في هــــــذا الملف:
رأي القدس: نتنياهو وهتلر… كذبة جديدة للنازي الجديد
بقلم: أسرة التحرير عن القدس العربي
عودة الروح إلى النضال الفلسطيني
بقلم: شفيق ناظم الغبرا عن الحياة اللندنية
هبة الغضب.. والواقع الجديد
بقلم: محمد كعوش عن الرأي الأردنية
جهود حثيثة من أجل «التهدئة»
بقلم: عوني صادق عن الخليج الإماراتية
الجيوش لا تهزم الشعوب
بقلم: عادل سليمان عن العربي الجديد
كي مون في فلسطين.. القرار بيد الانتفاضة
بقلم: جواد محمود مصطفى عن الشرق القطرية
بالحجارة تنتصر فلسطين
بقلم: جاسم التنيب عن الوطن الكويتية
خارج ذاكرة «السلطة» والعرب فلسطين: يا لوحدنا!
بقلم: طلال سلمان عن الشروق المصرية
جبهة فلسطين: الوضوح هو الخنجر
بقلم: رائد شرف عن الأخبار اللبنانية
رأي القدس: نتنياهو وهتلر… كذبة جديدة للنازي الجديد
بقلم: أسرة التحرير عن القدس العربي
يثبت مجرم الحرب بنيامين نتنياهو مجددا أنه لا يتوقف عن التفوق على نفسه في الامعان والفجور في الكذب، تأكيدا لما كتبناه في هذا المكان من قبل، اذ انه وبعد ان مارس الكذب على جميع من هم على ظهر الارض، لجأ إلى الكذب على من هم في باطنها، وعلى التاريخ ايضا.
فقد زعم زورا وبهتانا ان المغفور له الشيخ المجاهد امين الحسيني مفتي القدس العربية المحتلة في القرن الماضي، هو من حرض الزعيم النازي هتلرعلى ارتكاب جريمة المحرقة اليهودية المدانة باشد الكلمات. وحسب كذبة نتنياهو فان هتلر لم يكن ينوي حرق اليهود بل كان سيكتفي بطردهم، لكن الشيخ امين حذره من ذلك خشية ان يذهبوا إلى فلسطين، فسأله هتلر وماذا افعل بهم؟ فاشار عليه بأن يحرقهم(..).
هذه الكذبة التي احسن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوصفها بـ «الدنيئة والحقيرة»، جاءت قبل ساعات فقط من قيام نتنياهو بزيارة إلى المانيا، في كلمة ألقاها أمام المؤتمر الصهيوني بعد ان تحدث عن هجمات مزعومة شنها فلسطينيون على اليهود في فلسطين في العشرينات وزعم انها جاءت بناء على دعوة من الشيخ الحسيني.
ولأنها كذبة خطيرة من حيث تبرئة النازي الجديد نتنياهو لاستاذه النازي القديم هتلر من جريمة المحرقة، ما يعني عمليا التهديد بتقويض الفكرة الصهيونية القائمة على «المظلومية التاريخية»، فقد كان الاسرائيليون وليس الفلسطينيين او الالمان اول من سارع إلى التصدي لها. فخرج وزير الدفاع في الحكومة الاسرائيلية موشي يعلون وهو حليف لنتنياهو وصرح لراديو الجيش «ان رئيس الوزراء أخطأ ولم يكن (الحسيني) بالقطع من ابتكر الحل النهائي.. بل كان من بنات أفكار هتلر الشيطانية.»
وكذلك اكدت دينا بورات الاستاذة بجامعة تل ابيب وكبيرة المؤرخين في متحف ياد فاشيم الاسرائيلي ان ما قاله نتنياهو لا يمت للحقيقة بصلة، وذكرت بان «فكرة تخليص العالم من اليهود كانت فكرة محورية في عقيدة هتلر قبل أن يلتقي بالمفتي بفترة طويلة جدا.» واكد مؤرخون آخرون ان قتل اليهود بدأ في حزيران/ يونيو 1941 بينما التقى الحسيني مع هتلر في تشرين الثاني/نوفمبر اي بعد خمسة شهور كاملة من بدء الجريمة.
اما اللطمة الكبرى على وجه نتنياهو فجاءت من المانيا نفسها، اذ قال المتحدث باسم المستشارة انجيلا ميركل» الالمان يعرفون تاريخ سعار القتل الاجرامي العرقي الذي قام به النازيون وأدى إلى الانفصال عن الحضارة الا وهو المحارق النازية.»
وأضاف «هذا يدرس في المدارس الالمانية وعن حق ويجب عدم نسيانه أبدا. لا أجد مبررا لتغيير رؤيتنا للتاريخ بأي شكل. نعرف ان مسؤولية هذه الجريمة ضد الانسانية مسؤولية ألمانية.. هي مسؤوليتنا نحن.»
الواقع ان هذه الكذبة الجديدة تكشف انه لا يوجد قاع او حضيض اخلاقي يمكن ان تتوقف عنده جرائم نتنياهو او خسته او وضاعته سواء السياسية او الانسانية.
اما ما يريده من ورائها فواضح تماما. انه يحاول تحميل الفلسطينيين المسؤولية التاريخية عن الهولوكوست، وبالتالي استخدام هذا التزييف الاجرامي للتاريخ كمبرر لاعتماد «الحل النهائي» نفسه الذي ابتكره استاذه هتلر للقضاء على الشعب الفلسطيني.
وحتى اذا لم يصدق احد كذبته الجديدة، وهو ما حصل فعلا، فان مجرد اثارة الجدل، ولو من غير مبرر، حول الهولوكوست لا بد أن يشكل عاملا مساعدا أثناء زيارته إلى المانيا التي اصبحت تشعر، مثل اغلب اوروبا، بالاشمئزاز من سياساته واكاذيبه ناهيك عن جرائمه ضد الشعب الفلسطيني.
وسيكون من العار حقا على المستشارة ميركل ان هي فشلت في ان تندد علانية اثناء استقبال نتنياهو بالجرائم التي ما فتئ يرتكبها ضد الفلسطينيين، واسفرت عن وقوع آلاف الضحايا بين شهيد وجريح.
اما العرب والمسلمون المقيمون في المانيا، ومعهم الشعب الالماني الذي يعرف جيدا مذاق الظلم وخطورة مجرمي الحروب، فلا بد ان يستقبلوا هذا النازي الجديد بما يستحق من احتقار وتنديد وفضح لجرائمه ضد الانسانية.
عودة الروح إلى النضال الفلسطيني
بقلم: شفيق ناظم الغبرا عن الحياة اللندنية
واهم من يعتقد أن القضية الفلسطينية قابلة للانتهاء والتصفية، فمن يتصفح الواقع ويتعايش مع التاريخ يعرف جيداً أنها ستبقى من أهم القضايا في الشرق العربي، بل وفي الشرق الإسلامي والإنساني. أن يتجاوز ذكرها رؤساء العالم في قممهم، كما فعل الرئيس أوباما في خطابه الأخير في الأمم المتحدة، لا يعني أنها ليست قضية القضايا والتي عندما تعود، تؤثر في التحولات. الديناميكية الفلسطينية تثور عندما تهمَل، وتلتئم عندما تشعر بأنها عادت إلى مراحل النسيان والتشتت، وفي كل عودة تكتشف لنفسها تعابير جديدة وأدوات مختلفة.
وعلى مدى عقود مقاومة الفلسطينيين لعدوهم الطامع في أرضهم والنافي لوجودهم، تفجرت عشرات الانتفاضات والثورات والتمردات والعمليات والحروب، بل بلغ عدد الشهداء الذين سقطوا من أجل الحقوق الفلسطينية عشرات الآلاف. يكفي أن نتذكر أن أكثر من ٢٠ ألفاً قضوا في عام ١٩٨٢ إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وأن التضحيات الفلسطينية كما العربية امتدت كالسيول في تاريخ الصراع، وهي لم تتوقف مرحلياً إلا لتستجمع قوتها.
الجيل الذي يثور في فلسطين ويقف في مقدمة المواجهة، لم يكن قد تجاوز عالم الطفولة عندما اندلعت الانتفاضة الثانية عام ألفين، وهو لم يكن قد اختبر الحياة عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧. وقد يسمي البعض ما يقع انتفاضة أم مقدمة لانتفاضة أو مقاومة وتصعيداً، وبالفعل فالتسمية ليست الأهم في هذه الحالة الفلسطينية الجديدة، وذلك لأن ما يقع يعيد إلى المسألة الفلسطينية بعضاً من مكانتها وقيمة من قيمها بعد أن اعتقدت إسرائيل أنها دمرت كل من يجرؤ على تحديها.
اللغة الجديدة للفلسطينيين تخاطب لغات الثوريين والناشطين العرب الذين احتلوا الميادين وحلموا قبل أكثر من أربع سنوات بعصر بلا فساد واستقواء وبلا هيمنة وتهميش. الفارق بين الحالة الفلسطينية وتلك العربية أن الفلسطينيين بحكم التجربة والتاريخ يتواصلون مع ماض قاس وواقع جوهره الاضطهاد القومي والتوسع الاستيطاني والسلوك العنصري.
