة عن آمال الشعب وطموحاته، ومرآة للظروف والأوضاع المجتمعية. فهو يمثل نهاية مرحلة من الصراع أو التنازع بين الحاكم المستبد القاهر، وبين الشعب المظلوم المغبون، فعندما تتأجج مشاعر الشعب، وتتبدل حاجاته، وعندما لا يصير ثمة تمازج أو انسجام بين الحاكم والمحكوم، يصبح الدستور بحاجة إما للإلغاء أو التعديل لمسايرة الظروف والمتطلبات الجديدة.
كيفية إصدار الدستور المصري الجديد
أياً ما كانت الطريقة المتبعة لوضع الدساتير، فإن مدى الملائمة والانسجام بين النصوص الدستورية، وبين الأوضاع السياسية، والأحوال الاجتماعية، والظروف الاقتصادية للمجتمع المصرى فى لحظة الثورة المصرية، وما بعدها تبقى المسألة الدستورية الأهم فى سياق إعداد الدستور.
يعد إصدار الدساتير بطريقة الاستفتاء الدستورى، أو الشعبى أكثر الطرق ديمقراطية لأنها تطبق مبدأ سيادة الشعب بصورة كاملة، حيث تسمح للشعب مصدر السلطات بممارسة سلطته الدستورية الشعبية الأصيلة، فيضع الشعب وبشكل مباشر الدستور الذى يناسبه، وهذه كانت الوسيلة المتبعة فى إصدار الدستور الأمريكى عام 1778، والتى لم تتبع فى إعداد دستور مصر الجديد بعد ثورة 25 يناير المجيدة.
ومشروع الدستور هنا تضعه جمعية تأسيسية منتخبة من قبل الشعب ثم يعرض على الأخير لاستفتائه فيه، ولا ينفذ ويصبح ذلك المشروع دستورا نافذا ملزما إلا بعد استفتاء الشعب وموافقته عليه.
إن ما نقصده بالجمعية التأسيسية المنتخبة قانونا ليست تلك الجمعية التأسيسية التى صاغت مسودة الدستور المصرى الجديد، التي تكاد تكون أقرب ما تكون للجنة فنية حكومية، متنازع على دستوريتها وشرعيتها كالجمعية التى سبقتها، حيث إن هذه الجمعية أقرب ما تكون من اللجان الفنية الحكومية التى تعهد بها السلطة الحاكمة لإصدار دساتير البلاد.
إن زعم البعض أن الشعب هو الذى يوافق في النهاية على الدستور، حتى لو تم إعداده عن طريق جمعية منتخبة، أو عن طريق لجنة حكومية كما فى حالة الدستور المصري لعام 1956، والدستور الفرنسى لعام 1958 هو زعم مردود، فالشعب الفرنسي رفض مشروع الدستور الفرنسي لعام 1946، بالرغم من إعداده بواسطة جمعية منتخبة من الشعب ذاته، لذا يجب عدم التعويل على إرادة الشعب في الحالة المصرية، وذلك بالنظر إلى طبيعة الإدراك الثقافي، والتعليمي، والدستوري للهيئة الناخبة في مصر.
لقد تابع المصريون كافة، ذلك السباق المحموم ما بين الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور، وبين القضاء المصري، حتى تستطيع الجمعية التأسيسية إعداد الدستور قبل صدور حكم قضائي لا محالة بعدم دستورية تشكيل الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد الدستور، فكان للعجلة والتسرع من جانب أعضاء الجمعية الأثر المباشر فيما ران من مثالب ومعايب عديدة، نعرض لأهمها فى هذه الدراسة:
(أولا): إصدار دستور مصر من هيئة غير دستورية:
يمكن الجزم بأن الرئيس المصرى سيقوم بدعوة الشعب المصرى لأول مرة لاستفتاء على دستور مصر الدائم المرتقب، والذى قامت هيئة تأسيسية غير شرعية بإعداده، فمنذ اللحظة التى تم تشكيل الجمعية التأسيسية الحالية بتاريخ 12 من يونيه، والتى قامت بإصدار مسودة الدستور الجديد لم تتوقف المطالبات والدعوات سواء الحقوقية، أو القانونية، أو الشعبية ببطلان هذه الهيئة التى تم تأسيسها وتشكيلها على ذات القواعد غير الدستورية التى تأسست عليها الجمعية التأسيسية الأولى المنحلة. حيث كانت محكمة القضاء الإدارى قضت سابقا ببطلان تشكيل 50% من أعضاء الجمعية التأسيسية الأولى للدستور من داخل البرلمان، حيث إن ذلك التشكيل خالف نصوص مواد الإعلان الدستورى.
