النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الملف المصري 588

العرض المتطور

  1. #1

    الملف المصري 588

    الملف المصري 588
    30/5/2013

    الانتفاع غير العادل:
    مشروع سد النهضة
    في ضوء الوضع القانوني لنهر النيل

    مجلة السياسة الدولية
    د.محمد شوقي عبد العال
    تعريف الكاتب:
    وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة،جامعة القاهرة


    تعددت استخدامات الأنهار الدولية في العقود القليلة الماضية بشكل كبير، وأدى هذا التعدد في الاستخدامات وكثافة الأنشطة المرتبطة بها إلى مزيد من الندرة في المياه العذبة، وإلى صراعات ومنازعات حولها بشأن حقوق كل دولة من الدول النهرية في الإفادة من مياه النهر في الأغراض المختلفة (1). أثار ذلك الأمر العديد من التساؤلات التي تتعلق أساسا بطبيعة ومدى حقوق كل دولة مشاطئة على مياه النهر والالتزامات المتبادلة بينها. فإذا كان لكل دولة نهرية حقوق مساوية لحقوق الدول الأخرى، فكيف يجري التوزيع المنصف لمنافع النهر؟، وما هي الالتزامات التي تقيد الدولة النهرية في مواجهة غيرها من الدول النهرية عند استخدام حصتها؟. كما تتعلق هذه التساؤلات بمدى التزام الدولة بالاستخدام البرئ للنهر الدولي، ومدى مسؤليتها الدولية عما قد يقع من ضرر من جراء الاستخدام، ومدى الالتزام بالتعاون والإخطار والتشاور بالنسبة للمشروعات المستقبلية.

    ولقد طرح هذا على الباحثين في نطاق القانون الدولي سؤالا، مؤاده: إلى أي مدى، يمكن القول إن ثمة قواعد قانونية محددة يمكن الارتكان إليها لحل ما قد ينشأ من منازعات في هذا الصدد بطريقة سلمية، وبما يكفل تطبيق مبدأ حسن الجوار، ويحفظ الحقوق المشروعة لكل دولة من الدول النهرية في الإفادة من موارد النهر؟. كما أدى إلى ظهور قاعدة قانونية جديدة مؤداها أن كل دولة نهرية ينبغي عليها عند استعمالها للجزء من النهر المار عبر أراضيها ألا تتسبب في أضرار هامة لدولة أخرى من دول المجري المائي الدولي.

    وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى وجوب التمييز بين حالتين: الحالة التي نكون فيها بصدد اتفاقات دولية قائمة تنظم طريقة الإفادة من موارد النهر فيما بين الدول المشتركة في حوضه، وهنا فالأصل أنه ليس ثمة صعوبة كبيرة تعترض طريق التسوية السلمية لأي نزاع ينشأ بين أي من هذه الدول، حيث يمكن الرجوع إلى أحكام الاتفاقات ذات الصلة. أما الحالة الأخرى، فهي التي لا توجد فيها اتفاقات من هذا القبيل، وهنا فالأرجح أن الخلاف واقع لا محالة بين الدول المشتركة في حوض النهر، حيث يمكن لبعضها أو إحداها أن تتمسك مثلا بما شاع في فقه القانون الدولي التقليدي من نظريات صارت غير مقبولة في عالم اليوم، كنظرية السيادة المطلقة للدولة النهرية على الجزء من النهر الدولي الواقع المار عبر إقليمها (2).





    والحق أنه في كلتا الحالتين، فإن الاعتبارات السياسية كثيرا ما تكون لها الغلبة على الاعتبارات القانونية، حيث تلعب دورا لا يستهان به في زيادة حدة الخلافات بين الدول المشتركة في حوض النهر.وهنا، فإن ما تقوم به إثيوبيا من إنشاء لسد النهضة، وما يقترن به من مخاوف مشروعة لكل من مصر والسودان، في ضوء الدراسات التي تشير إلى ما سيلحق بهما من آثار سلبية، أهمها العجز المائي في حصة مصر، وانخفاض القدرة الإنتاجية من الكهرباء المولدة من السد العالي وخزان أسوان، يستدعي بيان الوضع القانوني لنهر النيل عبر نقطتين، تركز أولاهما على أهم القواعد التي تحكم استخدام الأنهار الدولية في غير أغراض الملاحة، وتركز الأخرى على الوضع القانوني لنهر النيل، وحقوق الدول المشاطئة عليه.

    أولا- أهم القواعد التي تحكم استخدام الأنهار الدولية في غير أغراض الملاحة:

    ليس ثمة شك في أن استغلال الأنهار الدولية، وتحديد حصص الدول المشاطئة للنهر، يتعين أن يتما وفقا للأحكام العامة للقانون الدولي المكتوبة أو المستقرة عرفا، ما لم تكن هناك اتفاقيات خاصة ثنائية أوجماعية بين دول مجري النهر تنظم هذه الأمور، حيث تكون لها الأولوية في التطبيق، أخذا بمبدأ أن الخاص يجب العام، والتزاما بمبدأ قدسية العهود والمواثيق. ولما كان الواقع يشير إلى اختلافات لا حصر لها في الظروف والأحوال والاعتبارات المحيطة بكل نهر دولي عن سواه من الأنهار الدولية، بحيث إن كل نهر منها يعد نموذجا فريدا في ذاته، وإن تشابه في بعض الجوانب مع غيره، فإنه يكون من البدهي ألا تكون هناك قواعد قانونية دولية موحدة تصلح للتطبيق على كل الأنهار الدولية في آن واحد، وإنما قواعد عامة يأخذ منها ذوو المصلحة ما يرونه ملائما، ويدعون ما يرونه غير ملائم. ومن ثم، فقد كان العرف الدولي هو المصدر الأكثر قدرة على تقديم هذه القواعد العامة.

    والحق أن ثمة مجموعة من القواعد القانونية العامة التي تنظم استغلال الأنهار الدولية، نشأت في سياق العرف الدولي، ثم تأكدت في الاتفاقيات الدولية، ومن خلال أحكام القضاء. كما شهدت الممارسة الدولية العديد من الاتفاقيات التي اعترف أطرافها صراحة أو ضمنا بالحقوق المتساوية للأطراف فيما يتعلق باستخدام مياه النهر الدولي، والاستفادة منه.

    وإذا كان مبدأ الانتفاع المنصف بمياه الأنهار الدولية يحظي بالقبول العام في الفقه والعمل الدوليين المعاصرين، فإن كيفية تطبيقه لا تحظي بالقبول نفسه، فليس ثمة اتفاق -جازم- على الأسس التي يتعين مراعاتها لتحقيق هذا المبدأ، حيث يتصل الانتفاع بمياه الأنهار الدولية بالعديد من العوامل المترابطة، التي هي في مجملها عوامل شديدة الحساسية من زاوية حاجات الشعوب التي تعتمد على هذه المياه (3).بيد أن هذا لم يمنع من وجود محاولات فقهية جادة سعت لصياغة بعض القواعد العامة التي يمكن الاسترشاد بها لوضع هذا المبدأ موضع التنفيذ. وقد صدرت هذه المحاولات جميعها عن مبدأ حسن الجوار، الذي تبدو الحاجة إلى الأخذ به ملحة في إطار علاقات الدول المشاطئة لنهر دولي واحد(4).

    ولعل أهم المحاولات الفقهية وأشهرها في هذا الصدد هي تلك التي وضعتها جمعية القانون الدولي عام 1966، فيما عرف بقواعد هلسنكي، والتي تبنت مبدأ الانتفاع المنصف في مادتها الرابعة، ثم صاغت مادتها الخامسة أسس هذا الانتفاع. ولقد بلورت قواعد هلسنكي أهم العوامل التي يجب مراعاتها عند تحديد الانتفاع المنصف، وذلك على سبيل المثال وليس الحصر، تجنبا لوضع قواعد ثابتة في موضوع شديد الحساسية.

    ويكشف الواقع الدولي عن حالات لتنازع أولويات "الانتفاع المنصف" بمياه الأنهار الدولية. فقد ترغب إحدي الدول المشاطئة، وهي بصدد تنفيذ بعض برامج التنمية فيها، في الحصول على نصيب أكبر من مياه النهر، يزيد على ذلك الذي كانت تحصل عليه من قبل، الأمر الذي يؤثر بلاشك في حصة الدول المشاطئة الأخرى. ومن ثم، يثور التساؤل حول أولوية الانتفاع بمياه النهر، وهل يكون للاستخدامات القائمة والحقوق التاريخية، أم للاستخدامات المحتملة والاستعمالات المستقبلية؟.

    ومما لا شك فيه أن التطبيق السليم لمبدأ الانتفاع المنصف يقتضي أن تلتزم كافة الدول المشاطئة للنهر الدولي بأن تتعاون فيما بينها لتحقيق أقصي انتفاع ممكن بمياه هذا النهر، وهو ما يستقيم مع طبيعة النهر الدولي كمورد مشترك بين هذه الدول، كما يستقيم مع مبدأ حسن النية الذي يفترض أن يحكم العلاقات المتبادلة بينها. ولقد أكدت العديد من المعاهدات الدولية الخاصة بالأنهار هذا الالتزام، من ذلك - على سبيل المثال - اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، التي تعد نمطا مثاليا في هذا الصدد، ومعاهدة 1961 بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بخصوص تنمية موارد مياه حوض نهر كولومبيا، واتفاقية 1963 بين دول حوض نهر النيجر.

    أما فيما يتعلق بموقف اتفاقية الأمم المتحدة من مبدأ الانتفاع المنصف، فقد وضعت المادة الخامسة من الاتفاقية هذا المبدأ كحجر أساس للقانون في هذا الصدد، وجاءت المادة السادسة تشير في فقرتها الأولي إلى العوامل والظروف التي يتعين أخذها في الحسبان عند تحديد الانتفاع المنصف بمياه النهر. أما المادة السابعة، فجاءت تعالج الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن، وهو الالتزام الذي ربما كان من أكثر أحكام الاتفاقية إثارة للجدل والخلاف، حيث ظهر في صدده بجلاء تباين المواقف بين دول المنبع ودول المصب.







    وقد جاء نصها على النحو التالي:

    1- تتخذ دول المجري المائي، عند الانتفاع بمجري مائي دولي داخل أراضيها، كل التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبب في ضرر ذي شأن لدول المجري المائي الأخرى.

    2- ومع ذلك، فإنه متي وقع ضرر ذو شأن لدولة أخرى من دول المجري المائي، تتخذ الدول التي سبب استخدامها هذا الضرر، في حالة عدم وجود اتفاق على هذا الاستخدام، كل التدابير المناسبة، مع المراعاة الواجبة لأحكام المادتين الخامسة والسادسة، وبالتشاور مع الدول المتضررة، من أجل إزالة هذا الضرر أو تخفيفه، والقيام، حسب الملاءمة، بمناقشة مسألة التعويض".

    وجاءت المادة الثامنة من الاتفاقية تنص على التزام عام بالتعاون بين دول المجري المائي المشترك من أجل تنفيذ الالتزامات النابعة عن الاتفاقية وتحديد أهدافها، وتدعو الأطراف إلى إنشاء آليات ولجان مشتركة لتيسير التعاون فيما بينها، تاركة لها السلطة في تقدير مدى ملاءمة الدخول في مثل هذه الترتيبات.ويرتبط بهذا الالتزام التزام آخر يقع على عاتق الدول النهرية بالإخطار عن المشروعات التي تعتزم القيام بها، ويترتب عليها الإضرار بدولة أو دول نهرية أخرى. وهو الالتزام الذي يؤدي العمل به إلى تجنب كثير من المنازعات المحتملة بين الدول النهرية.

    ولعله من المهم في هذا السياق أن نشير إلى أنه إذا كان من حق الدول النهرية قانونا أن تقيم سدودا على الجزء من النهر المار بإقليمها، فإن ثمة قيدين جوهريين يردان على هذا الحق، هما عدم التسبب في إلحاق ضرر بباقي دول النهر، والالتزام بإجراءات الإخطار المسبق، والمتمثلة في وجوب قيامها بإرسال كل الدراسات والبيانات الفنية المتعلقة بالسد إلى جميع دول المجري المحتمل تضررها من إنشائه، مع التزامها قانونا بعدم البدء في الإنشاء، حتي تتمكن هذه الدول من دراسة وتقييم الآثار المحتملة في فترة معقولة.

    ثانيا- الوضع القانوني لنهر النيل وحقوق الدول المشاطئة:

    ليس ثمة شك في أن غياب اتفاقية تضم كل الدول الإحدي عشرة المشاطئة لنهر النيل، وغياب هيئة دولية دائمة لإدارة النهر وتطوير الانتفاع به، وإعلان بعض دول المنابع كإثيوبيا أحيانا عن تحفظها بالنسبة لما تسميه حقوقها في مياهه، إنما يطرح تساؤلات حول حقوق والتزامات كل دولة من هذه الدول، والقواعد التي تحكم الانتفاع المنصف بمياه النهر، وأولويات هذا الانتفاع عند تعارض الاستخدامات، وأسلوب التنسيق والإدارة المشتركة لهذه المياه، مقارنة بالمعمول به في العديد من الأنهار الدولية الأخرى، وما إذا كانت هناك وسيلة لتطوير الانتفاع بالنهر لتحقيق المنفعة المشتركة للدول المشاطئة دون إضرار بحقوق بعضها بعضا أم لا.

    ولما كانت مصر، من بين كل دول حوض النيل، إضافة إلى كونها دولة المصب، تعتمد على النيل كمصدر رئيسي، أو بالأحري كمصدر وحيد للمياه المستخدمة في أغراض الشرب والزراعة، فإن أي اقتطاع للمياه في أعالي النيل، بما يستتبعه من انخفاض في كميات المياه المتاحة لمصر، سيترتب عليه ضرر بليغ بها، وهو ما يتعارض مع مقتضيات مبدأ الانتفاع المنصف، على ما تقدمت الإشارة.وسنسعي في هذا الجزء إلى استعراض الوضع القانوني لنهر النيل، في ضوء مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، والاتفاقات الخاصة بتنظيم استغلال مياهه.

    الاتفاقيات الخاصة بتنظيم استغلال مياه نهر النيل:

    ليس معني ما تقدم من القول بغياب اتفاقية عامة تضم كل الدول المشاطئة لنهر النيل أن هذه الدول لم تصل بعد إلى اتفاقيات تحكم تفاصيل تعاونها اللازم أو تعهداتها بشأن مياهه. فالواقع أنه توجد كثير من هذه المواثيق التي ترتبط بها بعض دول الحوض مع بعضها بعضا (5)، من ذلك:

    1- البرتوكول الموقع بين بريطانيا وإيطاليا سنة 1891 بشأن تحديد مناطق نفوذ كل منهما في شرق إفريقيا، والذي نصت المادة الثالثة منه على أن إيطاليا صاحبة السيادة على الحبشة آنذاك، تتعهد بألا تقيم على نهر عطبرة أية إنشاءات للري، من شأنها أن تؤثر تأثيرا محسوسا في كمية مياه نهر عطبرة التي تصب في نهر النيل.

    2- مجموعة المعاهدات المعقودة بين بريطانيا وإثيوبيا، وبينها وبين إيطاليا وإثيوبيا بشأن الحدود بين السودان المصري - البريطاني وإثيوبيا وإريتريا، والموقعة في أديس أبابا في 15 مايو1902، والتي يتعهد الإمبراطور مينليك الثاني، ملك ملوك الحبشة، بموجبها بألا ينشئ أو يسمح بإنشاء أية أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط، يكون من شأنها تعطيل سريان مياهها إلى نهر النيل إلا بالاتفاق مع حكومة بريطانيا وحكومة السودان المصري - البريطاني.







    3- الاتفاق المبرم بين بريطانيا وحكومة دولة الكونغو، والموقع في لندن في 9 مايو 1906، والذي تتعهد الكونغو بموجب المادة الثالثة منه بألا تقيم أو تسمح بإقامة أية منشآت قرب أو على نهر سميليكي أو نهر آيسانجو، يكون من شأنها تخفيض كمية المياه التي تصب في بحيرة آلبرت إلا بالاتفاق مع حكومة السودان المصري - البريطاني.

    4- المذكرات المتبادلة بين بريطانيا وإيطاليا في ديسمبر 1925، والتي تعترف فيها الحكومة الإيطالية بالحقوق المائية السابقة (التاريخية) والمكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأزرق والنيل الأبيض، وتتعهد بألا تنشئ في أقاليم أعالي تلك الأنهار أو فروعها أو روافدها أية منشآت من شأنها تعديل كمية المياه التي تحملها إلي نهر النيل بشكل محسوس.

    5- اتفاقية مياه النيل بين مصر وبريطانيا بالنيابة عن السودان، وكينيا، وتنجانيقا - تنزانيا - وأوغندا في عام 1929، والتي تقضي بتحريم إقامة أي مشروع من أي نوع على نهر النيل أو روافده أو البحيرات التي تغذيها كلها إلا بموافقة مصر، لاسيما إذا كانت هذه المشروعات ستؤثر في كمية المياه التي كانت تحصل عليها مصر، أو في تواريخ وصول تلك المياه إلى مصر. والحق أن هذا الاتفاق،
    الذي أخذ شكل المذكرات المتبادلة بين مصر وبريطانيا، يعد علامة بارزة في تاريخ نهر النيل، حيث أظهر اعتراف الأطراف بمبدأ الحقوق المكتسبة، كما حظي فيه مبدأ التوزيع المنصف أيضا بالاعتراف.

    6- اتفاقية لندن المبرمة بين بريطانيا (نيابة عن تنجانيقا) وبلجيكا (نيابة عن رواندا وبوروندي) في 23 نوفمبر 1934، والتي تقضي مادتها الأولي بأن يتعهد الطرفان بأن يعيدا إلى نهر كاجيرا قبل وصوله إلى الحدود المشتركة لكل من تنجانيقا ورواندا وبوروندي أية كميات من المياه، يكون قد تم سحبها منه قبل ذلك لغرض توليد الكهرباء. فالسماح باستغلال مياه النيل لتوليد الطاقة الكهربائية لا يجوز بحال أن يمس، طبقا لهذه المادة، كمية المياه التي تتدفق من منابعه إلى المجري الرئيسي فيه.

    7- المذكرات المتبادلة بين مصر وبريطانيا ( نيابة عن أوغندا ) في الفترة ما بين يوليو 1952 ويناير 1953، بشأن اشتراك مصر في بناء خزان أوين، الذي أنشئ فعلا عام 1954 لتوليد الطاقة الكهربائية من المياه في أوغندا، والتي اتفق فيها الطرفان على تعلية خزان أوين لرفع منسوب المياه في بحيرة فيكتوريا، كما اتفقا على التعويضات التي تمنح لأهالي أوغندا الذين يصيبهم ضرر جراء ارتفاع منسوب مياه البحيرة، والذي من شأنه زيادة حصة مصر من مياه الري، وتوليد كهرباء تضمن مزيدا من الطاقة لكل من أوغندا وكينيا. ويعد هذا الاتفاق مثالا واضحا على التعاون والتنسيق بين بعض دول حوض النيل، حيث تضمن قيام مصر بالإسهام المالي في بناء الخزان بغرض توليد الكهرباء لاستخدامها في أوغندا، مقابل زيادة حصة مصر من مياه النيل لأغراض الري عن طريق المياه التي تحجز خلف الخزان.

    8- اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان بشأن إنشاء السد العالي، وتوزيع المنافع الناجمة عنه بينهما، والتي تعد في الواقع مثالا يحتذي في مجال التعاون بين الدول المشاطئة للأنهار الدولية لاستغلال مياهها، حيث سعت إلى تحقيق نفع مشترك لكل من الدولتين دون إجحاف بالحقوق التاريخية لكل منهما، ودون الإضرار بحقوق باقي دول الحوض. فقد أكدت هذه الاتفاقية احترام الحقوق المكتسبة لطرفيها، وحددت هذه الحقوق بدقة حسما لأي نزاع، حيث أقرت في البند "أولا" منها بحقوق تاريخية مكتسبة لمصر، مقدارها ثمانية وأربعون مليار متر مكعب سنويا، وللسودان أربعة مليارات من الأمتار المكعبة سنويا. وفي مجال مشروعات ضبط النهر، وتوزيع فوائد هذه المشروعات، اتفق الطرفان في البند "ثانيا" على إنشاء السد العالي وتقاسم منافعه، وعلى إنشاء السودان سد الروصيرص على النيل الأزرق، وأية مشروعات أخرى تراها السودان لازمة لاستغلال نصيبها.

    كما اتفقا على قيام مصر بدفع التعويضات المالية للسكان السودانيين الذين سيضارون من تكون بحيرة السد العالي. كما اتفق الطرفان في البند "ثالثا" على التعاون في إنشاء مشروعات لاستنقاذ المياه الضائعة في مناطق المستنقعات، لزيادة إيراد النهر من المياه، على أن يكون صافي فائدة هذه المشروعات من نصيب البلدين بالتساوي، وعلى أن يسهم كل منهما بالتساوي في جملة تكاليفها. واتفق الطرفان أيضا على التشاور بشأن أية مشروعات مستقبلية أخرى تخدم أهداف التوسع الزراعي في البلدين. هذا بالإضافة إلى ما قضي به البند "رابعا" من الاتفاقية من إنشاء هيئة فنية دائمة بين البلدين، تعمل على إجراء البحوث والدراسات اللازمة لمشروعات ضبط النهر، وزيادة إيراده ومتابعة الأرصاد المائية على منابعه العليا. وتختص هذه الهيئة برسم الخطوط الرئيسية للمشروعات التي تهدف إلى زيادة إيراد النهر، والإشراف على تنفيذ المشروعات التي تقرها الدولتان في هذا الصدد.

    9- أبرمت مصر وأوغندا في مايو 1991 اتفاقية في شكل خطابات متبادلة بين وزيري خارجية الدولتين، بعد مفاوضات مكثفة بينهما، بشأن مشروع إنشاء محطة لتوليد الكهرباء على بحيرة فيكتوريا، كانت أوغندا قد تقدمت به إلى البنك الدولي لتمويل عملية إنشائه. وقد تضمن هذا الاتفاق التزام أوغندا بتمرير التصرفات الطبيعية طبقا للمعدلات المعمول بها وقت إبرام الاتفاق، كما تضمن التزامها بما سبق أن اتفقت عليه الدولتان عند إنشاء خزان أوين عام 1953 من الحفاظ على مدى التخزين البالغ قدره ثلاثة أمتار لصالح مصر، وقد ورد بالفقرة الثالثة منه أنه يمكن النظر في تعديل هذه المعدلات لصالح أوغندا لتوليد الكهرباء، بناء على اتفاق الطرفين، وبما لا يضر بدول المصب.



    10- وقع الرئيسان المصري والإثيوبي في الأول من يوليو 1993 اتفاق القاهرة، الذي وضع إطارا عاما للتعاون بين الدولتين لتنمية موارد مياه النيل، وتعزيز المصالح المشتركة. وقد حوي هذا الاتفاق في أحد بنوده تعهدا من الطرفين بالامتناع عن أي نشاط يؤدي إلى إلحاق ضرر بمصالح الطرف الآخر فيما يختص بمياه النيل. كما تعهدا بالتشاور والتعاون في المشروعات ذات الفائدة المتبادلة، عملا على زيادة حجم التدفق، وتقليل الفقد من مياه النيل في إطار خطط تنمية شاملة ومتكاملة. كما اتفق الطرفان على إنشاء آلية للتشاور حول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بما في ذلك مياه النيل، وتعهدا بالعمل على التوصل إلى إطار للتعاون بين دول حوض النيل لتعزيز المصلحة المشتركة لتنميته.

    والواقع أنه يمكننا أن نبدي على المعاهدات الخاصة بتنظيم استغلال مياه النيل الملاحظات التالية:

    أولا- إن بعض هذه المعاهدات تناول الوضع الإقليمي والجغرافي للدول المتعاقدة. وكما هو معلوم، فإن هذا النوع من الاتفاقات الخاصة بالوضع الإقليمي والحدود إنما يشكل قيدا أو التزاما على عاتق الدولة وعلى إقليمها، لا يؤدي انتقال السيادة على الإقليم إلى التحلل منه(6). وهو ما أكدته المادة 11 من اتفاقية فيينا بشأن التوارث الدولي في مجال المعاهدات لعام 1978، أخذا بنظرية الاتفاقات

    الموضوعية الممتدة)7 (، متوافقا مع ما قررته المادة 62 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 من أنه لا يجوز الاستناد إلى التغير الجوهري في الظروف كسبب لإنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها، إذا كانت من المعاهدات المنشئة للحدود. وعلى هذا، فإنه لا يجوز للدولة الجديدة الناشئة عن الاستقلال - كما هو حال دول حوض النيل - أن تحتج بأن واقعها الجديد يمثل تغيرا جوهريا في الظروف، يبرر لها إنهاء العمل بالمعاهدات المتعلقة بالحدود أو المرتبطة بها، والتي سبق أن أبرمتها الدولة السلف (8).

    وقد ذهبت محكمة العدل الدولية في أحدث أحكامها بشأن الأنهار الدولية في النزاع بين المجر وسلوفاكيا، وفي النزاع بين أوروجواي والأرجنتين بشأن نهر أوروجواي عام 2010، إلى تأكيد أن المعاهدات ذات الطابع الإقليمي، ومنها الاتفاقات المتعلقة بالأنهار الدولية، هي من المعاهدات التي لا يجوز المساس بها نتيجة للتوارث الدولي، أي أنها من قبيل المعاهدات الدولية التي ترثها الدولة الخلف عن الدولة السلف، ولا يجوز لها التحلل منها لأي سبب من الأسباب.

    وجلي أن هذه القواعد إنما تطبق على علاقة دول حوض النيل بعضها ببعض فيما يخص القيود والحقوق التي تلتزم بها هذه الدول في استخدام هذه الشبكة الدولية، باعتبار أن المعاهدات التي التزمت بها هي من قبيل المعاهدات العينية التي تنصب على أجزاء تلك الشبكة، والتي تجري في أراضي كل منها. وحيث إن هذه المعاهدات تتناول بالتنظيم مسائل تتعلق بالتزامات ذات طبيعة إقليمية وجغرافية، فإنها لا تتأثر بمجرد انتقال السيادة على الإقليم المحمل بهذه الالتزامات من الدولة المستعمرة إلى الدولة الجديدة.

    ثانيا- كانت الدول الموقعة على هذه المعاهدات في حالات كثيرة دولا أوروبية من أصحاب المستعمرات، وقعت تلك المعاهدات باسم الدولة أو الإقليم الإفريقي الخاضع لحكمها. ومع ذلك، فإن القانون الدولي يعترف بسريان مفعول هذه المعاهدات، وفقا لقواعد قانون التوارث بين الدول، سيما وأن هذه المعاهدات لم تأت بمبادئ قانونية جديدة، على خلاف القواعد العامة الحاكمة للنظام القانوني للأنهار الدولية، وإنما أكدت فحسب المبادئ التي سبق للفقه والعرف الدوليين قبولها، كمبدأ الاعتراف بالحقوق التاريخية المكتسبة، ومبدأ وجوب التعاون والتشاور والإخطار.

    ثالثا- تكشف العديد من هذه الاتفاقات عن التزام دول حوض النيل بمنح الأولوية المطلقة للحقوق التاريخية، والاقتسام السابق للمياه. فبمقتضي البروتوكول الموقع بين إيطاليا - صاحبة الولاية على الحبشة آنذاك - وبريطانيا عام 1891، التزمت إيطاليا بضمان وصول حصص المياه التاريخية التي تحصل عليها الدول التي تتلقي مياه النيل بعد مرورها من الحبشة. أما اتفاقية 1902، التي وقعها إمبراطور الحبشة، منيليك الثاني، مع كل من بريطانيا وإيطاليا، فقد تعهد بمقتضاها بألا يصدر أية تعليمات أو يسمح بإصدارها فيما يتعلق بأية أعمال على النيل أو بحيرة تانا أو نهر السوباط، يكون من شأنها اعتراض سريان مياهه إلى النيل.

    كما قضت المادة الثالثة من الاتفاق المبرم بين الكونغو وبريطانيا -ممثلة للسودان- عام 1906 بأن "تتعهد حكومة الكونغو المستقلة بألا تقيم أو تسمح بإقامة أية أشغال على نهر سمليكي أو نهر آيسانجو أو بجوار أي منهما، يكون من شأنها خفض حجم المياه التي تتدفق في بحيرة آلبرت، ما لم يتم ذلك بالاتفاق مع الحكومة السودانية". أما اتفاقية استعمال مياه النيل لأغراض الري المبرمة بين مصر وبريطانيا عام 1929، والتي أبرمتها بريطانيا، نيابة عن كل من السودان، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا، فقد أكدت فيها الحكومة البريطانية، في الخطاب الموجه لرئيس الحكومة المصرية في السابع من مايو 1929، أولوية الحقوق التاريخية، حيث جاء بخطاب المندوب السامي البريطاني ما يلي "أذكر دولتكم أن حكومة جلالة الملك سبق لها الاعتراف بحق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل". وهو المعني ذاته الذي أكدته بوضوح تام اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان.








    مبادرة حوض النيل:

    لعله من المفيد هنا وقد عرضنا للاتفاقات الخاصة بنهر النيل أن نعرض لمبادرة حوض النيل(NBI) لعام 1999، والتي هي بمثابة شراكة إقليمية تضم دول الحوض، بهدف العمل المشترك لتطوير وإدارة المياه على المدى البعيد، وتضافر جهود دول الحوض، وصولا إلى تنمية اجتماعية واقتصادية مستدامة، عبر الاستغلال العادل، والتوظيف الأمثل للموارد المائية لحوض النيل، والتي جاءت لتمثل نقلة نوعية مهمة في موقف دول حوض النيل، وسعيها للتصدي لمشكلة المياه. فلأول مرة، تنضم كافة دول الحوض، بما فيها إثيوبيا، لمثل هذا المحفل الإقليمي، والذي قام على أسس، من أهمها:

    1- أن يتم التعاون على مستويين، جماعي لكل دول الحوض، وفرعي على مستوي النيل الشرقي والنيل الاستوائي، مع مشاركة مصر والسودان على المستويين في آن واحد.

    2- إقامة مشروعات تحقق فائدة للجميع أو لأكثر من دولة من دول الحوض، دون إلحاق ضرر بالدول الأخرى.

    3- إقامة تنظيم إقليمي لإدارة وتنمية مياه النيل وتخصيصها على أساس الانتفاع المنصف.

    4- اتخاذ القرارات بتوافق الآراء.

    وتشمل المشروعات التنموية المتضمنة في مبادرة حوض النيل خزانات ومشروعات ربط كهربائي، بالإضافة إلى تطوير إدارة مبتكرة للمياه، وإدارة مبتكرة للفيضانات والجفاف، وأعمال الوقاية، مثل مشروعات التصحر والمساقط لتوليد الطاقة الكهربائية في مواضع الخزانات المختلفة في إثيوبيا.ولقد تم الاتفاق على هيكل مؤسسي للمبادرة، يتكون من مجلس وزراء الموارد المائية في دول الحوض، واللجنة الاستشارية الفنية، والسكرتارية العامة، كما تم الاتفاق على اختيار مدينة عنتيبي الأوغندية مقرا للسكرتارية الدائمة، على أن تكون الرئاسة بشكل دوري.

    والحق أن مبادرة حوض النيل تعد بهذه المثابة خطوة إيجابية كبيرة في طريق التعاون بين دول الحوض، حيث لم تقتصر، كغيرها من محاولات التعاون السابقة، على بعض النواحي الفنية فقط، وإنما أضافت إلى ذلك نواحي اقتصادية واجتماعية مهمة، فضلا عن سعيها الحثيث إلى معالجة الجوانب القانونية غير المتفق عليها بين دول حوض النيل، عبر خلق إطار قانوني مؤسسي واحد يكفل للجميع نصيبا عادلا من مياه النيل.

    وهنا، فإنه يتعين الإشارة إلى مشروع الإطار القانوني والمؤسسي للتعاون بين دول حوض النيل، والمعروف اختصارا بمشروع D-3. والذي ينطوي على سعي إلى وضع الإطار القانوني والمؤسسي العام للمبادئ التي تحكم التعاون بين دول حوض النيل فيما يتعلق باستخدام مياهه، على نحو يؤدي، على المدى البعيد، إلى تحديد الأنصبة العادلة والمعقولة لكل منها، وبما يضمن تحقيق الاستخدام الأمثل لمياه النيل لصالح جميع دوله وشعوبه.

    ولقد تم توقيع الاتفاق المتعلق بالمشروع في أكتوبر 1995، حيث اتفق وزراء الموارد المائية لدول الحوض على تشكيل لجنة من الخبراء في عدة تخصصات، لاسيما القانونية والهندسية، بواقع ثلاثة خبراء من كل دولة، على أن تكون مهمتها هي تحديد الطريقة والأنشطة التي يمكن من خلالها تعيين الحقوق العادلة والمعقولة المتعلقة باستخدام كل دولة من دول الحوض لمياهه، وتقديم التوصية بخصوصها، وذلك من خلال حصر ودراسة الأطر المؤسسية لأنهار دولية أخرى، واختيار ما يصلح منها لتطبيقها على نهر النيل، وحصر كافة المبادئ القانونية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، واختيار ما يمكن تطبيقه منها عليه، وكذلك تجميع كل البيانات المناخية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها للوقوف على الاستخدامات الحالية لدول حوض النيل، والاحتياجات المستقبلية لها، مع حصر الموارد المائية المتاحة لكل منها لمواجهة هذه الاحتياجات( 9).

    وفي يناير 2001، تم بالفعل تشكيل اللجنة الانتقالية، بواقع عضوين عن كل دولة من دول مبادرة حوض النيل التسع. ثم قامت اللجنة في فبراير 2002 بتقديم تقريرها إلى المجلس في دور انعقاده التاسع بالقاهرة، والذي أوصي بضرورة تشكيل اللجنة التفاوضيةNegotiating Committee ، التي تشكلت فعلا في التاسع من ديسمبر 2003، من أجل الاتفاق على الشكل النهائي للإطار التعاوني القانوني والمؤسسي لدول حوض النيل. وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة التفاوضية قد نجحت بالفعل في حسم بعض نقاط الخلاف التي ثارت بين دول حوض النيل، والتي كان من بينها مبدأ الالتزام بعدم الضرر، ووجوب دراسة الآثار البيئية للمشروعات المزمع القيام بها، ومدى تأثر الدول الأخرى بها.






    على أن ثمة عددا من نقاط الخلاف التي حالت دون الوصول إلى اتفاق نهائي في هذا الصدد، تمثلت في إصرار كل من مصر والسودان على الآتي: أولا: وجوب وجود نص صريح في الاتفاقية الإطارية، يضمن عدم المساس بالحصة التاريخية لكل من مصر والسودان، ثانيا: الإخطار المسبق عن أية مشروعات تزمع دول المنابع القيام بها، ويحتمل أن تؤثر في حصة الدولتين، وأخيرا: أن يكون تعديل الاتفاقية أو أي من ملاحقها بالتوافق العام وليس بالأغلبية، أو في حالة الأخذ بمبدأ الأغلبية أن تكون أغلبية موصوفة تشمل الدولتين. ولقد كان الخلاف حول هذه النقاط الثلاث سببا في فشل جولات التفاوض المتعددة، بدءا من كينشاسا في مايو 2009، مرورا بالإسكندرية في يوليو 2009، ثم كمبالا في سبتمبر 2009، ودار السلام في ديسمبر 2009، وصولا إلى شرم الشيخ في أبريل .2010

    والحق أنه ليس ثمة شك في أن موقف مصر والسودان، الذي تبدي واضحا في جولات المفاوضات الأخيرة، منذ كينشاسا مايو 2009، والقائم على رفض توقيع مشروع الاتفاقية، ما لم يتضمن نصا صريحا على الحقوق المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل، ووجوب الإخطار المسبق عن أية مشروعات على النهر، تقيمها إحدي دول المنابع، وفقا لإجراءات الإخطار التي اعتمدها البنك الدولي في هذا الشأن، فضلا عن وجوب أن يكون تعديل الاتفاقية أو أي من ملاحقها ليس بالأغلبية، وإنما بالتوافق العام، أو بالأغلبية الموصوفة التي تشتمل على كل من مصر والسودان - هو موقف سليم من الناحية القانونية. وتفصيل ذلك أن مصر والسودان تمسكتا في كينشاسا وما بعدها بنص المادة 14B من المشروع، والتي تتحدث عن "الأمن المائي" والاستخدامات الحالية، باعتبار أن ذلك يمثل البديل الوحيد المقبول للنص على "الحقوق التاريخية والمكتسبة"، والتي تكفلها لمصر والسودان كافة الاتفاقيات السابقة الخاصة بنهر النيل، وحتي لا يفهم من توقيع الدولتين الاتفاقية الإطارية دون هذا النص أنه تنازل منهما عن الاتفاقيات السابقة التي تؤكد هذه الحقوق، عملا بقاعدة أن اللاحق ينسخ السابق.

    والواقع أن تمسك مصر والسودان بحقوقهما التاريخية في مياه النيل ليس مرده إلى ما ورد بشأن هذه الحقوق في اتفاقيات نهر النيل، خاصة اتفاقيتي 1929 و1959 فحسب، وإنما هو أبعد من ذلك بكثير. فمرده أساسا إلى استعمال ظاهر لمياه النيل لآلاف السنين، لا يعوقه عائق على الإطلاق، قامت عليه أقدم حضارة في التاريخ دون وجود بديل حقيقي له فيها، ودونما اعتراض من أي أحد كان مقيما طوال هذه الآلاف من السنين على ضفاف النهر، سيما وأن المقيمين عليها خارج مصر كانوا في غير حاجة إليها لإفراط المطر، حيث يقيمون. كذلك، فإنه ليس من المنطق في شيء أن تتفق الدول الإفريقية، حديثة العهد بالاستقلال في أوائل الستينيات من القرن الماضي عند إنشائها لمنظمة الوحدة الإفريقية، على التسليم بالحدود المتوارثة عن الاستعمار، بالرغم مما بها من عيوب وتشوهات، حفاظا على الاستقرار في العلاقات الدولية، ثم تثير بعض دول حوض النيل مسألة أن اتفاقيات النهر هي اتفاقيات استعمارية، وأنها غير ملزمة بها، متناسية أن حقوق مصر فيها ليس مردها هذه الاتفاقيات فحسب، وإنما استعمال دائم ومستمر، وظاهر ومستقر لآلاف السنين السابقة، وأن الحديث عنها يهدد فعلا الاستقرار والعلاقات بين دول حوض النيل.

    أما فيما يتعلق بتمسك مصر والسودان بالإخطار المسبق، وفقا للإجراءات التي يجري عليها العمل في البنك الدولي، فهو مما يفترضه حسن النية، ومبدأ الانتفاع المنصف بمياه الأنهار الدولية، وتؤكده كل الوثائق الدولية ذات الصلة.وفيما يتعلق بمسألة التصويت في شأن تعديل الاتفاقية، أو أي من ملاحقها، فإنه من البدهي أن اختلاف المصالح القائم أو المحتمل في المستقبل بين دول المنابع، وهي الأكثرية الساحقة في حالة نهر النيل، ودول المصب، وهي الأقلية الضئيلة فيه، سيجعل دول المنابع قادرة دون شك على تغيير ما تشاء من بنود الاتفاقية وملاحقها، إذا ما كان التصويت بالأغلبية. ومن ثم، فإن مصر والسودان ستكونان في موقف شديد الضعف عند التفكير في تعديل تقترحانه، أو تقترحه دول المنابع أو بعضها.وهكذا، فإن اعتبارات السياسة والمصالح المتعارضة قد حالت حتي وقتنا الراهن دون الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ينظم الانتفاع بمياه نهر النيل، رغم ما هناك من إمكانات ضخمة للمنافع المشتركة بينها. وما شروع إثيوبيا في أعمال البناء الفعلي لسد النهضة، دون اكتراث بقواعد القانون الدولي، لا سيما ما يرتبط بالاخطار المسبق، إلا دليلا دامغا على ذلك.

    الهوامش :

    1- راجع في هذا المعني:
    - U.N., World Water Development Report, Water for People, Water for Live, Sharing Water: Defining a Common Interest, UNESCO, New York, 2003, pp.294-295, Yacop,Yosef, Equitable Utilization of the Blue Nile River Sub-Basin: context, problems and Prospects, http://www.tigrai.org\News\articles2003\DrYosef On Nile.htlm, pp.2-3.
    2- د. أحمد الرشيدي، مصر ومياه النيل: تحليل لبعض التوجهات المصرية إزاء العلاقات مع دول حوض النيل، في د. أحمد يوسف أحمد (محرر)، ندوة المشكلات المائية في الوطن العربي (29-31 أكتوبر 1994)، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1994، ص154- 155.
    3- راجع لمزيد من التفاصيل في هذا المعني:
    - Hirsh, A., Utilization of International Rivers in Middle East: A study of Conventional International Law, A.J.I.L.,vol50., 1956, p.81-83, Batston,
    R.K., The Utilization of Nile Waters, International and Comparative Law Quarterly,vol8., 1959, pp.550-551.
    4- Schwebel, op. cit., p.145, McCaffrey, S.C., The Law of Non-Navigational Uses of International Watercourses, Second Report, vol. II, part I, Y.B.I.L.C., 1986, p.56., Handle, op. cit., pp.56-61.
    5- راجع تفاصيل ذلك في، وزارة الخارجية، مصر ونهر النيل، القاهرة، 1983.
    6- عدنان موسي النقيب، تغير السيادة الإقليمية وآثارها في القانون الدولي، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 1989، ص118، وما بعدها.
    7- د. ممدوح شوقي، التوارث الدولي في المعاهدات الدولية: دراسة قانونية لاتفاقيات نهر النيل، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 45، 1989، ص190-.191
    8- د. إبراهيم العناني، إثيوبيا ومدى الالتزام باتفاقيات الانتفاع بمياه النيل، السياسة الدولية، العدد 129، يوليو 1997، ص.57
    9- لمزيد من التفاصيل، انظر، إيمان الديب، الطبيعة القانونية للمعاهدات الخاصة بالانتفاع بمياه الأنهار الدولية في غير أغراض الملاحة مع دراسة تطبيقية للاتفاقيات المتعلقة بنهر النيل، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2007، ص399-.401

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. الملف المصري 335
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-08-01, 12:05 PM
  2. الملف المصري 331
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-07-30, 12:00 PM
  3. الملف المصري 330
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-07-30, 11:59 AM
  4. الملف المصري 339
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-07-29, 11:58 AM
  5. الملف المصري 328
    بواسطة Haneen في المنتدى مصر
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2012-07-26, 11:57 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •