أقلام وآراء ( 559 )

عن الجبهة الغزيّة تهدئة واشتعالا! المركز الفلسطيني للإعلام،،،فلسطين أون لاين لمى خاطر

ليبرمان على خطى ليفني.. يجب إسقاط حماس المركز الفلسطيني للإعلام،،،فلسطين أون لاين د. عصام شاور

دمعة على قرار تقسيم فلسطين فلسطين أون لاين د. فايز أبو شمالة

من تونس إلى من يهمه الأمر المركز الفلسطيني للإعلام فهمي هويدي

مرة أخرى التلويح بحل السلطة المركز الفلسطيني للإعلام عوني صادق

أكبر سجون العالم.. وأصغرها!! المركز الفلسطيني للإعلام خيري منصور

تساؤلات حول صفقة "شاليط" المركز الفلسطيني للإعلام باسكال بونيفاس

التغيير لا ينزل من السماء ، بل يصنعه البسطاء فلسطين أون لاين أحمد أبورتيمة

عن الجبهة الغزيّة تهدئة واشتعالا!

المركز الفلسطيني للإعلام،،،فلسطين أون لاين ،،، لمى خاطر

ليس هنالك شكّ بأن معايير الكيان الصهيوني في التعاطي مع المقاومة قد تغيرت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ حرب الفرقان أو عملية (الرصاص المصبوب) التي أخفقت في تحقيق أبرز أهدافها، فيما لم تفلح في المقابل في الحدّ من تعاظم قوة المقاومة وتسليحها وتطوير وسائلها.

فالآن، يمكن القول بكلّ ثقة إن المقاومة قد صنعت بالفعل معادلة توازن الرعب، وثبتت أركانها، وصار أي تصعيد من قبل الكيان على الجبهة الغزية يقابل بتصعيد مقاوم حتى وإن كان أضعف من ناحية التأثيرات الماديّة في صفوف الاحتلال.

وفي التصعيد الأخير على غزة ليس خافياً أن الاحتلال معني بالتهدئة، ولكن بعد أن يغالي في فاتورة الدم التي يأخذها من الفلسطينيين باستهداف أكبر عدد منهم (مدنيين أو عسكريين) قبل أن تدخل التهدئة حيّز التنفيذ، وميل الاحتلال لتهدئة الأوضاع بعد كل جولة (على عكس دأبه سابقا) مرده ليس فقط ما يراه من ردود فورية على اعتداءاته، بل كذلك التغيرات الجذرية التي تتفاعل في المحيط العربي، مع كل ما قد تفرزه من آثار في حال قرّر الاحتلال خوض حرب مفتوحة على غزة.

لذلك، ينبغي على فصائل المقاومة في غزة، أن تقرأ التغيرات بصورة دقيقة وواعية، بعيداً عن التأثيرات العاطفية أو الإصغاء إلى بعض ما تضخه المنابر الإعلامية المشبوهة من (فتاشات) تهدف فيما تهدف إلى محاباة بعض فصائل المقاومة في غزة على حساب حماس التي تتناسى أطراف عديدة أنها الحاضن الأساسي للمقاومة، ومطلقة يدها، وحامية مشروعها. والدليل أن المقاومة في غزة تتعاظم ويشتدّ عودها لدى جميع الفصائل، فيما نجدها في الضفة شبه معدومة، وتجابه بالاستهداف الاستباقي المزدوج من قبل الاحتلال والسلطة.

وقراءة التغيرات التي جرت على بنية العقلية الصهيونية وأسلوب تعاطيها مع المقاومة يعني عدم الانجرار خلف من يدفعون بغزة للدخول في حرب مفتوحة فيما هم بمنأى عن دفع الضريبة، ومثله تقدير أهمية الضربات الموضعية التي تأتي في سياق مقاومة اعتداءات الاحتلال، وقياس مستوى النجاح الحاصل عن مراكمة إنجازها، يضاف إلى ذلك عدم الانشغال بالكلام عن الفعل، وعدم المبالغة في توصيف القوة الذاتية لكل جناح مسلّح، بل ترك الميدان وحده ليكون شاهداً على هذه القوة حين يحين أوانها.

المشهد الميداني المقاوم في غزة لا يستوعب سوى أن تكون كلمة المقاومة واحدة، ورؤيتها لإدارة الصراع متقاربة ومجمعة على أبجديات ضرورات المرحلة ومتطلباتها. وقد لمستُ هذه المرة إجادة من قبل حركة الجهاد الإسلامي في إدارة ردّها على استهداف قادتها، رغم أن بعض التصريحات التي صدرت عن أحد الناطقين متحدثة عن إبقاء حركته وحدها في الميدان قد أساءت للصورة العامة، وأظهرت نفساً فصائلياً غير محمود، ولا وجاهة له أصلا.

إن من يقاوم وعينه على المكاسب المعنوية التي قد تضاف إلى رصيد فصيله سيظل مراوحاً مكانه، لأن فعله سيظل معزولاً عن التقدّم في مسيرة التحرر، أما من يقاوم وفق رؤية متجردة ناضجة تأتي في سياق الحفاظ على مشروع المقاومة برمّته، وتراعي متطلباته، فسيرتفع رصيده تلقائياً حتى وإن لم يعمل لذلك.

وما نرجوه من المقاومة في غزة بمختلف أطيافها أن تنأى بنفسها عن كل العوامل السلبية التي سبق أن ألمّت ببعض فصائل التحرر والمقاومة، وأورثت مشروع التحرر الترهل والفساد والتراجع. فمشروع المقاومة على وجه الخصوص لا يصحّ أن يندمج في إطاره إلا المؤمنون به والمخلصون لرسالته أكثر من إخلاصهم لذواتهم وحرصهم عليها. ولا بد أن تكون جميع أعمدة هذا المشروع على الدرجة نفسها من الوعي والإخلاص والجدّ.

أما المزاودون والأفاكون من خارج هذه الدائرة فهم آخر من يمكن الإصغاء إليهم أو الالتفات إلى سمومهم التي يبثّونها كلما لاحت لهم فرصة لإحداث الوقيعة بين فصائل المقاومة بهدف نقض مشروعها المناوئ أصلاً لتوجهاتهم وقناعاتهم المتهافتة.

