اقلام محلي 532
28/10/2013
في هذا الملـــــف:
شكرا رئيس الوزراء
بقلم: حديث القدس - القدس
«أبو جهاد» وحكايات ما قبل فتح!
بقلم: محمد جلال عناية – القدس
في مواجهة الحرب الإسرائيلية المستمرة ...
بقلم: طلال عوكل – الايام
الثقافة الفلسطينية: لمن لا تقرع الأجراس؟
بقلم: د.عاطف أبو سيف – الايام
تجديد مؤسسات م. ت. ف وتفعيلها
بقلم: سميح شبيب – الايام
عبثا محاولات انقاذ الانقسام !!!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
أبو خميس في ذمة الله
بقلم: عدلي صادق – الحياة
حكام السعودية والقضية الفلسطينية
بقلم: نعيم الأشهب - معا
شكرا رئيس الوزراء
بقلم: حديث القدس - القدس
ما تناقلته وسائل الاعلام امس واكدته مصادر حكومية من ان رئيس الوزراء د.رامي الحمد الله قام بزيارة مفاجئة !! لمقر وزارة التربية والتعليم في رام الله الساعة الثامنة والنصف صباحا للاطلاع على الخدمات التي تقدمها للجمهور ففوجىء بان الوزارة شبه خالية من الموظفين بدءا من الوزير ووكيل الوزارة ونصف المدراء وبعد ان انتظر نصف ساعة دون وصول اي من كبار المسؤولين عبر ان استيائه وغادر المبنى، يثير الكثير من التساؤلات من جهة خاصة وان الحديث يدور عن احدى اهم الوزارات ومن الجهة الاخرى يؤكد ان هناك الكثير مما يجب فعله في مواجهة كل مظاهر التسيب وعدم قيام الموظف العمومي خاصة كبار المسؤولين بواجبه في خدمة الجمهور طوال ساعات الدوام الرسمي.
السؤال الاهم الذي تثيره هذه الواقعة التي تأتي بعد ان اشار تقرير الرقابة والتفتيش الذي صدر مؤخرا الى ظاهرة تأخر المسؤولين والموظفين عن عملهم في الكثير من الوزارات وبعد ان اصدر رئيس الوزراء تعليمات بناء على ذلك للالتزام بالدوام الرسمي هو :كيف يمكن لموظف عام خاصة اذا كان من كبار المسؤولين ويتقاضى راتبه وامتيازاته من الخزينة العامة ويفترض به ان يخدم الجمهور ويقوم باداء عمله على اكمل وجه كيف يمكن ان يكون مكتبه خاليا بعد ساعة على بدء الدوام الرسمي وهل يفترض بالمواطن الذي يأتي لقضاء امر ما في الوزارة ان ينتظر فترات طويلة ليصل هذا المسؤول او الموظف الى مكتبه؟!
وفي الحقيقة فان هذه الظاهرة المؤسفة المتفشية في مختلف الوزارات والكثير من المؤسسات العامة ليست جديدة وطالما تذمر منها المواطنون ولكن الغريب والمدان ان يتواصل استهتار واستخفاف الموظفين الرسميين وفي مقدمتهم مسؤولين كبار بالمواطنين الى هذا الحد دون اتخاد اجراءات تأديبية رادعة بحقهم وهو ما يتجه القانون الاداري المعمول به.
والتساؤل اآاخر هو ان وزارة بحجم ومضمون وزارة التربية والتعليم التي يفترض ان تشكل قوة ونموذجا لانها تشرف على توجه وادارة العملية التربوية التعليمية في فلسطين، اذا كانت تعاني من مظاهر سلبية كهذه فكيف يمكن للمواطن العادي ان يكون مطمئنا الى قدوة هؤلاء المسؤولين والموظفين المتغيبين عن اماكن عملهم على آداء مهامهم المنوطة لهم بشكل ناجع ينعكس ايجابيا على مستقبل ومصير الاجيال التي يفترض بوزارة التربية والتعليم غرس روح الانضباط والالتزام والمسؤولية لديها في كل مراحل العملية التربوية التعليمية.
لقد احسن رئيس الوزراء د.الحمد الله صنعا بزيارته المفاجئة تلك لانه بذلك كشف واكد حقيقة سلبية طالما عانى منها المراجعون من المواطنين ليس في هذه الوزارة فحسب دائما في وزارات اخرى.
والسؤال الثالث الذي تثيره هذه الواقعة هو هل فعلا يقوم العدد الكبير من وكلاء ومدراء الوزارات لدينا وكبار الموظفين بمهامهم بما ينسجم مع الرواتب الكبيرة التي تقاضونها؟ وهل يمكن استمرار والسكوت على مظاهر التسيب والترهل والاستخفاف بالجمهور وعدم خدمته بما يليق به ؟
واخير ا فان السؤال الاهم هو ما الذي ستفعله رئاسة الوزراء ازاء هذه الظاهرة في مختلف الوزارات عموما وازاء المقصرين بواجباتهم والمستخفين بالمواطني من المراجعين سواء في وزارة التربية والتعليم او غيرها من الوزارات والمؤسسات الحكومية؟
اننا على ثقة بان الجهد الذي بدأه رئيس الوزراء بهذ الشأن يشكل خطوة هامة نحو مواجهة هذه الظاهرة واصلاح الخلل القائم نأمل ان تتبعها خطوات اخرى لتعزيز الثقة بين المواطن والموظف العام وتأكيد حقيقة ان اي موظف العام بدءا بالوزير وصولا!؟ الى اصغر موظف في اي وزارة انما يتسلم هذا المنصب او يقوم بهذه الوظيفة خدمة للمواطن والوطن واسهاما في نهضة وبناء دولتنا العتيدة وهو الفهم الذي يجب ان يترسخ لدى كل موظف عام.
«أبو جهاد» وحكايات ما قبل فتح!
بقلم: محمد جلال عناية – القدس
«ابو جهاد» وانا، كان بيننا اتفاق مضمر لم يجر الحديث فيه، وهو العمل على انصافه، من خلال محاولة تصحيح تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
لم يطلب مني «ابو جهاد» ذلك، ولكنني كنت ادرك بحدسي انه يتوقعه، ومن جانبي لم المح له بشيء، ولكنني كنت قد اخذت على نفسي عهداً بأن انصفه، وكان «جندي من العرب» العنوان الذي وضعته للكتاب الذي انوي تخصيصه لسيرته.
تمهلت من خلال توقع بأنه ما زال هناك متسع من الوقت لمتابعة المسيرة. ولكنني تعلمت درساً بأنه كان خطأ فادحاً المراهنة على سلامة اخطر قائد فلسطيني واجه اسرائيل بعد النكبة. وكان مستقبله اشد خطورة عليها من حاضره، اذا ما اصبح يوماً قائداً للثورة الفلسطينية بعد رحيل ياسر عرفات بطريقة او بأخرى. لذلك قررت اسرائيل ان تئد مستقبل الفلسطينيين باغتيال خليل الوزير «١٦/ ٤/ ١٩٨٨»، قبل القضاء على حاضرهم.
في العام «١٩٥٤» كان كلانا في قطاع غزة يغني على ليلاه الفلسطينية بطريقة مختلفة، فقد كان عضواً ناشطاً في حركة الاخوان المسلمين. وضمن النشاط السري للحركة حصل على تدريب عسكري كان شغوفاً بتطبيقه، مما دفعه للانسحاب من حركة الاخوان المسلمين، وادخله في متاعب مع المخابرات المصرية في قطاع غزة. اما انا فكنت ذا اتجاه قومي عربي شغوفاً بالوحدة العربية لاسترجاع فلسطين. وكنت رئيس تحرير مجلة «المستقبل»، وكاتب عمود في جريدة «غزة»، ومشرفاً على تحرير جريدة «اللواء» ومع انني اعمل في العلن، الا انه كان لا مفر من متاعب مع المخابرات المصرية التي تشرف على الرقابة الصحفية. وربما بسبب السري والعلني في تلك المرحلة، كان خليل الوزير يعرف عني اكثر مما اعرف عنه.
مضى الزمن بخطى سريعة، وفيما بعد، حدثني ابو جهاد عن نشاطه في تلك المرحلة، في لقاء مطوّل تم بيننا في بيروت، بعد ظهر يوم الاحد ١٧/ ٩ / ١٩٧٨، وهذا ما قاله ابو جهاد:
التجربة الحزبية
«حتى ونحن في غمرة العمل الحزبي كنا نصارع ليكون اتجاه الحزب فلسطينيا ولتكون قيادته فلسطينية، وكنا ندخل في صراعات مع الذين سعوا لربط التنظيمات في غزة بقيادات غير فلسطينية وخارج فلسطين، لقد كنا نرفض هذا الاتجاه ونسعى لتكوين الشيء الفلسطيني رغم كل ما واجهناه من عقبات.
ولقد تولدت لدينا قناعة، من خلال التجربة، بأن العمل الحزبي لن يقدم شيئا لفلسطين، ووجدنا ان الاستمرار في هذا الطريق سيدخلنا في متاهات واسعة لا نستطيع الخروج منها، لذلك ادركنا بأنه لا بد من خلق الشيء الفلسطيني».
(الشيء الفلسطيني)
كان التشكيل في هذه المرحلة ١٩٥٤ مكونا من مجموعة الشباب الذين اعتمدوا على إمكاناتهم الخاصة، وكانت قيادة التشكيل تضم معي الاخ حمد العايدي والأخ محمد الافرنجي، وكان الأخ محمد الافرنجي مدرسا في وكالة الغوث، والأخ حمد العايدي موظفا في نفس الوكالة، وكنت طالبا واقوم بتعليم بعض الدروس الخصوصية فنجمع ما نحصل عليه من نقود بالاضافة الى بعض التبرعات وكذلك ما يرسله الاصدقاء الذين يعملون في الخارج، كنا نجمع هذه المبالغ ونشتري بها المعدات، فاشترينا متفجرات من صيادي السمك، وكنا نقع احيانا على صفقات جيدة، ففي احدى المرات اشترينا من منطقة خانيونس نصف طن من المتفجرات كانت مكونة من الغام قديمة وغيرها بستين جنيها، وقد ساعدنا هذا على القيام بسلسلة من العمليات.
(خلف خطوط الهدنة)
"قمنا بزرع الالغام في المناطق التي تحتلها اسرائيل خلف خطوط الهدنة، ونسفت عدة جرارات وآليات لها، وكنا نضع العبوات الناسفة في محطات توليد الكهرباء ومراكز المياه في المستوطنات، كنا نرسل دوريات داخل المناطق المحتلة. ووصلت احدى هذه الدوريات الى منطقة يازور وضربت سيارة لاندروفر عسكرية لاسرائيل على طريق يافا - يازور.
(نسف خزان زوهار)
"اما اخطر العمليات التي قمنا بها فكانت نسف خزان زوهار بالقرب من الفالوجة. حيث وضعنا فيه كمية كبيرة جدا من العبوات والمتفجرات. فتدفقت المياه وانسابت الى بيت حانون المستعمرة، وبيت حانون البلد، ومنها الى قرية هربيا حتى صبت في البحر الابيض المتوسط. وفي اليوم التالي ذهبنا انا ومحمد الافرنجي على دراجة هوائية الى بيت حانون وشاهدنا برك المياه التي سببها انهيار الخزان الذي نسف".
(جمل يكشف السر)
"كان ذلك عندما كنا في دورية في منطقة قريبة من وادي غزة، ونستعد للدخول الى المناطق المحتلة باتجاه طريق بئر السبع. وخلال المراقبة لاحظنا نشاط الدوريات المصرية والاسرائيلية على جانبي خط الهدنة في تلك المنطقة مما اضطرنا الى تأجيل العملية. فتركنا المعدات وبقي احد افراد الدورية لاخفائها، فقام بدفن الالغام قريبا من الجسر واخفى الصواعق في جهة ثانية بعيدة عن الالغام.
تصادف بعد ذلك مرور دورية مصرية من الهجانة التي تتجول على ظهور الجمال. فارتطم خف الجمل بأحد الالغام فسمع الجندي صوت الارتطام فترجل عن الجمل واخذ يبحث في المكان فعثر على الالغام، ثم وجد الصواعق بعيدة عنها، فحملت الدورية المصرية الالغام الى مصطفى حافظ مسؤول المخابرات. وعندما تفحصها ادرك انها من صنع محلي".
(المخابرات تعتقلني)
«قام مصطفى حافظ ببث رجال المخابرات للتحري عن مصدر الصناديق الخشبية والقطع المعدنية عند كل النجارين والحدادين في قطاع غزة. ففشلوا في التعرف على مصدر الصناديق الخشبية. ولكن الذي حدث انني عندما ذهبت الى الحداد في السابق لعمل اللوحات المعدنية، كان ابنه موجودا في المشغل، والابن يعرف شخصيتي. فلما جاء رجل المخابرات ليستفسر من الحداد عن القطع المعدنية انكر علاقته بالموضوع ولكن ابنه سارع بالاجابة وقال انا اعرف الشخص الذي طلبها وهو فلان. فداهم رجال المخابرات بيتي واعتقلت . وبعد ذلك خرجت من السجن بكفالة».
(التعاون مع الفدائيين)
«عندما كان مصطفى حافظ وبقية رجال الاستخبارات المصرية يبعثون بالفدائيين (الفلسطينيين) للاستطلاع فقط، كنا نكلف هؤلاء الفدائيين بمهمات قتالية. كان الفدائي يزود من المخابرات المصرية بكمية معلومة من الذخيرة وبعدد محدد من القنابل عليه ان يعود بها كاملة .. فكنا نزوده بالذخيرة وبعدد من القنابل. فيؤدي المهمة الاستطلاعية التي كلفه بها جهاز المخابرات. ثم يقوم بعمل اشتباك ويضرب ويعود. وعندما تحصي المخابرات ذخيرته تجدها كما هي. وكانت صلتنا قوية بافراد هذه الدوريات وبعضهم يقاتل الان معنا في قوات الثورة».
(الرد على التخاذل)
«كان منطلقنا وطنيا فلسطينيا قوميا مرتبطا بعروبته وقوميته ويحرص كل الحرص على ان يجسد ارادة شعبنا العربي الفلسطيني. كنا نقول بأن النضال من اجل تحرير فلسطين هو الطريق الذي سيجمع العرب ويجعلهم يلتقون في خندق واحد. وهذا النضال سيزيل الحدود ويعزز الشعور القومي العربي».
قبل اسدال الستارة على هذه المراجعة التصحيحية، نذكّر بان السجين والسجان لم ينج اي منهما من الاغتيال. فان جهاز امان اغتال مصطفى حافظ بواسطة طرد ملغوم في غزة (١٩٥٦/٧/١٢ )، وان اسرائيل جهزت حملة عسكرية برية وبحرية وجوية تكفي لاحتلال دولة، لاغتيال خليل الوزير في ١٩٨٨/٤/١٦ في تونس.
في مواجهة الحرب الإسرائيلية المستمرة ...
بقلم: طلال عوكل – الايام
يكاد لا يمر صباح بدون أن تنقل لنا وسائل الإعلام الإسرائيلية خبراً أو أكثر عن عطاءات استيطانية، أو مصادرة أراض، أو مخططات تهويدية في القدس، أو مشاريع قرارات يتم تحضيرها لاتخاذ قرارات بشأنها في الحكومة أو الكنيست. إسرائيل تتجند بكل طاقتها، في حربها العدوانية على الأرض والحقوق الفلسطينية، وعلى التراث والآثار، وكل ما يتصل بوجود الفلسطينيين التاريخي على هذه الأرض. هي حرب لا تكتفي بقتل المواطنين الفلسطينيين أو اعتقالهم، وإنما تستهدف قتل التاريخ والحضارة الإنسانية، والحقوق بكل مستوياتها الفردية والجماعية وبسبب كثافة وسرعة واتساع نطاق المخططات الاستيطانية والتهويدية الإسرائيلية، لم يعد ضرورياً، الخوض في التفاصيل والأرقام والمعطيات إذ إن ما يتوفر منها يكفي لإقناع الباحثين عن الحقيقة، لأن يتوصلوا إلى استنتاجات مهمة وخطيرة بشأن مستقبل عملية السلام، ومسؤولية إسرائيل الحصرية عن تدمير هذه العملية. إن إسرائيل في الحقيقة لا تتوقف عن خوض الحرب ضد الفلسطينيين والعرب، وبكل الوسائل المتاحة لديها وهي كثيرة ومتنوعة، وأشدها خطورة، حربها الاستيطانية التهويدية التي تستكمل المشروع الصهيوني الأول، الذي يقوم على قاعدة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وفيما يفصل الفلسطينيون بين التكتيك والاستراتيجية في تعاملهم مع يوميات وآليات هذه الحرب الإسرائيلية المجرمة، فإن الإسرائيليين لا يقيمون فرقاً بين هذه وتلك، فالتكتيك الإسرائيلي في كل جزيئياته لمصادرة الأرض والحقوق والتاريخ، يؤكد في كل لحظة وجود الاستراتيجية وثباتها وديمومتها، وأن الحكومة تكرس سياساتها، وإمكانياتها لتذليل العقبات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تعترض تنفيذ ونجاح هذه الاستراتيجية.
في هذا الإطار علينا أن نصدق بأن كيري، وعد الفلسطينيين بأن يتم تخفيف هذه المخططات الاستيطانية، في حال قبولهم استئناف المفاوضات مع إسرائيل، وعلينا أن نصدق أيضاً أنه لا يوجد فلسطيني واحد يمكن أن يقبل أية مساومة تنطوي على موافقة، أو تساهل إزاء ضرورة وقف الاستيطان.
غير أن رفض الفلسطينيين للتسليم بالمخططات الاستيطانية الإسرائيلية، يبقى أسير التكتيكات والمراهنات السياسية، ذلك أن الموقف النظري لوحده ليس قادراً لا على الموقف الإسرائيلي إزاء هذا الملف ولا على المواقف العملية للقوى الخارجية. منذ فترة طويلة ونحن نتابع وننتظر من الاتحاد الأوروبي اتخاذ قرارات ملزمة وحاسمة، إزاء البضائع التي تصدر من المستوطنات، وإزاء الشركات والاستثمارات التي تعمل فيها، لكن هذا الأمر وقع مؤخراً ارتباطاً باستئناف المفاوضات، وكان يفترض أن تكون مثل هذه القرارات، قد اتخذت منذ زمن كتعبير عن التزام قانوني، أخلاقي وسياسي، باعتبار أن الاستيطان غير شرعي وغير قانوني. من لا يرغب في الفهم عليه أن يفهم بأن الأوروبيين اتخذوا هذا القرار بضوء أخضر أميركي، بهدف التلويح بإمكانية ممارسة المزيد من الضغوط على الدولة العبرية من أجل إرغامها على إنجاح المفاوضات والعملية السلمية، ولكن إسرائيل لا تبدي أية مرونة في هذا الاتجاه، وهي قادرة عبر وسائل وتكتيكات مختلفة على التهرب من هذه الضغوط..
اللقاءات التي أجراها وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال الأسبوعين الأخيرين مع لجنة متابعة عملية السلام العربية، ومع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، كل على حدة، كانت أكثر من مخيبة للآمال لا بسبب تعنت الطرف العربي، وإنما بسبب التعنت الإسرائيلي.
سبع ساعات استغرق اللقاء بين كيري ونتنياهو، حاول خلالها كيري أن يقنع نتنياهو، بأن تقدم المجتمع الدولي، نحو التعامل بطرق ووسائل أكثر حزماً مع إيران على خلفية برنامجها النووي، مرتبط بتقدم العملية السلمية بما يعني أن عملية السلام ينبغي أن تكون إلى جانب الملف النووي الإيراني على رأس جدول أولويات حكومة إسرائيل.
لم يفلح كيري في تحقيق هذه المعادلة، ولذلك وفي رسالة أخرى لإسرائيل قامت الإدارة الأميركية، بالإيعاز للكونغرس، لأن يتوقف عن اتخاذ المزيد من العقوبات بحق إيران. وقبل ذلك كانت لقاءات إيران مع مجموعة 5+1، في جنيف قد أوحت بأن علاقات إيران مع المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة في طريقها إلى التحسن، وأن هذه العلاقات قد تشهد تخفيفاً للعقوبات المفروضة على إيران، الأمر الذي يولد لدى إسرائيل مخاوف كبيرة من أن تنجح السياسة الإيرانية في تجاوز الخطوط الحمراء في برنامجها النووي، بدون أن تلقى الرد المناسب الذي تريده إسرائيل من حلفائها الدوليين.
في الواقع، فإن المخاوف التي تنتاب الإسرائيليين إزاء الملف النووي الإيراني تتسع لتشمل دول الخليج العربي، وذلك فإن إسرائيل المستاءة من المواقف الأميركية والأوروبية، ستحاول الاستفادة من استياء الخليجيين من أجل إقامة علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع دول الخليج بما يشكل ضغطاً في الاتجاه المعاكس.
وفي مواجهة ذلك، وفيما لا نعرف بالضبط إلى أي مدى يمكن أن تذهب واشنطن والمجموعة الأوروبية في ممارسة ضغوط جدية حاسمة على إسرائيل، فإن الأخيرة لا تبدي أي مرونة ولا تقدم أي إشارة تفيد باستعدادها للاستجابة. هنا يفترض أن يرتقي الفعل الفلسطيني على المستوى الذي يقطع الطريق على محاولات إسرائيل لتحسين علاقاتها مع دول الخليج، وإلى الحد الذي يطرح هذا الملف كقضية دولية، تضغط على المجتمع الدولي بأسره من أجل الانخراط في حركة الضغط المؤثر على إسرائيل.
وحتى يبلغ الفعل الفلسطيني هذا المستوى، ينبغي إسناد الفعل السياسي والدبلوماسي الذي يقوم به الرئيس محمود عباس، والذي أشار إليه وزير الخارجية رياض المالكي، بعمل على الأرض، بمعنى تنشيط وتفعيل وتصعيد المقاومة الشعبية وهي قضية يتفق عليها كل الفلسطينيين فالفعل الإسرائيلي يتطلب فعلاً فلسطينياً.
الثقافة الفلسطينية: لمن لا تقرع الأجراس؟
بقلم: د.عاطف أبو سيف – الايام
لا تبدو الثقافة الفلسطينية أحسن حالاً من مجمل السياق الفلسطيني العام، لكنها ربما كانت الأكثر تهميشاً في سلم الاهتمامات والأولويات الوطنية والرسمية، والأدنى اهتماماً لدي واضعي السياسات العامة. حتى يصعب الحديث عن وجود سياسات ثقافية عامة أو توجهات في رسم السياسات العامة تأخذ الثقافة بعين الاعتبار، أو هي حساسة لاحتياجات القطاعات الثقافية المختلفة ومستجيبة لبعض هذه الاحتياجات أو هي تأخذها على محمل الجد. ودأب الثقافة أن تكون أول ضحايا أي تراجع في السياسات الحكومية على صعيد الأداء من حيث تطوير الأفكار التي تقف خلف السياسات الحكومية أو من حتى من حيث نقص التمويل ورأس المال الذي يساند الحراك الثقافي ويجعل منه امراً ممكناً.
طبعاً يمكن للبعض ان يجنح للغضب ليسأل إذا ما كان حقاً ثمة سياسيات حكومية ورسمية تتعلق بالثقافة، وإذا ما كان حقاً أبعد من المسمى هناك ما يمكن نعته بالثقافة والانتاج الثقافي. وهو نقد نابع بالطبع من الغيرة والحرص والألم سيما في ظل هذا التراجع المهول في حضور الثقافة في الحياة العامة، وهبوط فاعليتها إلى أدني درجات سلم الاهتمامات الرسمية والشعبية. أيضاً يمكن سرد عشرات الأسباب والمقولات التي تساهم في تفسير تدني هذا الاهتمام، لكنها في محصلة الأمر لا تغير من الحقيقة والواقع شيئاً؛ فالثقافة أول ضحايا هذا الوضع وهي المطلوب منها أن تكون الجدار المنخفض الذي يقفز عنه الجميع.
يمكن لمراجعة نسبة الإنفاق الحكومي على الثقافة أن تساهم في توضح إنعدام هذا الإهتمام. وهي نسبة لا يمكن التأكد منها لكنها في أحسن حالاتها لا يمكن ان تتجاوز نصف العشر بالمائة. أيضاً لتنظروا إلى الموازنة العامة حتى تصدموا من طبيعة الأرقام والمخصصات التي توفر لوزارة الثقافة وللمؤسسات الرسمية والشعبية العاملة في الثقافة. لا يوجد مؤشرات رمسية عن حالة الثقافة في فلسطين، ولكن هل يمكن لنا ان نعرف كم كتابا يطبع في فلسطين في السنة؟ وما هي حصة كل مواطن من كل كتاب؟ وما هي مؤشرات المعرفة الأساسية من حيث ارتياد المكاتبات العامة وطاقة شراء الكتب والصحف والمجلات؟ وما هي نسبة مساهمة الحكومة في كل ذلك؟ الأرقام ستكون صادمة، وهي بحاجة لوقفة جادة.
الامر الآخر هو موقع غزة في كل ذلك. فمنذ إنقلاب حماس قبل ست سنوات ونيف خرجت غزة من حسابات المؤسسة الثقافية الرسمية، فكأن الوزارة لا علاقة لها بغزة وكأن الثقافة والمعرفة التي تقع تحت بساطير الهيمنة ومحاولات التشويه والتغير لا تعني كثيراً صانع القرار الثقافي هناك. وباستثناء بعض المبادرات الصغيرة والمحاولات المتواضعة والمحمودة رغم ذلك فإن مثقفي غزة خرجوا خارج السياق. واختفت الفعاليات الثقافية والنشاطات والطباعة. في غزة الجهة الوحيدة التي تطبع هي المؤسسات التابعة لحكومة حماس وهي تقوم بانتاج ادب وثقافة خاصة بها وتعبر عن تطلعاتها الفكرية والهوياتية التي هي بالطبع انزياح واضح عن التيار العام للثقافة الفلسطينية الصافية.
هل يتصور احد أن الاتحاد العام للكتاب والادباء في غزة تم إغلاقه لقرابة عام لأن ثمة ديون سبع سنين متراكمة اجرة للمكان، وان صاحب العقار كاد ان يشتكي الامانة العامة في غزة لشرطة حماس! أما عن اتحاد الكتاب والنقابات والمؤسسات الثقافية فتلك قصة أخرى تزيد الصورة قتامة. فإتحاد الكتاب ربما كان النقابة الوحيدة من كل نقابات الوطن الذي لم تلتئم أمانته العامة بشكلها الكامل بين غزة ورام الله إلا مرة وحيدة عبر الفيديوكونفرس وكان ذلك لمناقشة اتفاق وقعه الأمين العام مع فرع الشام ورفضته في حينه كل الامانة العامة في غزة حيث رأت فيه خروجا عن تقاليد العمل النقابي الثقافي ورغم ذلك لم يؤخذ برأيها بالمطلق. حتى الأمين العام حين جاء ضمن وفود التضامن النقابية العربي بعيد العدوان الهمجي على غزة في خريف العام الماضي وأمضي في غزة يومين لم يكلف نفسه عناء الاتصال بالأمانة العامة في غزة للالتقاء باعضائها. أما عن النشاطات والمشاركات الخارجية والطباعة فحدث ولا حرج.
أيضاَ أظن أن مؤسسة بيت الشعر الفلسطيني العريقة بماضيها مازالت موجودة. لست متأكداً، ولكنني متأكد بأن بيت الشعر لم يعد موجوداً على الأقل بالنسبة لكثيرين كمتابعين ومشاركين ضمن عالمهم الصغير في هذا المشهد الراكد. بيت الشعر الذي قام على تأسيسه نخبة من الشعراء قبل قرابة عقد ونصف وربما أكثر منهم الراحل الجميل حسين البرغوثي وبعض الأحياء، سجل حضوراً كبيراً في ذلك الوقت حيث كانت مجلة الشعراء التي تشرفت بالكتابة بها- ومن ذلك انني ترجمت العشرات من قصائد الشاعر الايرلندي الكبير شيموس هيني الذي رحل قبل شهرين- ومجلة "أقواس" التي عنيت بالكتابات الشابة، بجانب طباعة العديد من المجاميع الشعرية وكتب الدراسات. الآن لم يعد هذا موجوداً ربما إلا على الصعيد الشكلي. اولاً فبيت الشعر موجود فقط في رام الله حيث رئيسه الذي للمفارقة هو أمين عام اتحاد الكتاب في خلط كبير بين المهام النقابية والمهام الحكومية حيث كما أعرف بيت الشعر مؤسسة حكومية، وهو ما يستدعي الفصل بين الموقعين . ولا يوجد أي فعالية له في غزة كما كان في الماضي، كما أن أحداً من طاقمه او مجلس إدارته (او هيئته الإدارية، لا اعرف ما اسمها) من شعراء غزة. لا أحد يحدثني عن الانقسام فانا أعرفه جيداً ويعرفه زملائي كتاب غزة المحرومون من كل شيء، والذين دفعوا فاتورته بقسوة ووحشية من سجن وقمع ومنع من السفر. لذا لا يتهرب أحد بالقول إن هذا من أثر الانقسام.
المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ليست بريئة تماماً فهي أيضاً مقصرة لأن ثمة ثقافة لتغييب الثقافة داخلها، بيد أن ثمة بعض المؤسسات الوطنية غير الحكومية التي لابد من استثنائها من هذا اللوم. إن بؤس الثقافة باستعارة عبارة الدكتور فيصل دراج بحاجة لجهد اكبر لتجاوزه سواء عبر التدخل الرسمي او هبة المثقفين المدافعين عما تبقي من هذا المشهد العريق الذي سبق كل سياقات الحالة الفلسطينية في تطوير كنه وجوهر الحالة الوطنية، وهو جهد يتطلب الوقوف بجدية امام التحديات واما تفعيل المشهد الذي يبدو للمفارقة في فعاليته الخارجية اكثر حضوراً من فعاليته الداخلية حيث يحقق الكتاب والشعراء الفلسطينيون بعض الإنجازات الملفتة دون ان تلتفت المؤسسة الرسمية.
تجديد مؤسسات م. ت. ف وتفعيلها
بقلم: سميح شبيب – الايام
جدية المفاوضات الجارية، بات أمراً متداولاً إسرائيلياً وفلسطينياً على حد سواء. صحيح أن المفاوضات الجارية، تجري بسرية عالية، لكن بعض التصريحات الأميركية والإسرائيلية والفلسطينية، باتت ترسم أفقاً لمفاوضات جدية جارية، وسيترتب على نتائجها الكثير ميدانياً.
من الصعوبة بمكان في هذا المقام، الاجتهاد، أو البناء على تصريح من هنا، أو من هناك. لكن ما جرى حتى الآن، بات يعاني ما يعانيه من انشقاق جيو ـ سياسي، واختلاف في الرؤى السياسية، إضافة لبعد مهم، بل هو في غاية الأهمية، وهو عدم الاكتراث شعبياً لما يجري، وإضافة لعدم مشاركة فصائل م.ت.ف، بتلك المفاوضات، وكأنهم كورس مشاهدة فقط!!
يعود هذا البعد، لسببين رئيسيين، أولهما، آليات المفاوضات السابقة منذ 1994، ومرورها بمفاصل نوعية، مثل كامب ديفيد 2000، ومن ثم انتكاسها، وعدم جدواها ، حتى بات بعض الأوساط ينعتها "بالعقبة" وضياع الوقت.. كان من الطبيعي، عندما تم استئناف تلك المفاوضات، بعد طول انقطاع، أن تواجه باللامبالاة شعبياً.
أما على صعيد فصائل م.ت.ف وقواها، فالأمر يختلف بعض الشيء، ولعل أهم أبعاده، غياب المؤسسات وأبرزها، المجلس الوطني، تراجع دور المجلس المركزي، بُعد المنظمات الشعبية عن دائرة المشاركة في القرار، أو حتى الاطلاع عليه!
في ظل تلك الأجواء: جدية المفاوضات، وعدم المبالاة الشعبية، وبعد فصائل م.ت.ف ومنظماتها الشعبية، تبرز أهمية التفكير في إحياء وتجديد دور بعض المؤسسات وأبرزها: المجلس الوطني الفلسطيني.
صحيح أن هنالك صعوبات تحول دون عقد المجلس الوطني، لكن هناك ضرورات حيوية ومهمة، تستدعي عقده، وفي حال تعذر ذلك فإن عقد مؤتمر شعبي عام للشعب الفلسطيني، تتمثل فيه الفصائل والمنظمات الشعبية، ومنظمات العمل الأهلي، والشخصيات الوطنية، وممثلو الجاليات الفلسطينية، بات أمراً تتطلبه ضرورات العمل السياسي، وصيرورة المفاوضات الجارية، وذلك للتداول بمجريات القضية الفلسطينية، وما وصلت إليه الأمور، ومشاركة أوسع القطاعات الشعبية الفلسطينية، بمجريات الأمور. من شأن مؤتمر موسع كهذا، إشراك أوسع القطاعات الشعبية بحماية وصيانة الفعل السياسي الفلسطيني من جهة، والتوصل إلى بيان عام، يتضمن خطوط التحرك المستقبلي العريضة.
باتت شرائح وقوى فلسطينية واسعة، ترى في مجريات الأمور، وكأن شيئاً مجهولاً يحدث، والمطلوب من الجميع أن يكون مشاهداً لا يرى شيئاً.
تجديد وتحديث وإحياء بعض مؤسسات م.ت.ف، وفي المقدم منها المجلس الوطني، والتمهيد لذلك بعقد مؤتمر شعبي عام، بات ضرورة قائمة، على أصحاب القرار التقاطها والعمل عليها.
عبثا محاولات انقاذ الانقسام !!!
بقلم: يحيى رباح – الحياة
عندما وقع الانقسام على يد حماس في الرابع عشر من حزيران 2007، كان فاقدا لاية مبررات، وكان محقونا بالعديد من الرهانات! وفي السياسة، يصعب على البعض احيانا ان يفرقوا بين موضوعية المبررات واوهام الرهانات،فتتوه الخطى، ويستغرق الفهم، وتصبح النتائج كارثية.
الرهانات التي قام عليها الانقسام تساقطت جميعها وراء بعضها، فقد كان الرهان الاول اسرائيلياً بامتياز حين انسحبت اسرائيل من جانب واحد،مراهنة على فصل قطاع غزة عن مساره الفلسطيني واعتباره بديلا عن الدولة الفلسطينية، ومحاولات توسيعه في سيناء.
وكان هذا الرهان الاسرائيلي بالاساس مغريا للعديد من الاطراف التي شاركت فيه من خلال تشجيع الانقسام بكل الوسائل بما فيها الوعود الكبيرة المستحيلة، ومن خلال اظهار الانقسام وكأنه اول انتصار للاسلام السياسي نحو طموح الحكم والسيطرة في المنطقة، وكانت تلك المحاولات ترتكز الى وهم جعل الانقسام ندا للشرعية الفلسطينية ويسعى ان يحل بدلا عنها حين تكتمل المعادلة.
ولكن هذا الرهان الاسرائيلي بالاساس الذي انبثقت فكرته الاولى في منتصف الثمانينيات وبدا تنفيذه الفعلي في خريف 2005، وتجسد في الانقسام 2007، فشل على مراحل متعددة وكانت ذروتها في الثلاثين من يونيو 2013 حين اطاحت الثورة المصرية الثانية بكل الترتيبات الجارية، واستعاد الامن القومي المصري مجاله الحيوي، وفرض حقائقه وضروراته على ارض الواقع، وانكشفت فصول لم يكن اصحابها يتوقعون ان تفتضح الى هذا الحد.
ولكن الانقسام كان قد تعرض الى ضربة قوية سابقة في التاسع والعشرين من نوفمبر 2012، حين حصلت فلسطين على قرار تصعيدها الى دولة غير عضو «دولة تحت الاحتلال «من الجمعية العامة وبأغلبية كبيرة جدا، ذلك ان الانقسام من وجهة نظر ذلك القرار لم يستطع ان يرقى الى الندية لتعطيل الشرعية الفلسطينية،لان العالم كله وجد ان الانقسام لا يستحق ان يكون عائقا امام الحق الفلسطيني، وهذا ما ادركته الولايات المتحدة واسرائيل نفسها حين تم الضغط لاستئناف المفاوضات الصعبة جدا مع الشرعية الفلسطينية في ربيع هذه السنة 2013! ولحظتها جرى احباط قوي لجماعة الانقسام الذين كانوا يتوهمون انهم سيصبحون طرفا في المقايضة على هذا الصعيد.
ثم سقط الانقسام مرة ثالثة علنا وامام جميع المراقبين في العالم في الرابع من يناير مطلع هذه السنة حين خرج الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بأغلبيته الساحقة في الذكرى الثامنة والاربعين لانطلاقة حركة فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة ليقول ان الانقسام لم يمس جوهر هويته الوطنية، وان الانقسام ليس سوى بثور تافهة على السطح لا قيمة لها، وفي ذلك المهرجان كانت الهوية الوطنية هي سيدة الموقف وليست اوهام الانقسام.
ثم جاء السقوط الرابع للانقسام من خلال تطورات الاحداث الجارية في العالم العربي، حين اكتشفت الامة العربية بكل قواها الحية ووعيها العميق ان الانقسام الفلسطيني لم يكن الا علامة عن الخطر الداهم الذي يستهدف الامة، وانتج هذا الانكشاف ردات فعل ايجابية في مصر وتونس وسوريا وليبيا وغيرها، فلقد اتضح ان الخطر واحد وان تعددت المسميات.
احببت ان اقدم هذا العرض المكثف، لكي اقول لجماعات الوساطة وادعياء المصالحة ومخاتير السياسة الغائبين عن الوعي، ان محاولاتهم وهرولاتهم لانقاذ الانقسام او شرعنة الانقسام او ادخال الانقسام كما هو تحت سقف الشرعية الفلسطينية، اصبحت محاولات مكشوفة وبائسة ولا يصدقها احد، فلقد خلق هذا الانقسام ليسقط نهائيا، وليس ليعيش متسترا بأطياف من الضعف والنفاق والانتهازية الرخيصة.
أبو خميس في ذمة الله
بقلم: عدلي صادق – الحياة
ترجّل سمير السكسك (أبو خميس) من قاطرة الدنيا الفلسطينية. كثيرون، ممن في القاطرة، لم يعرفوه ولم يتنبهوا لوجوده ولا لوجعه الأخير، ربما لأنه اختار مجلسه في موضع خافت الضوء، لم يبرحه ولم يضجر منه. أو لعل انشغاله بـ «المعلومة» وبأن يكون على معرفة بالجميع، وأن يرسم صورة أقرب الى الواقع، للحال العام، ولمواقف الجوار القريب والفضاء البعيد، من فلسطين ومن قضيتها ومن قيادتها؛ قد أوجب صمته. وفي الحقيقة، ما زال هناك في القاطرة، مستنكفون عن الكلام، لا يختلف شأنهم، عن شأن الجالسين في محطة انتظار شيء لا يأتي!
عرفت سمير السكسك مبكراً. كان من الكوادر الأولى لأمن الثورة الفلسطينية، مفعماً بحماسة الشباب. شديد الحساسية والغيرة حيال ما يعتقد، بخصوص منهج العمل وما يقتضيه من تحالفات وخيارات في الناس وفي الأنظمة. قليلون هم الذين سمعوه يتحدث باستفاضة، وبأريحية تُحفّزه عليها ثقته بقدرة الصديق على الكتمان. فهو رجل في الظل، كان يكتفي من متطلبات الحضور، في أيام «أبو عمار» بمجرد المعرفة، أو المشاركة في العمل الكامن وراء الموقف المشهود!
كلما وقعت الواقعة، وأغرق الجمع نفسه وتبدد، كان «أبو خميس» يتعلق بيافا، المدينة والفكرة، عروس البحر التي انفتحت عبر التاريخ، على آفاق رحبة، وتعددت عند مرفئها خيارات الإبحار. هي مدينة عائلته ومهوى فؤاد أبيه الذي غادرها ولم تغادره، فذهب الى الصحافة لكي يكتب بوحي من ألم فقدانها. بعد الزلزال الذي عصَفَ بوجودنا كمقاومة من الأردن؛ غادر «أبو خميس» بهمّة ربّان لا يهاب البحر، قاصداً التحصيل العلمي في الولايات المتحدة. وفيما هو يدرس، جاءه المرحوم حَمد العايدي (أبو رمزي) لغرض آخر. و»حَمَد» هو شريك «أبو جهاد» في الخلية الأولى المسلحة للمقاومة، قبل «فتح»، ولحياته حكاية مثيرة لا يتسع المقام هنا لتلخيصها. ولأن الأميركيين كانوا يتابعون «حَمَد» فقد أبعد «أبو خميس» بعدئذٍ من أميركا، ثم انتهى به المقام في الكويت. هناك، حيثما كان العمل الفلسطيني على أشده، وكان «أبو إياد» يحضر بين الحين والآخر، واصل عمله الفلسطيني في الظل وفي صمت، بمحاذاة عمليْن آخرين: صباحاً في الخطوط الجوية الكويتية، ومساء في صحيفة «كويت تايمز». وكان من الطبيعي بالنسبة له، أن يرفض غزو العراق للكويت بخلاف ضجيج ردود الأفعال المغايرة على الحدث، وعُدَّ بسببها الفلسطينيون مؤيدين لاحتلال الكويت، وهذا لم يكن دقيقاً ولا صحيحاً. وكان «أبو عمار» حريصاً على أن لا ينخرط فلسطيني واحد، في النـزاع، وطلب من سمير السكسك أن يغادر متخفياً، عن طريق بغداد نفسها، على أن يحمله «أبو عمار» في طائرته عائداً من زيارته الأخيرة لبغداد قبل الحرب. ظل بعدها «أبو خميس» منـزوياً يؤدي ما يُكلف به من عمل، ويرتب الوقائع في ذاكرته، كأنه يُودعها في إرشيف سيُتاح له وللمطلعين العودة اليه ذات يوم. كان شاهداً على الوقائع الأخيرة قبل الانقضاض على «الختيار» الذي أحبه «أبو خميس» بلا حدود. بعدئذٍ أقعده المرض، وبالكاد حضر المؤتمر السادس للحركة صامتاً كعادته. سألته عن ابنه خميس، وتذكرنا يوم أن مررت بالكويت وذهبنا معاً لإدخاله الى المدرسة للمرة الأولى. لقد غيّب الموت الحق سمير السكسك. له الرحمة، وسلام عليه حيث يرقد في مثواه الأخير!
حكام السعودية والقضية الفلسطينية
بقلم: نعيم الأشهب - معا
تثار اليوم ضجة مفتعلة حول إعلان السعودية الامتناع عن إشغال دورها ، كعضو مؤقت في مجلس الأمن الدولي . وفي محاولته لتفسير ذلك ، زعم وزير الخارجية السعودي ، سعود الفيصل ، أن ذلك عائد لعجز مجلس الأمن فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والقضية السورية .
لكن من الواضح أن هذا "الحرد" هو عبارة عن رسالة موجهة الى واشنطن تحديدا ؛ وهذا يتضح بجلاء مما أبلغه ، بعدئذ ، رئيس المخابرات السعودية ، الأمير بندر بن سلطان ، لمبعوثين أوروبيين - كما نقلت وسائل الإعلام - من أن المملكة ستجري تغييرا كبيرا في علاقتها مع الولايات المتحدة ، احتجاجا على عدم تحركها بشكل فعال فيما يخص الحرب في سورية ، ومبادراتها للتقارب مع ايران . وثم أضاف : أن واشنطن لم تتحرك بفعالية في الأزمة السورية وفي النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ، وتتقارب مع إيران .
إن محاولة سعود الفيصل وبندر بن سلطان ربط أسباب الإنفعال و" الحرد" السعودي على واشنطن ، بالقضية الفلسطينية ، ولو بأوهى الخيوط ، هو رياء مبتذل الى أبعد الحدود . فإذا تغاضى المرء عن تذكير الأميرين اللذين يمسكان ، اليوم ، بمفاصل السلطة في السعودية،بالوثيقة المشينة ، بخط يد جدهما مؤسس النظام السعودي - عبد العزيز آل سعود - التي يؤيد ويبارك فيها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين .. فالمرء يتساءل: أين كان حكام السعودية ، الذين يقحمون ، اليوم ، ذكرالقضية الفلسطينية رياءا .. حين استعملت الولايات المتحدة الفيتو أكثر من أربعين مرة ، في الدفاع عن جرائم اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني التي لم تنقطع يوما ، من قتل وتدمير واجتياح وتطويق وتجويع ومصادرة للأرض وبناء للمستوطنات واعتداء على المقدسات .. لماذا لم تثر " الغضبة المضرية" السعودية ولو مرة واحدة ، للاحتجاج على التغطية الأميركية لهذه الجرائم ، التي هي بمثابة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب المواثيق الدولية ، علما بأن الأمر لا يتوقف عند هذه التغطية ، بل يتجاوزها الى تزويد إسرائيل بأدوات الجريمة؟!
لقد سئل سعود الفيصل نفسه ، ذات مرة ، لماذا لا تستعمل السعودية سلاح النفط الفعال ، للتأثير على الموقف الأميركي المتحدي والمتحيز بالكامل للعدوان والإحتلال الإسرائيلي ، فكان جوابه : " النفط للتنمية وليس للعقوبات "!
عدا ذلك ، فهل لزيارة الامير بندر ، على رأس وفد من مسؤولي الأمن في البحرين ودولة الإمارات لإسرائيل - كما كشفت وسائل الإعلام - علاقة مهما كانت واهية وثانوية بالقضية الفلسطينية ، أم أنها جاءت في إطار التنسيق مع نتنياهو ، الذي كادت أشداقه تتمزق من مواصلة الصراخ لضرب إيران عسكريا؟! . أما عناوين هذا التنسيق فقد عبّر عنها الأمير تركي الفيصل ، في كلمته أمام المؤتمر الثاني والعشرين لمنظمة " مجلس العلاقات الأميركية - العربية"، إذ قال : إن " قضية المملكة العربية السعودية الأولى ، هي ضمان عدم امتلاك إيران للقنبلة النووية". لكن امتلاك إسرائيل الفعلي منذ عشرات السنين للسلاح النووي لم يقلق حكام السعودية ، بينما يفقدون الصواب اليوم لمجرد تخصيب إيران لليورانيوم للأغراض السلمية ؛ ويضيف تركي في الشأن الإيراني بأن العقوبات وحدها "لن تردع القيادة الإيرانية عن محاولة امتلاك أسلحة نووية " ؛ نفس العبارة التي دأب على ترديدها نتنياهو. أما حول سورية فيقول تركي : إن الرئيس أوباما تصرف حيال سورية بطريقة "تبعث على الأسى" ، وأضاف :أنه " لا بد من انتزاع السلطة من يد نظام الأسد وآلته القمعية". لكن من المفارقة في هذا الشأن أن تصادف مع هذه التصريحات صدور تقرير مستفيض لمنظمة العفو الدولية يسرد شيئا من السجل الوحشي للنظام السعودي الذي ما زال يقطع الرؤوس وأعضاء الجسد في الساحات العامة ، ناهيك عن عشرات ألوف المعتقلين بدون محاكمات أيا كانت ؛ وبينما يبذر هذا النظام عشرات المليارات على التآمر والفساد ، فإن قرابة نصف المجتمع السعودي يعيش تحت خط الفقر.
وعلى كل حال ، فهذه الزيارة لإسرائيل ليست الإتصال الأول بين حكام الخليج ، وعلى رأسهم السعوديون ، وبين حكام إسرائيل الصهاينة ؛ بل كان هؤلاء عونا فعليا للصهاينة ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى ، ولعل آخر الفصول في هذا التاريخ المشين كانت الضغوط التي مارسوها على القيادة الفلسطينية لإستئناف المفاوضات مع حكومة نتنياهو وفق شروط الأخير ، وإدخالهم في صلب " المبادرة العربية " الموافقة على إجراء تعديلات على الحدود حتى قبل بدء المفاوضات .
لقد أثبت كل تاريخ القضية الفلسطينية أن حكام السعودية لم يكونوا يوما لا أشقاء ولا حتى حلفاء حقيقيين للشعب الفلسطيني ، ولا - بالمقابل - أعداء حقيقيين للصهونية ومشاريعها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني . بل كانوا أوفياء في سلوكهم هذا للقرابة الطبقية مع الصهيونية باعتبار هذه القرابة أقوى بما لا يقاس من القرابة القومية . وحين تعرضت حركة التحرر القومي العربية بزعامة عبد الناصر الى نكسة خطيرة في حزيران 1967، كان هذا عيدا حقيقيا لهم.
إن موجة الجنون التي أصابت حكام السعودية وأفقدتهم الصواب مردها الإنعطافة ، التي بدت ملامحها، في تطور الأحداث في المنطقة ، في ضوء الفشل القاطع لإخضاع سورية ، رغم جميع الجهود التي بذلها تحالف القوى الإمبريالية والصهيونية والنظام العربي ، وبخاصة حكام السعودية وقطر. فصد المؤامرة العاتية لاغتيال سوريا ، وما يفتحه ذلك من آفاق التغيير والإصلاح الحقيقي فيها ، إستجابة لطموحات شعبها الأصيل ، تدق ناقوس الفناء والنهاية لأنظمة القرون الوسطى ، وهو ما يدركونه جيدا، وسبب فقدانهم لإعصابهم.
اما واشنطن من جانبها، فإنها لم ولن تتردد ، في سبيل مصالحها، في التخلي عن أي نظام فقد القدرة على خدمة هذه المصالح . تخلّوا بالأمس عن حسني مبارك ، الذي لم يخرج عن إرادتهم طيلة ثلاثين عاما ، ثم نفضوا أيديهم من حركة الإخوان المسلمين خلال عام واحد ، حين ثبت عجزها عن السيطرة على الشارع المصري الثائر؛ كما لم يترددوا في تغيير القيادة القطرية ، بالأمس، التي فشلت في الملف السوري ، رغم أنها أنفقت من خزينتها أكثر من ملياري دولار في التآمر وتجنيد المرتزقة . وتتردد ، مؤخرا، الشائعات عن نيّة واشنطن تغيير القيادات في كل من السعودية ذاتها والبحرين . حينها ، لن يجد هؤلاء ملجأ للإفلات من هكذا مصير، كما رأيناه في حالات من سبقوهم الى هذه النهاية من الحكام الذين تساقطوا ، في الآونة الأخيرة ، في المنطقة .فهذا مصير محتوم لمن يرتهن نفسه لدى الأجنبي .
أما القضية الفلسطينية ، فإنها ستكون من أوائل الرابحين من الإنعطف الجديد لتطور الأحداث في المنطقة ، بما في ذلك احتمالات التغيير في السعودية والخليج ، ولا سيما إذا عرفت القيادة الفلسطينية كيف تستفيد من التطور الإيجابي للأحداث في المنطقة والعالم .


رد مع اقتباس