المقالات في الصحف المحلية 41
12/5/2013
جاء في صحيفة الحياة الجديدة
|
حياتنا - جدية كيري
بقلم: حافظ البرغوثي - الحياة
تغريدة الصباح - المغني والأغنية
بقلم: يحيى يخلف - الحياة
تفجيرات إرهابية وحمقاء
بقلم: عدلي صادق – الحياة
في القدس إسرائيل تمارس الاستفزاز
بقلم: يحيى رباح - الحياة
بلدوزر « الجماعة « !!
بقلم: موفق مطر - الحياة
كيف صرت اذاعياً؟ - الحلقة الأخيرة
بقلم: خالد مسمار - الحياة
هل بدأت واشنطن تدرك أخطاءها؟
بقلم: حديث القدس - القدس
سيدي الشعب....
بقلم: د. غسان عبد الله – القدس
الأحد... وكل يوم أحد ...دعوة لإعادة النظر في الوضع المتفجر بالقدس
بقلم: المحامي زياد أبو زيّاد - القدس
الصحافة الورقية والكِتاب ومواقع التواصل الاجتماعي
بقلم: د.حسن عبدالله – القدس
الغابة الحقيقية خلف الاشجار!
بقلم: بسام الصالحي – القدس
جدلية التهويد و«التطييف»
بقلم: خيري منصور - القدس
ربيع أكثر.. أمل أكبر!
بقلم: حسن البطل - الايام
فكّر بغيرك، إغاثة أهلنا اللاجئين من سورية
بقلم: ريما كتانة نزال - الايام
هذا أوان إعادة رسم الخرائط !!
بقلم: هاني حبيب - الايام
مبادرة أردنية شجاعة
بقلم : حمادة فراعنة - الايام
بوكر 2013: ساق البامبو للكويتي سعود السنعوسي
بقلم: عادل الأسطة - الايام
ربيع أكثر.. أمل أكبر!
بقلم: حسن البطل - الايام
شيء من جيشان وفوضى "ساحة التحرير" القاهرية كان، أمس، في قاعة جلسة أخرى، لمحاكمة أخرى للرئيس المصري المخلوع. سمح القاضي الثرثار (على غير عادة القضاة) لمن شاء من المحامين أن يترافعوا ضد رئيس يرتدي نظارة قاتمة، وهذه عادته، لكن خلف قضبان القفص، وهذا صار مألوفاً منذ جولات محاكماته.. والجديد منذ جولتين هو الجلوس على كرسي لا على سرير المريض!
مصر، أرض الكنانة، أم "الربيع العربي" (وتونس باكورته).. وأكبر خيباته، وسورية أرض معركة الفصل.. شعباً ونظاماً!
في "ربيع ليبيا" انتهى الطاغية إلى موت شنيع، وطاغية العراق علق على الأنشوطة (أرجوحة الرجال؟) بعد محاكمة رتبها الغزاة.. لكن "الفرعون الثالث" في جمهورية مصر ـ العسكرية، نال درجات من المحاكم ومحاكمات أطول.
المعنى؟ ثلاثة قادة مستبدين خُلعوا، ولاقوا جزاء (قل إنه عادل، نصف عادل، أو جائر)، لكن النتيجة أنه، خلال عشر سنوات، سقطت هيبة الحاكم العربي المستبد، ومعها تحطم "حاجز الخوف" الشعبي من نظامه وأجهزته، وعلى كل حاكم عربي أن يحسب حساباً لآخرته بيد شعبه. هذه نتيجة من نتائج مقدمات "الربيع العربي" وهي تشفع قليلاً للخيبة منه.
الأهم من مصير القادة ـ الطغاة، أن حرية الرأي في الصحافة وعلى لسان الناس وفي صناديق الاقتراع، دخلت حقبة جديدة في الحياة السياسية العربية، وفي علاقة الشعب بقيادته ونظامه.
مثلاً، صحيح أن الإسلاميين في تونس صار لهم اليد العليا في حكم ما بعد نظام بن علي، لكن الصحافة التونسية والشارع في تونس، يوجهون نقداً كتابياً وشفهياً وإلكترونياً للنظام الجديد "المنتخب" أكثر مما كانوا يجرؤون على انتقاد النظام السابق "العلماني".
في مصر، يمكن القول بشكل أكبر إن الصحافة صارت حرّة أكثر تحت حكم الإسلاميين مما كانت عليه تحت حكم مبارك، وتحت حكم مبارك أكثر مما كانت عليه تحت حكم السادات، وتحت حكم السادات أكثر مما كانت عليه تحت حكم عبد الناصر!
في مصر، دولة حقيقية، وجيش وطني، ومؤسسات، وقضاء أكثر نزاهة واستقلالاً من باقي أجهزة القضاء العربي، والآن، حرية رأي وتظاهر أكثر من أي وقت مضى.
ماذا عن سورية؟ حتى لو كان مصير الطاغية بشار الأسد كمصير صدام حسين، أو بن علي، أو القذافي.. أو خلف القضبان مثل مبارك، فإن هيبة الرئيس، ونظامه، وأجهزة أمنه قد سقطت بعد شهور من اندلاع ثورة شعبية سلمية، قبل أن تتحول اقتتالاً داخلياً، وتدخلاً إقليمياً وخارجياً ودولياً.
حتى لو انتصر النظام السوري، وبقي الرئيس السوري في الحكم، أو حتى لو فاز في انتخابات 2014، فإن سورية سوف تتغير، لأن الناس حملوا السلاح، ولأن تماثيل رأس النظام أُسقطت وأُهينت.. ولأن الصحافة الموازية للصحافة الرسمية قد نشطت، سواء مطبوعة أو إلكترونية، الشعب يسفح من دمه ما يكافئ ما سفح النظام الجائر من عرقه.
الشعوب العربية خرجت من قمقم القمع ومن خوفها، ومن تبجيلها ورضوخها للحاكم، وما عادت تطيق الخطاب القديم عن الوطن والنظام والرئيس و"الممانعة" والمقاومة.
موازنة الخيبة والأمل من "الربيع العربي" ستميل حيناً نحو الخيبة والشوق للأمن في النظام السابق، وستميل حيناً نحو الأمل والحرية والديمقراطية.
عمر "الربيع العربي" سنوات معدودات، وعمر الديمقراطية العربية، منذ إعدام صدام، أقل من عشر سنوات، وعدوى "الربيع العربي" وفوضاه برهنت أن هناك شيئاً يسمى "العالم العربي" رغم الانكفاء القطري والمذهبي.
.. وأن هذا العالم العربي سيمرّ في مخاض عسير لسنوات وعقود قبل أن يستقر الأمر للربيع الحقيقي والديمقراطية الحقيقية.
ففي الأقل، فإن الإسلاميين المنتخبين بعد سقوط الطغاة يلاقون نقداً واحتجاجاً فور انتخابهم، أي بعد زمن أقصر كثيراً مما لاقاه المستبدون العلمانيون من تمجيد ومن خوف ومن رضوخ.
خيبة أقل، وأمل أكثر، وربيع أكثر.
فكّر بغيرك، إغاثة أهلنا اللاجئين من سورية
بقلم: ريما كتانة نزال - الايام
لا يستطيع الفلسطيني أن يقف متفرجاً وهو يشاهد ويسمع ويراقب مأساة تبدو كأنها بلا نهاية، وليس أمام الضمائر الحيّة أن ترتاح دون التضامن ومدّ يد العوْن ولو عن بعد، لشعبنا اللاجئ الذي يعيش نكبة الشعب السوري. ومن هنا، وبحس عالٍ بالمسؤولية، تضافرت الجهود الخيِّرة لتمكين الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في إطلاق الحملة الشعبية لإغاثتهم. فكما يُقال، "حنّ الحديد على حاله" في الزمن العربي الرديء، وفي واقع اختلاط الأوراق العربية وهبوط القيم التي يصعب حتى على آلات الحاسوب الذكية أن تتفق على تحليل واحد لتداعياتها.
في سورية، يتوزع الفلسطينيون اللاجئون على أربعة عشر مخيماً، ويتمددون إلى عديد التجمعات السكنية السورية في دمشق العاصمة على وجه الخصوص. فقد استمرت أعداد اللاجئين الفلسطينيين فيها بالتزايد سواء بسبب النمو الطبيعي، أو بسبب هجرة أفواج جديدة من الفلسطينيين. لقد استقبلت سورية أعداداً مهاجرة متتالية، من لبنان والأردن والعراق والكويت، بعد اجتياحات وأزمات وصراعات حصلت، كالاجتياحات الإسرائيلية على لبنان أو حروبها الأهلية، أو في أعقاب وتداعيات حرب الخليج الأولى والثانية، وبالنتيجة تعدى عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية الأربعمائة ألف نسمة.
لا حاجة لإثبات أن شعبنا الفلسطيني في مخيمات سورية قدم أرواحه وأمواله للقضية الفلسطينية، وأعلم أن حملات جمع التبرعات في مخيماتنا هناك كانت تحظى بالتجاوب الشعبي والسخاء الذي لا يمكن أن نتوقف عند قيمته المادية، بل يُقدَّر بوحدة والتحام الفلسطينيين مع بعضهم، وتداعيهم للتضامن والتكاتف في المحن كجسد واحد. ولا حاجة كذلك، إلى البرهنة على حجم التضحيات وعدد الشهداء من الفلسطينيين السوريين في معارك الدفاع عن الثورة والشعب، في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المستهدفة القضاء على الثورة وتصفية القضية، وهذا ما تشهد عليه مقابر الشهداء في مخيم اليرموك وباقي المخيمات في القطر السوري.
فلسطينيونا في سورية الآن في محنة، فهم منكوبون في أرواحهم وممتلكاتهم واستقرارهم، ومهدَّدون في كل لحظة على جميع الصعد. تركوا بيوتهم وشقاء عمرهم بحثاً عن سقف يؤويهم ويحميهم من حرب لم يشهدوا قسوة تعادلها في كل الحروب التي مرت على رؤوسهم. خرجوا ليعيشوا هجرة قاسية جديدة، قوافل أخرى من "البقج" والحقائب والمفاتيح تتوزع على الأماكن التي وصلت إليها أقدامهم، وما بين دول مغلقة الأبواب وأخرى توارب نوافذها، كانت البوابة اللبنانية الأكثر تمريراً لأجسادنا التالية للهجرة الداخلية بين المدن السورية.
في لبنان، الحال صعب أصلاً، والمتاح من الحقوق يمر من خرم قطارة. فكيف بالحال لدى استقباله خمسين ألف لاجئ جديد خرجوا مُعدَمين إلى مخيمات فقيرة ومحرومة، فهناك حرمان من حق العمل وبطالة مرتفعة، بيوت تضيق بأهلها وتفتح أذرعها لاستقبال الأقارب، ليصبح عدد أفراد الغرفة الواحدة عشرة.
الاحتياجات كثيرة، الإيواء أولاً، فالسكن مع الأقارب بدأ يخلق التوترات الاجتماعية، والعمل الشحيح مدخل للاستغلال في الأجور وعمالة الأطفال ضمن القوانين الجائرة التي لا تسمح بمزاولة جميع المهن المتاحة. ولن أتجاوز على احتياجات الطبابة والعلاج والرعاية الصحية والتعليم. اللاجئون من سورية يتدفقون في كل يوم يشرق، ومعهم تزداد إلحاحية توفير المساعدات العاجلة والمربكة لحظة الوصول، من فراش وأغطية وأدوات منزلية وطبابة وملابس وأغذية.
وفي بعدٍ مهم آخر ذي طبيعة سياسية، تُنتهج سياسة تمييزية إزاء اللاجئين الفلسطينيين من سورية، والظلم موصول للاجئين الأصليين في مخيمات لبنان، فجلّ الخدمات والمساعدات المقدمة من الدولة تذهب للاجئين السوريين الذين من حقهم الحصول عليها. كما أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تعتبر نفسها مسؤولة عن اللاجئين السوريين، فتدعم إيواءهم وتقدم الطبابة والاستشفاء ومواد الإغاثة الضرورية. بينما وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين "الأونروا" تقوم بالحد الأدنى لواجباتها اتجاه اللاجئين القادمين من سورية، وفي الوقت الذي تقلص مساعداتها للاجئين الفلسطينيين في لبنان.
الحملة الإغاثية ذات بعد شعبي تطوعي، لكنها لا تستثني من اعتباراتها الإشكاليات الموضوعية الأخرى، وعلى الأخص معالجة القضايا ذات الطبيعة السياسية مع الدولة اللبنانية، وكذلك مع وكالة الغوث، فالحملة لن يكون بمقدورها حل الإشكاليات المالية لصعوبة استمرار جمع التبرعات في الحالة الفلسطينية. وما دام الصراع مستمراً، فلا بد من تأكيد مسؤولية الجهات المرجعية ممثلة بمسؤولية منظمة التحرير في علاجها.
وأخيراً، مبادرة الاتحاد العام للمرأة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمنظمات الشعبية والنسوية إغاثية الأبعاد، لكنها لا تحيِّد الوجوه الاستنهاضية الأخرى للحملة، في إعلاء شأن قيمة تلاحم الشعب الفلسطيني في جميع أماكنه ووحدة قضيته الوطنية ووحدة جرحه ومصابه وانتصاراته ومشاعره. وهو الأمر الذي على مؤسساتنا وفصائلنا رؤيته بوضوح والتفاعل مع الحملة لتكون ذات جدوى ومنفعة.
هذا أوان إعادة رسم الخرائط !!
بقلم: هاني حبيب - الايام
على خلفية ما يجري في منطقتنا العربية من تداعيات ومتغيرات، استدعت مراكز البحث وآليات صناعة القرار في أكثر من بلد ومنطقة، ما كان قد صدر عنها في أوقات سابقة حول خريطة سياسية جديدة للشرق الأوسط وعلى الأخص المنطقة العربية، مشيرة إلى أن الآليات "التلقائية" لنتائج "الربيع العربي"، قد تؤدي إلى تقسيم معظم الأقطار التي ألمّت بها رياح التغيير، سواء على أسس ذات طابع إثني قومي، أو طائفي أو مذهبي أو مناطقي، ما يحدث في جنوب مصر العربية حول إثارة مشكلة "النوبيين" من جديد، يقابله حديث عن محاولات استغلال ولاية برقة في ليبيا، دون اغفال للمشكلات المتعلقة بالأمازيغ في ليبيا والجزائر، ناهيك عن الطابع الانفصالي لأكراد العراق والذي يذكّرنا بموقف بعض القوى الكردية من أحداث سورية الجارية حتى الآن، وكذلك تصدر المشكلات الطائفية والمذهبية غرب العراق الذي يشهد انتفاضة مستمرة منذ حوالي ثلاثة أشهر، قد تؤدي إلى اللجوء إلى خيار الانفصال إذا لم تستجب حكومة المالكي التي توصف بأنها حكومة الشيعة في العراق لمطالب المحتجين من أهل السنة في العراق، الخليج العربي ليس استثناءً بهذا الصدد، ما يجري في البحرين، وشرق السعودية، يقترب مما يجري في اليمن ونشاط جماعة الحوثي الانفصالية في الشمال، والتي تسيطر على منطقة تتمتع بالحكم الذاتي من الناحية الفعلية، إضافة إلى دعوات في الجنوب للانفصال والعودة إلى اليمن الجنوبي، أو تلك المنطقة التي كانت تسمى في وقت سابق جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
الأحداث التي تشير إلى تشظي الخارطة العربية تتوازى في الواقع مع نمو قوى إقليمية كبرى لا يمكن لها أن تلعب دوراً مؤثراً إقليمياً ودولياً إلاّ على أنقاض مصادر القوة العربية، وتلعب هذه القوى في الوقت الحالي، دوراً بارزاً في التأثير على الأوضاع العربية الداخلية وبشكل مباشر، والقصد هنا كل من تركيا وإيران، ويجري الحديث بين السطور حول عودة الإمبراطوريتين، العثمانية والفارسية من جديد لتتحكما في مصائر المنطقة العربية، في استعادة مستنسخة من اتفاقية "سايكس بيكو" إثر نتائج الحرب العالمية الأولى العام 1916، واقتسام المنطقة العربية بين الإمبراطوريتين الاستعماريتين، بريطانيا وفرنسا، وإذا كانت هذه الاتفاقية قد تمت إثر حرب عالمية، فإن الحروب الصغيرة، لكن المدمرة، والتي تجري بأشكال مستجدة في معظم أصقاع الوطن العربي، ما يهيئ لهذا الاقتسام الذي ليس بالضرورة، أن يتم عّبر اتفاقيات ومعاهدات، بل عبر تدخلات ومناطق نفوذ، وموالين لسياستها أو مذهبها أو بحكم الجوار.