ليبرمان على خطى ليفني.. يجب إسقاط حماس

المركز الفلسطيني للإعلام،،،فلسطين أون لاين ،،، د. عصام شاور

"على (إسرائيل) أن تنهي حصار غزة"، هذا عنوان كتبه محرر صحيفة هآرتس العبرية مطالباً الحكومة الإسرائيلية بفك الحصار عن قطاع غزة بشكل عاجل بعد أن أثبتت التجربة الأخيرة وتجارب سبقتها وخاصة الحرب على غزة أو ما يسمى حملة "رصاص مصبوب" بأن القوة غير مجدية مع حركة حماس والمقاومة في قطاع غزة، وأن الحصار عزل (إسرائيل) دولياً وأضر بعلاقات استراتيجية كالتي مع تركيا، ولكن "عقلاء (إسرائيل)" في واد والقيادة السياسية في واد آخر، حيث توعد ليبرمان بإسقاط حماس، وهذا يذكرنا بتهديدات تسيبي ليفني من القاهرة، ولكن ألا يتذكر أفيغدور ليبرمان وزير خارجية الكيان الهزيمة والعار على يد المقاومة؟ ألا يدرك أن قادة الكيان أصبحوا مجرمي حرب وقتلة في نظر حلفائه والمجتمع الغربي المنافق بعد محاولتهم الفاشلة في إسقاط حماس؟.

إن تطاول ليبرمان وباراك وغيرهم لا يأتي من فراغ، فتواطؤ أمريكا وأوروبا هو الذي يشجعهم على ارتكاب جرائمهم في قطاع غزة، فالإدارة الأمريكية تختزل الملف الفلسطيني في قضية المفاوضات مع الاحتلال وتعمل بشكل جنوني من أجل استئنافها دون شروط فلسطينية أو "تنازلات" إسرائيلية، ويثيرها تقدم السلطة الفلسطينية بمشروع الاعتراف بالدولة للأمم المتحدة أو انضمام فلسطين إلى مؤسساتها مثل اليونسكو، أما المجازر التي تقوم بها (إسرائيل) في غزة فتمر مرور الكرام ولا تحرك ساكناً، وكأن شيئاً لم يحدث، هل يعقل أن يستمر الحال على هذا المنوال؟ وإلى متى؟.

أتمنى أن يضع السيد الرئيس محمود عباس شرط رفع الحصار عن قطاع غزة مع شروطه للعودة إلى طاولة المفاوضات لعل أمريكا تلتفت إلى غزة وحصارها وكذلك أوروبا، وهذا أمر ممكن وخاصة بعدما أضاف الرئيس شرط الإفراج عن أسرى وجعله على رأس أولوياته بغض النظر عن الدوافع، وبغض النظر كذلك عن مدى إيماننا وقناعتنا بالتفاوض مع دولة الاحتلال، فالمطلوب رفع الحصار عن قطاع غزة وأي خطوة تساهم بشكل إيجابي في هذا الاتجاه، ويجب أن لا تظل غزة رهينة الحصار الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة، على عقلاء الأمم المتحدة أن يقولوا كلمتهم ويرفعوا الحصار ويلجموا ليبرمان ومن هم على شاكلته.

دمعة على قرار تقسيم فلسطين

فلسطين أون لاين ،،، د. فايز أبو شمالة

ما أن ذرف السيد عباس دمعة على قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947، حتى انفجرت دموع المتباكين على قرارات الأمم المتحدة، وراح بعضهم يلطم خديه على الفرص الضائعة، والغباء الفلسطيني في التعامل مع المستحدثات السياسية، بل وصل الصلف ببعض السياسيين إلى القول: لو وافق العرب على قرار التقسيم، لما وافقت عليه (إسرائيل)!

ما أعجب شأنكم يا هؤلاء! وما أغرب تفكيركم! وكأنكم بعد ستين عاماً من الصفعات الإسرائيلية المتتالية على وجوهكم لم تدركوا مخططات اليهود، ولم تمسكوا بأصابعكم صلب تفكيرهم الهادف إلى السيطرة على كل العالم من خلال نقطة الارتكاز فلسطين، وكأنكم نسيتم أن السيد عباس نفسه قد هندس اتفاقية أوسلو التي هي أكثر مساوئ من قرار تقسيم فلسطين، وتمت الموافقة الفلسطينية عليها، ومع ذلك، لم يوافق عليها اليهود إلا بعد أن أوجدوا مقومات تقويضها، والالتفاف عليها، وإفراغها من محتواها، لتصب في صالح المشروع اليهودي.

كان يجب على كل عربي شريف أن يرفض قرار تقسيم فلسطين، الذي يعطي لليهود أكثر من نصف الأرض العربية، بينما هم لا يمتلكون أكثر من 6% فقط من الأرض؟ فأي خائب كان سيوافق على قرار التقسيم، ويرضى بتهجير مئات آلاف الفلسطينيين؟.

لما سبق، لا يصح محاكمة الماضي على ضوء نتائج العجز العربي، ولا يصح الحكم على التجربة الوطنية الفلسطينية بمعايير فشل السياسيين الحاضر، ولا يصير التهرب من الضعف والخذلان التي لازمت حياة حكام العرب عشرات السنين، وكانت السبب.

الدمعة التي ذرفها السيد عباس على رفض العرب قرار تقسيم فلسطين، هي الدمعة ذاتها التي يذرفها السيد عباس على العرض الذي قدمه له رئيس الوزراء الإسرائيلي "أيهود أولمرت" سنة 2007، والقائم على الانسحاب الإسرائيلي حتى حدود 67 مع تبادل الأراضي، وإشراف عربي دولي على الأماكن المقدسة في مدينة القدس، وإعادة 5 آلاف لاجئ فلسطيني إلى (إسرائيل) ضمن حدود 1948. لقد انتهى عرض "أولمرت" بالفشل مع وصول "نتنياهو" لرئاسة الوزراء الإسرائيلية، أو بمعنى أدق: انتهت المرحلة السياسية التي حقق فيها اليهود مزيداً من المكاسب السياسية، وجاءت مرحلة جديدة تستوجب مزيداً من التنازلات الفلسطينية!.

لكل فلسطيني يبكي على قرار التقسيم، ويتحسر على الفرص السياسية الضائعة، يجيب رجال المقاومة الأشداء المخلصين، ويقولون: فلسطين كلها للفلسطينيين، وألف رصاصة في رأس قرار التقسيم، الذي أعطى لليهود الحق في إقامة دولة غاصبة لهم على أرض فلسطين، ومكنهم من طرد مئات آلاف الفلسطينيين الذين صاروا لاجئين، ما زال أغلبهم يرفض الاعتراف بقرار التقسيم، ويصر على أن المقاومة هي أقصر الطرق للعودة وتحرير فلسطين.