الحالة الفلسطينية الجديدة تعبير عن طموحات وآمال خريجي الجامعات وطلبتها وتعبير عن الشبان والشابات المرتبطين بالأرض والمكان، بل من الملاحظ أن التمرد الفلسطيني احتوى على المرأة الشابة لأول مرة في قلب المواجهات، وأنه عبر بوضوح عن انسداد الأفق المستقبلي للتسوية السياسية في ظل وأد الحقوق واكتساح الأراضي وضعف إدارة السلطة الفلسطينية أمام القيود الإسرائيلية المدمرة. النهوض الفلسطيني غايته تحدي المشروع الصهيوني وإيقاف اندفاعه ودفعه للتراجع بنسب مختلفة، وهذا يعني تسجيل نقاط جديدة في صراع الحقوق ضد الظلم. فهذه ليست انتفاضة الدولة الفلسطينية بعد أن دمرت اسرائيل بنى الدولة وإمكانيات نشوئها، بل إنها حركة مقاومة تؤسس لتمكين مشروع الصمود على الأرض، بينما تسعى لحماية الناس والمجتمع من تجبر اسرائيل.
لهذا من المتوقع أن تتطور المواجهة، لكن من المتوقع في الوقت نفسه أن تعقبها حالة تهدئة تليها حالة انفجار ثم تهدئة. كل هذا سيخلق الأرضية لتجارب مدنية وشعبية مقاومة وسيمهد بسبب طبيعة التطور لبروز وتقدم قيادات فلسطينية شابة. هذا الوضع سيسهم في بناء مجتمع قادر على أن يستمر في الحياة بينما يستمر في المقاومة.
المقاومة بهذا الإطار الجديد تقف على أعتاب طريق سيصحح الصورة المشوهة التي رسختها حالة السلام الشكلي والوهمي منذ اتفاقات أوسلو عام ١٩٩٤. فمنذ أوسلو، وعلى الأخص منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق اسحاق رابين من قبل متطرف يهودي والمشروع الصهيوني يتعمق في مصادرة الأرض والتهويد والتهديد والطرد والسحق والإلحاق.
التحول الجديد في الساحة الفلسطينية سينجح في إعادة المصطلحات إلى ما كانت عليه، بحيث يسمى الاحتلال احتلالاً والاستيطان اعتداء وتهجماً والاعتقال مواجهة ضد أحرار ومصادرة الأراضي جريمة بحق الإنسان والعنصرية سلوكاً همجياً. وهذا سيعني مزيداً من الصعوبات لحكومية نتانياهو اليمينية ومزيداً من تعرية السلوك الصهيوني أمام العالم. ففي الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام ١٩٦٧ وبين فلسطينيي ١٩٤٨، وصلت العنصرية والتوسع والحصار والتجويع على حساب حياة الناس وحقوقهم إلى واحدة من أعلى مراحلها.
المقاومة الفلسطينية الجديدة تضع عراقيل جمة أمام دعاة القبول بالأمر الراهن والاستسلام له. لا يزال المشهد العربي يرى في العلاقة مع إسرائيل مدخلاً للتأثير على الولايات المتحدة، وهناك في الصفوف العربية من يعتقد بإمكانية الاعتماد على إسرائيل والتنسيق معها من أجل مواجهة التوسع الإيراني. بين خيار التعاون مع الشعوب وخيار التعاون مع إسرائيل الصهيونية التوسعية (وهي القوة العدائية المتناقضة مع الأماني العربية) يقع فارق كبير سوف يسهم في تدمير ما تبقى من الوضع العربي. إن مجرد طرح إمكانية التنسيق مع إسرائيل لا يقوي البيت العربي، بل يسهم في تفكيكه وتآكله.
المقاومة الجديدة تخلخل الأرضية الساعية لجعل إسرائيل جزءاً من التوازن الإقليمي ضد إيران وجزءاً من التوازن الإقليمي في مواجهة الارهاب. لكن يجب الانتباه إلى أن الورقة الاسرائيلية تحرق من يسعى إليها كما سبق لها أن فعلت في السابق، فالتاريخ العربي الحديث منذ ١٩٤٨ مليء بالشواهد والأمثلة.
إن النضال الفلسطيني يجب أن يبلور الأساس الذي يسمح له بالاستمرار في صورة متسعة شعبية وعميقة الجذور. ولكن تحقيق ذلك يتطلب التزاماً أعمق بضرورة الإبقاء على الطابع الشعبي للمقاومة. فاستخدام الفلسطينيين للسكاكين دليل على وصول الوضع إلى حالة الخطورة الأكبر، ودليل على أن الضحية الفلسطينية لم يعد أمامها إلا ممارسة الموت العلني، فقد وصل جيل من الناس إلى حالة فقدان القيمة في الحياة مقابل أخذ حياة مستوطن.
إن بعض الوسائل المستخدمة عندما يحقق أهدافه يتطلب الانتقال إلى وسائل أخرى تستثمر ما وقع. فهناك حاجة للانتباه إلى عدم تحول الانتفاضة إلى صراع فلسطيني فلسطيني، وأن لا تتحول تحت أي ذريعة إلى مشهد يدفع إلى احتراب أهلي. لا بد إذاً من استراتيجية تبنى على ما سبق من انتفاضات، وذلك من خلال تقليل نسب العنف وزيادة نسب الإبداع المقاوم في مواجهة الاحتلال بكل مناحيه وليس فقط جنوده.
لا بد من مواجهة الاحتلال عبر تأكيد حق الانتقال من مكان إلى مكان، وحق دخول المناطق الممنوعة وحق استخدام كل الطرق وحق المساواة. تجارب النضال الشعبي غير المسلح قد تكون رديفاً مهماً لما يقع الآن. ربما من الطبيعي أن نتوقع استمرار هجمات السكاكين، فهذه وسيلة لا يقوى أحد على إيقافها بحكم الضغوط التي تواجه المجتمع والناس، لكن التقدم هو الآخر يتطلب بلورة أكبر وأوسع للنضال الشعبي والإنساني الهادف إلى التحرر من الاستيطان وتمدده والاحتلال وعنفه والعنصرية وهمجيتها.
هبة الغضب.. والواقع الجديد
بقلم: محمد كعوش عن الرأي الأردنية
شاهدت يوم امس صورة لرئيس حكومة اليمين في اسرائيل نتنياهو وهو ينظر الى الحدود مع غزة المحاصرة عبر منظار مغلق، أي انه نسي الكشف عن عدستي المنظار ليرى بوضوح. وهذه الصورة تمثل الواقع، فرئيس الحكومة اليمينية المتطرفة في اسرائيل، اصبح اعمى البصر والبصيرة، او انه لا يريد ان يرى الحقيقة بوضوح، فهو يريد حجب الشمس بالغربال، عندما يردد امام وسائل الاعلام بأن الشعب الفلسطيني الاعزل يسعى الى تدمير اسرائيل، بهدف تغطية جرائم جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين، بعدما حولّهم الى فرق اعدام ميدانية بحماية قانونية تحت عنوان «تحييد المشتبه بهم».
الحقيقة ان الهبة الفلسطينية الجديدة الراهنة الغاضبة تحمل السخط الذي يعجز الاخرون عن فهمه. فهذه الهبة حققت ما عجزت السلطة الفلسطينية عن تحقيقه منذ اتفاق اوسلو. هذه الهبة بدمها، كشفت في وضح النهار وامام عدسات التصوير، عن آخر احتلال في الكرة الارضية مسكوت عنه، يمارس كل اشكال العنف والارهاب ضد الشعب الفلسطيني، ويمنع قيام الدولة الوطنية، ويعارض منح الشعب الواقع تحت الاحتلال حق تقرير المصير.
هذه الهبة هي الامتحان الاصعب الذي واجهه نتنياهو وسقط فيه، وهي التي فجرت الخلافات داخل الحكومة، وداخل المجتمع الاسرائيلي المتطرف بمجمله والذي فقد قيمه الانسانية والاخلاقية بصمته على الجرائم او مشاركته بها، وهي الصورة التي كشفت عن قناعاته بفلسفة القتل والعنف والارهاب المستمدة من مزاعم نظرية الحاجة الضرورية لبقاء اسرائيل.
وهذه الهبة الغاضبة هي وحدها القادرة على ايقاظ الشرعية الدولية من غيبوبتها، وايقاظ الضمير العالمي من غفوته. فهذا الحراك الدولي الراهن هو نتاج هذه الهبة والحراك الذي نراه ينطلق من الامم المتحدة ومقار وزارات الخارجية للدول الغربية واميركا في المقدمة، من اجل «التهدئة وضبط النفس»، او من اجل القاء طوق النجاة لحكومة نتنياهو، او الحديث عن تسويات غير جذرية، لأنهم يدركون أن الاحتلال، بكل ملحقاته، هو سبب الازمة المباشر والدائم.
الكل يعرف الحقيقة، والكل أصبح على قناعة اليوم، بأن المسكنات ليست الحل، لأن الامور لن تعد الى سابق عهدها، هناك قناعات وحقائق جديدة تجسدت على ارض الواقع، وهذه الحقائق ولدّت قناعات لدى العالم، وحتى لدى الاسرائيليين، بأن العنف والقتل والارهاب واقامة المزيد من الحواجز الامنية وبناء الاسوار والجدران لن يحقق الامن لاسرائيل، بل يقودها الى المزيد من الكراهية والعزلة، وبالتالي وضع قادتها في الحكومة والمعارضة امام خيارين: «اما دولة ثنائية لا يرضى بها الاسرائيليون، واما دولة فلسطينية مستقلة تغضب الاسرائيليين».
واذا كان الاقصى هو منبع انتفاضات الغضب، فالقدس هي عقدة الحل، ولكن الهبة الراهنة هي التي بدأت ترسم حدود الحل الذي لا بد منه في النهاية.. كيف ؟
الهبة، بوسائلها الغضب والحجر والسكين والدهس، والتي انطلقت من الاقصى الى شوارع واحياء القدس العربية المحتلة، وبعدها انتقلت الى كل فلسطين التاريخية من الناقورة الى رفح، احيت عقدة الخوف من الازمة الوجودية التي يعاني منها الاسرائيليون، وهي الحالة التي قادت الحكومة والمجتمع المتطرف في اسرائيل الى حالة من الهستيريا، وحولت الجيش والمستوطنين الى فرق اعدام، وهي الحالة الت ي قادتهم ايضا الى اعادة تقسيم القدس بحواجز اسمنتية للفصل بين الاحياء العربية واليهودية، وهو الفصل الذي يلغي عمليا مزاعم ضم القدس.
هذا الواقع الجديد اثار غضب واستنكار الاحزاب المشاركة في الحكومة والمعارضة لها ايضا. واللافت ان الهبة اجبرت الاسرائيليين على وقف النشاط الاستيطاني، وحققت عمليات فرز على الارض، اي انها حققت ما عجزت عنه اتفاقية اوسلو البائسة. الهبة خلقت واقعا جديدا يؤكد ان حكومة نتنياهو قد خسرت الرهان، وأن لا أمن لاسرائيل الا القبول بحل سلمي عادل كامل ينهي الصراع ويحقق السلام الشامل.
جهود حثيثة من أجل «التهدئة»
بقلم: عوني صادق عن الخليج الإماراتية
ثلاثة أسابيع اكتملت على بدء الهبة الشعبية في فلسطين التاريخية، وكل الإجراءات القمعية التي اتخذتها سلطات الاحتلال، والتي اُرتكبت بسببها جرائم، تندرج تحت عنوان «جرائم ضد الإنسانية»، لم تستطع أن توقف الهبة الشعبية الباسلة التي لم تتوقف عند القدس، بل تجاوزتها إلى كل الضفة الغربية، حتى وصلت إلى الداخل الفلسطيني في مناطق 1948، ما جعل حكومة نتنياهو تبدو عاجزة تماماً عن السيطرة على الوضع المتفجر، الذي يزداد تفجراً مع كل شهيد وشهيدة ينضمان إلى قافلة الشهداء، ويزيد سلطات الاحتلال تخبطاً وارتباكاً. سلطات الاحتلال العاجزة تتخبط، لا تعرف بمن تلصق المسؤولية عن الانفجار.
مرة تلصقها بالرئيس محمود عباس، ومرة بما سمته «التحريض الإسلامي» و«الحركة الإسلامية» وراء «الخط الأخضر»، وثالثة بالشعب الفلسطيني كله الذي لا يريد السلام، حتى وصل التخبط إلى اتهام عزمي بشارة!! لكنهم لم يعدموا أن يخرج من بين ظهرانيهم من يذكرهم ويقول لهم: «قلنا لكم إن الاحتلال والمستوطنات سيدمران «إسرائيل» من الداخل والخارج.
قلنا لكم إنه لا يمكن أن يدوم الاحتلال والانتصار والقمع إلى الأبد لشعب آخر له طموحاته القومية، قلنا لكم إن الكولونيالية تنتمي لعصر انتهى في القرن الماضي.
قلنا لكم إن استمرار الاحتلال سيسبب بانتفاضة ثالثة ورابعة وخامسة... (أوري مسغاف - هآرتس 8/10/2015)، لكن الكولونياليين «الإسرائيليين» لا يسمعون التحذيرات، بل يمعنون في جرائمهم التي تفضح عجزهم وتخبطهم!
لقد وقع المحظور، وكان لابد أن يقع! وفي الوقت الذي يزداد نتنياهو تخبطاً وعجزاً، يزداد تمسكاً بأحلامه وأكاذيبه، لكنه أيضاً يشعر بعجزه، ويبحث عن طريق للخروج من المأزق، الذي وضع نفسه فيه فيجري الاتصالات مع الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، منتقداً ومهاجماً ومستصرحاً الجميع، ومبدياً استعداده للاجتماع فوراً مع رئيس السلطة الفلسطينية لوضع اتفاق ل«التهدئة»، وهو يعلم أن الرئيس لم يقصر في ما ينتظره منه، وأنه لا سلطة له على الشباب الذين يجوبون الشوارع حاملين سكاكينهم ومولوتوفهم في تحدٍ لسلطة الاثنين! وقد أرسل ممثليه إلى أتباعه والموالين له داخل «الخط الأخضر»، مطالباً بالضغط من أجل «التهدئة» ومهدداً بالمس بالميزانيات البلدية إن لم يفعلوا ذلك.
ومثلما يخبط نتنياهو، يخبط وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، فتارة يتهم الجيش «الإسرائيلي» باستعمال «القوة المفرطة»، وتارة يلحس الاتهام ويعود للنغمة الممجوجة عن "حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها"، مؤيداً ما جاء في تصريحات رئيسه! وينطق «أبو هول» الأمم المتحدة بان كي مون، فيجد في حريق «قبر يوسف» فرصة ليدين «أعمال العنف» الفلسطينية، مستفيداً من إدانة محمود عباس له! وتأتي تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في ظاهرها الرحمة، وفي باطنها العذاب، عبر الحديث عن «التهدئة»، من أجل العودة إلى المفاوضات! أمّا وزير الخارجية الألماني، المعروف عنه تأييده للسياسة «الإسرائيلية»، فجاءت تصريحاته لتكشف أن كل التحركات الأمريكية والأوروبية، مهما لبست من لبوس، هي من أجل إنقاذ نتنياهو وحكومته وتحقيق «التهدئة» التي تعني وقف الهبة الشعبية، دون تحقيق شيء مما اندلعت من أجله!
لقد اجتمع مجلس الأمن لبحث الموضوع، ولم يخرج بشيء! ورفض المندوب «الإسرائيلي» طلب المندوب الفلسطيني توفير «حماية دولية» للفلسطينيين في القدس، على أساس أن ذلك «يمس بالسيادة «الإسرائيلية» على القدس» و«يغير من الوضع القائم»! وأقوال المندوب «الإسرائيلي» لا تكشف عن وقاحته وحسب، بل تكشف قبل ذلك عن تفاهة مجلس الأمن، ومنظمة الأمم المتحدة وكبارها! فماذا يعني «الوضع القائم» في القدس؟
هناك من يتحدث عن «اتفاقات» مع السلطات الأردنية، ويتناسون؛ وأولهم الولايات المتحدة والأمم المتحدة متجاهلين ما يسمى «قرارات الشرعية الدولية» والتي قررت أن القدس الشرقية مدينة محتلة، وأن الموقف الأمريكي مازال يزعم حتى اليوم أنها تحت الاحتلال، وأن المستوطنات في الضفة الغربية غير شرعية! مع ذلك، فقد سبق لنتنياهو أن تعهد قبل عام واحد بالحفاظ على هذا «الوضع القائم» ثم افتضح كذبه وتخطيطه لتقسيم المسجد الأقصى مكانياً وزمانياً، وذلك عندما سمح لقطعان المستوطنين باستباحة المسجد والمدينة والسكان من دون تحفظ أو تذكر لتعهداته، ما أدى إلى اندلاع الهبة الحالية.
والآن، السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو تريدان «التهدئة»، و«المجتمع الدولي» والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والعرب يريدونها! لكن ماذا عن أولئك الشباب الذين أشعلوا الهبة مدللين بالأفعال، وليس بالأقوال على عدم رضاهم عن الوضع والسياسة والممارسات «الإسرائيلية»، وأيضاً عمّا يُسمى «عملية السلام»، وعدم استعدادهم لقبول استمرار «الهدوء» الذي كان...
هل سألهم أحد ماذا يريدون؟ والأهم ماذا سيقدمون لهم مقابل ذلك؟ هل يعيدون الوضع إلى ما كان عليه قبل الهبة، فتكون الحصيلة «تهدئة مقابل تهدئة»، وتذهب الدماء التي أريقت هدراً؟!
لم يعد ممكناً استمرار الاحتلال، ولم تعد تنفع المماطلة أو الأكاذيب.
والذين يبذلون الجهود الحثيثة لوقف الهبة الشعبية منطلقين من التصورات القديمة، ليس في سجلهم ما يدفع على الثقة أو الطمأنينة، وجهودهم تطرح سؤالاً لابد من الإجابة عنه قبل أي حديث عن التهدئة: على أي أساس يتحركون، وماذا سيقدمون؟ إن «تهدئة مقابل تهدئة» لن تكون مقبولة.
أمّا إن كان لديهم ما يقدمونه لإنهاء الاحتلال، فما الضمانات التي تلزم حكومة نتنياهو بالتنفيذ؟
الجيوش لا تهزم الشعوب
بقلم: عادل سليمان عن العربي الجديد
الجيوش قد تهزم الجيوش، وتحقق انتصارات عسكرية كاسحة، تدمر تشكيلات برية، تسقط طائرات حربية، تغرق مدمرات وفرقاطات بحرية، وتسقط حكاماً وتحتل أراضي ومدناً ودولاً، وأوطاناً بأكملها. وتستعمر وتستوطن. وقد تقيم كيانات ودولاً على أراضٍ تمتلكها شعوب أخرى. الجيوش قد تقهر شعوبها، وتحكمها بالقوة الغاشمة. كل ذلك ممكن، وحدث مراتٍ على امتداد التاريخ البشري، بصور وأشكال ونماذج متعددة، والأمثلة كثيرة، قديمة وحديثة، وأيضاً معاصرة.
لكن المثير في الأمر، أنه وعلى الرغم من التسليم بقدرة الجيوش على الغزو والاحتلال وقهر الشعوب، بل والتهجير والحصار، وغير ذلك من طرق التنكيل، فإن الشعوب تبقى حية، بل وتقاوم، أيضاً، بوسائل وأساليب وأشكال متعددة. وفي النهاية، تنتصر، وإن طال الزمن. وأيضاً، النماذج والأمثلة كثيرة، قديمة وحديثة ومعاصرة. ويمكننا استعراض ثلاثة نماذج متباينة بشكل واضح، من استخدام الجيوش لقهر الشعوب، لعلها توضح الفكرة:
الأول، ما يُعرف بالاستعمار القديم، أو التقليدي، ولعل أوضح نماذجه الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية، والاحتلال البريطاني لمصر، وكلا النموذجين انتهى بجلاء جيوش الاحتلال بعد مقاومة طويلة ومستمرة، انتهت بانتصار الشعوب على الجيوش. ولعل هذا النموذج، من استخدام الجيوش في قهر الشعوب واحتلال أوطانها قد انتهى.
الثاني، الواضح أيضاً هو ما يعرف بالاستعمار الاستيطاني الذي لا يقتصر على الاحتلال وفرض السيطرة، لكنه يمتد إلى العمل على محو الهوية الوطنية للبلد، واستبدالها بهوية المستعمر الوافد في حماية جيش الاحتلال. ولعل أوضح أمثلة ذلك الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر، والذي انتهى بعد نضال طويل من الشعب الجزائري، قدّم فيه تضحيات تجاوزت المليون شهيد، وانتهى الأمر بانتصار الشعب، واستعادة هويته العربية والإسلامية. والنموذج الآخر جنوب أفريقيا التي كان الاحتلال الأوروبي الاستيطاني لها قد حولها إلى دولةٍ، يسودها الرجل الأبيض في قلب أفريقيا، ويقيم فيها أبشع نظام فصل عنصري، والذي انتهى بانتصار شعب جنوب أفريقيا، واستعادة وطنه وهويته.
الثالث، انتصار الشعوب على القهر، والطغيان، والاستبداد الذي قد يأتي من الداخل، تقوده طغمة عسكرية غاشمة، أو جماعة أيديولوجية فاشية، مهما كانت القوة التي تستند إليها، سواء كانت جيوشاً نظامية، أو ميليشيات عسكرية. والأمثلة أيضا قريبة أمام أعيننا، ثورات الشعوب في أميركا اللاتينية ضد الطغم العسكرية، أو انهيار الاتحاد السوفييتي، بكل ما كان يمثله من نظام شمولي قمعي، أو الثورات الملونة في دول أوروبا الشرقية، والتي كانت تحكمها بقايا الأحزاب الشيوعية السابقة.
الجيوش إذاً، ومهما كانت، لا تهزم الشعوب، وإن طال الزمن. هل يدرك العدو الإسرائيلي هذه
الحقيقة؟ على الرغم مما يمتلك من مراكز دراسات بحثية، وما يدعى من علم ووعي وإدراك للبعد التاريخي، وعلى الرغم من تجربة المشروع الصهيوني الاستيطاني، على امتداد أكثر من 120 عاماً، على الأرض العربية الفلسطينية، عندما رست أول سفينة تحمل بضع مئات من يهود أوروبا الشرقية، في عام 1882، على سواحل حيفا، يمثلون أول موجة من موجات الهجرة اليهودية، ودار الزمن دورته، وتوالت موجات الهجرة، وأقيمت المستوطنات، وأنشئت المليشيات المسلحة التي تحولت إلى جيش، يحمي المستوطنات التي تحولت إلى دولة، سُميت إسرائيل، ودخل جيشها في جولات من الحروب مع جيوش عربية، وهزمها، وترسخ وجود الدولة العبرية، ووسعت من رقعة الأرض التي تحتلها، على حساب الشعب الفلسطيني الذي تصور أن الجيوش العربية هي من ستحرر أرضه وتدعم مقاومته، حتى كانت لحظة الحقيقة التاريخية الأولى، في الخامس من يونيو/حزيران 1967، عندما انكسرت كل الجيوش العربية، واحتل جيش العدو كل الأراضي الفلسطينية، ولم يعد هناك مواطن ولاجئ فلسطيني، فالكل تحت الاحتلال.
ثم جاءت لحظة الحقيقة الثانية، عندما تم توقيع أول معاهدة سلام مع العدو الإسرائيلي وأكبر الدول العربية في المواجهة، وهي مصر، والتي استردت بمقتضاها كل أرضها المحتلة في سيناء. وهكذا خرجت من الصراع العسكري، وكانت سورية قد وقعت اتفاقية فصل القوات، وقبلت استمرار احتلال الجولان، وأعلنت نظرية مبتكرة، أطلقت عليها الممانعة؟ وتصور العدو الإسرائيلي أن الأمور دانت له تحت مظلة جيشه الذي لا يُقهر. ولكن، فات الجميع أنهم أصبحوا أمام لحظة حقيقية مهمة، هي أن ذلك الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر أصبح في مواجهة الشعب الفلسطيني، ربما لأول مرة، وأصبح عليه أن يدرك الحقيقة التاريخية أن الجيوش لا تهزم الشعوب.
كانت المواجهة الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1987، عندما انطلقت الانتفاضة الأولى، وكان سلاحها الحجارة، ولم تهدأ إلا في عام 1991، ثم توقفت تماماً بعد توقيع اتفاقية أوسلو في 1993، والتي كانت مناورة من العدو الإسرائيلي لاحتواء تلك الانتفاضة. ثم كانت المواجهة الثانية للشعب الفلسطيني في عام 2000، والتي عُرفت بانتفاضة الأقصى، واتسمت بالعنف، وضربت المجتمع الإسرائيلي في داخله، واستمرت حتى عام 2005، عندما تم توقيع اتفاق تهدئة في شرم الشيخ بين محمود عباس وأرييل شارون، ولم تتوقف مقاومة الشعب الفلسطيني، على الرغم من كل الإجراءات من جيش العدو في الضفة الغربية، وضد قطاع غزة الذي تعرض لحصار وعدوان شامل في 2008، ثم 2012، وفي صيف 2014، في عدوان استمر 51 يوماً.
وتصورت إسرائيل أنها وجهت ضربات قاضية للشعب الفلسطيني ومقاومته، واتجهت إلى مشاريعها الاستيطانية في الضفة وتهويد القدس، وفرض خطة تقسيمها المسجد الأقصى، وتصورت أنها بعد أن دجنت سلطة رام الله، لن يتصدى لها أحد. ومرة أخرى، ينسى نتنياهو حقيقة أن هناك شعبا حيا، وسيبقى حياً، مهما طال الزمن، هو الشعب الفلسطيني، فانطلقت انتفاضة جديدة، أشعلها فتية ولدوا بعد توقيع اتفاقية أوسلو، لا يملكون من أدوات المقاومة سوى سكين، أو مدية صغيرة، يطاردون بها العدو المحتل والمستوطن، على الرغم من أنه شاكي السلاح، ويحيط بهم جنود جيش العدو.
قد تستمر هذه الانتفاضة، قد تتطور، وقد تهدأ، وربما تتوقف. كل هذا مُحتمل. ولكن، تبقى الحقيقة التاريخية، والتي على العدو أن يدركها جيداً، وهي أن الجيوش لا تهزم الشعوب، والشعب الفلسطيني سيبقى، وسيقاوم، وحتماً سينتصر.
وعلينا أيضا، في عالمنا العربي، أن ندرك، قبل فوات الأوان، أن الشعوب التي تعرضت، وتتعرض، للقهر، نتيجة الصدمة التي داهمتها، بفعل الطغم العسكرية وجيوشها، أو الجماعات الأيديولوجية ومليشياتها العسكرية، حتما ستفيق وستنتصر، لأن الشعوب لا تموت، ولا تهزمها الجيوش، وإن طال الزمن.
كي مون في فلسطين.. القرار بيد الانتفاضة
بقلم: جواد محمود مصطفى عن الشرق القطرية
كان الكلام يدور قبل أيام في الأوساط السياسية، عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري للمنطقة، وعقد قمة رباعية أردنية فلسطينية إسرائيلية أمريكية في العاصمة عمّان، إلا أن المفاجأة حقا كانت بوصول بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة إلى فلسطين (الثلاثاء) في زيارة لم يعلن عنها سابقا.
واضح أن الأوضاع المتدهورة في الأراضي المحتلة، عقب اندلاع انتفاضة القدس، واحتمالات أخذت تقوى عن ذي قبل، أن تبدأ السلطة الفلسطينية خطوات عملية بإلغاء الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال، بما في ذلك وقف التعاون والتنسيق الأمني مع إسرائيل، تطبيقا لقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الذي اتخذ في شهر مارس الماضي، وهو ما تخشاه إسرائيل حقا.
رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي سيلتقي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، اتفق مع وزير الخارجية الأمريكي، على أن يلتقيا معا في برلين نهاية الأسبوع الجاري، لبحث تداعيات الوضع في فلسطين المحتلة.
فهل يعني لقاء نتنياهو- كيري في برلين، إلغاء القمة الرباعية في عمان، أم أنها محاولة أمريكية إسرائيلية لصياغة موقف مشترك وموحد، بمعزل عن الاتصالات مع الفلسطينيين والأردنيين، أم أن عمّان أبلغت عبر الطرق الدبلوماسية رفضها لقاء نتنياهو على الأرض الأردنية، وكلّها تساؤلات تضع المراقبين أمام احتمالات عديدة.
الأمر يحتمل عدة أوجه، أوّلها أن كيري ربما لن يزور المنطقة، ثانيها أنه قد يزور المنطقة ولكن بتصوّر جاهز يتعلق بالوضع في القدس والمسجد الأقصى بالتوافق مع الإسرائيليين، ثالثها أن القيادة الأردنية، وخاصة الملك عبد الله الثاني، لا يرغب أصلا في لقاء رئيس حكومة العدو، كون الأخير نكث بوعود سابقة أمام الملك الأردني بألا يسمح لأعضاء حكومته اليمينية المتطرفة، ولا لقادة المستوطنين والحاخامات، باقتحام باحات المسجد الأقصى بضمانة الوزير الأمريكي كيري.
نتنياهو ووزير الجيش موشيه يعالون، والطاقم الوزاري المصغّر (الكابينيت)، باتوا يتحسّسون خطورة الوضع في القدس المحتلة على صعيدي الأمن والاقتصاد الإسرائيليين، مع دخول الانتفاضة أسبوعها الرابع على التوالي، البعض يطلق عليها انتفاضة أو ثورة السكاكين.
المعلومات من الجانب الفلسطيني، تؤكد أن السلطة بصدد اتخاذ إجراءات للتخلص من الاتفاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع الاحتلال، في ظل استمرار حكومة نتنياهو بالتنكر لهذه الاتفاقيات الموقعة في العام 1993، ومع مواصلتها إعدام واغتيال وتصفية المدنيين الفلسطينيين، واستمرار التسمين الاستيطاني على حساب الأرض الفلسطينية، والاعتقالات والمداهمات.
وتدللّ التصريحات على أن هناك خطة كاملة وضعتها "تنفيذية" منظمة التحرير لطريقة التعامل الفلسطيني بخصوص الشأن الاقتصادي، ووقف التعامل الأمني مع إسرائيل، عند وقف السلطة التعامل بهذه الاتفاقات.
في المعلومات، أن بان كي مون، وهو الشاهد الأممي على ما أدلى به الرئيس عباس من على منصة الأمم المتحدة الشهر المنصرم، سيبذل قصارى جهده من أجل وقف المواجهات بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، قبل وصول كيري إلى المنطقة عما قريب إذا ما حصلت الزيارة.
في كل الحالات، علينا أن نتحدث هنا بصراحة، فكيري لا يأتي للمنطقة إلا لأجل إسرائيل تحديدا، وبالتالي من أجل وقف المواجهات، وليس من أجل أي أحد آخر، وتحوطا من احتمال نشوب انتفاضة ثالثة، يرى الأمريكيون أنها حاصلة حاليا، فهما، أي كي مون ثم كيري، سيعملان على إطفاء النار الفلسطينية ضد الاحتلال، خاصة أن الإقليم العربي ليس بحاجة إلى مناطق اشتعال جديدة.
ما يقال أيضا، إن الأمريكان وحتى حلفاءهم الإسرائيليين، لا يفهمون أن إشعال المواجهات، أو إطفاءها ليس بيد الرئيس عباس، ولا أي من فصائل المقاومة الفلسطينية، وهي تشبه في ظروفها إلى حد كبير، انتفاضة الحجارة في العام 1987.
هذا الظن من جانب كل الأطراف ليس واقعيا، فالرئيس عباس فلت الوضع من بين يديه، ومن أجهزته الأمنية، والفصائل الفلسطينية لا تقف وراء ما يجري من مواجهات بين شباب فلسطيني ثائر وقوّة محتلّة غاشمة، فصاحب القرار هم هؤلاء الذين يدافعون عن أقصاهم المبارك، فالحصاد السياسي من جانب السلطة يجب أن يكون عبر تداعيات الانتفاضة، وما باتت تستشعره حكومة العدو من أخطار داخلية ومن تزايد العزلة والخناق الدولي عليها.
بالحجارة تنتصر فلسطين
بقلم: جاسم التنيب عن الوطن الكويتية
قوة الحجارة تهزم قوة الغرب والصهيونية
هبت هبوب الصواعق ورعدت السماء بالحجارة وأمطرت سكاكين فوق رؤوس اليهود والنصارى وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه ( وأرسل عليهم طيرا أبابيل ،، ترميهم بحجارة من سجيل ) سورة الفيل ... فقد قامت قوات الاحتلال بأقتتال الفلسطين واقتحام المنازل وفرض القوة الجبرية على سكان القدس المحتلة مستخدمين الأسلحة النارية المتنوعة ضد أبناء القدس والمسجد الأقصى الذين يدافعون عن أرضهم بالحجارة والوسائل البدائية ضد هذه القوة الصهيونية التي تحتمي بالدبابات والمدرعات الآلية ضد القاذفات الحجارية ..
ونرى قرارات الولايات المتحدة التي تساعد القوة الصهيونية بجرائمها وصمت الاتحاد الأوروبي والدعم الروسي والموقف المخجل من الأنظمة العربية اتجاه هذه الأحداث المشتعلة في أرض فلسطين المحتلة .. فإن أبناء وبنات فلسطين يتصدون بكل قوة لهذه الإبادة التي يقترفها الكيان الصهيوني وأعوانهم ضد أبطال الحجارة الذين يصرون على حماية القدس والمسجد الأقصى من التدنيس الصهيوني لهذه المقدسات الدينية .. فإننا نجد سقوط الشهداء الأبطال المدافعين عن أرضهم بنيران المحتلين يوميا على مرئ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والتخاذل العربي دون أتخاذ القرارات ضد المحتل الصهيوني الذي يمارس أبشع الجرائم ضد الإنسانية والاعتقالات العشوائية والتعذيب ضد هذا الشعب الأعزل من أي سلاح ليدافع عن نفسه ومع ذلك فإن الأبطال الفلسطينين استطاعوا أن يقهروا بقوتهم وصمودهم الصهاينة وأعوانهم في هذه المواجهات رغم تفوق اليهود بالسلاح والعتاد والمساندة الغربية لهم ..
ومع ذلك أبى أبناء القدس الخضوع والركوع والذل والإهانة على نفسهم للصهاينة المحتلين وهذا موقف يشهد له منذ سنوات طويلة من النضال الفلسطيني ضد هذا الاحتلال البغيض المدعوم من قبل الغرب ومع ذلك فإن الشعب الفلسطيني يظل يناضل ويدافع من أجل حريته وكرامته رغم نيران المدافع وقصف الطائرات وزناجير الدبابات وأصوات الطلقات فإن أبناء فلسطين صامدون رغم مرور 68 سنة على هذا الاحتلال وهم في كفاح ومعارك وثورات وانتفاضات أقهرت المحتلين وأعوانهم ...
خارج ذاكرة «السلطة» والعرب فلسطين: يا لوحدنا!
بقلم: طلال سلمان عن الشروق المصرية
عادت فلسطين تفرض نفسها، بدمائها، على اهتمام العالم، قافزة من فوق الحروب التي تجتاح المشرق العربي منحرفة بالصراع عن سياقه السياسي إلى الفتن الأهلية بذرائع طائفية ومذهبية.
تجاوز فتية فلسطين أسوار «اتفاق أوسلو» و «السلطة» التي أنجبها في عملية قيصرية ذهبت بقداسة القضية محولة ميدانها إلى صراع «سياسي» عبثي، بين محتل معزز بجبروت القوة والدعم الدولي المفتوح و «شرعية» تضفيها عليه «السلطة» التي لا تملك قرارها، حتى لو رغبت في أن تقرر...
بل إن هؤلاء الفتية قد تجاوزوا «الفصائل» التي فقدت بريقها مع تخلّيها عن الكفاح المسلح، ثم تجاوزوا موضوع السلاح ذاته، وهم في أي حال لا يملكونه، ولجأوا إلى المواجهة المفتوحة بصدورهم العارية، وبحجارة أرضهم، ثم بالسكاكين، إذا ما تسنى لهم الاشتباك المباشر مع جنود الاحتلال المدججين بالسلاح تتقدمهم وتحرس مؤخراتهم المصفحات والسيارات العسكرية التي يجعلها التصفيح أقرب إلى قلاع من حديد، يحتمي فيها الجنود المصفّحون وهم يوجهون رصاص بنادقهم إلى الفتية العزل إلا من إيمانهم بحقهم في أرضهم.
على أن ظاهرة خارقة قد فرضت نفسها في الميدان: إذ إن صبايا فلسطين قد نزلن إلى ساحة المواجهة، جنباً إلى جنب مع إخوتهم الذين لم ينتظروا «أوامر القيادة». وهكذا تكامل «الميدان» بأصحاب القرار في أرضهم التي كانت دائماً أرضهم، والتي يرون أنها الآن مهددة أكثر مما كانت في أي يوم مضى. فوحوش المستعمرين تقتحم ـ بحراسة الدبابات وطوابير العسكر ـ البلدات والقرى الفلسطينية تحاول طرد أهلها منها، فتحرق حقول الزيتون، وتهدم البيوت الفقيرة والتي كانت هناك على امتداد التاريخ، لتقيم المستوطنات الجديدة كعنوان لدولة يهود العالم.
انكشفت السلطة العاجزة التي لم تعرف كيف تواجه الظاهرة الجديدة، وإن هي حاولت توظيفها في الخطاب الركيك لمندوبها في الأمم المتحدة الذي «مُنح» بضع دقائق ليشرح طبيعة المخاطر التي تتهدد مشروع السلام الذي استُولد قيصرياً في «أوسلو»، ثم منعت عنه إسرائيل أسباب الحياة.
في البداية لم تحسن السلطة تقدير خطورة الانفجار الشعبي، برغم أن الميدان كان يستقطب مع كل شمس جديدة، مئات إضافية من الشبان والفتيات، وكلهم من مواليد زمانها، أي ما بعد «أوسلو» وإقامة هذه السلطة المعلّقة في الهواء، يتحكم الاحتلال الإسرائيلي بمقدّراتها جميعاً، ويفرض عليها أهل النظام العربي، لا سيما الأغنى منهم والأعظم ولاء للإدارة الأميركية «الانضباط» و «الاعتصام» بـ «أوسلو» الذي فتح الباب لعصر السلام بين العرب والإسرائيليين بعنوان «حل الدولتين»... وهو وهم لم يعرف طريقه إلى التنفيذ في أي يوم.
تجاوز فتية فلسطين المعوقات وأبرزها ـ مع السلطة وبعدها ـ انشغال العرب الأقربين بهمومهم الثقيلة التي تأخذهم بعيداً عن «القضية المركزية للنضال العربي». فكل من هذه الأنظمة مشغول بحروبه الذاتية مع «العصابات المسلحة» سواء اتخذت من مسألة «الخلافة» شعارها، أو حملت الراية الإسلامية في تبرير صدامها مع الأنظمة القائمة بذريعة «الخروج على الدين»، او احتكار أقلية مذهبية السلطة خلافاً لرأي الأكثرية.
وإذا كانت الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، بحراسة قوات الاحتلال، هي الشرارة التي فجرت الغضب الفلسطيني، فالمؤكد أن شعور فتية فلسطين أنهم مهددون في يومهم، ولا أمل لهم بحياة كريمة فوق أرضهم، في ظل الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على مقدرات بلادهم وتحكمها بأسباب حياتهم التي تعجز السلطة عن تأمينها، فضلاً عن انسداد أفق المستقبل أمامهم. كل ذلك ساهم في دفع الشباب في مختلف أنحاء فلسطين إلى النزول إلى الميدان ليواجهوا أسباب اليأس بلحمهم الحي.
للحظة تبدّت الحقيقة عارية وجارحة: لا أحد معنيّ بفلسطين وأهلها، في حاضرهم ومستقبلهم. العرب، لا سيما عرب الجوار غارقون في دمائهم وسط الحروب بينهم وعليهم، تذهب الأنظمة المهدَّدة في مصيرها إلى البعيد في طلب النجدات لاستنقاذ وجودها... وبين شروط الإنقاذ طي صفحة الحرب مع إسرائيل التي كانت عدواً وباتت شريكاً في صنع السلام.
ثم أن هذه الأنظمة المشغولة بهموم مصيرها لا وقت لديها للاهتمام بفلسطين، ففلسطين باتت من الماضي وفيه، والهمّ الطاغي الآن يتصل بمصير سوريا، ومصير العراق، ومصير اليمن، ومصير ليبيا الخ... أي أن لكل نظام عربي ما يشغله بنفسه عن القضية التي كانت مقدّسة، والتي باتت تسكن الماضي بالنسبة إليه، واهتمامه ينصبّ بكليته على الحاضر ولا يجد الوقت والقدرة للاهتمام بالمستقبل، ثم يأتي من يحدثه عن فلسطين وعن العدو الإسرائيلي!
لا عربَ الآن. عاد العرب قبائل وعشائر ببطون وأفخاذ، كما قبل الإسلام. وعاد المسلمون إلى صراعات الجاهلية بأسلحة القرن الحادي والعشرين: سنة وشيعة وعلويين وإسماعيليين ودروزاً. وفلسطين خارج الدائرة، لها هويتها الواحدة الموحّدة التي يتهدّدها خطر التذويب في المشروع الإسرائيلي لدولة يهود العالم. فمن يهتم لمصير هذا الشعب الأسير، والذي سقط من ذاكرة النظام العربي الذي استوعب «السلطة» ليلغي «القضية»؟!
ان الشعب السوري الذي طالما شكل الطليعة في النضال من أجل فلسطين، مشرّد الآن داخل بلاده وخارجها، ينزف أجياله الجديدة في حرب بلا أفق، ويصارع على حدود الدول الأجنبية للحصول على إقامة وبطاقة إغاثة. فالحرب تلتهم بلاده، بدولتها وشعبها، بقدراتها وأسباب عمرانها.
والشعب العراقي ممزق بأسباب الفتنة، ودولته التي ضربها الطغيان ثم دمرها الاحتلال الأميركي، عاجزة عن استعادة وحدتها، مواردها منهوبة، وجيشها الذي كان أسطوري القوة قد تفكّك على قاعدة مذهبية، وهكذا فُرض التقاعد المبكر على بعض ضباطه الكبار، فالتحق قسم منهم بـ «داعش»، بينما لبث البعض الآخر في البيت يمضغ وجع اضطهاده وبؤس واقعه المعاشي مفتقداً دولته الجامعة. وتم تركيب جيش رديف، على عجل، بهوس طائفي، ومن دون النظر إلى الكفاءة والأهلية وصدق الوطنية وكلها من شروط الانتـصار على «داعش» وسائر أصناف الفوضى المسلحة التي تحتل الشارع..
أما مصر فمشغولة بذاتها، همومها ثقيلة جداً، يتصدّرها الاقتصاد بعدما نُهبت مواردها الحيوية التي توزعها «رجال النظام القديم»، ثم يتقدم الخطر الأمني على ما عداه، بعد إسقاط حكم «الإخوان» وتقدّم إسلاميي «داعش» ومشتقاته إلى المواجهة مع النظام الجديد الذي تُفرض عليه شروط النهوض بالبلاد من وهدة العوز أن يتساهل مع مَن يتقدم لمدّه بالمساعدات والقروض، أو يلوّح بالهبات ثم يسحبها إذا ما رُفضت شروطها.
لا ضرورة للغرق في التيه الليبي، أو في دماء الحرب التي فُرضت من خارج التوقع على اليمن، والتي تبين لمن اندفع إليها بغير تروٍّ، ومن خارج الضرورة، وإن ثبت بالممارسة أنها أطول زمنياً مما قدّر وخطّط، وأنها أثقل كلفة مما اصطنع من حسابات متعجلة مفادها أنها لا تحتاج إلا بضع غارات بالطائرات الأسرع من الصوت والكفيلة بتدمير مقار «العدو» ومخازن أسلحته.
هكذا يعود الفلسطيني إلى لازمته التي أبدعها محمود درويش: يا لوحدك! ولعل الأجيال الجديدة في فلسطين قد نشأت في ظل الإخراج القسري للقضية المقدسة من الذاكرة الجماعية العربية.
إن شعب فلسطين تحت «السلطة» يفتقد وحدته، بقدر ما يفتقد حلم آبائه المجاهدين في دولة تنتجها الثورة معززة بالدعم العربي المفتوح.
لقد فُرض عليه أن يعيش في ظل «السلطة» العاجزة عن استنقاذ حقه في «دولة» له، بلا أحلام، بلا قدرة على تصوّر غده. فأرضه التي «منحها» له «اتفاق أوسلو» تتآكل يوماً بعد يوم باجتياحات المستوطنين، وحركته محدودة في بلاده التي ظلت محتلة، فسلطتها مرتهنة للاحتلال بمقدراتها جميعاً.
ثم إن خطراً جديداً أطل يهدد مستقبله عبر ابتعاد غزة عن الضفة (والسلطة) بما يطرح احتمال أن يصير للأرض التي يفترض أن «أوسلو» قد تنازل عنها للسلطة، سلطتان: واحدة في الضفة بعاصمتها رام الله، والثانية في غزة.
ولعل أهم ما قدمه ميدان الانتفاضة الجديدة إعادة توحيد فلسطين: لقد خرج الفتية في مختلف أنحاء فلسطين، الضفة والقطاع وأراضي 1948 إلى الشارع في هبّة واحدة، وواجهوا، كل في ميدانه، العدو الواحد، بما ملكت ايمانهم: الحجر المقدس ثم السكاكين التي أكدت سقوط أسطورة الجندي الإسرائيلي الذي يميت ولا يموت! يقتل ولا يُقتل!
لا مجال للمبالغة، وافتراض أن الثورة قد انطلقت بهدف التحرير، لكن ما تحقق أخطر وأعظم تأثيراً: إن فلسطين باقية، القضية المقدسة، وشعبها الباقي فيها مستعد ـ بعد ـ لبذل الدماء من أجل تحريرها بعدما خسر آماله العراض في أن اخوانه العرب قادمون وسيكون الفلسطينيون الطليعة والأدلاء لجيوش التحرير المتدفقة من مختلف خطوط النار التي طوّقت فلسطين فأسرتها في «اتفاق أوسلو»، الذي يحمل تواقيع الأنظمة العربية الى جانب، بل فوق توقيع السلطة الفلسطينية.
جبهة فلسطين: الوضوح هو الخنجر
بقلم: رائد شرف عن الأخبار اللبنانية
في كتابه المُعنون "النصر في ستالينغراد"، يذكر المؤرّخ البريطاني المهتم بالشؤون العسكرية جوفري روبرتس مقالاً من الصحافة السوفياتية في ايام المعركة الاسطورية، التي ذهب فيها اكثر من مليوني قتيل من السوفيات، يتحدث عن البطولات اليومية التي ميّزت الشعب والجيش في ستالينغراد الصامدين في وجه الالمان، على ان هذه البطولات باتت حياة يومية وعادية عند الناس المدنيين والعسكريين الصامدين في المدينة بانتظار العون.
ستالينغراد، يتابع روبرتس، شكّلت ما اعتبره الروس آنذاك "نقطة انهيار" (بيريلوم) في مسار الجبهة الغربية (اي "الجبهة الشرقية" بالنسبة إلى الالمان)، كما في مسار الحرب العالمية الثانية. ونقطة الانهيار هنا تعني، بالاختلاف مع "نقطة التحوّل" عند الروس (بوفوروت)، انها محطة من الحرب كان لها الفضل في ايقاف موجة من التطوّرات والامكانيات، في انهيارها نهائياً، وخلق الظروف لتطوّرات مختلفة ان تحصل ودون خط رجعة، وذلك تحديداً لانه تم الانتصار في هذه المحطة. شهد السوفيات معارك خاسرة بعد ستالينغراد، وهي بذلك لم تكن تماماً "نقطة تحوّل" في الحرب بقدر معركة مدينة كورسك (وهي المعركة المفضّلة الثانية عند ستالين مثلاً)، وأخذ حسم الجبهة الغربية وقتاً اطول مما كان في حسبانهم. وروبرتس يعتبر ان الخطة السوفياتية، التي تم التكتم عنها بسبب فشلها في ما بعد، كانت تقتضي حسم الجبهة كاملةً واجتياح اوروبا ودخول برلين خلال عام 1943، وكانت حملة "أورانوس" العسكرية في ستالينغراد جزءاً بسيط منها، إذ أن الحشد العسكري الاكبر مثلاً، بقدر مليون عسكري اضافي، كان في حملة "جوبيتر" في مقابل موسكو، عداك عن حملات بأسماء كواكب أخرى تم اطلاقها كلها في يومٍ واحد، ثم تم ايقاف بعضها عند بروز استحالة نجاحها بالسرعة المطلوبة. وهو ما يدل على عظمة النظام السوفياتي، البنيوية والعقائدية، من حيث تمكّنه من امتصاص كوارث العام الماضي واعادة تسلم زمام المبادرة في حرب وجودية مع دولة عظمى، "احتاجت دول جوارها الى حربين عالميتين لتهدئتها" على حد قول مؤرخ بريطاني آخر. بعد ستالينغراد، لم يعد هناك من شك عند المعاصرين للحرب ان الالمان لن يكونوا أبداً المنتصرين. هكذا كانت اهمية ستالينغراد بالنسبة للحرب العالمية الثانية ولشعوب اوروبا وبالنسبة لمستقبل البشرية جمعاء.
العرب اليوم، في المقابل، لا يقدّمون ابهى مشاهدهم. ولن تُعطى لهم الفرصة على المدى المنظور لكي يقدّموا مجهود مجتمعي بمستوى ما قدمته الشعوب السوفياتية في أربعينيات القرن الماضي. لكن روبرتس ينذرنا بأن أحداً لن يعطى له هذه الفرصة، في زمن القنابل النووية، ليس في معركة واحدة. كانت ستالينغراد "أعظم معركة في آخر حرب كبرى في العصر السابق للنووي"، يقول في ختام كتابه، وقد يكون ذلك افضل، حين يرى المرء ان حتى تضحيات بهذا المستوى لم تحُل في نهاية المطاف دون سقوط النظام الذي جيّشها. ولا يوجد حدث في التاريخ يمكنه ان يحقق، وحده، كافة احلام البشرية بالتحرر والازدهار. لكن ستالينغراد بالتأكيد، وضعت حدّاً لمصير آخر كان سارياً في تلك الايام: مصير استعباد الشعوب السوفياتية وباقي شعوب الارض، بشكل مطلق وصريح من قبل الالمان وحلفائهم.
لكن العرب، في هذا معنى، ليسوا بعيدين عن مشهد الحرب الثانية المأساوي. ولا تنقص واقعهم "مدن محاصرة"، وجيوش مستنزفة، ومعها واجب استدراك موقع "نقطة الانهيار" التي قد ترفع عن مقدراتهم واقتصاداتهم الحصار الهائل الذي تعاني منه. ان الحصار المفروض على شعوب العالم العربي والقارة الافريقية ودول الجنوب الفقيرة، لا يقل وزن عن الاحتلال الالماني للاراضي السوفياتية.
هذا الواقع قد يكون غائباً عن الاذهان اليوم، مع اندثار منظومة التحليلات "المعادية للاستعمار"، وتسخيف الكلمة الحاصل في الاعلام، لكن القلب لا يفقد التركيز في بعض الاحيان. وكثيرون ينظرون اليوم الى المشاهد الآتية من فلسطين، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، ويدركون أننا امام مشهد بطولات، باتت منذ سنين طريقة عيش يومي، عند شعب يحمل على أكتافه ثقل مسؤولية تجاه البشرية جمعاء، وتجاه الشعوب العربية بشكل خاص واكثر آنية.
إسرائيل الكاملة
إن إسرائيل، مثل غيرها من الانظمة الرأسمالية المرتبطة بمصالح طبقاتها الحاكمة الخاصة، يحكمها مبدأ التراكم غير المحدود لرأس المال، وهي بذلك لن تكون ابداً نظاماً محصور النطاق. لن تكون أبداً نظاماً يمكن احتوائه عبر "عدم اعطائه ذريعة لشنه حروب" على الآخرين، وبالتالي لن تكون أبداً "مشكلة الفلسطينيين وحدهم". هناك دائماً "شيء" في هذا الكيان لن يتوقف عن النمو والتوسّع، مهما بدا حريصاً على تشييد الجدران لتثبيت حدوده.
إن ارض فلسطين التاريخية اليوم، ارض 1948 ومعتقل غزة والضفة الغربية، هي جميعها "إسرائيل الكاملة". قد يبدو للبعض وكأن هناك "ازمة داخلية في إسرائيل"، وان وحده نجاح "عملية السلام" قد ينهيها، لكن الواقع – وليس التحليل – لا يقول ذلك. مهما تفاءلنا، هذه ليست دولة تحت الحصار او معرّضة لهجوم وجودي. وناسها يعيشون داخلها بسلام، باستثناء الحالات التي يقوم فيها جيشها نفسه بالخروج في دوريات حربية في لبنان وغزة. بالنسبة لمصلحة العرب، ان الازمة الوحيدة التي يعاني منها مجتمع إسرائيل هي ازمة رمزية بين مكوناته الاجتماعية المُتغيرة، وهي ازمة من طبيعة المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، إذ تدور عناوينها حول مسألة "طهارة المكان"، وبين صيغ تكبّر بعض الطبقات الوسطى وطبقات الاغنياء الجدد السخيفة، علمانية وقومية ومتديّنة، وقد نقابلها في لبنان مثلاً. غير أنه، وبسبب سياسة الدولة الصهيونية وتاريخ المجتمع المنخرط جزء منه مباشرةً في العملية الاستعمارية، تنبثق عن الازمة الإسرائيلية مزايدات في العنصرية ضد الفريق الاكثر هشاشة، اي العرب، المحلّيين والخارجيّين، وذلك في خدمة احدى فقّاعات الاقتصاد الاسرائيلي على الاقل، ألا وهي الصناعة العسكرية. ويمكن التصوّر بالتالي، أن مآل هذه الازمة "الداخلية" لن يكون ابداً في اعادة هيكلة النظام الاقتصادي للبلاد ومراجعة علاقة الهيمنة على المحيط العربي الاوسع التي تتبّعها الدولة، وسيقتصر على سياسة تعاطٍ مرحليٍّ مع السكان الفلسطينيين في الجوار الاجتماعي الاقرب بانتظار تطورات مجتمعية "داخلية" اخرى، تصب في خدمة فقّاعة اقتصادية أخرى.
على الجمهور العربي أن يدرك درجة العدائية التي تختزنها تخطيطات وسياسات هذا النظام، من حيث هي سياسات تعبئة جماهيرية واقتصادية مكلفة، وهو الذي يرسل مواطنيه الاغبياء من المتديّنين غير المنتجين لاحتلال الاراضي وذلك بالرغم من تسبب ذلك بمواجهات مع ملايين من العرب الفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية والقدس. وعلى الجمهور العربي ان يدرك ان الغاية من هذه الحرب المجتمعية الهائلة، التي تضع مجتمعاً في مقابل آخر، قد لا تكون بالضرورة في التحضير لابادة جماعية للفلسطينيين، ولو ان احتمال الابادة او تكرار عملية التطهير العرقي واردة، انما تقوم على تطبيق نظام استعباد شبه رسمي للمجتمع العربي الفلسطيني، وهو ما سعت اليه حكومات حزب العمل من خلال "عملية السلام" في التسعينيات. والاستعباد يعني جميع سبل استخدام الاشخاص بما يخدم الطبقة-الشعب المُستعبِد، بما فيها ابقاؤهم من دون عمل بانتظار بروز الحاجة لاستخدامهم (موضوع "جيش الاحتياط العمالي" عند الماركسيين).
نقطة انهيار الموجة الاستعمارية
تروّج اسرائيل عن نفسها مقولة انها "الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط"، وهو زعم يفترض ان الوطن المعني اصبح كامل التكوين، كما تروّج عن نفسها انها جزء من الغرب. ومن الغباء ان لا يدرك المرء اثناء مراقبة سياسات القيّمين على هذه الدولة، نية على الاقل، بربط دولتهم بسياسات الغرب، بدءاً بالمستوى الرمزي والمعلن، كمثل زعم ان اسرائيل هي حل للمسألة اليهودية الغربية، انها ذراع عسكري، انها جدار تصدٍّ لهجمة اسلامية الخ، وان لا يتعرّف المرء وراء هذه المزاعم على مخطط او سياسة غربية تحديداً، تريد اسرائيل ان تكون جزءاً منها، بدل تفسير هذه المزاعم على انها للتسويق "لشرعية الكيان". هذه دولة طموحة بشكل خاص، لا تريد التوقّف عند حدودها، وقد اعترف الغرب بشرعيتها منذ ما قبل تأسيسها، لكنها تريد من الغرب ان يستوعبها ضمن مشروع سيطرته على العالم العربي والقارة الافريقية. وذلك بالرغم من ان القيادات السياسية لدول الغرب (باستثناء بعضها الاميركي) لا تشارك الصهاينة كامل نظرتهم الى انفسهم، وترى فيهم ادوات مفيدة فقط. لو راقب المرء المسؤولين الفرنسيين مثلاً، حين يعربون عن تضامنهم مع دولة العدو، لن يلاحظ الا وجوهاً غبيّة، وسيدرك انهم لا يفقهون في ما يتحدثون، وان لا عواطف في تصريحاتهم. لن يوازي اي خطاب فرنسي عن اسرائيل الشحنة العاطفية التي نلاقيها في خطاب ديغول عن الكيبك الحرّ مثلاً.
لكن الصهاينة لم يحتاجوا ابداً لأكثر من ذلك، واتسّم سلوكهم منذ بداياتهم وقبل تأسيس دولتهم بموقف الطفيلية تجاه الغرب، بوضوح وصراحة وانسجام مع الذات، وذلك عبر ركب "الموجة الاستعمارية" وطلب استحواذهم على قطعة من الحلوى. ولم يخطئ اليهود اليساريون الاوروبيون، قبل حصول المحرقة، او غيرهم من المتحررين من طائفية "الغيتو" وعنصرية المجتمع الابيض، عندما نظروا الى الصهاينة بمثابة حثالة من "المغامرين الوقحين"، كما قال تروتسكي عن تيودور هرتزل. وقد وصف تروتسكي أتباع هرتزل، اي مجتمع الصهاينة الاوائل، او "المؤسسون" كما يسمّونهم اليوم، بتجمّع من "النصّابين" و"البسطاء" (اي المخدوعون). هذه هي الحقيقة الذهنية للصهيوني، ولأي شخص عنصري، في عالم ما بعد الثورة الفرنسية، يريد تطبيق معايير مزدوجة بين البشر فاضحة الى حد الاجرام.
وليست الغاية هنا شتم الصهاينة، وهم تطوروا منذ موت تروتسكي الى مصاف لا يمكن للشتيمة ان تواكبه وتستوعبه، ولا "يفشّ الخلق" في خصوصهم الا ما ينتهجه الابطال الفلسطينيون. المقصود هو فهم المشروع منذ بداياته، في الاطار الذي يجعله قابلاً للحياة، اي كمنتج استعماري، كجزء من شيء يتخطّاه، كجزء من حصار رأسمالي مستمر على شعوب المنطقة. وللاطار هذا حلقتان من النتائج على المجتمعات العربية: حلقة اولى هي في علاقة الاقتصاد العربي مع رأس المال الغربي، وهي العلاقة التي شيدّتها المرحلة الاستعمارية، المتسمة بالذيلية الاقتصادية والتي يترتب منها حدود ضيّقة لتطور وازدهار المجتمعات العربية. والحلقة الثانية هي علاقة مراعاة لرأسمالية دولة-اداة، صغيرة وسخيفة الحجم، وقليلة الموارد المادية والبشرية بالنسبة إلى طموحات رأسمالها وديناميكيات سياستها الداخلية العنصرية. لكي تستقيم سيطرة هذه الدولة من دون استنزاف مواردها وافلاسها، يترتب على المجتمعات العربية التفتت التنظيمي والاقتصادي الى مستويات اكثر قساوة من تضحيات غيرها من مجتمعات الجنوب، ولا ابالغ بالقول: "الى مستوى المجتمعات باليوليتيّة"، بحيث يمكن لجيش صغير، او لمؤسسات الهندسة الاجتماعية على اشكالها كافة، ان تبسط السيطرة على جزئيات اجتماعية منفصلة، كل واحدة على حدة بحسب مقتضيات كل مرحلة تاريخية. اظن ان كتاب "حرب هتلر"، لديفيد ايرفينغ، وهو المؤرخ البريطاني المنبوذ لقربه من الاوساط النازية، جاء فيه في مكان ما ان هتلر اوصى الى احد معاونيه في الملف السوفياتي ان التعاطي مع الشعوب "السلافية" يجب ان يكون بحيث يفقدون كل اعضاء "نخبهم" وخبرائهم المهنيين عن طريق الابادة (وهذا موثّق، ورسمي، ويقوله جميع مؤرّخي المرحلة)، ولكن ان يُقدم لهم قدر من التعليم بحيث يفهمون اشارات السير فقط، لأن هذا القدر من العلم يبقى ضرورياً لتنظيم استعباد مجتمعهم.
بنود هذه الخطة العامة، على قساوتها، اختبرها اكثر من شعب عربي. يعرف اللبنانيون الهجرة وغياب الحماية الجمركية على صناعتهم وزراعتهم، ويسمعون "بالوكالات الحصرية"، وتمرّ على معظمهم هذه العناوين كسلسلة من النكسات دون ان يربطوها باصول صناعتها، ودون تصوّر ما تنحو اليه بالنسبة لحياتهم على مستوى القرون ربما المقبلة. ويختبر السوريون اليوم اقصى الظروف الحياتية، ومنها تدمير صناعتهم ونظامهم التربوي، وقد تكون سوريا كما هي اليوم النموذج الذي يراد لجميع المجتمعات العربية الوصول اليه، ويدرك السوريون ذلك. في مكان ما، يدرك شعبنا الحبيب في سوريا ان للعالم مساراً "طيبعياً" و"منطقياً" بينما حياتهم مُدمرة واغلبيتهم مُحبطة ومنكوبة. وكذلك يعرف العراقيون، والليبيون، واليمنيون الامور نفسها. فليكن واضحاً إذاً ان الفلسطينيين يعرفون كل تلك الامور منذ مئة سنة، يعيشونها عن قرب، ويخوضون معركة بالنيابة عن كل العرب، في الخطوط الامامية للحصار.
ان الشابات والشباب الذين يرمون باجسادهم في الضفة الغربية والقدس اليوم من اجل تحقيق اصابة واحدة في عنق او كتف او ظهر صهيوني هم "العرب" بامتياز، هذا الشعب الملعون، وقد اختاروا ان يمسكوا مصيرهم بايديهم، بانتظار "حملة أورانوس" عربية تكسر الحصار عليهم وتنقل المعركة الى داخل كيان العدو المحصّن وتمحي المشروع الصهيوني من وجه الارض. أما اليوم، فالوضوح هو الخنجر.


رد مع اقتباس