كانت المحكمة قضت بتاريخ 10 ابريل 2012 بأن الإعلان الدستورى لم يتضمن أى نص يجيز لأعضاء البرلمان -مجلسى الشعب والشورى- المشاركة فى عضوية الجمعية التأسيسية المسند إليها إعداد مشروع الدستور المصرى الجديد، ولو كان الاتجاه إلى ذلك لنص على ذلك صراحة فى الإعلان الدستوري. بل أنه لم يسمح لأى من السلطة التنفيذية، أو التشريعية –مجلسى الشعب والشورى- التعقيب على ما انتهت إليه الجمعية التأسيسية فى هذا الشأن ليكون مصير الدستور متوقف على رأى الشعب وإرادته بالاستفتاء عليه.
وانتهت المحكمة إلى أن القرار المطعون فيه -الصادر بتاريخ 17/3/2011- من هيئة الناخبين (الاجتماع المشترك) لمجلسى الشعب والشورى وفقاً لنص المادة (60) من الإعلان الدستورى المتضمن مشاركة أعضاء من مجلسى الشعب والشورى فى عضوية الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع دستور جديد للبلاد يكون حسب الظاهر من الأوراق قد صدر مخالفاً للمادة (60) من الإعلان الدستورى ، لتجاوزه المهمة المحددة "للاجتماع المشترك" التى اقتصرت وفقاً للنص سالف البيان على انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية وهو ما يعيبه بعيب عدم المشروعية.
ونظرا لعديد الدعاوى القضائية التى طعنت فى مشروعية إنشاء وتشكيل الجمعية التأسيسية أمام محكمة القضاء الإدارى، بدت الجمعية وكأنها غير عابئة بالأمر، وتسابق الزمن للانتهاء من كتابة الدستور، وفقا لآجال المهل، والتأجيل من المحاكم المختلفة فى مصر للفصل فى عدم دستورية تشكيل هذه الجمعية للمرة الثانية، وعكس إصرار الجمعية على مباشرة أعمالها، كما الحال بالنسبة لمجلس الشورى، انعدام ثقافة سيادة القانون، واحترام مبادئ المشروعية، والتداول السلمى للسلطة.
(ثانيا): غياب المشاركة المجتمعية فى إعداد الدستور:
من المهم أن يتم إعداد دساتير الدول التى تعد أسمى وثيقة تأسيسية تصدر من الشعب ولأجل صالح الشعب، وذلك عن طريق مشاركة كافة الأطياف، والطوائف والفئات، والتجمعات، والنقابات، والجماعات المختلفة سواء فى داخل الجمعية التأسيسية، أو فى خارجها، ولا يتحقق ذلك إلا عبر حوارات مجتمعية موسعة، وورش العمل، والمؤتمرات، والندوات الجماهيرية والإعلامية، والنزول إلى كافة المحافظات من أجل التشاور مع سائر أطياف المجتمع المصرى، واستخدام وسائل الإعلام المختلفة لتقديم رؤية متكاملة لأهم المبادئ والأحكام الأساسية التى يجب مراجعتها فى كتابة الدستور المصرى الجديد، حتى يتم التوافق على دستور مصرى يعبر عن طموحات وأمانى الشعب المصرى فى دستور يرون أنفسهم ومصالحهم فيه كمواطنين.
وحتى ندرك الواقع المصرى فى إعداد الدستور، ندلل على تجربة المشاركة الشعبية والتثقيف المدنى فى جنوب أفريقيا حين أعدت دستورها الديمقراطى عام 1996 بعد إنهاء الحقبة العنصرية، حيث عملت إدارة التواصل المجتمعى على رفع الوعى الجماهيرى لتحفيز الشعب على المشاركة فى إعداد الدستور، حيث استخدمت العديد من الملصقات، والكتيبات، والمنشورات، والصحف الإخبارية، والكتب، والموقع الرسمى للجمعية التأسيسية، وأتيحت الفرصة للجماهير للاتصال والتواصل مع هذه الإدارة لتقديم مقترحاتهم، أو لتلقى المعلومات، وكان الهدف الأسمى من هذه العملية المهمة هو ضمان المشاركة الشعبية فى عملية إعداد الدستور بالنسبة لمحتواه، والمبادئ الأساسية الحاكمة له، والآليات الممكن اتباعها لدعم الحوار المتصل بالدستور على مستوى القاعدي.
(ثالثا): حقوق الإنسان (الإحالة إلى القوانين):
كررت مسودة الدستور الجديد ذات العوار الدستورى الذى شاب كافة دساتير مصر السابقة والتى تماثل سائر دساتير الدول المستبدة، وذلك فى باب الحقوق الأساسية للإنسان وحريته العامة حيث أحال الدستور على التشريع فى تقييد الحقوق والحريات التى كلفها الدستور ذاته، مما يفقدها قيمتها الدستورية.
لقد غاب على أعضاء الجمعية التأسيسية الحقبة الماضية التى رزحت فيها البلاد تحت نير الطغيان، وصلف الاستبداد، وجور الطاغية، الذى تحايل على الدستور، وتجاهل الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان، وذلك بإحالته تفسير ممارسة هذه الحقوق إلى التشريعات والقوانين، ومن شأن هذه الإحالة افتئات السلطة التشريعية ذاتها على الحقوق الدستورية الراسخة، فصارت عبارة "فى حدود القانون"، أو "وفقا للقانون"، بمثابة الأصفاد والأغلال التى تقيد الدستور والأفراد أيضا.
(رابعاً): استقلال القضاء والرقابة الدستورية:
لن تنهض مصر دون قضاء عادل مستقل محايد نزيه، وبالرغم من أن مسودة الدستور الجديد تعرضت للعديد من الأمور والضمانات التى تكفل للقضاء استقلاله، إلا أن ذلك الاستقلال يجب أن يكون استقلالا عمليا على أرض الواقع، ويسهل تنفيذه؛ ومن ثم كان الأجدر بالجمعية التأسيسية أن تتطرق لآليات تفصيلية لضمان استقلال الهيئات القضائية كافة، تضطلع فيها مؤسسات وهيئات الدولة بدور القدوة والمثل فى ترسيخ مبادئ الديمقراطية فى مرحلة التحول الديمقراطى، والتى يشغل فيها استقلال القضاء حيزا مهما.
ولأن القضاء منوط به الفصل فى قواعد اللعبة السياسية وحماية الحقوق الأساسية، فمن الأهمية بمكان أن يحدد الدستور الجديد ضمانات محددة للحفاظ على استقلال القضاء، حيث إن استقلال القضاء هو مفهوم بالغ الصعوبة من حيث المناداة به من الناحية النظرية، والأصعب وضعه فى حيز التنفيذ، ولكن ينبغى على الجمعية التأسيسية أن تسرد الآليات اللازمة تفصيلا فى الدستور فيما يتعلق باستقلال الهيئات القضائية.
لقد شهدت الآونة الأخيرة فى مصر تعديا صارخا من العديد من مؤسسات الدولة على صرح القضاء، فصدم المصريون ولأول مرة منذ إنشاء المحكمة الدستورية العليا عام 1979 برئيسهم المدنى المنتخب ديمقراطيا ينازع القضاء الدستورى فى سلطاته، ويضرب بأحكامه الباتة الحاسمة المبرمة عرض الحائط، ويحاول محاولة مستميتة لعودة برلمان حكم ببطلان أساسه قيامه، وانعدام مولده، وحسم فى أمر عدم دستوريته من الهيئة القضائية الأسمى فى البلاد.
وكانت المواجهة المحتدمة الثانية مع المؤسسة القضائية فى مصر، حين أصدر رئيس الجمهورية قراراً مساء يوم 11 أكتوبر الحالى بتسمية النائب العام المصرى المستشار عبد المجيد محمود سفيرًا لمصر لدى الفاتيكان، وهو تجاوز صارخ لاستقلال مؤسسة القضاء، ما أثار حفيظة قضاة مصر للقرار الصادم غير المسبوق فى تاريخ القضاء، فقانون السلطة القضائية فى البلاد يرخص فقط للمجلس الأعلى للقضاء بسلطة اتخاذ أية إجراءات تجاه النائب العام فى مصر.
لقد بانت فى نصوص مسودة الدستور فيما يتعلق بولاية المحكمة الدستورية العليا على الرقابة الدستورية للتشريعات والقوانين فى مصر بأنه كانت هناك نية مبيتة لتقليص دور المحكمة فى الرقابة الدستورية اللاحقة على التشريعات والقوانين فى مصر، حيث نصت مسودة الدستور –ولأول مرة- منذ إنشاء المحكمة العليا عام 1969، والمحكمة الدستورية العليا عام 1979، على الرقابة السابقة للمحكمة الدستورية العليا بشأن قوانين الانتخابات فى مصر، حيث عمد هؤلاء الأعضاء إلى تصفية الحسابات مع المحكمة الدستورية، وفقا لزعمهم الذى لم يسروه بل أعلنوه فى كافة وسائل الإعلام، وذلك بعد الحكم القضائى للمحكمة فى يونيو 2012 بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب.
لقد نصت مسودة القانون، فى المادة (8) على: "يعرض رئيس الجمهورية، أو مجلس النواب، مشروعات القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على المحكمة قبل إصدارها، لإبداء الرأى فى مدى مطابقتها للدستور، وتصدر قرارها فى هذا الشأن خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ عرض الأمر عليها، فإذا قررت المحكمة عدم دستورية نص أو أكثر وجب إعمال مقتضى قرارها قبل إصدار القانون، ولا تخضع هذه القوانين للرقابة اللاحقة المنصوص عليها بالمادة (6) من هذا الدستور".
إن تحديد أجل أسبوعين فقط للمحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستورية قوانين الانتخابات، أمر عسير حيث يشكل ضغط نفسيا وذهنيا على قضاة المحكمة، وذلك بالنظر لأهمية قرار المحكمة الخطير بشأن أهم التشريعات أو القوانين التى تصدر عن البرلمان، وهى التشريعات والقوانين المتعلقة بإجراء وتنظيم الانتخابات المختلفة.
لقد عقدت المحكمة الدستورية العليا في مصر الثلاثاء 16 أكتوبر مؤتمرا صحفيا تاريخيا، ولاول مرة تخاطب فيه المحكمة الاعلى في مصر جموع الشعب المصري، كي تنذر الشعب وقبل اجراء الاستفتاء الشعبي على الدستور الذي تاقت اليه جموع المصريين، من مغبة تقليص سلطات المحكمة ولاول مرة، حيث أشار رئيس المحكمة المستشار البحيري الي ان ذلك الافتتاء على سلطة المحكمة، هو بمثابة نصفية حسابات مع الهيئة القضائية العلبا في البلاد، وكأن مصائر البلاد والعباد تتوقف على حسابات خاسرة، ومصالح متامرة.
لقد دللت المحكمة في زعمها أيضاً، بأن تعديل اختصاص المحكمة الدستورية العليا من الرقابة اللاحقة على دستورية التشريعات والقوانين واللوائح في مصر الي الرقابة السابقة عليها ولاول مرة، هو بمثابة انقلاب جذري على البنيان الدستوري، حيث يقوض وبلا شك من سلطان وسلطات المحكمة الدستورية المكفولة لها منذ عقود خلت.
(خامسا): القانون الدولى:
من الوسائل المهمة لتعزيز التزامات الدول بحقوق الإنسان، الاعتراف صراحة بالتزامات الدولة تجاه القانون الدولى فى دساتيرها، حيث درجت العديد من دساتير وتشريعات الدول الداخلية على اعتبار قواعد القانون الدولى بشكل عام فى مرتبة أعلى من مرتبة التشريعات والقوانين الداخلية للدول، خاصة المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
لقد كفلت العديد من دساتير الدول فى مراحل الانتقال الديمقراطى ضمان تنفيذ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من جانب قضائها الوطنى، فألزمت قضاتها صراحة بمراعاة تنفيذ هذه المواثيق الدولية.
لقد غفلت الجمعية التأسيسية عن اعتبار هذه الضمانة المهمة لإنفاذ حقوق الإنسان فى الدستور المرتقب، وكان الأجدر أيضا على الجمعية دراسة دساتير الدول التى خاضت مخاض التحول الديمقراطى قبل مصر فى هذا الشأن، والمثل الناجح الذى يضرب فى هذا السياق دستور جنوب إفريقيا الصادر عام 1996.
(سادسا): مسئولية الرئيس:
نصت مسودة الدستور المصرى الجديد على: "يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو ارتكاب جريمة جنائية أو استغلال النفوذ أو انتهاك الدستور، بناء على اقتراح طلب مقدم موقع من ثلث أعضاء مجلس النواب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس، وبمجرد صدور هذا القرار يوقف رئيس الجمهورية من عمله، ويعتبر قرار الاتهام وحتى صدور الحكم مانعاً مؤقتاً يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاصاته طبقاً لأحكام المادة (7).
يتضح مما سبق الاختلاف الجوهرى الواضح بين كيفية إقرار مسئولية ومسائلة رئيس الجمهورية فى الدستور الجديد، عنه فى دستور مصر الدائم لعام 1971، حيث كان الدستور الأخير يساوى بين تآمر وتخابر رئيس الجمهورية فى مصر مع دولة أجنبية عدو لمصر، وبين تعطيل الرئيس للمؤسسات الدستورية والعمل الدستورى فى البلاد، ولقد سارت على ذات النهج معظم الدساتير فى الدول العربية، حيث ضمنت فى دساتيرها نصوصاً مماثلة للنص الدستورى المصري.
لقد نص الدستور الفرنسى أيضا على جريمة الخيانة العظمى، وقد تكون هذه الخيانة فى مواجهة الدستور كتعطيل إنفاذ أحكامه ومن ثم المساس بالسير الحسن لأجهزة ومؤسسات الدولة.
(سابعا): إعلان حالة الطوارئ:
رغم أن المواثيق الدولية لا تحظر على الدول ذات السيادة أن تعلن حالة الطوارئ فى الظروف الاستثنائية التى تلجأ إليها الدول للحفاظ على الدولة والمجتمع، بيد أن القانون الدولى رهن ذلك بأن تكون هذه الحالة طارئة مؤقتة، وأن تعلن وفقا لقانون، والعديد من الدول ذات الأنظمة الديمقراطية سعت لضمان حماية حقوق مواطنيها حتى أثناء حالة الطوارئ، حيث لجأت العديد من هذه الأنظمة إلى المراجعة القضائية لحالة الطوارئ، ووضع ضوابط جوهرية لممارسة السلطة فى الإعلان عن هذه الحالة، وتكون لدى المحاكم الفرصة لتقييم مدى صلاحية التدابير الخاصة بحالة الطوارئ بعد انتهاء العمل بها.
لقد فرغت مسودة الدستور الجديد من الضمانات الموضوعية والإجرائية التى تحول دون اللجوء إلى هذه السلطة الاستثنائية إلا عند الضرورة القصوى، وبالمقارنة بالعديد أيضا من الضمانات القضائية بالعديد من الدول العالم نجد أن المحكمة العليا فى الولايات المتحدة الأمريكية كانت المحكمة الرائدة فى تقييد وتحجيم سلطة الرئيس فى منح المحاكم العسكرية سلطة محاكمة مدنيين، حيث قضت بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية بـ "عدم أحقية الرئيس إبراهام لينكولن فى اتخاذ مثل هذا الإجراء"؛ لذا فمن المفيد التعلم من التجربة الأمريكية وغيرها فى مسألة المراجعة القضائية لتدابير الطوارئ.
وتثير مسألة تمديد حالة الطوارئ فى مصر جدلا دستوريا، وذلك مقارنة بالعديد من الدول، ففى تركيا يتعين تسليم إعلان الرئيس لحالة الطوارئ على الفور إلى البرلمان للحصول على موافقته بشأن ذلك الإعلان، وللبرلمان الحق فى إلغاء العمل بالحالة، أو تغيير مدتها، وفى فرنسا، ينتهى إعلان الرئيس حالة الطوارئ بعد مرور 12 يوما من تاريخه، ثم يقوم البرلمان بتمرير قانون يسمح بتمديد العمل بحالة الطوارئ، أما فى المجر فيسمح الدستور المجرى للبرلمان بإصدار أمر بإجراء استفتاء عام على إعلان حالة الطوارئ أو تمديدها.
الاستفتاء على مسودة الدستور
إن الاستفتاء على الدساتير بشكل عام يعد وسيلة دستورية وقانونية لطلب رأى الشعب فى مسألة ما. وهو فى الحقيقة ليس طلب الرأى والاستشارة بقدر ما هو طلب "فتوى" بشأن أمر ما، فالمطلوب من الشعب أن يقول رأيه بالموافقة من عدمها.
إن إرادة الشعب كمصدر مؤسس عن طريق الاستفتاء تتجلى بمناسبة القبول أو الرفض لمسودة الدستور الجديد، وفى حالة الرفض تصبح الوثيقة المعروضة على الشعب للاستفتاء كأن لم تكن وتنتهى معها مهمة الجمعية التأسيسية التى أعدتها وصاغتها وتنتخب مكانها أخرى عند الاقتداء، وهذا ما حدث لدستور فرنسا الجمهورية الرابعة (1946) عندما رفضه الشعب الفرنسى.
يعرض "النص" على الشعب بوصفه صاحب السيادة فى إنشاء الدستور من أجل التصويت عليه مباشرة من أجل التصويت عليه، وذلك تطبيقًا لمبدأ سيادة "الشعب"، وتعد هذه الخطوة مظهرًا من مظاهر احترام "سيادة الشعب"، ويعد الاستفتاء شرطا لازما لإحداث أثره فى إنشاء الدستور أو تعديله.
إن الاستفتاء يسبغ الشرعية الديمقراطية على الدستور حتى يستطيع الاستمرار والثبات ضد المحاولات المستمرة التى ستقوم بها فئات معينة لمحاولة تغييره، أو الانتقاص منه أثناء مرحلة التحول الديمقراطى، فيدعم الاستفتاء الاستقرار اللازم لبناء نظام ديمقراطى، فضلا عن أن الإعلان عن الاستفتاء على الدستور المصرى الجديد سيؤدى وبلا شك إلى النقاش المجتمعى العام الفاعل.
جدير بالذكر أن دستور 1956 فى مصر كان أول الدساتير المصرية التى صدرت بالاستفتاء وبموافقة الشعب وهو ذلك الدستور الذى صدر بعد الصراع الشهير داخل مجلس قيادة الثورة والذى انتهى بخلع "محمد نجيب" أول رئيس لمصر من منصبه عام 1954، وتنصيب "جمال عبدالناصر" خلفا له، وتم تشكيل لجنة لإعداد الدستور من مجلس قيادة الثورة، ولم يستمر ذلك الدستور إلا لعشرين شهرا فقط، وذلك بإصدار دستور الوحدة للجمهورية العربية المتحدة عام 1958.
ولكن التجربة العملية تجعلنا نعيد تقييمنا لدور الشعب فى "تأسيس الدساتير" واعتبار هذا الدور بطريقة آلية دعامة وعنوانًا للديمقراطية، وهذا خطأ، لأن اللجوء إلى الشعب إنما هو إجراء شكلى قد يستخدمه المستبد أكثر من الديمقراطى.
ختاما..
ليست العبرة بإصدار دستور عظيم مثلما هو موجود فى العديد من الدول المستبدة غير الديمقراطية فى العالم والتى تلحق باسمها كلمة الديمقراطية، وليست العبرة أيضا بالنصوص، فالضمانة الوحيدة للوصول إلى مجتمع ديمقراطى يحفظ حقوق الإنسان، ويصون كرامته الإنسانية، ويُعمِل أسس ومبادئ وقيم الديمقراطية، والحكم الرشيد، هى اعتبار الوثيقة الدستورية لدى كل المواطنين نمط حياة وغاية مستهدفة.
إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً


رد مع اقتباس