من تونس إلى من يهمه الأمر

المركز الفلسطيني للإعلام،،، فهمي هويدي

الحدث التونسي الذي ترددت أصداؤه في أنحاء العالم ينبغي أن تقرأ وقائعه جيداً من جانبنا، خصوصاً أنه يبعث إلينا بعدة رسائل مهمة جديرة بالاستلام والاستيعاب.

(1)

أتحدث عن نتائج الانتخابات التي جرت هناك يوم الأحد قبل الماضي (23/10)، وفاز فيها حزب النهضة بتسعين مقعداً من أصل 217 مقعداً للجمعية التأسيسية. متقدماً على مجموع ما حصلت عليه الأحزاب الليبرالية واليسارية الأربعة التي لم تحصل على أكثر من 73 مقعداً. بل إن حصول حزب النهضة على ما يعادل ٤١٪ من المقاعد فاجأ المسؤولين التونسيين أنفسهم، لأن رئيس الوزراء الحالي الباجي السبسي كان قد صرح بأن الحزب لن يحصل على أكثر من 20٪.

هذه النتائج وضعت حزب النهضة في قلب أول تجربة من نوعها في التاريخ العربي المعاصر. ذلك أنها المرة الأولى التي تتمكن فيها حركة إسلامية من الوصول إلى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية، ويسمح لها بأن تواصل مهمتها والنهوض بمسؤولياتها. (فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني له وضعه الخاص الذي يعرفه الجميع وقد عوقب قطاع غزة بالحصار بسببه) فالإسلاميون وصلوا إلى السلطة في السودان عام 1989 في أعقاب انقلاب قاموا به بالتعاون مع بعض ضباط الجيش، وحين فازت جبهة الإنقاذ الجزائرية في الانتخابات التي أجريت عام 1991 فإن الجيش انقلب عليها ولم يسمح لحكومتها بأن تقوم. وفي إيران تولى الفقهاء السلطة في أعقاب ثورة 1979. وفي تركيا تولى حزب العدالة والتنمية السلطة بعد فوزه في انتخابات عام 2002، لكن الحزب لا يعتبر نفسه إسلامياً، وإن لم يختلف أحد من الباحثين على أن جذوره كذلك.

هذه الخلفية تعزز القول إن حزب النهضة بمرجعيته الإسلامية المعلنة أصبح في قلب أول تجربة ديمقراطية من نوعها تجرى في العالم العربي. الأمر الذي يوفر فرصة اختبار مشروعه الإصلاحي المتفتح، الذي بلورته في بداية ثمانينيات القرن الماضي حركة «الاتجاه الإسلامي». وهي الحركة التي أسسها الشيخ راشد الغنوشى، في أعقاب عودته من دراسته للفقه والفلسفة في مصر وسوريا، وشروعه في طرح أفكاره عبر مجلة «المعرفة» التونسية.

لم يكن فوز حركة النهضة بهذه النسبة العالية هو المفاجأة الوحيدة (للعلم فازت في الانتخابات ٤٩ امرأة ٤٢ منهن على لائحة حزب النهضة). ولكن الإقبال الشديد من الجماهير التونسية على التصويت بنسبة تجاوزت ٨٠٪ كان مفاجأة أخرى. أما المفاجأة الثالثة فقد تمثلت في التقدم النسبي لتيارات الاعتدال العلماني واليساري ويرمز للأول حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بزعامة الدكتور المنصف المرزوقي الذي حصل على 30 مقعداً. كما مثل الثاني حزب التكتل من أجل العمل والحريات بزعامة الدكتور مصطفى بن جعفر، الذي حصل على واحد وعشرين مقعداً. المفاجأة الرابعة كانت في حصول حزب العريضة الشعبية على 19 مقعداً، ولكن لجنة الانتخابات استبعدته بعدما تبينت علاقته بحزب الرئيس بن علي المنحل (التجمع الدستوري)، أما المفاجأة الخامسة فقد تمثلت في تدني عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يقوده أحمد نجيب الشابي، إذ فاز بسبعة عشر مقعداً. أما الحزب الديمقراطي الحداثي فلم يحصل إلا على خمسة مقاعد فقط. وحزب العمل الشيوعي حصل على 3 مقاعد. وهذه الأحزاب الأخيرة تمثل التطرف العلماني بجناحيه الليبرالي والماركسي.

(2)

صحيح أن حزب النهضة فاز بأكبر عدد من الأصوات والمقاعد، لكن الأصح والأدق أن الجماهير التونسية صوتت للاعتدال بشقيه الإسلامي والعلماني، وهذه نقطة بالغة الأهمية وعميقة الدلالة في ذات الوقت، ذلك أن تونس يحكمها منذ الاستقلال (عام 1956) نظام علماني متشدد ازداد غلواً واستبداداً منذ تولي الرئيس السابق زين العابدين بن علي السلطة قبل 23 عاماً. إذ لم يقف عند حد محاربة مظاهر التدين وإغلاق جامعة الزيتونة، وإنما عمد النظام التونسي إلى ملاحقة الحركات الإسلامية واحتجاز بعض قادتها في السجون، الأمر الذي اضطر البعض الآخر النزوح إلى خارج البلاد والاستقرار في فرنسا وإنجلترا وسويسرا. وفي الوقت الذي حظر فيه النشاط الإسلامي، وفتح المجال واسعاً لنشاط الحزب الشيوعي، فإن الإعلام التونسي عن طول الوقت عمل على تشويه الهوية الإسلامية، والربط بين التدين والتخلف والظلامية والانحطاط بكافة صوره.

هذه الأجواء لم تتغير كثيراً بعد ثورة 14 يناير، صحيح أن النظام سقط وأن نسائم الحرية التي سادت سمحت لحركة النهضة بأن تكتسب شرعية وتنشط في الساحة كما سمحت لقادتها المنفيين بأن يعودوا إلى ديارهم، إلا أن النخبة العلمانية ظلت متحكمة في المجال العام وفي وسائل الإعلام بوجه أخص، وبسط اليساريون سيطرة مطلقة على هيئات السلطة الانتقالية مثل المجلس الأعلى لتحقيق أهداف الثورة والهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات وظلت الدعايات الانتخابية التي أدارتها أبواق التطرف العلماني تخوف الناس من التصويت لحركة النهضة، بدعوى أن فوزها يعني أن حريات الناس في خطر. وأن تطبيق الحدود قادم مع «النهضة». وفرض الحجاب في الطريق ومكتسبات المرأة مهددة بالزوال، كما أن الفنون سيقضي عليها، والبنوك ستغلق أبوابها، والسياحة ستتوقف.. إلخ، ولم يكن خطاب التطرف العلماني وحده الذي تبنى هذه المقولات، ولكن الإعلام الفرانكوفوني أسهم في ترديدها والترويج لها طوال الوقت أيضاً.

في مواجهة حملة التخويف فإن حملة حركة النهضة بذلت جهداً كبيراً لطمأنة الناس وإزالة آثار ترويعهم. وكانت المفاجأة - الصدمة عند البعض - أن الجماهير لم تستجب للتعبئة المضادة والتحريض، وأن حركة النهضة فازت بأعلى نسبة من الأصوات، الأمر الذي يكاد يكرر ما حدث بمصر في شهر مارس الماضي، حين جرى الاستفتاء على تعديلات الدستور وانحاز الإعلام ومعه قطاع واسع من المثقفين والسياسيين إلى رفض التعديلات، لكن الرأي العام لم يستجب لحملة التحريض والتخويف، وأيدها أكثر من 70٪ من المصريين.

(3)

عديدة هي أوجه التشابه بين الحالتين التونسية والمصرية. فقد عاش كل من البلدين تحت نظام بوليسي اختلف في الدرجة فقط، حيث كان أكثر شراسة في تونس لكنه كان أشد مكراً في مصر، والبلدان خضعا لنظام علماني كان فجاً ومتطرفاً في تونس، لكنه كان خجولاً ومتوارياً في مصر. والبلدان حظرا العمل السياسي على التيار الإسلامي، لكنهما أباحا أنشطة الأحزاب الشيوعية. وكان ذلك صريحاً ومعلناً في تونس، لكنه أيضاً كان ملتوياً وخجولاً في مصر. كل من البلدين استخدم فزاعة الإسلاميين لتسويغ حظرهم وإقناع الدول الغربية بأنهم البديل الذي يهدد مصالحهم. ولكي ينفذ سياساته ويحشد الرأي العام وراءها، فإن كلا من البلدين استعان بعدد كبير من المثقفين العلمانيين والشيوعيين السابقين، ومكنهم من منابر الإعلام والثقافة حتى صاروا جزءاً من النظام وأحد أهم ركائز استمراره.

من أوجه التشابه أن الثورة السلمية نجحت في البلدين، وأن الجماهير هي التي حملتها وقادتها. الجيش في مصر انحاز إلى الثورة وشكل مجلساً عسكرياً لإدارة البلاد، لكنه وقف محايداً في تونس، وتولى السلطة رئيس مجلس النواب طبقاً للدستور. وفي كل من البلدين كان هناك حزب محتكر للسلطة يقوده الرئيس، وأحزاب هامشية حوله تستكمل «الديكور» الديمقراطي، وبعد الثورة حدثت اندفاعة قوية لتشكيل الأحزاب، التي بلغت 115 حزباً في تونس، واندفاعة مماثلة في مصر التي أعلن فيها عن تشكيل خمسين حزباً بعد ظهور 120 ائتلافاً. ومن المفارقات في هذا السياق أن السلفيين في مصر خاضوا غمار المعركة الانتخابية وقرروا إنشاء حزبين يمثلانهما. في حين أن أقرانهم في تونس رفضوا المشاركة في الانتخابات ووزعوا منشورات دعت إلى مقاطعتها قبل 48 ساعة من إجرائها. وللعلم فإن التيار الإسلامي المنخرط في العمل السياسي ممثل وحيد هو حركة النهضة. أما في مصر فللتيار الإسلامي سبعة أحزاب.

في تونس سلكوا بعد الثورة ذات النهج الذي اتبعوه بعد إعلان الاستقلال عام 1956. فقرروا أولاً انتخاب جمعية تأسيسية تمثل القوى الحية في المجتمع، لتتولى تعيين الرئيس وتشكيل الحكومة وإصدار القوانين ووضع الدستور وذلك لكي تتولى سلطة مدنية إدارة البلد في الفترة الانتقالية لحين إصدار الدستور الجديد. لكننا في مصر ضيعنا وقتاً طويلاً في الجدل أيهما أولاً الانتخابات أم الدستور، رغم أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية أيد البدء بالانتخابات، وبسبب الضجة التي أحدثها ذلك الجدل تم تمديد الفترة الانتقالية وظل المجلس العسكري قابضاً على السلطة وليس معروفاً على وجه التحديد متى تجرى الانتخابات الرئاسية، ومن ثم متى ستسلم السلطة إلى المدنيين؟

(4)

تجنبوا أي شيء من شأنه أن يشعل حرباً مدنية بين العلمانيين والإسلاميين. كانت تلك هي النصيحة الثمينة التي وجهها إلى الليبراليين والوطنيين العرب الدكتور المنصف المرزوقي، المناضل المخضرم وزعيم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو الحزب الذي يمثل الاعتدال العلماني، ويحتفظ بعلاقات إيجابية مع حزب النهضة، ويرشحه المعلقون السياسيون هو والدكتور مصطفى بن جعفر زعيم حزب التكتل من أجل العمل والحريات، لكي يشكل مع حزب النهضة جبهة قوية في المجلس التأسيسي والحكومة وقد سمعته أكثر من مرة وهو يدعو إلى إبعاد الأيديولوجيا عن التنافس الانتخابي والإبقاء على ذلك التنافس في حدود الصراع السياسي وليس العقائدي.

هناك رسائل أخرى مهمة ودروس مستفادة يستخلصها المرء من التجربة الانتخابية التونسية يمكننا اختزالها في النصائح التالية:

< لا تفقدوا ثقتكم في المواطنين العاديين. فهم أكثر ذكاءً ووعياً مما تشي بهم مظاهرهم البسيطة ورغم الضجيج والطنين الذي يملأ الفضاء من حولهم، فإنهم قادرون على التمييز بين الأصيل والدخيل، وبين الحقيقة والزيف.

< المعتدلون في كل فصيل علماني أو إسلامي أو يساري أقرب إلى بعضهم البعض من المتطرفين في كل فصيل. وسفينة الوطن لن تواصل الإبحار إلا إذا تواصل المعتدلون فيما بينهم وشكلوا جبهة واحدة.

< الوطن ملك لكل أبنائه وليس بوسع أي فصيل أن يقوده وحده، فضلاً عن أنه لا يحق له ذلك أصلا. وللوصول إلى بر الأمان، فلا بديل عن ائتلاف المختلفين الذين يمثلون قوى المجتمع الأساسية.

< لأنه لا خلاف حول الأهداف الوطنية المرحلية، المتمثلة في الديمقراطية والاستقلال والعدالة الاجتماعية، فإن الاستغراق في الكلام عن الهويات والأهداف النهائية يفجر الخلاف ويبدد الجهد ويبعثر القوى.

< لا تهملوا شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أثبتت جدواها في اصطفاف الجماهير واحتشادها خصوصا قطاعات الشباب الذي يعول عليهم في المستقبل.

< الإسلاميون المنشغلون بالعمل السياسي مطالبون بأربعة أشياء هي:

1ــ طمأنة الناس وإزالة مخاوفهم 2ــ الانشغال بخدمتهم وليس بوعظهم

3ــ الكف عن الحديث عن مصائر الخلق في الآخرة وتوزيعهم على الجنة والنار 4ــ احترام الحياة الخاصة للناس التي ينبغي ألا تمس طالما أنها تمارس في حدود القوانين المطبقة.

< جيد أن نتلقى الدروس. لكن الأجود أن نستوعبها ونتعلم منها.

مرة أخرى التلويح بحل السلطة

المركز الفلسطيني للإعلام،،، عوني صادق

المتتبع للطريق التي يسلكها الرئيس محمود عباس في الأشهر الأخيرة، يلاحظ أنه بعد أن تأكد من صعوبة استئناف المفاوضات في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، وتراجع فرص "حل الدولتين" في ضوء عمليات الاستيطان المتواصل والكثيف، والتهويد المستمر لمدينة القدس، وفشل الرباعية الدولية في التوفيق بين المتفاوضين أو التقريب في وجهات النظر بينهما، وتخلي إدارة أوباما عن وعودها وتعهداتها، في سنة انتخابات يزداد فيها مرشح الحزب الديمقراطي ضعفاً بسبب الأزمتين الاقتصادية والمالية، أخذ يرفع من مستوى "مناوراته" دون أن يتخلّى عن مبدأ المفاوضات أو يقطع معها كأسلوب وطريقة للعمل السياسي.

كانت الخطوة الأولى على هذه الطريق تتمثل في التقدم بطلب العضوية الكاملة ل "دولة فلسطين" في الأمم المتحدة، والإصرار عليها بالرغم من الموقف الأمريكي الواضح برفضها إلى حد التهديد بالفيتو. وجاءت بعدها الخطوة الثانية، متمثلة بطلب العضوية الكاملة في منظمة (اليونيسكو)، التي لم يختلف الموقف الأمريكي منها عما كان من طلب عضوية الأمم المتحدة.

وكلتا الخطوتين لم يتم التصويت عليهما حتى كتابة هذه السطور، لكنه، وبصرف النظر عما ستسفر عنه عمليتا التصويت، فإن هاتين الخطوتين كانتا تحملان معنى "التمرد" على الإدارة الأمريكية، وهناك من يقول حملتا معنى "التحدي" للولايات المتحدة الأمريكية، وللرئيس باراك أوباما شخصياً، وفي ذلك ما فيه بالنسبة إلى سلطة مثل "السلطة الفلسطينية".

الخطوة الثالثة وهي التلويح بحل السلطة، هي الأكثر خطورة في سلسلة الخطوات التي اتبعها عباس في سبيل تجاوز الحواجز التي صادفته على طريق المفاوضات حتى الآن. وقد سبق له أن لوح بها أكثر من مرة كلما اصطدم بحاجز يعرف أنه لا يستطيع القفز عنه، كما سبق له أن تناساها كلما رمت الولايات المتحدة بما يوحي أنه في الإمكان تجاوز ذلك الحاجز. فهل هذه المرة الأخيرة، أم أن الرئيس لا يزال ينتظر "شيئاً ما" من جانب الإدارة الأمريكية؟

بعض "الإسرائيليين"، ومنهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، يرون أن الرئيس عباس هو أخطر القادة الفلسطينيين. وخطورته، كما يقولون، في "غموضه وضبابيته"، في وقت يرى أي فلسطيني أن من أبرز صفاته الوضوح، وهو عندما يعلن عن موقف ما يكون جاهزاً للالتزام به أياً كانت شعبية هذا الموقف، على عكس مفاوضيه "الإسرائيليين". أما في مسألة حل السلطة، فيمكن الحديث عن قدر من "الغموض" في موقفه منها، وهو غموض يأتي من حقيقة أنه لم يتخذ موقفاً بهذا الشأن، ومن أجل أن يبقي الباب مفتوحاً لتناسي ما لوح به.

إنه "يلوح" فقط، لأن ذلك يأتي في إطار المناورة، ومحاولة منه، كما يتصور، للضغط على "الإسرائيليين" والأمريكيين لإيجاد مخرج لاستئناف المفاوضات، لعلمه أن حل السلطة سيعود بالضرر على "الإسرائيليين" والأمريكيين أكثر بكثير مما سيعود به على الفلسطينيين، بالرغم مما يقال في هذا المجال كلما جرى حديث عن هذا الموضوع.

جاء التلويح الأخير بحل السلطة في كلمة ألقاها الرئيس عباس في "المجلس الثوري" لحركة (فتح). وفي هذه الكلمة قال: "السلطة ليست سلطة"، وأضاف: "يسألني الناس والمؤسسات الفلسطينية عن جدوى السلطة". واكتمل التلويح عندما قال إنه سيناقش مستقبل السلطة مع خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس). وقال أيضاً علينا أن نجيب عن سؤال "إلى أين نحن ذاهبون؟" وفي رأيه أن الإجابة عن السؤال تستوجب بحث ثلاث مسائل: "الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبيانات الرباعية، ومستقبل السلطة". وفي الكلمة أيضاً، أكد موقفه من طلب العضوية في الأمم المتحدة، واعتبر طلب العضوية في (اليونيسكو) "معركة حامية جداً" لا تراجع عنها. وزاد على ذلك بأن طالب برفع الحصار عن قطاع غزة، بعد أن سقطت ذريعة شاليت.

ويزيد الغموض من تضارب ما تناقلته الأخبار من تصريحات لمسؤولين في حركة (فتح) عن الموضوع. فهناك من يقول إن مشروع حل السلطة جاهز منذ أشهر، وإن الفكرة عرضت على اللجنة المركزية ولقيت تأييداً. وهناك أيضاً، من ينفي أن الموضوع طرح على أي مستوى، أو أنه مطروح أصلاً. وفي حديث صحفي لعضو اللجنة المركزية، محمود العالول، نفى أن يكون حل السلطة مطروحاً، بينما نسبت الصحيفة نفسها إلى "مسؤول فلسطيني كبير" قوله إن الفكرة عرضت على اللجنة المركزية ولقيت قبولاً وتأييداً، مؤكداً أن قرراً بهذا الصدد لم يتخذ.

أكبر سجون العالم.. وأصغرها!!

المركز الفلسطيني للإعلام،،، خيري منصور

توصف غزة في وسائل الإعلام التي لم تستوطنها الميديا الصهيونية بعد بأنها أكبر سجن في العالم، ولا خلاف على كون القطاع سجناً لكل من في داخله، ما دام الحصار قد بلغ ما هو أبعد وأقسى من ذروته، لكن أكبر سجن في هذا العالم هو العالم ذاته، فالكوكب الذي حولته العولمة والرأسمالية ذات الأنياب التي تقطر سماً لم يعد يدور حول نفسه أو حول الشمس، بل حول مبنى البنتاغون وأحياناً يستريح في حدائق البيت الأشد سواداً من الفحم البشري في العراق وغيره من الساحات التي جربت فيها الأسلحة المبيدة.

العالم أصبح سجناً بعد أن صودرت حريات من سوف يصبح عددهم قريباً سبعة مليارات إنسان، هؤلاء حرموا من ثلاث حريات إضافة إلى حريتهم السياسية، الحرية الأولى هي حرية انتقال الجسد الذي يفتش ويصور ويستباح حتى نخاعه، والثانية هي حرية انتقال المعلومة، فالأدمغة تفتش أيضاً وكذلك القلوب، والحرية الثالثة هي حرية التفكير، فثمة الآن من يفكرون نيابة عنا، وينوبون عنا في كل شيء إلا الموت، الذي ننوب نحن فيه عنهم كي يعيشوا إلى أرذل العمر والقهر والزّجر!

لقد مرت لحظات كان فيها السجناء هم وحدهم الأحرار، لأنهم ليسوا مخدوعين بحرية زائفة، مثلما مرت أوقات كان فيها المحتلون هم وحدهم المستقلون لأن عددهم ماثل أمامهم بلحمه ودمه وسلاحه بعكس الاحتلال الآخر المتعدد الأسماء والأقنعة، لهذا كتب ذات يوم الشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي من سجنه أن الفلسطينيين أكثر حرية وانعتاقاً من شعوب محتلة، لكن ما من أحد يعترف بذلك، وما من موعد مضروب حتى في أقصى التاريخ لتحررها.

ما أشبه هذا الكوكب بسيرك سياسي حيواناته من البشر أنفسهم، ولعل من كتب مزرعة الحيوان وهو جورج أورويل كان يتنبأ بزمن تتبادل فيه الكائنات الأدوار وصدقت نبوءته مثلما صدقت نبوءة روايته التي حملت عنوان 1984 وكتبت عام 1948 بأن تصبح الكلمات تعني عكس دلالاتها، فالحب كراهية والسلام حرب والاحتلال تحرير، إضافة إلى أن اثنين + اثنين تساوي خمسة، وقد يتضاعف الرقم تبعاً للرياضيات الانجلوساكسونية الحديثة فيصبح ملياراً!

فلسطين، وبالتحديد ذلك القطاع الذي عانى من القطيعة أكثر من أاي شيء في الكون لا تنافس سجون العالم كي تكون الأكبر أو الأصغر، وبقدر ما هي سجن فهي حرية أيضاً، لهذا كتب سارتر في كتابه جمهورية الصمت عن زمن الاحتلال النازي لفرنسا يقول:

لم نكن أحراراً كما كنا تحت الاحتلال لأننا لم نكن فرنسيين كما كنا في تلك الأيام لأن مجرد كتابة اسم فرنسا يكلف المرء حياته.. وهذا ما فعله محمود درويش عندما اعتذر عن قراءة قصيدته سجل أنا عربي في عاصمة عربية، وقال إن قيمة هذه القصيدة أنها كتبت وقرئت في فلسطين تحت الاحتلال وهناك يصبح لعبارة سجل أنا عربي معنى آخر!

بقي أن نتذكر أصغر سجن في هذا العالم إنه ليس من زنازين وقضبان وأدوات تعذيب، كما أنه ليس من حديد وإسمنت، أصغر سجون العالم هو هذا الجسد الذي نقيم فيه، ونرتهن لغرائزه وجوعه وبحثه عن الأمان.

ما من سجين أسوأ حالاً ممن تحول جسده إلى زنزانة من لحم وعظم!!

تساؤلات حول صفقة "شاليط"

المركز الفلسطيني للإعلام،،، باسكال بونيفاس

اتفقت الصحافة الغربية في مجملها على اللحظة المهمة التي شكلها التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي، جلعاد شاليط، مع حركة "حماس"، لتظهر معالم الابتهاج والتعاطف الجارف مع الجندي الذي قضى خمس سنوات بأكملها في الأسر والحرص على نقل لحظة اللقاء العاطفية مع أهله وذويه.

لقد تسابقت الصحف لإيراد الصور المعبرة لاستقبال "شاليط"، بل متابعة حياته لاحقاً وهو يقوم بجولة في منطقة سكناه.

لكن وبصرف النظر عن الاستقبال الحافل للجندي الإسرائيلي وعودته إلى أهله سالماً بعد سنوات في الأسر تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تحيط بالعملية والطريقة التي تمت بها، فكيف يمكن على سبيل المثال تفسير قبول الحكومة الإسرائيلية لصفقة التبادل المثيرة التي كانت ترفضها؟ وكيف نقرأ موافقة الحكومة الإسرائيلية "اليمينية" التفاوض مع "حماس" التي تعتبر في عرفها منظمة "إرهابية" لا يمكن، كما كررت "إسرائيل" في مرات سابقة، الخضوع لابتزازاتها؟

وكيف باركت الدولة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هذه الخطوة، علماً أنها عارضتها في السابق حتى لا تمثل سابقة وتشجع الفصائل الفلسطينية المسلحة على خطف جنود إسرائيليين والمساومة على إطلاق سراحهم؟

ألا يمكن الحديث هنا عن رغبة إسرائيلية لتسجيل نقطة سياسية ضد الرئيس الفلسطيني بإرجاع الفضل في إطلاق الأسرى إلى "حماس"؟

فمعروف أن مصداقية "عباس" لدى الرأي العام الفلسطيني تصاعدت بعد خطوته الجريئة في التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية، مع ما صاحب ذلك من تحدٍ للضغوط الإسرائيلية والأميركية وتمسكه بموقفه، رغم التهديدات بقطع المساعدات، الأمر الذي أدى إلى تعزيز موقفه لدى شعبه وترميم صورته التي اهتزت بعد سنوات من التنازلات والمفاوضات العقيمة.