إلاّ أن استرجاعا مستنسخا ومنقّحا للإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية، لا يعني اقتساماً للمنطقة عبر توافقات فيما بينهما، إلاّ أن الصراع يظلّ سرياً ومكتوماً، وعودة المياه الى مجاريها بشكل علني بين أنقرة وتل أبيب على يد وساطة أميركية مؤخراً، يشكل أحد مظاهر هذا الصراع، فبينما تهدد إسرائيل يومياً بمهاجمة إيران على خلفية برنامجها النووي، تزداد أواصر الصداقة والمودة بين تركيا وإسرائيل، هذه الأخيرة تظل في الوسط ليس جغرافياً وليس سياسياً، ولكن في أساس وجوهر عملية إعادة رسم خريطة المنطقة برمتها انطلاقاً من جوهر كل القضايا، القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي.
قبل خمس سنوات، نشر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، خطة وضعها مستشار الأمن القومي الإسرائيلي في تلك الفترة، غيورا ايلاند، تنطلق من فشل كل مبادرات السلام على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، منذ مؤتمر مدريد عام 1993، مروراً باتفاق أوسلو، ثم حل دولتين لشعبين وخارطة الطريق في عهد الرئيس الأميركي بوش، الأمر الذي يشير إلى ضرورة الخروج من إطار هذا السعي الفاشل للتوصل إلى اتفاقيات نهائية تجعل الصراع خلفنا، تقترح خطة ايلاند حلاً نموذجياً، يتنازل فيه العرب للفلسطينيين وإسرائيل، لإقامة دولتين متجاورتين بخارطة جديدة كل الجدة، بعيداً عن قرارات الأمم المتحدة التي أسهمت في تعقيد مشكلة الأرض بدلاً من حل القضية، وبمقتضى هذه الخطة تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً لتوسيع قطاع غزة، إضافة إلى شريط بحري بطول 24 كيلومتراً يمتد من رفح إلى العريش، وبحيث تصل هذه المساحة كاملة إلى حوالي 4000 كيلو متر مربع، وبحيث تتضاعف مساحة قطاع غزة ثلاث مرات. بينما تتنازل إسرائيل لمصر، بدلاً من ذلك، عن مساحة قريبة من صحراء النقب.
خطة جموحة وخطرة وتفصيلية، تتسع لحلول اقتصادية وتجارية ومشاريع واستثمارات وتحلية مياه البحر، واكتشافات النفط والغاز، خارطة جديدة تفسر الافشال القسري للعملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لكنها خطة لم تكن الظروف تسمح بالاقتراب منها، والآن بعد خمس سنوات من طرحها في السوق السياسي، تعاود بعض الأطراف طرحها من جديد، أطراف تحاول أن تشير إلى مخاطرها، وأطراف أخرى تعتبرها بديلاً محتملاً لعملية السلام التي تسعى إدارة أوباما الثانية لاستنهاضها من جديد، ولعلّ الحديث عن دور عربي في هذه العملية، ودور أردني محتمل بعدما عاد العاهل الأردني وصياً على الأراضي المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وكذلك، حديث بعض العرب عن تعديل المبادرة العربية حول "تبادل أراض". في كل ذلك ما يشير إلى دور عربي قادم، يساهم في رسم خريطة جديدة في المنطقة، تحت وقع الدور الإسرائيلي، بالشراكة مع أطماع الإمبراطوريتين، الفارسية والتركية، وبرعاية الراعي الذي لا تغيب عنه الخطط، الولايات المتحدة الأميركية!!
مبادرة أردنية شجاعة
بقلم : حمادة فراعنة - الايام
توصية مجلس النواب الأردني، بالعمل على طرد السفير الإسرائيلي من عمان، واستدعاء السفير الأردني من تل أبيب، قرار جريء، غير مسبوق له معان ودوافع سياسية وطنية وقومية، سيشكل بداية تحرك، وبداية موقف على طريق "بداية الرقص حنجلة". فالتوصية تمت من قبل مجلس النواب الذي أقر معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية العام 1994، وهو الذي منحها الشرعية والاستمرارية حتى يومنا هذا، ورئيس مجلس النواب سعد هايل السرور، سبق وأن أقر البرلمان المعاهدة حينما كان رئيساً له، وغاب عن المجلس ليكون وزيراً للداخلية، وها هو يعود لرئاسة مجلس النواب، لتتخذ التوصية في عهده أيضاً، واللافت للانتباه أن مجلس النواب الأردني أقر المعاهدة بواقع 54 نائباً من أصل 80 نائباً أعضاء مجلس النواب في ذلك اليوم، أما اليوم فالتوصية بطرد السفير الإسرائيلي من عمان واستدعاء السفير الأردني من تل أبيب تمت بإجماع 150 نائباً أعضاء المجلس مجتمعين.
قد لا تكون التوصية ملزمة للحكومة، أو قد يتم التوصل إلى تسوية في كيفية التعامل معها، وقد لا تؤدي إلى إلغاء معاهدة وادي عربة، ولكنها بداية عمل سياسي شجاع في مواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي ومشاريعه التوسعية، وإجراءاته العدوانية، وسيكون لها أثر بالغ في كسر الجمود العربي في رفض السياسة الإسرائيلية، وفي تغيير صيغ التعامل العربي مع إسرائيل.
لم يكن لمجلس النواب الأردني قيمة سياسية كبيرة، مثله مثل سائر البرلمانات العربية الشكلية، في عهد ما قبل الربيع العربي، ولكن مجلس النواب الأردني اليوم، ورغم تشكله من قوى محافظة ووسطية وغياب معارضة حزبية يسارية أو قومية أو إخوان مسلمين جدية، ولكن التصويت على منح الثقة للحكومة دلل على وجود معارضة جدية حتى ولو لم تكن لها أصول أو دوافع حزبية منظمة ولكنها بداية لوجود تباينات داخل المجلس تعكس التعددية في المجتمع الأردني، ولكنها فيما يتعلق بفلسطين، فالجميع موحد في دعم وإسناد الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وحماية مقدساته الإسلامية والمسيحية، وصموده على أرضه، مثلما يقف الجميع البرلماني، ضد السياسة العدوانية الاستعمارية التي تنتهجها حكومة نتنياهو السابقة واللاحقة، وغدت مظاهر التوسع والاستيطان سياسة رسمية معلنة لحكومات إسرائيل التي لا تحترم معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية ومتطلباتها ودوافعها، وفي طليعتها وسبب التوصل إليها وحجتها، التوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي يؤدي إلى ولادة دولة فلسطينية وفق اتفاق أوسلو، وما دام لم تصل الخطوات الإجرائية إلى هذا الهدف، وتؤدي إلى تكريس الاحتلال ومشاريعه التوسعية الاستعمارية، وتنسف السياسة الإسرائيلية دوافع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية ومبررات وجودها وذرائع التوصل لها، فسيؤدي ذلك إلى تغيير الموقف إلى إعادة النظر بالمعاهدة وصولاً إلى إلغائها كما حصل مع المعاهدة الأردنية البريطانية العام 1956.
السياسة الإسرائيلية لا تفهم قول كبار القادة الأردنيين حينما يقولون إن قيام دولة فلسطينية على الأرض الفلسطينية مصلحة إستراتيجية عليا للدولة الأردنية، وأكثر من ذلك فهم لا يحترمون حتى بنود المعاهدة الأردنية الإسرائيلية التي تتحدث عن مسألتين جوهريتين:
أولاهما: تشكيل لجنة رباعية أردنية إسرائيلية فلسطينية مصرية لعودة النازحين الذين خرجوا أو طردوا بعد حرب حزيران 1967، ويجب تسهيل عودتهم إلى الضفة والقدس والقطاع، وهذا لم يحصل للآن.
وثانيهما: احترام المقدسات الإسلامية والمسيحية باعتبار مرجعيتها أردنية حتى تقوم الدولة الفلسطينية، فالاعتداء على المقدسات من قبل الإسرائيليين يشكل عامل استفزاز وطنياً وقومياً ودينياً للأردنيين يصعب السكوت عليه وتمريره، وهذا هو الذي دفع مجلس النواب الأردني كي يتخذ قراره وتوصيته.
قرار مجلس النواب الأردني، وتوصيته سيشكل عامل إحراج للحكومة الأردنية، مثلما سيشكل حوافز للبرلمان المصري، وعامل إحراج كبيراً للإخوان المسلمين في مصر وغيرها، وسيضع ملف العلاقات العربية الإسرائيلية على طاولة البحث والاهتمام، رداً على الإجراءات والسياسات الإسرائيلية نحو القدس وسائر المناطق الفلسطينية مثلما شكل رداً على مبادرة وفد الجامعة العربية برئاسة قطر لعرض التبادلية في الأرض مع الإسرائيليين نزولاً عند ضغط الأميركيين وتحركات الوزير جون كيري.
توصية مجلس النواب الأردني، تشبه مبادرة التونسي محمد بو عزيزي الذي حرق نفسه احتجاجاً على إجراءات البلدية، فكان استشهاده الشرارة التي فجرت الثورة التونسية، والشرارة التي فجرت الربيع العربي وأسقطت أنظمة السلام العربي مع المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي.
بوكر 2013: ساق البامبو للكويتي سعود السنعوسي
بقلم: عادل الأسطة - الايام
"ساق البامبو" هي الرواية العربية التي فازت بجائزة بوكر للرواية العربية لهذا العام، وهي بذلك تنضاف لروايات بهاء طاهر "واحة الغروب" ويوسف زيدان "عزازيل" وعبده خال "ترمي بشرر" ورجاء عالم ومحمد الأشعري "طوق الحمام" و"القوس والفراشة" وربيع جابر "دروز بلغراد".
مصر ومصر والسعودية، والسعودية والمغرب، ولبنان، وأخيراً الكويت.
واللافت في أكثر الروايات الفائزة، حتى اللحظة، تشابهها في البناء الفني، إذ يلجأ أصحابها إلى لعبة الإيهام.
"عزازيل" و"ترمي بشرر" وأخيراً "ساق البامبو". يبدأ يوسف زيدان روايته بمقدمة المترجم، ويوهم القارئ بأن روايته مترجمة (ص14)، بل وفي الأسطر الأولى من المقدمة: "يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي، ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف (الرقوق) التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الأثرية الحافلة، الواقعة إلى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية..." (ص9). أما عبده خال، فيورد في ص385 من روايته عنواناً فرعياً هو "مقطع من جلسة سبقت كتابة هذا السرد" يأتي فيها على لقاء الشخصية الرئيسية في الرواية به وسؤاله: "أأنت عبده خال" (386)، ويقص طارق على عبده قصته، ويكتبها عبده. هل تختلف "ساق البامبو" في أسلوبها كثيراً؟
المؤلف الضمني لرواية سعود هو (جوزيه ميندوزا) ومترجم الرواية هو إبراهيم سلام أما مراجعتها ومدققتها فهي خولة راشد التي وقعت رغم ذلك بأخطاء نحوية تعد على أصابع الكفين. وتتصدّر الرواية صفحة تعرف بالمترجم، تتلوها صفحتان هما كلمة منه للقارئ، ثم الإهداء "إلى مجانين لا يشبهون المجانين.. مجانين، لا يشبهون إلاّ أنفسهم.. مشعل.. تركي.. جابر.. عبد الله ومهدي.. إليهم وحدهم" (ص13)، وهؤلاء سيكونون شخصيات ثانوية في الرواية لها صلة بـ (جوزيه) (عيسى راشد) الشخصية الرئيسية، بل والمؤلف الضمني لها، كما أن للمترجم صلة به، ولخولة، أيضاً. للمترجم حضور في الرواية، فهو على صلة بجوزيه، وللمراجعة والمدققة صلة، أيضاً، فخولة هي أخت جوزيه من أبيه الكويتي راشد.
الإيهام يكاد ينطلي عليّ شخصياً:
ليست الروايات الثلاث المذكورة هي التي لجأ فيها أصحابها إلى الإيهام، ولست الوحيد ضحيته. في العام 1997 نشرت إلكترونياً ما يشبه رواية عنوانها "خربشات ضمير المخاطب": يقدم لها الكاتب ويعلق عليها ويكتب ما سمعه منه منها"، وفي ص111 منها أوردت ملحقاً ذهبت فيه إلى ما كتبه الراوي/ المؤلف الضمني من قبل سفره، وأوردت أسفل الملحق "الكاتب: عادل الأسطة" (10/5/1997) وحتى اللحظة ما زال كثيرون يبحثون عن ذلك الشخص، وقد سببت لي لعبة الإيهام مشاكل عويصة، لو كنت أعرف خاتمتها ما بدأت بها.
وسيلفت نظري في روايات بوكر أن هناك روايات أخرى لجأت إلى الإيهام نفسه، فراوية "مديح الكراهية" لخالد خليفة امرأة، ومؤلف رواية بشير المفتي "دمية النار" هو صاحب المخطوطة، والمؤلف بشير هو ناشرها. ولا أزعم أنني قرأت الروايات العربية كلها لتتبع بدايات الظاهرة. وثمة قراء قالوا عن "عزازيل" إنها "شيفرة دافنشي" العربية.
كادت حيلة سعود تنطلي عليّ ما دفعني لأن أكتب "رواية غير عربية تفوز بجائزة البوكر للرواية العربية"، وكم كانت حيل أبي الفتح الإسكندري في مقامات بديع الزمان تنطلي على راويها عيسى بن هشام، كما كتب علي الراعي في كتابه "شخصية المحتال في المقامة والحكاية والرواية والمسرحية". هل أسلوب رواية سعود السنعوسي جديد كل الجدة ولهذا فازت بالمرتبة الأولى أم أن سبب فوزها يعود إلى موضوعها الذي طرقه المؤلف الحقيقي للرواية؟
بإيجاز شديد تأتي الرواية على علاقة الكويتيين ببعضهم وعلاقتهم بغير الكويتيين، خاصة الخدم الفلبينيين، وتعالج سؤال الهُويّة، وهو سؤال بدأ يطغى على الرواية العربية في العقود الثلاثة الأخيرة. تغدو الهُويّات قاتلة كما يذهب أمين معلوف في كتابه عن الحرب اللبنانية وما جّرته ـ بدا هذا السؤال، أيضاً، في رواية إلياس خوري (سينالكلول) التي حظيت بشرف القائمة الطويلة هذا العام ـ.
عيسى راشد أو جوزيه ميندوزا هو ثمرة علاقة بين راشد عيسى الطاروف وخادمته الفلبينية جوزافين. يتزوج راشد من جوزافين دون موافقة أمه غنيمة التي ترفض هذا الزواح وما تولّد عنه: عيسى، وتطرد ابنها من منزلها رغم أنه الذكر الوحيد، إذ ماذا يقول الناس في الكويت، والكويت صغيرة كل ما فيها يشاع، عن عائلة الطاروف، ومن سيتقدم لخطبة بناتها الثلاث نورية وعواطف وهند. وفي النهاية يرضخ راشد لأمّه، فتسافر جوزافين إلى الفلبين مع ابنها عيسى الذي يغدو جوزيه، ويتزوج راشد من إيمان وينجب خولة، وحين يحتل العراق الكويت يلجأ راشد الكاتب الروائي المثقف إلى مقاومة الاحتلال ويُلقى القبض عليه ويُقتل.
ستربي جوزافين ابنها عيسى على حبّ وطن أبيه، فهو آجلاً أم عاجلاً سيعود إلى الكويت وإلى أبيه، وهذا ما يحدث، لكن الجَدّة ترفض أن تعترف به علناً، وتلحقه بمنزل العائلة على أنه خادم فلبيني، لكن السر يشيع، وبقية من في المنزل من طبّاخين وسائق وخدم يعرفون القصة: قصة راشد وجوزافين وعيسى، ويكتشف الأمر. وفي النهاية سيغادر عيسى إلى الفلبين مع أنه كويتي. وفي الصفحتين 304 و305 يلخص علاقته بالكويت وموقفه من إشكاليته:
"ولكن.. الكويت.. كلما أحكمت قبضتي على طرف ثوبها فلتت من يدي.. أناديها.. تدير لي ظهرها.. أركض إلى الفلبين شاكياً.
كان من الصعب عليّ أن آلف وطناً جديداً. حاولت أن أختزل وطني في أشخاص أُحبّهم فيه. ولكن الوطن في داخلهم خذلني. خذلني موت أبي.. خذلتني خيانة غسان.. جدّتي وحبها القاصر.. ضعف عمتي عواطف.. رفض نورية.. صمت عمتي هند واستسلام أختي.. من أين لي أن أقترب من الوطن وهو يملك وجوهاً عدة.. كلما اقتربت من أحدها أشاح بنظره بعيداً" (304/305).
غسان هو صديق أبيه، وقد أحب هنداً ولكن أمها ترفض أن تنتهي العلاقة بالزواج، فغسان من "البدون" غير المعترف بهم كويتياً وهم كويتيون. وعمته عواطف ترأف به وتنظر إليه على أنه ابن أخيها الشهيد، ولكن نورية عمته تراه ابناً لخادمة، فماذا يقول زوجها، وجدّته.. جدّته تحسب حساب المجتمع ألف حساب. ولا يبقى أمامه، بعد أن ذاع سره، إلاّ مغادرة الكويت.
مثل "ساق البامبو":
العنوان نفسه يلخص مأساة جوزيه/عيسى، ويمكن فهم العنوان من خلال إعادة قراءة الصفحات 17 و63 و94 و217 و276/277 و383. في217 حين يدخل بيت جدّته الكويتية ويرى ما فيه يقول جوزيه: "بُثُّوا في داخلي شعوراً بالألفة، وإن بدا البامبو في غير محلّه في تلك المزهريات الفاخرة مثلي تماماً في بيت الطاروف". وفي ص383 يقول: "شعرت فجأة أن هذا المكان ليس مكاني، وأنني كنت مخطئاً لا بدّ حين حسبت ساق البامبو يضرب جذوره في كل مكان" ويتضح البعد الرمزي للرواية/ للعنوان في ص94: "لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها ـ لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة. تنمو من جديد.. في أرض جديدة.. بلا ماضٍ.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت.. أو بامبو في أماكن أخرى"، وهكذا نعود ونحن نقرأ هذه الفقرة إلى ص17 من الرواية لنقرأها من جديد. هكذا تفتتح الرواية بسؤال الهُويّة من خلال سؤال دلالات الاسم. الاسم أوّل محدّد للجنسية. هل ابتعدت هذه الرواية، أيضاً، عن رواية العراقي سنان أنطون "يا مريم" التي نافست هذا العام على الجائزة ووصلت القائمة القصيرة، فأتت على سؤال الهُويّة في العراق؟ ثمة رابط ما يربط بين "ساق البامبو" و"سينالكلول" و"يا مريم". الرواية شيقة وممتعة، وربما وجب أن أعود إليها ثانية لأُقارن بينها وبين بناء رواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" في جانب واحد. ربما.
هل بدأت واشنطن تدرك أخطاءها؟
بقلم: حديث القدس - القدس
حين بادرت الولايات المتحدة الى احتلال العراق كانت ذريعتها المعلنة هي امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، بينما كان هدفها غير المعلن هو تدمير قوة دولة عربية صاعدة بضغط من القوى المؤيدة لاسرائيل. وحصل للعراق ما هو فيه اليوم من شبه حرب أهلية وانقسامات طائفية وتفجيرات وتدمير وخراب يومي ومعاناة لا تتوقف للمواطنين وتقريباً انتهاء العراق كدولة قوية او متماسكة.
اليوم يبدو ان سوريا هي المرشحة لدور شبيه بالحالة العراقية، ويتزايد الحديث عن استخدام النظام أسلحة كيميائية ضد المعارضة مما يعتبر خرقا «للخطوط الحمراء» كما تقول واشنطن وانتهاكاً لكل المواثيق والقوانين الدولية. وقد أراد البعض من ترويج هذه الأقوال دفع الغرب الى التدخل العسكري المباشر ضد سوريا، تماماً كما حدث في العراق.
لكن نائب الرئيس الاميركي جو بايدن، قال في مقابلة صحفية ان بلاده تتعامل بكل حذر مع الملف السوري بعد الأخطاء التي ارتكبت في العراق حيث تبين بعد الاحتلال ان أسلحة الدمار الشامل التي تحدثوا عنها لم تكن موجودة أساساً رغم كل التحريات ولجان التحقيق، وكذلك الحال بالنسبة لما يتردد عن استخدام أسلحة كيميائية في الحرب الدائرة في سوريا حاليا.
هل تعلمت واشنطن الدرس فعلاً؟ وهل بدأت تعيد النظر في بعض سياساتها كما اتضح في الاتفاق الروسي-الاميركي الاخير حول سوريا وضرورة ايجاد حل سلمي وسياسي للحرب السورية وعقد مؤتمر يضم اطرافاً من المعارضة والنظام للخروج من المأزق الدامي والمدمر؟
وهل هذا التغير هو مجرد الحرص على المصداقية أم أن المعادلات الاقليمية والدولية فرضت وجودها ودورها؟ ألم تكتشف واشنطن وجود قوى للقاعدة في سوريا وهي التي تعلن الحرب على هذه «القاعدة»؟ ألم تكتشف واشنطن ان نظام الأسد صمد بقوة أمام كل التحديات وان اي تدخل سيؤدي الى تداعيات اقليمية غير مضمونة العواقب والنتائج فيما يتعلق بدول الجوار في لبنان والأردن واسرائيل بصورة خاصة؟
اننا نأمل ان تكون واشنطن بدأت تدرك اخطاءها فعلاً، وأكبر هذه الأخطاء ليس في العراق وانما في القضية الفلسطينية وهذا الانحياز الأعمى لكل الممارسات والسياسات الاسرائيلية، والتنكر شبه التام لكل الحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني، مما يهدد في المدى المتوسط والبعيد كل السياسات والمصالح الاميركية بالمنطقة، وقد لا يكون مجدياً آنذاك ادراك الأخطاء ومراجعة الحسابات، وهذه هي إحدى أهم القضايا الاميركية ليس في المنطقة فقط، وإنما على مستوى الشرق الأوسط وربما العالم بأسره، لان هذا الظلم الذي يلحق بشعبنا يحمل في طياته أبعاداً عربية وإسلامية واسعة وإن بدا الأمر غير ذلك حالياً.
سيدي الشعب....
بقلم: د. غسان عبد الله – القدس
قبيل اقتراب موعد ذكرى نكبة 1948 ، برزت من جديد فكرة تبادل الاراضي ، وذلك من خلال التعديل الذي أدخله الوفد العربي الى واشنطن ، للقاء وزير الخارجية الامريكي ، على مبادرة جامعة الدول العربية لسنة 2000 بغية ايجاد تسوية للصراع العربي الاسرائيلي .
قبل الخوض في : لماذا يجب رفض فكرة التبادل هذه ، لا بد من تناول التسلسل التاريخي لميلاد الفكرة ومن ثم كشف الهدف الاساس الكامن وراءها .
تعود جذور فكرة التبادل الى ما بعد احتلال اسرائيل لما تبقى من فلسطين 1967 ، حين صرّح إيغال ألون (أحد قادة جماعات الهاجاناة ، ونائب رئيس وزراء بعد حرب 1967 ومن ثم وزيرا للخارجية) بأنه بات من اللازم ايجاد حدود جديدة لاسرائيل وأن حدود 1967 لم تعد حدودا سياسية نهائية لاسرائيل .
وظّف إيغال الون قرار هيئة الامم المتحدة رقم 242 في خدمة تصوره ، هذا القرار الذي نصّ على " انسحاب اسرائيل من أراض احتلتها في النزاع الاخير " ولم يذكر القرار من " جميع ألاراضي ".
اسحق رابين ، وفي خطابه أمام الكنيست الاسرائيلي قبل اغتياله عام 1995 قال ، " في الوقت الذي أطلب من الكنيست التوقيع اليوم على المعاهدة التي وقعتها مع القيادة الفلسطينية في واشنطن ، يدرك الجميع ان معنى أمن اسرائيل يعني التمسك بوادي الاردن وابقاء القدس موحدة بيد الاسرائيليين .
بنيامين نتنياهو اعتبر فكرة التبادل بمثابة نكتة ، مؤكدا أن اسرائيل ليس لديها أرض يمكن أن تعطيها في اطار معادلة التسوية التي طرحها باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة خلال خطابه الاخير الذي دعا فيه الى استئناف المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين مع قبول فكرة تبادل الاراضي .
ينبع موقف نتنياهو هذا من فهمه وتمسكه بأهمية موضوع الكتل الاستيطانية التي يعتبرها أداة للسيطرة على أكبر عدد ممكن من المستوطنات لا سيما تلك الجاثمة خلف جدار الفصل . اذن هو يرفض فكرة أوباما الانسحاب الكامل من الضفة الغربية ، ويصر على امكانية اعادة موضعة الوجود الاسرائيلي مع ابقاء أكبر عدد من المستوطنات تحت السيطرة الاسرائيلية .
ايهود أولمرت ، وأثناء المفاوضات مع القيادة الفلسطينية ، عرض فكرة تبادل ما نسبته 6.5% من أراضي ألضفة الغربية مستشهدا بما جرى من تبادل بين المملكة الاردنية الهاشمية و المملكة العربية السعودية .
أما مسوغات فكرة التبادل هذه ، وحسب وجهة النظر الاسرائيلية ،فتعود الى الزعم للحاجة الامنية . أخشى أن ينطلي هذا الزعم والتبرير الواهي على المفاوض الفلسطيني جرّاء زخم الحملة الاعلامية للترويج لفكرة التبادل من قبل الحكومة الاسرائيلية وحليفتها الولايات المتحدة .
اذا كانت اسرائيل تريد حماية أمنها ، فمن الذي سيحمي أمن الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح من اسرائيل ! أثبتت كافة الحروب في المنطقة أن الامن لا يتأتى من خلال السلاح والحدود بقدر ما يجب أن يكون وليدا للمفاوضات واتفاقيات سلام عادلة .
وفقا لاحدى توصيات المؤتمر السنوي للمجلس الاسرائيلي للسلام والامن مؤخرا ، بأن اسرائيل لا تواجه خطرا أمنيا لا في المستقبل القريب ولا البعيد و لا يمكن ضمان أمن اسرائيل عن طريق تبادل الاراضي . ويستطرد المجلس في تقريره الى أن أكثر ما يمكن أن تواجهه اسرائيل هو حرب عصابات أو هجوم بأسلحة بالستية لن ينفع معها تبادل الحدود ، وأن ما يضمن أمن اسرائيل فعلا هو التوصل الى حل الدولتين على حدود عام 1967 مع ضمان ترتيبات أمنية واضحة مع جميع الفرقاء .
مثل هذه التصريحات من قبل مؤسسة يهودية اسرائيلية تضم ويتزعمها نخبة من القادة الامنيين الاسرائيليين السابقين ، يجعل من مقولة أن غور الاردن وغربي الضفة الغربية عمق استراتيجي لاسرائيل ، مقولة مليئة بالسخرية والاستهزاء .
ومما يدعم ذلك كون الجيش الاسرائيلي يمتلك الذخيرة والعتاد والتكنولوجيا القادرة على صدّ أي حرب على اسرائيل ولنستذكر سوية حروب 1956 و1967 و1973 .
عودة الى الهدف الفعلي وراء فكرة التبادل الخطرة وسرعان ما تبنتها الادارة الامريكية حليفة اسرائيل ، وللأسف تلقفها البعض من الحكام العرب كما اتضح في الاعلان عن قبول فكرة التبادل بعد تعديل المبادرة العربية ، وأخشى أن يتم قبولها فلسطينيا بموجب مبررات وحجج ومسميات مختلفة .
ان الاصل في فكرة التبادل هذه هو ضمان والابقاء على التوسع الاستيطاني وليس كما يحاولون الادعاء الحفاظ على أمن اسرائيل . النتيجة الحتمية للقبول بفكرة التبادل هو ليس فقط ابقاء المستوطنات الاسرائيلية الكبيرة منها وبعض ما يمكن من تلك المستوطنات الصغيرة ، بل وأيضا شرعنة الوجود الاستيطاني هذا دوليا وعربيا وفلسطينيا لا سمح الله . أضف الى ذلك الاقرار نهائيا كما لو أن الارض الفلسطينية المحتلة عام 1948 باتت حقا وملكية اسرائيلية مطلقة معترفا بها فلسطينيا ، ولها الحق في التصرف بها كما تشاء ، الامر الذي : -
- سيعود بنتائج سلبية على أهلنا المرابطين وراء الخط الاخضر وبالتالي قد تجد دعاوى الترانسفير والترحيل نوعا من الشرعنة الدولية والعربية والفلسطينية اذا ما قبلنا بها .
- يمثل حق العودة للفلسطينيين أحد الثوابت الفلسطينية التي يجمع عليها كافة الفصائل والقوى الوطنية والاسلامية . اذا ما قبلنا بفكرة التبادل هذه وأصبحت اسرائيل هي المالك المطلق للأرض ، الى أين سيعود اللاجئ الفلسطيني !!!
- تعمل الحكومة الاسرائلية جاهدة للترويج للفكرة كأداة شرعية يتم توظيفها للتخلص من الخطر الديمغرافي ، وكذلك تثبيت أرجلها وبشكل شرعي في مناطق محددّة في الضفة الغربية وبأخص القدس المحتلة.
- تعتمد فكرة المبادلة على مفهوم سياسة الامر الواقع مثلما اعتمد ايغال الون على قرار الامم المتحدة 242 " الانسحاب من أراض محتلة " . تتمثل سياسة الامر الواقع اليوم في الاستيطان والمستوطنات والحاجة الانسانية لاستيعاب اعداد المستوطنين . ان مراجعة سريعة للموقف الدولي بما فيها مواقف الادارة الامريكية المختلفة والتي جميعها يعتبر الاستيطان غير شرعي وغير مبرر وهو مخالف للمواثيق الدولية وأن هذه الاراضي هي اراض محتلة وليس متنازعا عليها .
وهنا نسأل أنفسنا : لماذا نقوم نحن بتشريعها عبر القبول بالتبادل ؟
- في حال قبول فكرة التبادل ، أليس ذلك بمثابة خرق وانتقاص لقرار واعتراف 138 دولة بالدولة الفلسطينية كعضو مراقب وذلك على حدود 1967 وعاصمتها القدس . أليس بذلك طعنة للموقف الدولي الداعم لنضال شعبنا المتواصل من أجل ازالة الاحتلال واقامة الدولة العتيدة !!!.
قد يتساءل المرء لماذا يتم الترويج الهائل للفكرة !
أرى أن هناك أسبابا عديدة تقف وراء ذلك لعل بعضا منها :-
مع تفاقم حدة الخروقات والانتهاكات الاسرائيلية المتواصلة والمنافية للمواثيق الدولية وحقوق الانسان وبالتالي ردود الفعل الدولية الرافضة لهذه الخروقات وما نجم عنها من حالة عزلة دولية للحكومة لاسرائيلية ، الامر الذي دفع بالحكومة الاسرائيلية للاعلان عن استعدادها للعودة للمفاوضات وفق الاعتراف بيهودية الدولة وضرورة تطبيق فكرة التبادل ، وهي تدرك سلفا استحالة القبول بذلك فلسطينيا .
- رغبة الادارة ألامريكية في تحريك المفاوضات شكليا كونها لا تتعدى نموذج ادارة الصراع واظهار بأنها تحاول ولكن الفرقاء أو أحدهم يرفض المبادرة.
- رغبة بعض الانظمة في زيادة اثبات قدرتها على تنفيذ الدور المناط بها من قبل القوى المتنفذّة في المنطقة .
والاهم من ذلك ، وكما اعتدنا عليه ، ومع تفاقم الوضع في الشرق ألاوسط ، مثلما حصل أثناء الحرب الاولى على العراق تم تحريك وتفعيل الدور الامريكي والدولي لايجاد تسوية للصراع العربي الاسرائيلي ، فجاء مؤتمر مدريد وما تبعه من مفاوضات سرية نجم عنها اتفاقيات أوسلو التي أحكمت اغلاق فوهة القنينة على الفلسطينيين قيادة وشعبا .
ما يجري اليوم في سوريا الشقيقة من تدمير ومحاولات تركيع يائسة ، ومع ادراك حقيقة تميز الوضع السوري جغرافيا وتعدد سكاني ووجود تيار قومي كبير في سوريا ، ومع استحالة الحسم العسكري من قبل أي طرف ، فان أحد السيناريوهات المحتملة ، وأكثرها احتمالا ، هو قيام المقاومة الفلسطينية مدعومة من التيار القومي السوري الوطني الصادق وبضوء اخضر من الحكومة السورية ، باجتياز لحدود الهدنة بين سوريا واسرائيل . قد يلي ذلك تبعات اخرى على الجبهة اللبنانية وغزة والضفة الغربية .
في مثل هذه الحالة قد تسهم جهود الحراك السياسي الامريكي الاسرائيلي في تجميد مثل هذا السيناريو ، وسيساهم أيضا في دعم المواقف والحجج والتبريرات الاسرائيلية المدعومة أمريكيا.
الأحد... وكل يوم أحد ...دعوة لإعادة النظر في الوضع المتفجر بالقدس
بقلم: المحامي زياد أبو زيّاد - القدس
كانت القدس هذا الأسبوع حاضرة وبقوة على جدول الأعمال وتتصدر نشرات الأخبار وحديث الناس على حد سواء ليس على مستوى الأرض المحتلة وإنما على مستوى الإقليم والعالم ، وكان ذلك بفضل الأحداث التي وكبت احتفالات إسرائيل بما أسمته يوم القدس أو يوم " تحرير القدس" وفقا ً للتقويم العبري والذي صادف الثامن من الشهر الحالي.
فقد اتسمت الأيام التي سبقت ذلك بالتحريض والتهويش ودعوة الاسرائيليين للحضور بجماهيرهم للمشاركة في تلك الاحتفالات التي أراد منظموها أن تكون مظاهرة سياسية تؤكد " يهودية " القدس وتنفي أو تتجاهل أي وجود لغير اليهود فيها. ثم جاء يوم الثامن من أيار ليتدفق اليهود إلى القدس بشكل تظاهري استفزازي إن دل على شيء فإنما يدل على أنهم غير واثقين من أن القدس تحت أيديهم وأن كل تصرفاتهم الاستفزازية تأتي في إطار محاولة إقناع أنفسهم بأنها لهم وتحت تصرفهم . فهذه التصرفات الاستفزازية التي صدرت عنهم إنما هي كالخائف الذي يُصفر في الظلام لا طربا ًوإنما خوفا.
ولقد تجاهل الطرف الاسرائيلي اليهودي وجود غير اليهود في المدينة ولم يتردد أبدا في عرقلة ثم شل ّالحياة الطبيعية فيها ، سواء في مجالات حركة السير أو بواسطة المسيرات والتظاهرات الاستفزازية في قلب الأحياء العربية ، وإطلاق العنان للمتطرفين ليدخلوا المسجد الأقصى ويقيموا الطقوس اليهودية والتحرش بالمسلمين والمساس بمشاعرهم الدينية مما شكل دعوة سافرة لهم للرد على هذه التحرشات والأستفزازات دفاعا ً عن أنفسهم ومقدساتهم .
وبفعل هذه الاستفزازات اليهودية فقد كان من الطبيعي أن يقف المسجد الأقصى في قلب العاصفة وأن يجد المسلمون أنفسهم أمام تحد ٍ صارخ يستدعيهم للدفاع عن مشاعرهم ومقدساتهم .
وقد رافقت أحداث الأقصى أحداثا ً مماثلة تعرض لها الأخوة المسيحيون الذين كانوا يحتفلون في نفس الوقت بسبت النور وأحد الفصح حيث وقعت مصادمات واستفزازات من قبل الاسرائيليين ضد المسيحيين في ساحة كنيسة القيامة وأماكن متفرقة من المدينة ، الأمر الذي يعكس مدى الاستهتار بالديانات الأخرى وبأتباعها في المدينة المقدسة ، التي كان يجب أن توفر حرية التعبد وممارسة الشعائر الدينية لأتباع الديانات الثلاث لا أن تكون مسرحا ً للقوميين اليهود المتطرفين الذين استغلوا الدين للادعاء بيهودية القدس والذين اقتحموا المسجد الأقصى لا كمتدينين وإنما كمن يعتبرون الدين قومية ويرون في أقدس بقعة ٍ في القدس رمزا ً وطنيا ً وليس دينيا .
ولقد تمادوا في التحرش بالمسلمين وبمشاعرهم الدينية بأن تم المساس بالشخصيات الدينية الاسلامية بالمدينة وعلى رأسها الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الاسلامية العليا والشيخ محمد حسين مفتي القدس والأراضي الفلسطينية واقتيادهما إلى مراكز الشرطة للاستجواب واحتجازهما لساعات طويلة رغم ما لهما من صفة اعتبارية ووقار لا يجوز المساس به بأي حال من الأحوال.
وأتساءل : هل كانت الشرطة الأسرائيلية ستجرؤ على التصرف بنفس الشكل مع أي من الرموز الدينية اليهودية كعوفاديا يوسف أو غيره من الرؤساء الروحيين اليهود ؟
الشيخان صبري وحسين هما ذوي صفة ٍاعتبارية تمثيلية والمساس بأي منهما هو مساس بمشاعر المسلمين لما يمثله هذان الرجلان ومن في مقامهما من صفة اعتبارية تمثل كل مسلم في المدينة وكان الأجدر بالسلطات الاسرائيلية أن تتعامل معهما بهذه الصفة ، وأن تعاملهما بكل الاحترام اللائق بهما وبمكانتهما . ولكن الطريقة التي تم التعامل بها معهما ومع رجال الدين المسيحي أثناء الصدامات التي وقعت أثناء احتفالات المسيحيين بسبت النور تعطي الانطباع الواضح بأن الاسرائيليين لا يقيمون وزنا ًللديانات الاخرى اللهم إلا في المناسبات الدعائية وحين تتم دعوة البعض منهم أمام وسائل الأعلام!
ما حدث ويحدث في القدس من جانب الاسرائيليين هو محاولة واضحة للتحرش بمشاعر أهل المدينة المقدسة مسيحيين ومسلمين في الوقت الذي تفتقر فيه المدينة إلى الهدوء والتناغم والتعايش بين مكوناتها الدينية والإجتماعية المختلفة بعيدا ً عن أية محاولات من طرف واحد للمساس بمشاعر أو مصالح الطرف الآخر. فهذه الدعوة تستدعي بشكل تلقائي ردا ً مبررا ً ممن يتم التحرش بهم للدفاع عن أنفسهم ومقدساتهم ومصالحهم في المدينة المقدسة .
القدس هي لب الصراع وهي لا تقتصر على الأماكن المقدسة وإنما تشكل رمزا ً للكرامة والتطلعات الوطنية ولا يستطيع أحد أن يتصور إمكانية التوصل إلى حل للصراع العربي الاسرائيلي مع بقاء القدس تحت السيطرة الاسرائيلية ، وكل الممارسات الأسرائيلية بالمدينة هذه الأيام إنما هي نسف لأية إمكانية لحل هذا الصراع أو حتى للتعايش السلمي في المدينة بمعزل عن الصراع السياسي.
وما تحتاج إليه القدس هو وضع يشعر فيه الجميع بحرية العيش وحرية ممارسة الشعائر الدينية القائم على أساس احترام الديانات الأخرى وأماكنها الدينية المقدسة ، ولقد فشلت إسرائيل في ذلك وأثبتت أنها تسعى لاقامة نظام تفرقة عنصري يمتهن الآخرين ويعتدي على مشاعرهم وشعائرهم ومقدساتهم.
المطلوب اليوم ، وفي الحد الأدنى هو الحد من تدهور الأوضاع وانتشار العنف والفوضى في المدينة المقدسة وإعادة الوضع فيها إلى ما كان عليه قبل الهيمنة والسيطرة الاسرائيلية ، وهذا يتطلب إجراءات فورية لوقف التدهور وإعادة الهدوء للمدينة من خلال الاقرار بأن القدس ليست ولن تكون مدينة يهودية وإنما هي مدينة لكل محبيها ومقدسييها وأن الاحتلال القسري لا يُكسب حقوقا ً ولا تترتب عليه مثل تلك الحقوق.
وإذا كان استمرار النهج الاسرائيلي في المدينة هو وصفة للعنف والتطرف والمواجهة فإن أول إجراء يجب أن يتم هو وقف هذه الهجمة المحمومة لتهويد المدينة المقدسة من خلال تغيير معالمها والإخلال بالميزان الديموغرافي فيها. فلتتوقف كل الأنشطة الاستيطانية ولتتوقف سياسة التطهير العرقي لغير اليهود في المدينة وليتم تمكين السكان العرب من إدارة شؤونهم بأنفسهم إلى أن يتم التوصل إلى حل سياسي للصراع مهما طال الأمد .
وبعبارة أخرى ، فبمعزل عن الصراع السياسي على المدينة ، لماذا لا يتاح لسكان القدس العربية أن يختاروا مجلسا ً بلديا ً خاصا ً بالقدس الشرقية تكون له صلاحية التخطيط والتنظيم المدني وتقديم الخدمات للشطر الشرقي في المدينة من خلال الادراك بأنها اليوم مدينة ذات شطرين لا بد من التنسيق بين البلديتين في شطريها وعلى قدم المساواة.
ولماذا لا يُترك لسكان المدينة الحق بإدارة شؤونهم بأنفسهم في كافة المجالات الحياتية المدنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وذلك من خلال إعادة فتح المؤسسات ذات الصلة كالغرفة التجارية وغيرها؟
إذا كان الطرف الاسرائيلي جادا في الحديث عن السلام والتعايش فإن عليه الاعتراف بفشل سياسة الضم والهيمنة والسيطرة ، والاقرار بأن استمرار هذه السياسة سيقتل أي أمل أو فرصة للحل السياسي للصراع في المستقبل ، وأنه آن الأوان للإقرار بضرورة بناء علاقات بين سكان المدينة على أساس المساواة والاحترام المتبادل، لأن مثل هذه العلاقة هي وحدها القادرة على وضع حد للانزلاق نحو المواجهة الأبدية في المدينة ، والتأسيس لعلاقات متوازنة على أساس المساواة والاحترام ، وترك الباب مفتوحا ً أمام إمكانية التوصل إلى حل سياسي للمدينة في المستقبل في إطار حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
الصحافة الورقية والكِتاب ومواقع التواصل الاجتماعي
بقلم: د.حسن عبدالله – القدس
انا من جيل الكتاب والصحافيين الذين تعلموا وعملوا وطوروا ادواتهم الكتابية في الصحافة الورقية، حيث كان العمل في احدى الصحف في بلادنا، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، امنية ما بعدها امنية بالنسبة الى الجيل الشاب الممتليء حماسا وحيوية والراغب في التعبير عن طاقاته وامكاناته، لان العمل في الصحافة، يفتح للانسان بابا واسعا من التعلم واختبار وصقل الموهبة في الميدان وفي غرفة التحرير. اضافة الى العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية الواسعة، التي كانت تتاح للصحفي العامل في صحيفة معينة، لا سيما في ظل عدم وجود المرئي والمسموع في الاراضي الفلسطينية في تلك الفترة.
تمر السنوات وتتسع التجربة الاعلامية الفلسطينية مع افتتاح محطات اذاعة وتلفزة رسمية وخاصة، منذ منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، ليكون لي شرف المشاركة في التجربة التلفزية وما زلت مستمرا في ذلك ، بيد انني اعترف هنا، ان متعتي الاولى هي الصحافة الورقية التي لا تقنعني حتى اللحظة متابعتها من حلال المواقع الالكترونية، رغم انني افعل هذا احيانا، عندما اقع تحت ضغط العمل، ولا تتوافر لي الصحيفة الورقية في اللحظة، لكن الامساك بالصحيفة وتقليب صفحاتها، وقراءة مقالاتها واخبارها، في رأيي لا تضاهيها اية قراءة اخرى، حيث اشعر والصحيفة بين يدي انها تقربني من الكتاب والمشاركين وتنسج لي علاقة خاصة معهم، بعيدا عن القراءة الكترونية السريعة المحكومة برتم الحياة الذي يركض ويركض.
ان شغفي وتفضيلي الصحيفة الورقية والكتاب الورقي، لا يعني بالطبع اغلاق الابواب الاخرى، فانا لي موقع الكتروني خاص منذ سنوات واحرص على تغذيته بالنتاجات الجديدة، واجد فيه نافذة مهمة للتواصل مع زملائي وكذلك مع الجيل الجديد، الا ان علاقتي ب "الفيس بوك" قد تأخرت ولم أستجب الى الحاح اولادي واصدقائي الذين حاولوا مرارا اقناعي يتجريب هذه التقنية الحداثية الجديدة السريعة والمدهشة، وبقيت مصرا على موقفي بضع سنوات، لافاجأ قبل شهور قليلة بموقع على "الفيس بوك" يحمل اسمي بادر اليه ابنائي وعدد من اصدقائي المقربين، واذا بهم ينشرون نماذج من كتاباتي الادبية والصحفية، لاقحم في هذه التجربة بتمنع في البداية، ثم باقتناع تدريجي وصولا الى التفاعل.
واعترف اني لمت نفسي على هذا التأخير في الاستفادة من الفيس بوك والاحتكاك ثقافيا مع ابناء الجيل الجديد الذين هم في عمر ابنائي، بعد ان اكتشفت من خلال تجربتي الخاصة، انهم شغوفون بالجديد، لكنه الجديد المقتضب، الذي يطرح الفكرة بسرعة ودون اسهاب وتفصيل اعتاده جيلنا..
اتابع ردود الافعال حول نصوصي الادبية ومقالاتي الصحفية، يفرحني النقاش وتسعدني الاراء، لكن رغم كل ذلك، فما زلت اعتبر ان اية وسيلة تواصل جديدة غير قادرة حتى الان على تهميش او اقصاء الكتاب الورقي او الصحيفة الورقية، بخاصة وانك تتابع صفحات الكتاب كلمة كلمة، وتضع بصمات يديك على الصفحات وتترك خطوطك وهوامشك لتصبح جزءًا منه، ينام الى جانبك، وينهض في الصباح معك. اذن الكتاب وانت تنسجان علاقة صداقة خاصة تبدأ من ايام القراءة ولا تنتهي ولا تتقادم، لان مادته تدخل في صميم تكوينك الثقافي.
تعتاد الكتاب كما تعتاد وجوه اطفالك، تعتاد غلافه وخطه، تعيش مع مؤلفه وابطاله ورموزه، تفرح لفرحهم وتتألم لألمهم.
الفيس بوك مثير وسريع وواسع الانتشار يصل بك الى مواقع لم تصل اليها من قبل ويفتح لك افاقا لا تستطيع ان تفتحها بمعزل عنه، لكن الكتاب الورقي الصديق يظل الوجبة الفكرية الوافية المكتملة، التي لا تخضع للركض الذهني، لان القراءة تشبه بناء العمارة التي تحتاج الى وضع اساسات متينة بتأن وبمهنية هندسية، فماذا لو شجعنا وحفزنا ابناءنا من الجيل الجديد على الجمع بين ثقافة الفيس بوك المفتوح الى ابعد مدى مع اقبال على الكتاب الورقي...
اعتقد اذا نجحنا سوف نبلور جيلا يشيد عن طريق الكِتاب بنيانه الثقافي على اساسات صلبة ومجربة، ويضيف لهذا البناء من خلال الفيس بوك حديقة يجعل منها تنوع الاشجار والثمار حديقة ولا أروع.
الغابة الحقيقية خلف الاشجار!
بقلم: بسام الصالحي – القدس
لا يمر يوم دون ان تشهد الضفة الغربية المحتلة صداما او مواجهة من نوع معين مع قوات الاحتلال الاسرائيلي او مع مجموعات مستوطنيه ،واما ابطال هذه المواجهات فهم فئات متنوعة ،من نشطاء لجان المقاومة الشعبية ومقاومة الجدار والاستيطان التي يزداد عددها ،او المواطنون العاديون الذين يجدون انفسهم امام تحدي العدوان عليهم وعلى مزروعاتهم واراضيهم ، وبضمنهم اولئك الذين يخوضون معاركهم ببطولة نادرة وصمت وصمود وهم يرفضون مغادرة منازلهم المعزولة قرب معسكرات جيش الاحتلال او مستوطناته ، كما يرفضون اغراء المال كي يبيعوا هذه المنازل ويرحلون .
اما في الخليل فقصة بطولة وتحد يومي لا ينقطع ، في المدينة بشطريها بعد ان قسمها اتفاق لا معنى له . وفي الحرم الابراهيمي ومحيطه حيث كان بمثابة «بروفة» لما يبيت للحرم القدسي ،وكذلك في جبلها الذي يواجه التوسع الاستيطاني والشوارع الالتفافية .
وفي القدس يتصاعد غبار ملحمة بطولية شبه يومية ،حيث بات كل مواطن مقدسي طرفا في مواجهة من نوع معين ،فمن معركة الدفاع عن هويته المقدسية المعرضة للمصادرة ،إلى معركة الترحيل من المنازل والبيوت في احياء المدينة ومحيطها ،إلى ما يحيق بالمسجد الاقصى ومحيطه من حفريات وتغييرات ومشاريع تكرس التغيير العمراني في المدينة ،وتكرس التطهير العرقي باشكال جديدة ،إلى المخطط المكشوف بحجة حق الصلاة في الحرم القدسي ما يعني تمهيد الاجواء إلى تكرار صيغة الحرم الابراهيمي وتقسيم والاستيلاء على المسجد الاقصى .
كل التحية لأبناء القدس ،شبابها ،تجارها ،عائلات البلدة القديمة ،مفتيها وشيوخها ،مطارنتها ورجال الدين فيها ،وابنائها الذين يشعر كل واحد منهم ان عليه واجب وطني وواجب مقدس في ان يحمي لوحده تقريبا هذا الارث الوطني والتاريخي والديني العميق في مدينة القدس ،وان يقوم بذلك في ظل كل العزلة والحصار المضروب على هذه المدينة البطلة .
هذا الواقع الحقيقي للضفة الغربية لا تخفيه (فاترينة )مدينة رام الله ،فهي لا تسلم ايضا من اقتحامات ، ولا تسلم قراها ومخيماتها ومحيطها من غول التوسع الاستيطاني الذي يزحف إلى داخلها في مدينة البيرة ،ويطوقها من كل الانحاء ،كما يظهره بصورة شبه اسبوعية ما تتعرض له مدينة نابلس ومحيطها من اعتداءات المستوطنين ،ومن قطع شوارعها واغلاقها بسب بذلك ،ومن تهديد اغلاق المدينة وحصارها كما جرت العادة حيث كانت نابلس اكثر مدن الضفة تعرضا للاغلاق والحصار المحكم ،وللتاريخ فقط فقد كان ذلك حالها حتى في عهد الانتداب البريطاني .
وبالطبع فان الحال يتشابه في بقية محافظات الضفة ،في سلفيت التي جرى تقسيمها وعزلها ،والتي هي هدف ثابت للتوسع الاستيطاني وضم الاراضي وتوسيع ما يسمى باصبع (ارئيل ) الذي يثار في كل رحلة تفاوضية ،وفي طولكرم التي تطوق يوميا بالمستوطنات وتتقلص مدينتها ،وكذلك الحال في قلقيلية وجنين وطوباس ،واريحا المجردة من بحرها ومن الاغوار ومن المعابر ،وفي بيت لحم التي يشابه حالها حال مدينة القدس ،ومرارة عزلها غير المسبوق عن جوارها المباشر في مدينة القدس .
الحقيقة المرة الساطعة هي حقيقة ان واقع الضفة الغربية هو واقع ارض محتلة ومعرضة ومكشوفة يوميا للاستيطان والعدوان والملاحقة من قبل قوات الاحتلال واجهزته الامنية و(ادارته المدنية )، هو واقع حصار وعزل حقيقي لمدينة القدس واستفراد ممنهج بها ،بتراثها بمقدساتها ،بعمرانها بتاريخها ،واولا واخيرا باهلها، والحقيقة المرة الاخرى هي ان واقع وجود السلطة الفلسطينية لم يغير جوهريا من ذلك .
(الغابة ) التي يجب رؤيتها وتركيز النظر عليها اكثر من تركيزه على (الاشجار )، هي ان واقع الضفة الغربية اليومي والساطع هو واقع الاحتلال المستمر ، وهو كذلك واقع قطاع غزة ولو بطريقة اخرى على شاكلة (البعيد منك قريب )، وان المهمة المركزية بالتالي هي انهاء هذا الاحتلال ، وحشد الطاقات من اجل بناء جبهة موحدة للمقاومة الشعبية تستطيع تحويل النضالات والتضحيات الحقيقية والابداعات اليومية من قضايا (محلية )على اهميتها ومشروعيتها ، إلى قضية مركزية واحدة ، وهي الانهاء الفوري للاحتلال بكل تجلياته عن اراضي دولة فلسطين ، وانجاز استقلالها ،فليس المطلوب دولة تحت الاحتلال بل دولة على انقاض الاحتلال.
جدلية التهويد و«التطييف»
بقلم: خيري منصور - القدس
الاعتراف العربي والدولي وحده لا يكفي لتحويل التهويد من حلم أيديولوجي إلى واقع سياسي وديمغرافي . إذ لابد من توفر شرطين أساسيين لهذا المشروع، أولهما تبادل الأراضي مع الفلسطينيين وعلى نطاق أوسع مما هو مقترح الآن كإضافة للمبادرة العربية .
وهذه واحدة من الحالات النادرة التي يصبح فيها الهامش المضاف أهم من المتن ذاته، والشرط الآخر تنفيذ المرحلة الثانية من معاهدة سايكس-بيكو بعد ما يقارب القرن، بحيث يجري تقسيم العالم العربي مجدداً وفقاً لتضاريس طائفية . وهذا أمر غير مفاجىء إلا لمن لا يعرفون برنارد لويس وولفويتس وأخيراً وليس آخراً السيد ليفي!
وحين يجري تقسيم العالم العربي تبعا لمقياس الرسم الطائفي، ستكون الدولة العبرية مجرد رقم في مجموعة من الدويلات الطائفية التي تتجانس معها من حيث النسيج الديمغرافي وربما عدد السكان أيضاً .
فالعالم العربي عندئذ لن يعود ثُلث مليار ولن تعود مساحته كما نعرفها من الماء إلى الماء . والأرجح في حالة نجاح هذا المشروع أن تكون الحدود الاقليمية الجديدة للدويلات المتناحرة بالدم ولا شيء آخر .
تلك هي جدلية التهويد والتطييف بعيداً عن أي كلام مرسل أو توصيفات عابرة، لهذا كان هناك تناسب طردي بين تصاعد الوتيرة في التهويد، وتفاقم التصدع في البنيان القومي للعرب . ذلك لأن التهويد ليس نتاج اليوم أو حتى الأمس البعيد إنه من صميم استراتيجية اسرائيلية راوحت عدة عقود بين التصريح والتلميح بدءاً من يوميات ومراسلات بن غوريون وليس انتهاء بما كتبه نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس .
وحين تقبل إسرائيل الهامش المضاف إلى المبادرة العربية في قمة بيروت بعد أحد عشر عاماً من تجميدها والتهديد العربي بسحبها عن الطاولة فإن ذلك مجرد قبول تكتيكي، سرعان ما يعقبه رفض وبوتيرة راديكالية لأن إسرائيل تضيف أي تنازل عربي إلى قائمة ما تسميه استحقاقاتها، ضمن سياق استراتيجي يتلخص في عبارة واحدة من كلمتين هي الأخذ فقط، وكانت التجربة الأولى في هذا الميدان هي ثنائية الأرض والسلام وعندما قِبل العرب بهذه المقايضة رفضتها إسرائيل، لأن غولدا مائير كانت وصيتها هي الأرض والسلام معاً . تماماً كما تحتفظ في حقيبتها بالمشط والمرآة، بحيث لا يكون لأحدهما جدوى من دون الآخر .
ومن يرون أن تطييف المجتمع العربي وإعادة رسم تضاريسه مذهبياً وطائفياً أدى إلى إرخاء مفاصله وإبطال دفاعاته تناسوا الوجه الآخر لهذا المشهد وهو استثمار اسرائيل لهذا التطييف بحيث أصبح يتناغم مع فقه التهويد، ولو تحقق حتى جزء يسير من هذا المشروع فإن الهزيمة الجديدة الصامتة ستكون أنكى من النكبة والنكسة معاً، لأن غنائم إسرائيل من هذه الهزيمة هي أضعاف مضاعفة لغنائم الحروب الصاخبة .
حياتنا - جدية كيري
بقلم: حافظ البرغوثي - الحياة
يبدو وزير الخارجية الاميركي جون كيري جادا في سعيه لاستئناف العملية التفاوضية على أسس تفضي الى حل الدولتين وفقا للشرعية الدولية. وثمة جدية فلسطينية واضحة في التعاطي مع الوزير الاميركي وافكاره بهذا الشأن. لكن الجدية لم تظهر حتى الآن على الخطاب السياسي الاسرائيلي ولا على السلوك الاحتلالي الاستيطاني. فاسرائيل ما زالت تمارس سياسة الكذب والخداع وما زالت تحاول اظهار اي التزام من جانبها بالعملية التفاوضية وكأنه تنازل مأساوي. فوقف أو ازالة الاستيطان ليس تنازلا بل هو التزام ورد في اتفاقات اوسلو وخارطة الطريق وكل التفاهمات بينهما.. وكذلك فان حرية التنقل وازالة المعوقات المادية والاقتصادية وتسهيل حركة المعابر هو التزام وليس منة من أحد, وحتى الآن تحاول اسرائيل اظهار ذلك وكأنه تنازل مزلزل ومؤلم.. بل ان احتجاز اسرائيل للمستحقات الضريبية واقتطاع ما تشاء من اموال دون مساءلة هو انتهاك صارخ للاتفاقات وسرقة علنية وقرصنة يعاقب عليها القانون الدولي. فما تسعى اليه اسرائيل حاليا هو اعادة تدوير المفاوضات الى ما قبل الانتفاضة واعتبار ذلك فتح الفتوح والتنازل المؤلم.. والتركيز على الجانب الاقتصادي أو ما سماه نتنياهو السلام الاقتصادي لكن الموقف الفلسطيني اكد ان الاقتصاد لا ينمو بدون حل سياسي وأن اعادة تدوير الصراع الى الوراء لا يخدم عملية السلام بل يعجل في دفنها وفقا للرغبة الاسرائيلية الواضحة التي لا تريد حلا ولا سلاما بل تمديد الصراع وشيطنة الوضع الفلسطيني بأساليبها الابليسية تحت جنح ظلام الربيع العربي. وأظن أن الوزير الاميركي واع لهذه المسألة من خلال الرواية الفلسطينية الواضحة للتسوية التي لا تحتمل اعادة انتاج الاساليب القديمة في المفاوضات والتي اثبتت فشلها. ولذا فإننا ننتظر افكارا اميركية ابداعية مقرونة بالضغوط لأن نتنياهو مثل مناحيم بيغن لا يرضخ ولا يعود الى صوابه الا اذا ضرب على جيبه وليس رأسه وهو ما فعله جيمي كارتر مع بيغن في كامب ديفيد.
تغريدة الصباح - المغني والأغنية
بقلم: يحيى يخلف - الحياة
أيامنا متشابهة ولا جديد.. الأخبار هي.. هي.. استيطان, هدم بيوت, اعتقالات, اقتحام الأقصى, تصريحات وأفعال اسرائيلية لا تتوقف. زيارة للشيخ القرضاوي بلون كالح, المصالحة تبتعد, واخبار العالم العربي ايقاعها المقلق لا يتغير. فوضى وعدم استقرار في مصر وليبيا, وقتل ودمار وذبح بالسكاكين في سوريا, ومطاردة للإرهابيين في تونس. في العالم أزمة مالية عالمية, وقوى كبرى تتربص للهيمنة وفرض النفوذ والتبعية على الشرق الأوسط وعلى أماكن أخرى..الكوارث الطبيعية في حالة هيجان.
السأم يظلل غلافنا الجوي, والفضائيات الإخبارية تلاحقنا برياح السموم وتحول بيوتنا الى ما يشبه الزنازين..ندخل غرف نومنا على كوراث, ونصبح على هلع الأخبار نفسها ..ندمن على هذا الهلع فننتقل من محطة تبث الكآبة الى محطة أخرى تبث الإحباط.
نحن مشدودون الى جاذبية الأحزان, وأفراحنا في مناسبات يتعين ان تكون سعيدة تبدو في أغلب الأحيان شاحبة, كأن الفرح لا يليق بأيامنا. لا نلتقي الا في بيوت الأجر والتعازي, ومشينا في الشوارع يشبه القهقرى.
حان الوقت لنرمم ما انهار في أعماقنا, وأن نقول للفضائيات ووسائل الإعلام, ووسائل التواصل الاجتماعي: ارفعوا أياديكم عن أرواحنا. امنحونا شيئا من الفرح ففي القلب المزدحم بالكرب متسع لشيء من الفرح والسكينة والتوازن النفسي.
لعل الظاهرة التي برزت في الآونة الأخيرة عند شبابنا في التحزب لفريق برشلونة أو ريال مدريد والتجمع في المقاهي لمشاهدة المباريات تبدو اكثر جدوى من التحزب للتنظيمات والفصائل الفلسطينية, ولعل ظاهرة الإقلاع عن الفضائيات الإخبارية, والبحث عن المتعة الفنية في المحطات التي تبث برنامج (أرب آيدول) أي محبوب العرب تبشر بالخير, وتوحي بأن معظمنا سئم السأم, وملّ الملل, وأيقن أن قليلا من المتعة يفرح قلب الإنسان, غير أن البعض الآخر الذي أدمن على السأم والملل قاوم الفرح وهاجم هذا الفرح الذي تمثّل بتألق أحد ابناء هذا الوطن الشاب المبدع محمد عساف, متذرعا بأن التركيز على المطرب يلحق الضرر بقضية الأسرى!
وغني عن القول إن قضية الأسرى كانت وما زالت قضية كبرى حظيت وتحظى بأكبر اهتمام, وان قليلا من الفرح يمنحنا طاقة تمكننا من الالتفاف حول قضيتهم بقوة أعظم وأكبر.
ولعل هذا الفتى ذو الإبتسامة الساحرة والصوت العذب والإطلالة البهية قد ملأ القلوب بفرح ما أحوجنا اليه, ونشر البهاء في بيوت الفقراء في المخيمات, ودروب ومسارب الأرياف, وشوارع وميادين المدن, ورفع اسم فلسطين عاليا في وقت غاب فيه اسم فلسطين عن ساحات وميادين وأزقة الربيع أو الخريف العربي.
فرح أضاء أرواح الناس في بلادنا من خلال برنامج فني تصدح فيه الموسيقى والغناء ويكشف عن مواهب الشباب والصبايا العرب في زمن الإحباط والشدّة وفقدان الأمل, ويمنحنا أملا في وقف زحف الصحراء نحو أرواحنا.
هذا الفتى الفلسطيني أحببنا أغنيته (علّي الكوفية علّي ولولح فيها) التي هي أغنية حب لزعيمنا الخالد ياسر عرفات, أحببنا الأغنية وتجاهلنا المغني ..لكننا أعدنا اكتشافه في برنامج (أرب آيدول)..اكتشفناه ولم نلق اللوم على مؤسساتنا ذات العلاقة التي لم تكتشفه قبل ان تتاح له هذه الفرصة.
محمد عساف يحقق نجاحات مبهرة في البرنامج, ونجاحه قصة كفاح, ونجاحه ناجم عن تكافؤ الفرص, وتكافؤ الفرص يمنح شبابنا حق الاختيار, ويتعين علينا ان نمنح لشبابنا هذا الحق.
أفرح محمد عساف وملأ بالفخر والاعتزاز ابناء شعبنا في كل مكان, ومن شتى المواقع. أفرح الرئيس وعائلته, ورئيس الوزراء وعائلته, وافرح الشباب والصبايا والآباء والأمهات والعائلات في بيوت فلسطين, وافرح أيضا كاتب هذه السطور وعائلته.
وان شاء الله تكون كل أيامكم فرحا.
تفجيرات إرهابية وحمقاء
بقلم: عدلي صادق – الحياة
يرى المرء، من خلال تحليل مبسّط، أن التفجيرات الإرهابية في بلدة "الريحانية" على الحدود السورية التركية؛ يراد منها تقديم عينّات من أشكال العنف المروّع، تحمل توقيعاً مزوراً لطرف "جهادي" سوري، لعل الأتراك، يصدقون أن ذلك الطرف، هو الذي أرسل مفخخات الموت الى "الريحانية" وقَتَل الأبرياء!
غير أن الأتراك لا يجهلون ـ بالتحليل المبسط نفسه، قبل أن يبدأ التحقيق الميداني التقني المتطور ـ أن النظام السوري هو الفاعل، ليس لأنه صاحب أسبقيات على هذا الصعيد وحسب، وإنما كذلك لأسباب سياسية، وأخرى تتعلق بطبيعة جرائم التطهير الطائفي، التي يباشرها في هذه اللحظة، هو والإيرانيون ومجموعات من جنود ذي العمامة السوداء.
إن ما بدا نوعاً من التوافق الروسي الأميركي، في المؤتمر الصحفي للوزير لافروف مع جون كيري؛ يتسم بالغموض في بعض جوانبه، وبخاصة ذلك الجانب الذي يتعلق بمصير بشار الأسد. فالمتفائلون من مؤيدي النظام والمتعاطفين معه، من ببغاوات الممانعة و"القومية" والعلمانية، وسذاجات الوهم بأن الأسديين شوكة في حلق إسرائيل؛ يرون في الدعوة الى مؤتمر دولي حول سوريا، بمثابة اتفاق على تمرير بشار الأسد وعصابته الى مرحلة التصالح الوطني في سوريا، سالمين غانمين. والراغبون ـ من مؤيدي الثورة ـ في أن يتغير الموقف الروسي، ركزوا على عبارات فضفاضة لم يكن قالها لافروف للمرة الأولى، وهي من شاكلة "لسنا مهتمين بمصير بعض الأشخاص. نحن مهتمون بمصير الشعب السوري بأسره". هذه المرة، فُسرت العبارات، على قاعدة تصريح كيري بعد الزيارة، وهو أن "بشار الأسد، لا يمكن أن يشارك في حكومة انتقالية سورية" ثم تعزز التأويل، بشفاعة مقال في "نيويورك تايمز"!
الموقفان، الروسي والأميركي، في لقاء لافروف كيري، متعادلان في قَدْر الإفصاح وفي قَدْر التكتم، وفي المدى الذي أعطياه للتأويل سلباً أو إيجاباً، بالنسبة لطرفي الصراع ومؤيديهما.
أما المفخخات السورية التي انفجرت في "الريحانية" فلا تحمل سوى توقيع النظام الأحمق، الذي دمر البلد وقتل وشرد شعبه، برعونته وضيق أفقه وبحساباته الخاطئة وبـ "الحل" الأمني الذي لم يفلح بعد. فقد اعتقد أن بمقدوره، ببساطة، اجتذاب تركيا الى صفّه، على قاعدة موقف دفاعي مشترك، من "العدو الجهادي المتطرف" الذي يستهدف البلدين!
لقد أوقع الغارقون في دم شعبهم، انفجارات "الريحانية" وسط المواطنين الأتراك، لكي تختلط الأوراق، في محاولة للتغطية على أعمال التطهير الطائفي في "البيضا" و"رأس النبع" في منطقة بانياس، والتعمية وتبرير انخراط الميليشيات الشيعية في جرائم يندى لها جبين الإنسانية، طالت قرى ذات أغلبية سنّية في تخوم وعمق مناطق الأغلبية العلوية!
ولعل من بين حسابات النظام السوري، أن اتفاق روسيا وأميركا، من شأنه أن يؤمن له النجاة. وإن لم تكن نجاته في نطاق الجغرافيا السورية كاملة، فلتكن في منطقة الساحل، وهذه تجليات حماقة إضافية. لكن الحقيقة تقول، إنه لم يكن للعملاقيْن، الروسي والأميركي، دور في تفجر الغضب الشعبي السوري، وبالتالي لن يكون لهما دور في إخماد الثورة دون كنس النظام الأسدي. ثم إن الطرفين الأميركي والروسي، ساعدا النظام السوري أثناء الثورة عليه قبل نحو 25 شهراً، وأعطياه الفرصة لكي يناور وينجو. وقد فعل كلٌ منهما ذلك بطريقته. الأول بالمساعدة العسكرية واللوجستية والسياسية المباشرة، والثاني بمنع تسليح خصومه، ثم بالتزام الصمت وعدم النطق ببراهين تدين النظام باقتراف الجرائم. فالأميركيون لديهم من تقنيات التصوير عبر الأقمار الاصطناعية ما يلتقط حركة الشبيّح وليس حركة الدبابة وصاروخ "سكاد" وحسب. ولم يفتح الأميركيون طريقاً للضحايا الى محكمة الجنايات الدولية، وظلوا يخادعون بتوجيه عبارات تزجر الأسد وتتحدث عن "أيامه المعدودة" وعن وجوب تنحيه. ثم في الآونة الأخيرة، تناسوا وتغافلوا عن كل شيء، وجعلوا طرفاً من المنخرطين في الميدان ضد النظام الفاجر؛ هو كل المشكلة، بل جعلوه هو الجريمة والإرهاب، والخطر الداهم!
ربما يعلم الأميركيون والروس، الحقيقة التي ما زالوا يحاولون التهرب من التعاطي معها، وهي أن النظام، والإيرانيين وأذنابهم في لبنان، نقلوا الصراع الى المرحلة التناحرية التي لن تنتهي قبل إزالة أحد الضدين، على صعيد التشكيلات المقاتلة. إن من يتذرعون بالأصولية أو بالسلفية "الجهادية" يتهربون من حقيقة وجود أصوليتين لا ديمقراطيتين على الأرض، ليست إحداها ديمقراطية والأخرى استبدادية. كلتاهما استبداديتان. الأولى، السُنيّة، لم يجلبها المكوث الديكتاتوري الوراثي لنظام الفساد والاستبداد، بقدْر ما جلبها الإجرام المتمادي لهذا النظام الرافض للإصلاحات والذي قصف التظاهرات السلمية، وقصف جنائز الضحايا. أما الأصولية الشيعية وتابعتها الشقيقة العلوية الصغرى، فإنها هي التي ظلت لأكثر من أربعين سنة، تحمي النظام، ثم باركت القتل والذبح بالسكين، لكي يتوافر للنظام المارق، مرجعية فقهية تتمحك بمعاني التقوى ولطم الخدود على شهداء كربلاء!
وبسبب أن الصراع بات تناحرياً؛ فإن النيران لن تخمد، قبل أن يصبح الأسد غير ذي صلة، توطئة لملاحقته باقترافات جرائم ضد الإنسانية. ومن يتوهم أن الأسد، يمكن أن يعود فيحكم، حتى ولو ظلت القوتان العظيمان، تقفان معه؛ يكون جاهلاً في طبائع السياسة وفي طبائع التاريخ، فضلاً عن استهتاره بدم الشعب السوري. أما تفجيرات "الريحانية" فإنها لن تفلح في إقناع الأترك، بأن طرفاً غير النظام هو الذي فعلها. فالجرائم التفجيرية، بمكانها وزمانها، ولحظتها السياسية والدموية، تشبهه هو، ولا تشبه سواه!
في القدس إسرائيل تمارس الاستفزاز
بقلم: يحيى رباح - الحياة
في أقل من أربع وعشرين ساعة، قدمت حكومة نتنياهو الأدلة العملية القاطعة بأنها لا تترك أية فرصة ولو ضئيلة أمام الجهود الأميركية لاستئناف عملية السلام، فقد أعلنت حكومة نتنياهو اشاعة – مجرد اشاعة – عن تجميد عقود بناء وحدات استيطانية جديدة حتى منتصف الشهر المقبل فقط، ولكن في اليوم الثاني جاءت الأحداث بما يكذب هذه الاشاعات من خلال الإعلان عن بناء وحدات استيطانية جديدة في مستوطنة بيت إيل بالقرب من رام الله، أي أمام مرأى وسمع الجميع!!!
و أعلنت مشاريع إقامة شبكة شوارع القدس تجعل من تقسيمها أمراً شبه مستحيل!!!
و في نفس الوقت فقد بلغت عربدة قطعان المستوطنين ذروتها في مجالات اقتحام المسجد الأقصى وباحاته، واعتقال مفتي القدس والديار الفلسطينية سماحة الشيخ محمد حسين، وفي الصراخ الهستيري من قطعان المستوطنين وزعمائهم بأن لهم الحق في دخول المسجد الأقصى، والوجود في جبل المكبر، وفي كل مكان في القدس الشريف!!! وكل ذلك وقع تحت سمع ونظر الحكومة الإسرائيلية وقواتها العسكرية وأجهزتها الأمنية، ولم تحرك حكومة نتنياهو ساكناً، بل كشفت عن اعتقاد كبير – عدد من أعضائها هم من المستوطنين أصلاً – هي التي أعطت الضوء الأخضر لهذه السلوكيات المعربدة.
و المثير للغرابة: أن هذه العربدة الإسرائيلية جاءت كلها في أعقاب زيارة اللجنة الوزارية العربية لواشنطن ولقاءاتها مع المسؤولين الأميركيين، وخاصة جون كيري وزير الخارجية الذي تحدث عن الزيارة ونتائجها بشكل إيجابي، فردت حكومة نتنياهو بالعودة بسرعة إلى برنامج الاستيطان، ودفع قطعان المستوطنين إلى العربدة المستفزة.
و هذا يعني: أن الحكومة الإسرائيلية هي التي تخلق أجواء الاستفزاز، وعناصر التفجير عن عمد، وتستدرج ردود أفعال الهدف منها إغلاق طريق العملية السلمية من جديد.
الإدارة الأميركية:
لديها تقارير وافية عما يحدث يوماً بيوم ولحظة بلحظة، وخاصة أن هذا الاستفزاز الإسرائيلي يجري على المكشوف، واعتداءات المستوطنين الموجهة ضد المقدسيين وضد عموم الفلسطينيين في الضفة أصبحت يومية تقريباً، ولا تستثني البشر ولا الحجر ولا الشجر، حتى التلاميذ الصغار الذاهبين إلى مدارسهم تستهدفهم هذه السلوكيات العدوانية القذرة لقطعان المستوطنين.
المفروض أن جون كيري وزير الخارجية الذي يقود الحراك الأميركي لاستئناف التسوية، قد قطع شوطاً كبيراً من خلال زياراته ومباحثاته المتكررة، وأصبح على معرفة أكيدة بتلك النقاط الحساسة، وتلك الأفعال الاستفزازية المشينة التي تمارسها حكومة نتنياهو مباشرة أو عن طريق قطعان المستوطنين.
وجون كيري العائد قريباً إلى المنطقة، وقد تحصل على قدر كبير من الحقائق، لا يمكنه هكذا كمن يجمع الماء في غربال!!!
و لا بد أن يكون قد بلور خطة خلق حولها إجماعاً أميركياً ودولياً، وأن يكون من بنود هذه الخطة الإشارة إلى السلوكيات السلبية المعربدة، والأطراف التي تفتعل الأحداث الاستفزازية، ولعلنا نسمع منه قريباً ما يفصح عن هذه الحقائق التي تجمعت لديه، فهو قد حشد وراءه إجماعاً أميركياً من الديمقراطيين والجمهوريين، وهو بخبرته الواسعة حريص على النجاح، ولا يمكن أن ينسب الصعوبات التي تواجهه إلى المجهول، فمن الواضح أنه أمام شريك إسرائيلي لا يهمه سوى إحراق الوقت، والبحث عن الاستفزاز، وانه غير مقتنع وغير مؤهل بشأن حل الدولتين، فنتنياهو يناقض بالأفعال ما يردده بالأقوال، وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فإن الآمال المعقودة على الحراك الأميركي الجديد الذي بدأه الرئيس باراك أوباما بزيارته للمنطقة، وجدول لقاءاته في البيت الأبيض مع عدد من زعماء المنطقة، والخطوة الإيجابية التي قامت بها الجامعة العربية من خلال زيارة لجنتها الوزارية إلى واشنطن وما تم بحثه في تلك الزيارة، كل ذلك يصبح مهدداً بالاحتراق دون جدوى.
اعتقد أن ما يجري في القدس، وما يستهدف المسجد الأقصى على يد قطاع المستوطنين أو على يد حكومة نتنياهو يحتاج إلى ما هو أكثر من اجتماع للجامعة العربية على مستوى المندوبين، مع أننا نرحب بهذا الاجتماع الذي نريده مقدمة لما هو أكثر جدية!!!
فما يجري في القدس أكثر جدية من هذه اللعبة التافهة التي يقوم بها الشيخ يوسف القرضاوي الذي يترك القدس وراءه، ويذهب إلى غزة لكي يبارك الهدنة مع إسرائيل!!!
هل هناك ما يسيء للشيخ القرضاوي نفسه أكثر من هذه اللعبة البهلوانية التي يقوم بها والقائمة على عبادة الانقسام؟؟؟
بلدوزر « الجماعة « !!
بقلم: موفق مطر - الحياة
هل سنلمس تحولا ما بموقف حماس من المبادرة العربية، ومن التسوية السياسية بعد زيارة مفتي التيار العالمي للإخوان المسلمين يوسف القرضاوي لغزة, فزيارته لا يمكن فصلها عما يجري بالمنطقة من تحركات، أميركية قطرية, وما يطرح خلالها من مبادرات, كموضوع موافقة الدول العربية على تبادل أراض فلسطينية مع اسرائيل، ومهلة الأسابيع الثمانية الممنوحة للإدارة الأميركية لإحداث اختراق من نوع ما يؤدي الى اعادة المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين الى الطاولة.
ليس القرضاوي مجرد شيخ أو مرجعية نظرية دينية للإخوان وحسب, بل هو سياسي بالدرجة الأولى, يمرر عبر الفتاوى ما قد يتحرج من طرحه أو تداوله قادة حماس والإخوان, فشعبية القرضاوي لدى جمهور الاخوان وحماس تجعل منه كالبلدوزر العسكري يمهد للآليات الدروب الوعرة ويفتح المستعصي تحت عنوان: « الحرب خدعة والضرورات تبيح المحظورات «.. واليوم هو الوقت الأنسب لينفذ القرضاوي رغبة اولياء نعمته, ويقول كلمته مدعوما بمكانته التي رفعتها الدعاية الاعلامية المبرمجة الى مستوى الولي الفقيه السني, أو بابا الكنيسة في القرون الوسطى حيث كان الآمر الناهي في كل قضايا ومصائر الدول التابعة... فما يحدث هو تخليق نظام « كهنوتي اسلاموي دكتاتوري « يأخذ العامة من الناس الى الموقف المطلوب المرسوم دوائر التخطيط بالدول الامبريالية والاستعمارية على الطريقة الحديثة, بالتوازي مع اكبر عملية سطو في تاريخ الأمم على آمال مئات الملايين من العرب في جني ثمار الحراك الشعبي وإنشاء الدول والمجتمعات الديمقراطية التي ارادها الشباب العرب ساعة انطلقوا للشوارع صنعوا ما يسمى الربيع العربي.
نعلم يقينا ان القرضاوي لا يناصر جزءا من الشعب الفلسطيني على الأغلبية العظمى منه وحسب, بل يناصر تيارا في حماس على الآخر, فهو يناصر تيار خالد مشعل هنية على تيار الزهار ومعه معظم قادة الجهاز العسكري ( القسام ), حيث يرى القرضاوي في مشعل صفات المحارب القادر على اخذ الممكن بالخداع, ويرى في موقف الزهار الى جانب النظام السوري, حيث يقاتله الاخوان المسلمون ذاتهم, ومديحه للنظام الايراني مخالفا لدعوته وأقواله حول الشيعة, وإيران وأطماعها, وعقبة في تمرير المطلوب ( قطريا اخوانيا قرضاويا – واميركيا اسرائيليا )، فللزهار موقف من الدوحة لأن دمشق وطهران يريدان ذلك, ولا ننكر رغبة الزهار في الحفاظ على مجموعات كبيرة في حماس بدأت تتسرب الى جماعات ( جهادية ) تنافس حماس في الحضور الجماهيري عبر أعمال عسكرية وإطلاق صواريخ باتجاه اسرائيل, اذ يرى الزهار هذا التسرب بمثابة بداية الشروخ والانقسامات التي قد لا تدوم طويلا ان استمرت سياسة حماس بممالقة سياسة قطر, خاصة بعد دعوة الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في خطابه الأخير حماس – دون ان يسميها - للعودة الى مواقعها الى جانب النظام تحت شعار المقاومة والممانعة, ورغبة الزهار في تجسيم تحالف طهران دمشق حزب الله حماس، وان كنا نعتقد الأمر لا يتعلق بالأهداف الوطنية الفلسطينية الكبرى بقدر ما يتعلق بديمومة سلطة حماس في غزة, والدعم بالمال والسلاح من طهران, بعد اجراءات الجيش المصري التي حدت من عمل الأنفاق وتهريب السلاح والبضائع التي تجني حماس من المتجرة بها مئات الملايين سنويا.
سيلاحق القرضاوي الخطوات الفلسطينية الجادة للقيادة الفلسطينية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية, حتى وان بدا في ارذل العمر !! لكن الأنتربول سيلاحق يوسف القرضاوي بسبب حمله جواز سفر مزورا منحه اياه مريده اسماعيل هنية.. ومن يدري فلعل الحديث المتداول الآن في غزة: أن اسماعيل هنية بعد ان قبل يد القرضاوي ورأسه وقلم له اظافره قد دفعه الى منزلق المواجهة مع البوليس الدولي. فمن تراه يخدع الآخر؟!.
كيف صرت اذاعياً؟ - الحلقة الأخيرة
بقلم: خالد مسمار - الحياة
وقف القتال:
تدخلت الجامعة العربية لوقف القتال في لبنان وتم الاتفاق على تسمية القوات السورية التي دخلت لبنان لقتالنا ودعم الانعزاليين بقوات الردع العربية .. الى ان تم التصالح مع النظام السوري وجرى (التحالف الاستراتيجي) معه الا ان عودتي الى الشام ما زالت كما هي!
قررت الاستقرار في لبنان والزواج هناك وكان للشهيد ماجد ابو شرار الدور الهام في مساعدتي بذلك قائلا اختر عروسك وعليّ الشقة .. وكان رحمه الله مسؤول الاعلام الموحد في تلك الفترة.
وبر بوعده حيث قادني القدر الى أسرة كريمة من عائلة يافاوية معروفة ما ان ذكرتها لوالدي - رحمه الله - فعرفها وبارك اختياري الموفق .. وما ان علم عمي (حماي) رحمه الله اسم عائلتي حتى وافق على تزويجي من ابنته .. وبذلك كان لي الاستقرار في بيروت التي عشت فيها أكثر من سبع سنوات رزقت خلالها بثلاث بنات.
يوم العرس:
احترت أين يكون عرسي .. حيث ان صالات الأفراج في بيروت، والتي كانت تسمى بالخلية، تحتاج الى ميزانية ثانية غير متوفرة فجاء اقتراح الصديق صالح القلاب ومحمود النوايسة وقيادة رابطة الطلاب الاردنيين في لبنان ان يكون العرس في مقر الرابطة دون مقابل شرط ان أتكفل بالزينة ومتطلبات الضيافة، وتكفلت فرقة موسيقى الثورة (القرب) بعزف الأناشيد والموسيقى وتكفل أخي جمال نصار (جمال الفيديو) بالتصوير وسيارة الاذاعة بالزفة .. وكان على رأس المحتفلين بزفافي الشهيد ماجد ابو شرار.
طبعا حضر الأهل من عمان وكان عددهم كبيرا بعضهم نزل في أحد الفنادق، واستضاف أخي نبيل عددا من أخواتي في منزله وهو جميل لا أنساه له أبدا.
وحسب العادة قدم لي عمي والد زوجتي هدية العرس من ضمنها قطعة قماش لتكون بدلة العرس ..ولكن تفصيلها مكلف، فتوسط اخي صلاح القلاب لدى خياط بيروتي لتفصيلها بأجرة مخفضة وقد كان وما زلت احتفظ بها للذكرى.
أذكر هذا لأدلل على مدى الترابط الأسري الذي كان يجمعنا في الاذاعة .. وعلى التماسك الفلسطيني الاردني من خلال رابطة الطلاب الاردنيين برئاسة صالح القلاب ومن خلال الأخت سلوى العمد والأخ والصديق طاهر العدوان.
وكان للأخ طاهر موقف لا أنساه عقب قصف الطيران الاسرائيلي للشقة التي كنت أسكنها قرب المدينة الرياضية في بيروت .. فبالرغم من الوجود المكثف للطيران المقاتل في سماء بيروت فقد صعد معي الى الطابق السابع حيث كنت أسكن لانقاذ ما يمكن انقاذه من عفش منزلي ونقله الى منزل عمي في المزرعة يحمل معي بعض العفش على عاتقه. ولهذه الشقة في المدينة الرياضية قصة اخرى.
كنت أسكن في مبنى الاذاعة حيث الشقة التي وعدتني بها الأخ ماجد ابو شرار وشقة اخرى يسكنها المرحوم فاروق سرور وأسرته.
أردنا التوسع في الاذاعة وبناء استوديو للتسجيلات بالاضافة الى استوديو الهواء الوحيد وهذا يتطلب الحصول على الشقة التالية والتي يسكنها الأخ فاروق لكنه رفض ترك الشقة الى اخرى خارج مبنى الاذاعة فتطوعت بتركي منزلي لفاروق ليصار الى التوسعة وغادرت الى الفاكهاني في شقة على الدور السابع من عمارة قرب المدينة الرياضية عانت زوجتي الكثير بسببها .. حيث ان الكهرباء كانت تنقطع باستمرار فتضطر زوجتي الى الصعود الى الدور السابع وهي حامل. وكان ان أجهضت ثلاث مرات بسبب ذلك!.
السفير:
أردت ان أستريح من العمل الاذاعي حيث أمضيت فيه منذ العام 1968 وحتى اللحظة أي العام 1980م عملا متواصلا ليلا نهارا تخلله العمل في زمزم/ عمان ودرعا وصنعاء وبيروت بالاضافة الى القاهرة .. وأردت ان ألتحق بالعمل الدبلوماسي بعد ان مارست بعضا منه في صنعاء فشاروت مدير عام الدائرة السياسية الأخ عبد اللطيف ابو حجلة وعلمت منه انه لا يوجد شاغر الآن إلا في كوريا الشمالية فوافقت واستشار الأخ ابو حجلة الأخ ابو اللطف، رئيس الدائرة السياسية الذي وافق بدوره واستمزج حكومة كوريا الشمالية التي وافقت هي ايضا .. لكن المعضلة كانت في موافقة الأخ ابو عمار. وعندما علم بذلك رفض وطلبني لمقابلته واستدعى الأخ نبيل: بقينا في حضرته أكثر من ساعة دون ان يكلمنا متشاغلا بالأوراق التي أمامه عندها تركنا الأخ نبيل وبقيت وحدي .. بعدها التفت اليّ وقال: صحيح انت عايز تعمل سفير؟!
قلت: أخ ابو عمار منذ عام 68 وانا في الاذاعة فلأجرب عملا آخر.
قال: أغير لك الكرسي! أين نبيل، ولما حضر نبيل فاجأنا بأنه يريدني ان أكون المفوض السياسي لجيش التحرير! وتصبح ضابطا في الجيش.
ولما سأل نبيل مستنكرا «والاذاعة؟»
أجاب الأخ ابو عمار: بالاضافة الى عمله في الاذاعة.
وترك لي المجال للتفكير ..
المفوض السياسي:
كنت في حيرة من أمري لأن ذلك يعني ان أنتقل الى الجنوب اللبناني، حيث مواقع القوات وأترك أسرتي في بيروت .. زوجتي وثلاث طفلات أكبرهن سنتان ونصف السنة وأصغرهن شهران!.
ماطلت فترة، وذهبت الى الحج كعادتي كل عام لأمثل فلسطين في النقل المباشر من مناسك الحج. في تلك الاثناء كان مسيّر أمور جيش التحرير العقيد فخري شقورة يبحث عني .. وعندما عدت ذهبت الى مقر قيادته وعرفته بنفسي ويبدو ان سمعتي لديهم كانت جيدة لذلك قبلوني ضابطا لديهم برتبة رائد وتعرفت على العقيد خالد سلطان وكان بالاضافة الى مهامه، يستلم اعلام الجيش ومجلة صوت فلسطين فرحب بي لأساعده في تلك المهمة بسبب خبرتي الاعلامية .. وبذلك اصبحت ايضا نائبا لمسؤول الاعلام في الجيش. فأصبح عملي ما بين الاعلام والقوات. وطلب مني الأخ ابو عمار ان أعمل على توحيد قوات العاصفة بقوات جيش التحرير حسب قرار المجلس الوطني الفلسطيني لتشكيل «جيش التحرير الوطني الفلسطيني» وأخبرني ان هذا القرار لن يساعد على تطبيقه الا الاخوة في جيش التحرير اما الفصائل الأخرى فهي غير جادة، فكتبت أول افتتاحية في المجلة حول هذا الموضوع وعرضتها عليه وأرشدني الى أمور كانت خافية عليّ.
ثم قرر ان يضمني الى التفويض السياسي في القوات الذي يرأسه المرحوم خطاب (عزت ابو الرب) وبذلك اصبح جيش التحرير الفلسطيني ممثلا بالتفويض السياسي لقوات العاصفة واصبحت عضوا في المجلس الأعلى للتفويض السياسي .. واستمر عملي الجديد من خلال مكتب العقيد خالد سلطان في المبنى الذي فيه مكتب الشهيد القائد ابو اياد (صلاح خلف) ومكتب الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين وغيرها . الى ان بدأ الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني في صيف العام 1982م ثم حصار بيروت من قبل الجيش الصهيوني بقيادة مجرم الحرب ارييل شارون حيث قصفت طائراته الحربية مكتب الأخ ابو اياد قاصدة اغتياله فتم تدمير المبنى بما فيه مكتبنا .. ونجونا من موت محقق، حيث كنت وقتها في منزل عمي والد زوجتي في المزرعة بعد ان أخليت أسرتي من الشقة السكنية في الفاكهاني التي قصفت بدورها لقربها من معسكر قوات الـ 17 عدة مرات من الطائرات الاسرائيلية الحربية، وبذلك انقطعت صلتي المباشرة بجيش التحرير الفلسطيني الذي توزع على عدة محاور لحماية بيروت وتفرغت للعمل مرة اخرى في الاذاعة طيلة أيام الحصار والقتال، وكنا ننتقل بالاذاعة من حيّ الى آخر نتيجة قصف الطيران وكانت معارك مشهودة بيننا وبين قوات الاحتلال الصهيوني المحاصرة لبيروت عبر الهواء مباشرة، وتلك قصة كتب تفاصيلها الأخ نبيل عمرو في أحد فصول هذا الكتاب.
شهدت بيروت الغربية بشوارعها وحاراتها ومحاورها معارك بطولية تم من خلالها دحر قوات شارون التي لم تستطع ان تتقدم شبرا واحدا داخل بيروت او مطارها الدولي او مينائها البحري .. واستنجدت عاصمة لبنان والتي سميناها عاصمة العرب بيروت بشقيقاتها فكان الرد من زعيم ليبيا آنذاك معمر القذافي انتحروا ولا تخرجوا دون ان يكلف نفسه ارسال طلقة رصاص واحدة وأرسلت الولايات المتحدة مندوبها للمنطقة فيليب حبيب الذي أخذ مساومة قيادتنا وقيادة الحركة الوطنية اللبنانية على خروجنا مستسلمين .. عندها جمع القائد ابو عمار القيادات الفلسطينية واللبنانية التي كانت تدافع عن بيروت طالبا رأيها .. وكما سمعت من الراحل الأب عياد وكان وقتها عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ان القيادة المشتركة تركت اتخاذ القرار للقائد ابو عمار .. عندها قام من مكانه، والكلام للأب ابراهيم عياد، وقال سأصلي ركعتي استخارة وأعود لكم .. وكان القرار: «الى الجميع هبّت رياح الجنة».
جاءتني البرقية الى الاذاعة وسلمني اياها الأخ المناضل طاهر العدوان وكان وقتها نائب مسؤول الاذاعة .. وكانت أسعد لحظاتي فشعرت بأني شهيد حيّ يقرأ خبراستشهاده عبر الميكروفون.
واشتدت المعارك وانهمرت القذائف كالمطر على كل بيروت الغربية والاذاعة صامدة الى ان تم الاتفاق على الخروج من بيروت دون استسلام وبكرامة بعد ان أصر الاخوة اللبنانيون من أجل حماية بيروت وأهلها .. على خروجنا الى عدة دول عربية، هنا أبلغني الأخ خطاب نائب المفوض السياسي العام اختيار الأخ القائد الرمز ابو عمار لي لأكون المفوض السياسي للقوات الخارجية الى تونس .. فما كان عليّ الا ان أؤمن أسرتي الى خارج بيروت قبل مغادرتي الى تونس وقد نجحت في ذلك.
غادرت بيروت متوجها وزملائي من قوات جيش التحرير الفلسطيني وقوات الـ 17 وعدد كبير من مثقفي وكتاب وصحفيي الثورة الفلسطينية من مختلف التنظيمات بما يقارب الألف مناضل على متن سفينة اسمها (صلفرين) وقد كتب الروائي والكاتب المناضل رشاد ابو شاور الذي كان معنا على متن السفينة روايته المشهورة (آه يا بيروت) أرخ من خلال روايته الى رحلتنا عبر البحار والتي استمرت أكثر من اسبوع بحلوها ومرها .. ومن خلال عملي كمفوض سياسي لهذه القوات التي كانت بقيادة مسيّر أمور جيش التحرير الفلسطيني العقيد فخري شقورة واكتشف واقعنا المر .. واقع الثورة الفلسطينية من خلال «جمهور» السفينة الذي يمثل شريحة متنوعة تمثل مجتمعنا الثوري.
عند وصولنا ميناء بنزرت في تونس كان في استقبالنا على رصيف الميناء زعيم تونس الكبير الحبيب بورقيبة وقبل خروجنا من السفينة صعد عدد من الضباط التونسيين الى متن السفينة والتقوا بقائدها العقيد فخري شقورة وأركان قيادته .. خرج العقيد من الاجتماع والدموع في عينيه: لقد طلبوا منا النزول دون السلاح وان يبقى السلاح داخل السفينة.
رفضا ذلك كما رفضناه في بيروت .. وكان الحبيب بورقيبة ما زال واقفا على الرصيف بانتظارنا رغم كبر سنه ومرضه.
وأخيرا تم الاتفاق على نزول ما سموهم الضباط الساميين حسب اللغة العسكرية التونسية ما يعني الضباط من رتبة رائد فما فوق بسلاحهم فالتقطني أحد الصحفيين الأجانب وسألني متهكما: هل هذا السلاح الكلاشنكوف سيصل مداه الى اسرائيل؟! ما استفزني وأجبته بما يستحق .. وعلمت فيما بعد انه نفس الصحفي الذي سأل الأخ ابو عمار عند خروجه من بيروت: الى أين يا عرفات؟ أجابه الأخ ابو عمار بعنفوان القائد: الى فلسطين ما أثار دهشة واستغراب السائل.
كان الاخوة التونسيون قد جهزوا لنا معسكرا في ولاية باجة القريبة من تونس وكان يسمى معسكر وادي الزرقة .. فيه بعض المباني القديمة وهي مهاجع للجنود وعدد كبير من الخيام.
وسارعت لانشاءمحطة اذاعة داخلية للمعسكر، حيث تم تأمين ذلك بسرعة ما ساعدني على ضبط المعسكر بمساعدة قائد القوات فخري شقورة ونائبه العقيد الجعيدي والعقيد خالد سلطان وغيرهم.
حتى تلك اللحظة لا أدري أين أسرتي هل هي في الاردن في كنف والدي - رحمه الله - أم في الشام عند أخي نافذ الى ان تمكنت من الاتصال بهم بعد أكثر من عشرة أيام.
عند خروج الأخ ابو عمار من بيروت وبعد الوداع الكبير من الشعب اللبناني الحبيب والقيادة السياسية في لبنان وقيادات الحركة الوطنية اللبنانية .. قام الأخ ابو عمار بزيارة الى تونس حيث ستكون مقره الأساسي وكانت أول زيارة له الى معسكر القوات في وادي الزرقة متفقدا القوات والكادر السياسي والاعلامي الذي التحق بالمعسكر .. وقام بفرز الاعلاميين والسياسيين الى فندق سلوىحيث مقر القيادة الفلسطينية الجديد ومن ثم لتوزيعه على الأقاليم المختلفة في العالم العربي باستثنائي.
واتضح لي سبب ذلك فيما بعد ان الأخ العقيد فخري شقوره تمسك بوجودي معه في المعسكر. وكما ذكرت سابقا فانني في تلك الفترة لم أكن أعرف أين أسرتي الى ان تمكنت من ترك المعسكر والذهاب الى فندق سلوى .. وكان في تلك الاثناء ان أعلن الملك حسين في خطاب عام يحيي فيه صمودنا في بيروت مستغربا ان الارض ضاقت بهؤلاء الأبطال ما شجعني للتفكير بالعودة الى الاردن والعمل في قوات جيش التحرير الفلسطيني هناك.
سافرت الى سوريا حيث يقيم أخي ابو جميل لاستقبال أسرتي القادمة من الاردن حيث ان اقامتهم هناك انتهت ويجب عليهم المغادرة بسبب وثيقة سفرهم الفلسطينية اللبنانية المؤقتة.
وفي تلك الليلة التي انتظر بها أسرتي على أحر من الجمر حيث لم أرهم منذ ثلاثة شهور أي ان أصغر بناني اصبح عمرها ستة أشهر، وكنت اتخيل كيف صار شكلها بعد هذه الأشهر وأتشوق لحملها ومداعبتها.
تأخر وصول أسرتي على الحدود بين الاردن وسوريا وكانت بصحبة أخي غسان - رحمه الله - وشقيقتي الكبرى، فوجئت بوصول أخي غسان الى بيت أخي ابو جميل في دمشق بعد منتصف الليل وهو يرعد ويزبد ضد حكام دمشق وعمان .. وبعد ان هدأته لأعلم ما جرى .. قال والغضب يملأه: لقد طردوهم من عمان بسبب انتهاء الاقامة وفوجئنا برفضهم على الحدود السورية وهم الآن على الحدود ممنوعين من دخول سوريا.
أجرى أخي ابو جميل اتصالاته بالقيادة (الشهيد سعد صايل) وبالضابطة الفدائية (السورية) حيث سمحوا لأسرتي بالدخول على ان يغادروا سوريا بسرعة.
هذه بعض معاناة من يحمل وثيقة اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية.
نصحني القائد الشهيد ابو الوليد (سعد صايل) ان أغادر وأسرتي الى تونس وقد كان.
في تونس استطعت اقناع قيادتي بالذهاب الى الاردن كما قلت بعد خطاب الملك حسين الايجابي تجاهنا، لكن العمل في الاردن ليس كالعمل في جيش التحرير في لبنان، حيث ان الاستخبارات العسكرية الادرنية هي التي تقود الجيش هناك لذلك لم أتمكن من الالتحاق بعملي .. خاصة بعد ان أصدر الأخ ابو عمار، القائد العام قرارا بتعييني نائبا للعميد نهاد نسيبة - رحمه الله - للاشراف على مستشفى جيش التحرير (قوات بدر) في الاردن والمشاغل التابعة له.
لذلك عملت من خلال مكتب الأخ ابو عمار الى يرأسه المرحوم (ابو منير) نجيب الأحمد يساعدني الأخ ابراهيم برهوم أحد أعمدة مجلة فلسطين الثورة في بيروت، وكنا نراسل اذاعتنا في بغداد من خلال هذا المكتب، الى ان تم انشاء مكتب للاعلام الفلسطيني في الاردن ترأسه الأخ نبيل عمرو الذي ما لبث ان عين سفيرا في الاتحاد السوفييتي حيث تسلمت منه رئاسة مكتب الاعلام حتى العام 1994 عام دخولنا الى الوطن.
اذاعة بغداد:
في الفترة التي كان فيها الأخ نبيل يمارس عمله في الاعلام كان ايضا هو مسؤول الاذاعة المركزية التي تبث من بغداد بقيادة المرحوم يوسف القزاز ويساعده عدد من الاخوة المذيعين المقيمين في بغداد أمثال الأخوة: محمود ابو الهيجاء وجمال والدكتور جمال الخطيب وغيرهم .. فوجئت باتصال من الأخ ابو أنس (عبد الرزاق اليحيى) ممثل «م.ت.ف» في الاردن يطلبني للذهاب معه الى بغداد بطلب من الاخ ابو عمار! دون ان يعرف سبب ذلك.
وكان استقبالا حارا من الاخ ابو عمار وكأننا لم نلتق منذ سنين قائلا: أنت اللي حتنقذ الاذاعة! والتفت الى الحاج اسماعيل قائد قواتنا في العراق قائلا: بالاضافة الى الاذاعة سيكون المفوض السياسي للقوات .. جهز له البدلة العسكرية. علمت عندها ان خلافا جرى مع الأخ نبيل أقاله بسببه من الاذاعة.
اسقط في يدي لأن ذلك يعني وبعد استقراري وأسرتي في عمان ان أبتعد عنهم مرة اخرى خاصة وان العلاقة مع الاردن في تلك الفترة كانت فاترة وخشيت ان أمنع من العودة الى الاردن. حاولت عن طريق الأخ عزام سفيرنا في العراق آنذاك والأخ الطيب عبد الرحيم الذي كان موجودا هناك ان يتوسطا لانقاذي من هذا المأزق خاصة وان الأخ ابو عمار يضع كامل ثقته بي (انت اللي حتنقذ الاذاعة)! وطلبت من الأخ نبيل ان يصالح الأخ ابو عمار ويعود الى موقعه.
أكثر من ساعدني في ذلك هو الأخ عزام حيث كنت وإياه، وكذلك الأخ نبيل، أعضاء في المجلس الثوري للحركة أي اننا في مرتبة قيادية واحدة، الأمر الذي لا يساعده في التدخل في الاذاعة اذا استلمتها،خاصة وانني من خارج ملاك الاقليم وهو مسؤول الاقليم.
اصطلح الأخ نبيل مع القائد الرمز ابو عمار بضغط من الأخوين عزام والطيب، وزفوا البشرى لي في الوقت الذي أبدى فيه الأخ يحيى رباح الموجود في الاردن ويرغب في تركه ان يستلم هذه المهام.
حاولت الاستئذان بالعودة الى عمان لكن الأخ ابو عمار تجاهلني ولم يتحدث اليّ طيلة ثلاثة أيام! خاصة وانه كان قد اتفق مع الأخ القائد ابو جهاد - رحمه الله - ان أتسلم الاذاعة بدلا من الأخ نبيل.
الى ان فك أسري وأقنعته انني بالتعاون مع الأخ طاهر العدوان والأخ ابراهيم برهوم سنوافي الاذاعة يوميا بالبرامج والتعليقات من خلال مكتب الاعلام في عمان وقد كان.
وبذلك لم يستمر قرار استلامي لقيادة الاذاعة سوى أيام قليلة، عدت بعدها الى عمان لممارسة عملي كمسؤول للاعلام هناك.