بيد أن هذا الصعود في مصداقية السلطة والعزلة المتزايدة للدولة العبرية على الصعيد العالمي بسبب سياساتها المعروفة، أزعج صناع القرار في "إسرائيل" ودفعهم ربما إلى رد الصاع صاعين من خلال إنجاز اتفاق إطلاق الأسرى مع "حماس" التي لا شك أنها سجلت انتصاراً مهماً بالإفراج عن 1027 أسيراً فلسطينياً مقابل جندي إسرائيلي واحد.

وبالنظر إلى التقدير الكبير الذي يحظى به الأسرى في المجتمع الفلسطيني والتعاطف الكبير مع محنتهم في السجون، فإن النجاح أيضاً كان مدوياً وبرزت "حماس" على أنها المفاوض العنيد والمتمرس الذي يعرف كيف ينتزع التنازلات من "إسرائيل" ويجبرها على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.

لكن بالإضافة إلى تحجيم دور عباس بعد توجهه إلى الأمم المتحدة أرادت "إسرائيل" التخفيف من حدة العزلة الدولية المضروبة عليها بإعطاء الانطباع أنها قادرة على التوصل إلى تفاهمات مع الفلسطينيين، وأنها ليست بالتصلب الذي تظهر عليه، هذا ناهيك عن الحسابات السياسية الداخلية في "إسرائيل"، وسعي نتنياهو للخروج من أزمة المطالب الداخلية والاحتجاجات اليومية التي أثقلت كاهله بالمساهمة في إطلاق سراح جلعاد شاليط.

والحقيقة أن "إسرائيل" باتفاقها مع "حماس"، فندت مزاعمها السابقة من أنها لا تستطيع الجلوس مع منظمة "إرهابية"، وبأن السلام إذا كان متعذراً فهو راجع، كما كانت تقول، إلى الفلسطينيين وانشقاقاتهم، فيما هي اليوم تجلس معها بمساعدة الوسيط المصري وتنجز اتفاقاً مهماً.

والأكثر من ذلك أن "إسرائيل" ضغطت على الغرب حتى لا يعترف بحكومة "حماس" التي صعدت بطريقة ديمقراطية إلى السلطة في انتخابات عام 2006 بدعوى أنها تتبنى العنف ولا تعترف ب"إسرائيل"، وهو ما يحرج ليس فقط "إسرائيل" بعد التوصل معها إلى اتفاق، بل أيضاً الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة، التي تبين مدى ارتهانها للأجندة الإسرائيلية، فمَ الذي جعل الدول الغربية تغير موقفها اليوم من "حماس" بعد اتفاق تبادل الأسرى عدا "إسرائيل" نفسها؟

والمشكلة أن الغرب بمواقفه المتذبذبة من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يضرب مصداقيته في مقتل، إذ في الوقت الذي يطالب فيه الأنظمة العربية بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ويبرر غزوه للعراق وإسقاطه لصدام بنشر الحرية نجده فيما يتعلق بالفلسطينيين يحول دون المصادقة على خياراتهم. وكأن لسان حاله يقول "لكم أن تختاروا ما تريدون وتنتخبوا القوى التي تشاؤون، لكننا نحتفظ بحق المصادقة على النتائج والقبول بشرعيتها". بل الأكثر من ذلك يُثبت هذا الاتفاق فيما يثبته أن "إسرائيل" عندما تريد التوصل إلى تسوية والمضي قدماً في المفاوضات لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع فهي تستطيع ذلك.

ولعل الدليل على ذلك تفاوضها مع "حماس" وقبولها صفقة التبادل، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً عن السبب الذي يمنعها من التفاوض الجدي والفعال مع السلطة الفلسطينية وتقديم التنازلات لدفع عملية السلام، فما التبريرات التي تسوقها "إسرائيل" بشأن طبيعة المفاوض الفلسطيني وعدم وجود شريك إلا تسويف قديم للتهرب من استحقاقات السلام.

فلو أن الدولة العبرية جادة في سعيها للسلام لما رفضت التفاوض منذ البداية مع "حماس"، أو السلطة الفلسطينية من خلال وضع شروط الاعتراف بيهودية الدولة وغيرها، ذلك أن طرفاً لا يمكن أن يختار مفاوضه ولا أن يشكله بالطريقة التي يريد، كما أن المفاوضات تجري عادة بين الخصوم والأعداء وليس بين الأصدقاء المتفقين في الرأي.

وفيما تحتفل الصحافة الإسرائيلية ومعها الإعلام الغربي بعودة شاليط إلى أهله يتعين أيضاً الالتفات إلى فرحة الفلسطينيين بعودة 1027 إلى ذويهم، وإذا كان الجندي الإسرائيلي قد قضى خمس سنوات في محبسه، فإن الأسرى الفلسطينيين مكثوا عشرات السنين وراء القضبان في ظروف صعبة، علماً أن العديد منهم سجن ظلماً تحت قانون الاحتلال الإسرائيلي لا لشيء إلا لأنهم قاوموا الاحتلال.

وأخيراً لا بد من التساؤل ما إذا كان 1027 أسيراً فلسطينياً يساوون جندياً إسرائيلياً في إشارة دالة إلى ميزان القوى المختل بين الطرفين، لكن الأهم من كل ذلك ألا تنسى الصحافة الدولية استمرار ستة آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية ينتظرون من ينافح عن قضيتهم ويطالب بتحريرهم.

التغيير لا ينزل من السماء ، بل يصنعه البسطاء

فلسطين أون لاين ،،، أحمد أبورتيمة

يذكر القرآن أن أحد أسباب تكذيب الناس برسلهم هو أن هؤلاء الرسل بشر مثلهم نشأوا نشأةً عاديةً في مجتمعاتهم: "بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم"، "أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ" ..وهذه مشكلة إنسانية تتكرر دائماً: يتوهم الناس أن التغيير سيأتي من خلال شخصية أسطورية محاطة بهالة من القداسة، وينسجون في مخيلتهم أوصافاً مثاليةً لهذه الشخصية، ومرد هذا التوقع هو أن الناس قد طبعوا على حب الوجاهة والمظاهر فيريدون تغييراً معلباً أنيقاً لا يكسر كبرهم أو الايتيكيت المألوف لديهم، فإذا قدر الله لإنسان فقير بسيط من المجتمع أن يأتي بأفكار تصحيحية يدعو إليها كذبوا بها عناداً واستكباراً.

لكن سنة الله عز وجل قضت بأن يأتي التغيير على أيدي هؤلاء البسطاء الذين لا يؤبه لهم وفي ذلك حكمة وهي أن الله عز وجل يريد بإرسال الرسل والدعاة والمصلحين أن يحق الحق ويبطل الباطل، وحتى يحق الحق فلا بد أن يكون اتباع الناس للمنهج لا للشخص والهيئة، فلو أرسل الله للأقوام ما يطلبون "رجل من القريتين عظيم" فإن اتباعهم له سيكون للوجاهة ولأهواء الدنيا ولن يكون من منطلق إيمان راسخ، والله يريد بإرسال الرسل والدعاة أن يزكي النفوس ويطهرها ويحررها من الأهواء ليكون ذلك تمهيداً لتحرير البشرية "الله أعلم حيث يجعل رسالته"..

هذه المشكلة الإنسانية لم نتخلص منها حتى مع كوننا مسلمين فإذا كانت قريش قد طلبت أن ينزل عليها ملك من السماء، فإننا ننتظر بلسان حالنا أن ينزل علينا المهدي المنتظر من السماء، ونرسم في مخيلتنا أوصافاً مثاليةً لمن سيكون على يديه توحيد الأمة وتحرير القدس فننتظر صلاح الدين أو الخليفة أو المهدي المنتظر، ولكن سنة الله التي عملت عملها في الأولين تعمل عملها في الآخرين أيضاً "ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً"..وستكون رفعة الأمة على يد أناس لا يؤبه لهم. لن يكونوا من طبقة المثقفين أو النخبة أو أصحاب الوجاهة، بل سيكونون أشخاصاً بسطاء في غاية البساطة إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا..يخبرنا القرآن بأنهم مستضعفون "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض"..وهذا الاستضعاف الذي يعيشه من سيكون على أيديهم التمكين ليس قاصراً على استضعاف الأمم الأخرى لأمتنا الإسلامية، بل حتى داخل الأمة نفسها، وداخل المجتمع الصغير نفسه تجد هؤلاء مستضعفين من بقية المجتمع لا يعتد برأيهم ولا يؤبه لهم..

حين يأتي التغيير على أيدي هؤلاء البسطاء يكون أعمق وأقوى لأنه يكون تغييراً جذرياً صادقاً خالصاً لا تشوبه شائبة من زينة الحياة الدنيا، وهو أجدر بالبقاء لأن بلوغه يكلف تضحيات ودماءً كثيرةً، بخلاف ما لو كان هذا التغيير على أيدي طبقة العظماء والمثقفين الذي لن ينفذ إلى أعماق النفوس فيغيرها..

حتى أنبياؤنا الذين ننظر اليوم إليهم كأسطورة ونحيطهم بجدران من القداسة بمن فيهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون في إطار هذه السنة الإلهية، فتعظيمنا للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وأسطرتنا لشخصيته نابع من كونه صار نموذجاً تاريخياً جاهزاً، ولكن الأمر لم يكن كذلك في زمن بعثته، فقد كان فقيراً يتيماً مستضعفاً من قومه، وكانت تكلفة الإيمان به باهظةً يدفعها الأتباع من أنفسهم ودمائهم وأموالهم..فلم يكن يؤمن به إلا صادق في طلب الحقيقة.لكن بعد أن مكن له في الأرض، وانتشر أتباعه لم يعد اتباع دعوته بحاجة إلى نفس التكلفة والجهد الذي بذله السابقون فبدأ الناس بإحاطة شخصيته بأسوار من القداسة والأسطرة أنستنا أنه نشأ نشأةً طبيعيةً كأي إنسان بسيط..

يذكرنا القرآن في مواطن كثيرة بأن الأنبياء كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وأنهم كانت لهم أزواج وذرية وذلك حتى لا نغفل عن طبيعتهم البشرية ولا نضعهم في قوالب أسطورية، وليكون ذلك عوناً لنا في زماننا الحاضر في فقه سنن التغيير وأنه يأتي من الناس العاديين..

إننا نلعن أبا لهب وأبا جهل وابن أبي سلول آناء الليل وأطراف النهار، ولكن هل خطر ببالنا هذا السؤال المزعج:ماذا لو كنا في ذلك الزمان..هل نحن واثقون بأننا كنا سنكون في صف أبي بكر وبلال بن رباح، أم في صف هؤلاء الملعونين لا قدر الله..

تخبرنا كتب السيرة بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين وصل المدينة كان الناس قد عقدوا لعبد الله ابن أبي سلول تاج الملك عليهم وزينوه بالخرز وأوشوه بالديباج، فلما جاء النبي إلى المدينة والتف الناس حوله نظر إليه ابن أبي سلول بأنه قد نزع الملك منه، فأضمر في نفسه حقداً وضغينةً عليه، وقاد حركة النفاق في المدينة ضده..ألا يبدو تصرف ابن أبي سلول شبيهاً بتصرف أكثر الناس اليوم مع كونهم مسلمين تجاه من يأتي لينازعهم الجاه والمكانة الاجتماعية!!

لكننا لسنا بحاجة إلى هذا الافتراض فواقعنا المعاصر كفيل بتمحيص نفوسنا وتمييز الصادق من الكاذب في دعواه، ومقياس ذلك حين يسمع أحدنا بفكرة جديدة تخالف نمط مألوفه وإرثه الاجتماعي والثقافي، هل سيناقشها مناقشةً موضوعيةً فإن رأى فيها حقاً اتبعها أم أنه سينظر إلى صاحبها فإن رآه من طبقة السادة والكبراء هز رأسه إطراءً لأفكاره الإبداعية وإن رآه شخصاً مغموراً ليس له مكانة اجتماعية رد بلسان حاله "أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا"، أو قال بصريح العبارة بلغة اليوم مش ضايل غير هذا ييجي يعلمنا..

إن علينا أن نحرر عقولنا من أوهام انتظار الشخصية الأسطورية التي ستأخذ بأيدينا إلى بر الأمان، وأن نفقه سنة الله في التاريخ بأن التغيير يأتي من الحواري والشوارع الفقيرة ولا يأتي معلباً جاهزاً من السماء..

أليس لافتاً أن من يصنع التغيير اليوم في عالمنا العربي هم شباب بسطاء ليس لهم أي صفة رسمية أو حزبية، ولا يحملون ألقاب المثقفين والأكاديميين والنخبة والمخاتير..هؤلاء أنفسهم هم الذين انفجر جمال مبارك ضاحكاً حين سأله أحد الصحفيين:لماذا لا تحاورهم، فرد عليه بكل سخرية واستهتار: اذهب أنت وحاورهم..

فكانت نهاية جمال وأبي جمال على أيدي هؤلاء البسطاء الذين سخروا منهم..

"ويريد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون"