عزلة اسرائيل وحلفائها !!

بقلم: هيئة التحرير عن صحيفة القدس

مرة اخرى، وبمناسبة اسبوع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة خمسة قرارات مهمة اكدت فيها على كافة قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية بما في ذلك التأكيد على عدم شرعية الاحتلال والاستيطان وان القدس العربية المحتلة جزء لا يتجزأ من الاراض المحتلة منذ عام 1967 وبطلان كل الاجراءات الاسرائيلية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وان حل القضية حلا سلميا يجب ان يستند الى قرارات الشرعية الدولية.

ومرة اخرى وقفت اسرائيل والولايات المتحدة ومعها ميكرونيزيا في عزلة تامة امام ارادة المجتمع الدولي بمعارضتها لهذه القرارات التي جاءت تعبيرا عن الضمير العالمي وعن الالتزام بالشرعية الدولية وقراراتها ومواثيق الامم المتحدة.

الغريب والمستهجن ان تضع الولايات المتحدة الاميركية نفسها للأسف في عزلة مع اسرائيل وميكرونيزيا في مواجهة العالم بأسره بدل ان تدافع عن الشرعية الدولية ومواثيقها وعن مبادىء العدل والحرية التي طالما اعلنت الولايات المتحدة انها تؤمن بها. وهنا كان الحديث لايدور عن انقسام في المجتمع الدولي حيث ان اوروبا بأسرها صوتت الى جانب القرارات الخمسة، وهو ما يعني ان الوقت قد حان كي تعيد الولايات المتحدة النظر في سياستها المنحازة لاسرائيل حتى يمكنها ان تلعب دورا متوازيا يتسم بالمصداقية في صنع عملية السلام في الشرق الاوسط.

وقد تزامن هذا الانجاز الفلسطيني الجديد الذي جاء بعد يوم من الانجاز الهام بالاعتراف بفلسطين دولة بصفة مراقب في المنظمة الدولية، تزامن مع تصريحات ادلى بها الرئيس محمود عباس في نيويورك اكد فيها ان شعبنا يسعى الى السلام العادل المستند الى الشرعية الدولية وان اسرائيل لا يمكنها الادعاء ان اراضي الضفة الغربية متنازع عليها وان الاستيطان غير شرعي وتأكيده استعداد فلسطين للتفاوض مع اسرائيل ولكن على اساس قرارات الشرعية الدولية خاصة تلك الداعية الى وقف الاستيطان.

عودة مظفرة

من المقرر ان تستقبل جماهير شعبنا في الضفة الغربية اليوم الرئىس محمود عباس بمناسبة عودته من نيويورك مظفرا ومسلحا بالانجاز الهام الذي حققته منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وكل ابناء شعبنا في الوطن والشتات باقرار الغالبية الساحقة لدول العالم بفلسطين دولة بصفة مراقب في المنظمة الدولية.

ومن الواضح ان جماهير شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الشتات التي خرجت الى الشوارع تحمل صور الرئيس محمود عباس وصور الشهيد القائد الرمز ياسر عرفات فور معرفة نتائج التصويت في الامم المتحدة انما عبرت بذلك عن تقديرها واعتزازها وفخرها بالرئيس عباس الذي استطاع واخوانه في القيادة الفلسطينية بحكمته وشجاعته ورويته ان يعزل الموقف الاسرائيلي في الساحة الدولية وان يؤكد مجددا التزامه الثابت بثوابت شعبنا الوطنية وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وحق اللاجئين في العودة على اساس القرار 194. تماما كما تمسك الرئيس الراحل الشهيد عرفات بالثوابت الفلسطينية حتى الرمق الاخير.

اليوم تخرج الجماهير الفلسطينية بحشودها لاستقبال قائد مسيرتها نحو الحرية والاستقلال الرئيس محمود عباس الذي اثبت مجددا ايضا انه لن يخضع لأية ضغوط مهما كانت الجهة التي تصدر عنها دفاعا عن حقوق شعبنا الثابتة.

اليوم تعبر جماهير شعبنا عن فرحتها مجددا وكلها ثقة وأمل بأننا نسير على الطريق الصحيح، طريق الوحدة التي اكد الرئيس انه حريص على انجازها مباشرة بعد عودته الميمونة، وطريق فلسطين المستقلة ذات السيادة، وطريق رفع الظلم التاريخي عن شعبنا الصابر الصامد، المرابط الذي يتطلع اليوم بعين الأمل والرجاء نحو مستقبل اكثر اشراقا.

فلسطين الدولة وإسرائيل المعزولة!!

بقلم: هاني حبيب عن صحيفة الأيام

من كيان إلى دولة، ومن أراض محتلة إلى وطن محتل ودولة تحت الاحتلال، ومن أراض محتلة إلى دولة تحتل دولة أخرى، ومن مفاوضات ثنائية، إلى مفاوضات برعاية دولية حتى لو كانت بين دولتين إحداهما تحتل دولة أخرى، ومن سلطة تمخضت عن اتفاق ثنائي برعاية أميركية، إلى دولة يعترف بها العالم وتحمل رقماً في سلسلة الدول المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة، من سلطة تحاول إسرائيل حصارها وعزلها، إلى دولة باتت تحاصر وتعزل الدولة العبرية من خلال نتائج التصويت في الجمعية العامة، من سلطة من غير سلطات، إلى دولة عضو في معظم المنظمات الدولية الفرعية، ومن احتلال بلا كلفة إلى احتلال بات من مسؤولية العالم كله العمل على وضع حد نهائي له، ومن تخوف من إلحاق قطاع غزة بجمهورية مصر العربية، إلى غزة جزء من الوطن الفلسطيني المتاح، وجزء من دولة فلسطين بحدودها التي أقرتها الجمعية العامة عندما صنّفت فلسطين كدولة، ولم يعد بإمكان أحد أن يلوح أو يتآمر، أو يعمل على إلحاق غزة بمصر، ولا أن تخشى مصر من التحاق غزة بها، فحدود الدولة الفلسطينية باتت معروفة ومؤكدة من خلال رقمها في الجمعية العامة (١٩٤)، كما كان الأمر عليه في الرابع من حزيران عام ١٩٦٧.

وقد يشير البعض في هذا الصدد، إلى أن قطاع غزة، حينها قبل ١٩٦٧، كان تحت الإدارة المصرية، فإن ذلك لا يعني تبعيته لجمهورية مصر العربية، ذلك أن اتفاق (كامب ديفيد) بين مصر وإسرائيل، حدد الأراضي المصرية التي يتوجب على إسرائيل الانسحاب منها وفقاً لهذا الاتفاق، مما جعل قطاع غزة جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والأمر مشابه لحال الضفة الغربية إثر اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل.

وإذ سارعت إسرائيل، بعد ساعات قليلة من عزل المجتمع الدولي لها بإعلانه ضم فلسطين إلى دول المنظمة الدولية، إلى إجراءات عقابية متوقعة، ببناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية بين مدينتي رام الله والقدس، وليس من المستغرب أن تلجأ الدولة العبرية إلى مزيد من البناء الاستيطاني، إلا أن ذلك يحيلنا إلى ما يُتمنى عمله الآن بعد قيام "دولة فلسطين المحتلة"!

اقتصرت الدعوات بضرورة انضمام فلسطين إلى المنظمات الفرعية الدولية، على المحكمة الجنائية الدولية، بهدف محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين على مذابحهم المتتالية بحق الشعب الفلسطيني، ومع أن كافة الخبراء في مجال القانون الدولي، اعتبروا أن من حق الدولة المراقب الالتحاق بهذه المحكمة وعضويتها، فإن السيد الهادي شلوف، العضو العربي الوحيد في محكمة الجنايات الدولية، أفتى بغير ذلك، وفي مقابلة أجرتها الإذاعة البريطانية باللغة العربية، ظُهر الجمعة الفائت، أشار إلى أن مثل هذه الدولة المراقب، لا تستطيع أن تفي بالالتزامات التي تفرضها المحكمة على الأعضاء، وباختصار، فإنه ليس من حق دولة فلسطين المطالبة بعضوية هذه المحكمة، وأعتقد أنه على الجانب الفلسطيني التأكد من هذا الأمر بالغ الأهمية، خاصة أن إشارة الرئيس أبو مازن إلى أن فلسطين لن تسارع إلى رفع دعاوى على مجرمي الحرب الإسرائيليين إلا على ضوء اعتداءات جديدة، فإن هذا يتطلب في كل الحالات، إجراء كافة المعاملات لنيل عضوية محكمة الجنايات الدولية، إذ إن ذلك ليس أمراً روتينياً أوتوماتيكياً، فالعمل بسرعة على الحصول على العضوية أمر بالغ الأهمية، بصرف النظر عن الدعاوى التي من الممكن تقديمها إلى المحكمة، خاصة أن "العفو الدولية" طالبت دولة فلسطين بسرعة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ولا يمكن تفسير لماذا لا يتحدث أحد عن عضوية دولة فلسطين في محكمة العدل الدولية، والتي نرى أنها ربما أكثر أهمية من نظيرتها الجنائية، لسبب فلسطيني خالص، وهو أن محكمة العدل هي الأكثر اختصاصاً بسلوكيات دولة الاحتلال في المناطق المحتلة، وعلى الأخص المسألة الاستيطانية، إن محكمة العدل الدولية هي المناط بها استقبال الشكاوى بشأن ما يرتكبه الاحتلال من خروق للقانون الدولي، والانضمام إلى هذه المحكمة يمكن دولة فلسطين المحتلة من أن ترفع الشكاوى إليها بشأن العملية الاستيطانية للتحقيق فيها واتخاذ القرارات المناسبة ورفعها إلى المنظمة الدولية، ونعتقد أن الخطر الاستيطاني، هو الأكثر خطورة مقارنة مع باقي الأخطار، بما فيها جرائم الحرب، كون هذا الخطر يهدد مستقبل الدولة الفلسطينية ويرتبط بحقائق إسرائيلية على الأرض.

وإذا كانت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، تهدد بإجراءات انتقامية، فإن بوسع دولة فلسطين، أن تستثمر عضويتها في المنظمة الدولية، باتخاذ إجراءات وقائية، من بينها عدم التسرع بالانضمام إلى كافة المنظمات الفرعية الدولية، وتجعل من هذا الانضمام ورقة بيدها لتهديد التحالف الأميركي - الإسرائيلي، إذا ما اتخذ خطوات عقابية، ويقول آخر، مقايضة العضوية من عدمها، بمدى التعاطي العملي الجدي، مع المعادلة الجديدة التي أفرزتها عضوية دولة فلسطين بحيث تشكل هذه العضوية، قوة تأثير هائلة على ميزان القوى، وباعتبار أن عضوية المنظمات الفرعية الدولية، هي أوراق يمكن لدولة فلسطين استثمارها لصالح مواجهة الضغوط والإجراءات الأميركية - الإسرائيلية!.

خطوة الدولة المراقب

بقلم: حمادة فراعنة عن صحيفة الأيام

حصول فلسطين على موافقة 138 دولة ودعمها؛ لإقرار عضويتها المراقبة لدى الأمم المتحدة في مواجهة جبهة إسرائيلية أميركية من تسع دول، يعكس إيمان شعوب العالم وبلدانها وتقديرها لعدالة القضية الفلسطينية ومشروعية مطالبها وحسن إدارة قيادتها، ومع ذلك وعلى الرغم من ضعف الإمكانات الفلسطينية وفي ظل موازين قوى "طابشة" لمصلحة العدو، وفي ظل تفوق إسرائيلي ملموس، فقد هزم الفلسطينيون بإمكاناتهم المتواضعة التحالفَ الأميركي الإسرائيلي، بامتياز.

خطوة تعديل التمثيل الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، وتقدمه خطوة إلى الأمام يعكس الملاحظات الآتية:

أولاً ـ شجاعة الرئيس أبو مازن ورفاقه في الإقدام على الخطوة على الرغم من التهديدات والوعيد والضغوط الإسرائيلية الأميركية.

ثانياً ـ تأخير الخطوة منذ زمن طويل، يعكس خوف وقلق القيادة الفلسطينية، من عهد الرئيس الراحل أبو عمار وطوال فترة الرئيس أبو مازن، ما يؤكد استجابتهم للضغوط، وصبرهم على الوعود، حتى وصلوا إلى طريق مسدود، ولم تعد أمامهم وسيلة سوى الاعتماد على أنفسهم وعلى الفرص المتاحة أمامهم، وكذلك على عدالة قضيتهم وتفهم دول وشعوب العالم للمطلب الفلسطيني والتعاطف معه وتأييده، وبالقوة والصلابة نفسها رفض الأغلبية الساحقة من دول العالم للمنطق الإسرائيلي وسياسات مشروعها التوسعي العدواني الاستعماري المحمي بقوة الولايات المتحدة وجبروتها السياسي والاقتصادي والأمني والدبلوماسي.

ثالثاً ـ ثلاث دول دائمة العضوية من مجلس الأمن كانت مع القرار هي روسيا والصين وفرنسا، وامتنعت بريطانيا، وكانت الولايات المتحدة وحدها ضد القرار، مما يعكس قوة الجبهة الأممية المؤيدة للشعب الفلسطيني وسياسات منظمة التحرير.

وأن تقف دول أوروبية معتبرة مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والنرويج والدنمارك وسويسرا مع القرار فهذا له مدلول سياسي إيجابي في تفهم المطالب الفلسطينية إلى الحد الذي قسّم وحدة أوروبا لتكون لديها ثلاثة مواقف معلنة مع وضد وامتناع.

رابعاً ـ وهذا كله يعني بشكل واضح أن الرهان على الآخرين رهان خاسر، فلا المجموعة العربية ولا الإسلامية ولا الأوروبية ولا قوة الولايات المتحدة تعني شيئاً وليس لهم قيمة إذا لم يبادر الفلسطيني نفسه ويصنع كرة الثلج الصغيرة المتدحرجة، حتى تكبر وتصبح قراراً جماعياً، ففلسطين هي الأساس ومن ثم العرب وبعدهم المسلمون فأوروبا وهكذا.

ولذلك، كل خطوة تقصير يتحمّل مسؤوليتها مطبخ صنع القرار الفلسطيني، وكل خطوة تتقدم بها الدبلوماسية الفلسطينية تعكس شجاعة وحكمة اتخاذ القرار، وتجد الكل الفلسطيني يقف معها وإلى جانبها حتى ولو كان لديه بعض التحفظات عليها، فها هي "حماس" و"الجهاد" تعلنان الوقوف مع الخطوة، رغم أي تحفظات لهما عليها.

الدرس القوي الذي يجب أن يتعلمه الشعب الفلسطيني أنه صاحب القرار، وأنه وحده القادر على تحريك الجمود السياسي، وفتح الثغرات في الجدران المسدودة، وأنه وحده القادر على توجيه الضربات الموجعة سياسياً وأخلاقياً ودبلوماسياً لإسرائيل المتفوقة.

الاعتماد على الذات هو الأساس، ومن ثم يتم وضع جدولة نيل الدعم من الأشقاء والأصدقاء ومحبي السلام والعدالة في العالم. والكارهون للظلم والاستعمار والعنصرية المجسّدة بالمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، كُثر، والتصويت لصالح فلسطين يعكس ذلك بوضوح بالغ.

الانتصار السياسي والدبلوماسي الذي حققته منظمة التحرير يوم 29/11/2012، ليس خطوة عظيمة سيكون في أعقابها التحرير، أو نيل الحرية والاستقلال، ولكنها أيضاً ليست خطوة لا قيمة لها، بل هي خطوة إضافية تراكمية على الطريق الطويل، طريق استعادة الشعب الفلسطيني لكامل حقوقه غير المنقوصة وغير القابلة للتبديد أو المساومة أو الإنهاء، حقه في المساواة في 48، وحقه في الاستقلال في 67 ، وحقه في العودة للاجئين، وفق قرارات الأمم المتحدة، ولذلك يجب التذكير دائماً بأن الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير والمجلس الوطني اتخذوا قراراً إستراتيجياً حكيماً عام 1974 لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني عبر العمل التدريجي التراكمي متعدد الخطوات والمراحل، حيث لا تسمح لا موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولا المجتمع الدولي يسمح بتحقيق الانتصار الكامل للفلسطينيين أو الهزيمة القاتلة للإسرائيليين، ومن هنا قيمة النضال التراكمي المتواصل، متعدد الأوجه والأدوات والأساليب المشروعة التي يقبل بها المجتمع الدولي والقيم الدولية، على طريق انتصار العدالة للفلسطينيين والهزيمة للمستعمرين الإسرائيليين.

ما تحقق خطوة نوعية ونقلة سياسية، لها ما بعدها من خطوات متواصلة تراكمية، لجعل إسرائيل ومشروعها الاستعماري مطارداً من العدالة ومنظمات الأمم المتحدة، ومن القيم الإنسانية، وهذا يحتاج لنضال فلسطيني متواصل، وصبر فلسطيني قوي يتسم بالشجاعة على الصبر وليس على رداحة القول المتطرف المؤذي، بلا ضوابط سياسية أو قانونية غير مفيدة.

استحقاقات ما بعد الدولة

بقلم: عادل عبد الرحمن عن صحيفة الحياة الجديدة

كأن كرة التاريخ تتدحرج بالاتجاه العكسي لصالح فلسطين الشعب والدولة والعودة. فمن مرحلة الضياع والتشرد في اعقاب النكبة 1948، وتغليب الطابع الانساني على المأساة الفلسطينية، وإقصاء البعد السياسي الى الزوايا المظلمة؛ إلى تأسيس منظمة التحرير في 1964 ثم انطلاق شرارة الثورة المعاصرة في 1965، الى استعادة المكانة السياسية والهوية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني في المحافل العربية والاقليمية والدولية، الى تطور الفكر السياسي الفلسطيني عام 1974 متمثلا بقبول فكرة الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران 1967، والذي تكرس باعلان وثيقة الاستقلال عام 1988، الى إقامة الكيان السياسي الفلسطيني في اعقاب التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ «اوسلو» 1993- 1994، الى الحصول على عضوية دولة مراقب في الامم المتحدة في 29 تشرين الثاني 2012، والحبل على الجرار في حال احسنت القيادة السياسية إدارة الصراع مع دولة التطهير العرقي الاحتلالية الاسرائيلية.

التطور الاخير بحصول فلسطين على مكانة دولة مراقب في الامم المتحدة قبل ثلاثة ايام، احدث تحولا هاما سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا واقتصاديا لصالح الشعب الفلسطيني. مجموعة من الاستحقاقات فرضتها المكانة الجديدة لفلسطين في الامم المتحدة، وهي:

أولاً: الاعلان رسميا فلسطينيا وعربيا واسرائيليا وأمميا بموت اتفاقية اعلان المبادئ «اوسلو»، وانتفاء الضرورة لها. ولم يعد لها ضرورة سوى استحضارها في سجلات التاريخ.

ثانيا: لم يعد الحديث عن ملفات الحل النهائي واقعيا بعد حصول فلسطين على مكانة دولة مراقب. لأن القرار الدولي حدد حدود الدولة الفلسطينية؛ وعمليا أسقط أي شرعية للاستيطان الاستعماري في الاراضي المحتلة عام 1967 بما في ذلك الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى في القدس الشرقية، كما الغى كل القرارات الاسرائيلية بضم القدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية، وجب ما قبله من قرارات أممية بشأن القدس الشرقية، التي اتخذتها المجموعة الاممية في اعقاب النكبة؛ وايضا بتحديد حدود الدولة الغى نهب الثروات الطبيعية بما في ذلك آبار المياه الجوفية؛ ولم يسقط القرار الاخير حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194.

ثالثا: منح الاسرى الفلسطينيين مكانة اسرى حرب، لأنهم أسرى دولة تحت الاحتلال. وبالانضمام لاتفاقيات جنيف الاربع، وليس فقط الرابعة لعام 1949، تتعزز مكانة الاسرى كأسرى حرب، وايضا مكانة السكان الفلسطينيين، كسكان تابعين لدولة محتلة.

رابعا: سقوط اتفاقية باريس الاقتصادية. فهي بالاساس كانت اتفاقية مؤقتة، هدفت إلى تنظيم العلاقات الاقتصادية بين دولة الاحتلال وسلطة الحكم الاداري الذاتي (السلطة الوطنية). الأمر الذي يملي على القيادة السياسية البحث عن آليات جديدة ووفق المعايير الدولية الناظمة لعلاقات الدول الخاضعة للاحتلال مع الدول المحتلة.

خامسا: الاسقاط الكلي لمقولة الحكم الاداري الذاتي عن الكيانية الفلسطينية؛ والزام دول العالم بدءا من اسرائيل والولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول المتحفظة بالتعامل مع فلسطين كدولة محتلة، وهذا يفرض على القيادة السياسية وحكومتها العمل على التالي:

1- تغيير المراسلات مع دول العالم المختلفة من خلال تغيير الترويسة بحيث تصبح «دولة فلسطين» وليس السلطة الوطنية.

2- تغيير جوازات السفر مباشرة، بحيث تحمل ترويسة دولة فلسطين.

3- إصدار العملة الوطنية، مع إبقاء حرية التعامل للمواطنين بالعملات الاقليمية والدولية المختلفة في سوق الصرافة . وعلى القائمين على البنك المركزي تغيير الجنيه القديم بإلغاء اي حرف او كلمة عبرية عليه او على أي عملة أقل او أكثر.

4- الانضمام الى المنظمات الدولية الـ(25) المنبثقة عن المنظمة الاممية.

والتأكيد على اهمية سياسة الرئيس عباس التكتيكية بشأن الانضمام الى محكمة الجنايات الدولية، فإن الضرورة تملي الانضمام لكل المنظمات، لانها استحقاق وطني، وعلى القيادة محاكمة قادة دولة التطهير العرقي بأثر رجعي على كل جرائم الحرب قبل ال 1948، اي قبل النكبة واثناءها وبعدها بما في ذلك جرائم الامس القريب، والجرائم الاتية.

سادسا: مواصلة الربط العميق بين منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد للشعب في ارجاء الدنيا ودولة فلسطين، حتى لا يحدث اي تجاهل لدور المنظمة كمرجعية سياسية للشعب في كفاحه التحرري.

سابعا: تعزيز المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية، وتطويرها لتشمل كل المدن والقرى والبلدات الفلسطينية، واعطاؤها الجهد والدعم المطلوب لتنجح.

ثامنا: دفع عملية المصالحة بقوة للأمام، واعطاؤها الجهد الضروري، واغتنام الاجواء الايجابية في الساحة لترسيخها على الارض.

القيادة السياسية والحكومة معها مطالبة بعقد سلسلة من الورش السياسية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية للبحث في كل الاستحقاقات المطلوب تنفيذها لتحصين القرار الدولي الجديد برفع مكانة فلسطين لدولة مراقب في الامم المتحدة، وذلك للانتقال للامام نحو تجسيد الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967.

مقعد الدولة... مقام الملحمة

بقلم: محمود أبو الهيجاء عن صحيفة الحياة

ليس مقعد الدولة لفلسطين في الامم المتحدة، مجرد مقعد، انه مقام الملحمة الرفيع، واستحقاق الجدارة وحكم التاريخ في حتميته التي تتأكد الآن واقعيتها البالغة، وبالطبع هي واقعية الملحمة، فالمقعد / المقام قد انتزع من براثن العنصرية والتعنت والغطرسة انتزاعا، وقد انتزع اولا بفعل التضحيات النبيلة، دم الشهداء، والبطولة، انتزع بفعل اقتحامات فذة لأصعب ساحات الصراع، انتزع بفعل رصاصة الثورة اولا وحجر الانتفاضة ثانيا وصلب الإرادة الوطنية وثباتها ثالثا، وانتزع بفعل صواب الرؤية وشجاعة القرار الوطني المستقل الذي لم يخش يوما مزايدات الشعار الثورجي وأحابيله اللغوية، ومن ذلك خوضه معركة السلام الصعب، والذي ما زال يخوضها دون تردد.

وباختصار، المقعد المقام تحقق بفعل مسيرة حرة انطلقت من عبوة ناسفة فجرت نفق عيلبون عام 1965 وتواصلت بالصمود والبناء والإنجاز حتى اعتلت منبر الام المتحدة لاول مرة عام اربعة وسبعين، ثم تفتحت على الدنيا باسرها بحجر الفتى عام 1987، الحجر الذي صاغ وثيقة الاستقلال ووضع الأساس لاول سلطة وطنية فلسطينية على جزء من ارض الوطن.

مقعد الدولة هو مقعد هذه المسيرة الفذة، مسيرة النضال الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، وللتاريخ، لا بد ان نقول انه لولا صمود الرئيس ابو مازن وتحديه للتهديدات الاميركية والإسرائيلية وثبات موقفه بوجه الضغوط الدولية وبعضها كان عربيا مع الأسف الشديد، اقول لولا صمود الرئيس وثباته وإصراره على المضي بالمسيرة الفلسطينية الحرة والذهاب بها في هذه المرحلة الى الامم المتحدة بعد ان كرس مصداقية تطلعاتها للسلام العادل وسعيها الحثيث لتحقيقه، فان هذا الإنجاز الاستراتيجي ما كان له ان يتحقق في مثل هذه المرحلة شديدة الفوضى والغموض والطرق المغلقة على اكثر من صعيد.

انها المسيرة الحرة اذا وقيادتها الوطنية، التي أوصلت فلسطين الى مقعدها في الامم المتحدة، انها دماء الشهداء والجرحى، انها تحديات الأسرى للاحتلال وجلاديه، انها ملاحم شعب مصر على الحرية والاستقلال، انها المسيرة التي رفعت الملحمة الى مقامها مقعدا لدولة فلسطين في الامم المتحدة كمقدمة واقعية لقيامها على ارضها، ارض فلسطين التي لأجلها تستحق الحياة.



هل يعطينا التصويت دولة فلسطينية؟

بقلم: ريما كتانة نزال عن صحيفة الأيام

توقفت عقارب الساعة في المحطة صفر حسب التوقيت الفلسطيني. في هذه المرة شاءت عقارب الزمن أن تلسع غيرنا، في لحظة نادراً ما تمر على بلاد ملّ الزمن من خداعه أو مراوغته، فاتخذ قراراً أن يمدّ ألسنة عقاربه نحو غيرنا. توقفت الساعة الفلسطينية أكثر من المعتاد، لإعطاء الكون الوقت لمراجعة نفسه، وامتصاص كل ما تحتاجه من الأصوات لتروي بها صحراء وقائعها، في يوم يسير على وقع الخروج من إدارة أزمة احتلالية، إلى مساحة خلقنا فيها أزمة للاحتلال مع نفسه ومع الكون.

لم يأت القرار على طبق من فضة، بل صُنع على مدار أكثر من ستين عاماً من النضال الشاق الذي كبّدنا الكثير من التضحيات. القرار الأممي لن تطبقه الأمم المتحدة بالنيابة عنا.. ولن يتحقق دون دفع يوميات النضال والعمل السياسي والجماهيري. لقد غادرنا مبنى الأمم نحمل مقعداً نجلس عليه بين الأمم، وقراراً يصعب تفسيره بلغة الواقع. خرجنا من الأمم المتحدة نحمل فكرة قانونية إلى الأرض الفلسطينية التي ما زالت تصنف مناطق، a b c، حسب "الفقه الأوسلوي".. لكنها تحولت بالقرار إلى أرض الدولة الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال.

ما هي الأجوبة التاريخية للحظة الجديدة؟. هذا ما على القيادة والقوى السياسية أن تعمل على تفسيره للجماهير التي خرجت للاحتفال بالفكرة من جانب، مرحبة بالحراك الأممي نحو فلسطين ضمن أفكار متباينة حول القرار وتطبيقه وحول الجهة التي وُلد في بيتها من جانب آخر. ذلك البيت الدولي الذي نمتلك تفسيرات وتقييمات مختلفة عنه، ولدينا شكوك حول قدرته وإرادته في حماية التصويت الذي تردد صداه في أروقته.

لا بد من أن يرى المواطن الفلسطيني تفسيراً واقعياً للقرار، وخطة واضحة تعبوية وواقعية تستنهض العناصر الإيجابية التي تبلورت إبان العدوان الأخير على غزة، والتي تواصلت مع الأجواء الوحدوية وفعلها الإيجابي المتولد على خلفية التوجه نحو الأمم المتحدة. على الكل القيادي الفلسطيني أن يوضح الفرق ما بين قبل وما بعد اليوم الطويل في التاسع والعشرين من تشرين الثاني، وأن يرسم الخط الفاصل ما بين حالنا والاحتلال قبل الجمعية العامة وحالنا ما بعدها، قبل التصويت وبعده.

الشعب الفلسطيني الذي يملك أدواته الحسية لتفسير الطلاسم والألغاز يعرف الطريق. فقد علمته خبرته بالاحتلال ومسانديه ألا يطوف على شبر من الماء وألا يأخذ الأمور بسطحيتها، وألا يقتنع إلا بما يتلمسه بيده ويراه بعينه.

خرجت الجماهير للاحتفال بالحدث الكبير استناداً إلى القاموس الفلسطيني في: "فك الطلاسم والرموز في مُحْكَم المعيقات والضغوط"، "والبسيط في تفسير ردود فعل الاحتلال". الفلسطيني بمجساته يدري أن الضغوط والوفود الدولية لثني الفلسطينيين عن التوجه للهيئة الدولية يعني أننا في الطريق الصحيح، وموقن بأن رفع منسوب العدوان على الشعب الفلسطيني على أبواب فتْح "نيويورك"، هو المعادل الاحتلالي لصحة التوجه وصوابيته. لكن الوضع الجديد لا يحتمل البيانات والخطابات النظرية أو الأكاديمية. بل يحتمل ويتطلب الشرح الوافي للوضع الجديد باللغة السياسية الجيّدة، لأن التفسير الرديء هو الثغرة التي تتسرب منها الفرحة والمعنويات الرائعة التي سُجلت في ليلة القرار.

لا بد من خطة تحويلية للقرار الأممي، فاستعادة وطننا لا تتحقق بالتصويت، لأن الوطن هو عمل تراكمي وجهود متصلة وعقول متلاحمة وأجساد مترابطة، تضيف وتزيد وتنمو لتصبح السياج والمعابر التي تحمي حدود الوطن. والسواعد التي تبني الدولة المستقلة، والعيون التي تسهر والرؤوس التي تقرر.

وأخيراً لسعت عقارب الزمن الاحتلال لتأخره عنها، فأظهر وجهه المتشبث بعنصريته وعجرفته وتعاليه على الحقيقة التي لم يعد العالم يحتملها. لقد أدرنا هجوماً شرعياً وأدرنا معركةً استخدمها الاحتلال ذات تشرين ثان قديم مر في العام 1947 منتجاً دولة الاحتلال، التي سعت للتوسع بالحديد والنار. نحن اليوم نستخدم ذات السلاح الذي منحنا قراراً سنرسم بحيثياته أرضنا لنقيم عليها دولة ذات سيادة.

مفارقات التصويت

بقلم: عدلي صادق عن صحيفة الحياة الجديدة

مثلما كان الفلسطينيون جميعاً، في الوطن وفي الشتات؛ سهرنا أمام شاشات التلفزة، لسماع خطاب الرئيس محمود عباس، ولمتابعة التصويت. فعل الفلسطينيون ذلك مع فوارق عديدة في التوقيت؛ إذ كلما كان واحدهم أبعد شرقاً عن القدس، تكون الساعة أقرب الى الفجر. وفي الهند، حيث بعثتنا الدبلوماسية، كنا نقترب كثيراً من الشروق، لكن رسائل التهنئة النصيّة عبر الهاتف، جاءتنا من ساهرين كُثر، من أصدقاء فلسطين!

بدأ النهار مرهقاً بعد أن عز النوم وراح وقته. فقد كان محسوبكم على موعد سفر بالطائرة الى مومبي، العاصمة الاقتصادية، لكي نحضر ونتحدث في مهرجان تضامن، سبقني في الوصول الى المدينة، الزميل عبد الله عبد الله، ممثلاً لمفوضيّة العلاقات الدولية في حركة «فتح». كانت هناك ساعتان يُتاح فيهما الإخلاد للراحة، لكن أعضاء من البعثة الدبلوماسية لجنوب إفريقيا، جاءوا الى سفارتنا في الصباح الباكر، وقالوا: «سنكون أول المهنئين». استقبلناهم بالترحاب وشكرناهم، وأدركنا أن الشعوب الشقيقة والصديقة سهرت معنا تلك الليلة. لقد كانت حكومة جنوب إفريقيا، من بين حكومات الأمم التي لم تخالف ما تمليه عليها ضمائر شعوبها. وبعد مغادرة الأفارقة الجنوبيين، خصصنا الوقت المتبقي لكي نستخرج من الإنترنت، نص خطاب الرئيس، باللغتين العربية والإنجليزية، حرصاً على توزيعه في مهرجان مومبي، مع قائمة الدول التي ساندتنا وتلك التي عاندت حقنا أو امتنعت.

في قائمة التصويت، هناك ضمن مصوتي الضد، وكذلك ضمن قائمة الممتنعين، بعض المفارقات التي يجدر التوقف عندها!

فمن بين الممتنعين عن التصويت، أمامنا من حظيت فلسطين في دولهم وما زالت تحظى، بصفة الدولة التي يعترفون بها منذ العام 1988. هذه الدول، عندما سجلت موقفها السلبي ولم توافق على الاعتراف، لم تمتنع وإنما تأتأت أو تلعثمت وخالفت وقائع ماثلة في عواصمها، تجسدها سفارات فلسطينية، تتمتع بصفة سفارات الدولة المعترف بها سلفاً. إن هذه لعثمة وتأتأة ونكوص، إكراماً لعيون أمريكا. ومن بين المتلعثمين الذين اتخذوا ذلك الموقف «الشَكَر» الذي لا هو ذكر ولا أنثى؛ البانيا والبوسنة، اللتان أغلبية سكانهما مسلمة. معنى ذلك أن النظامين الشيوعيين السابقين، كانا أصدق تعبيراً عن وجدان شعبيهما من الحكم في العهد «الديمقراطي»!

كان اصطفاف دول رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا وسلوفاكيا وسلوفينيا والباراغوي، وتوغو (العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي) مع معسكر التأتأة؛ مؤشراً على فقدانها للقدرة على تبني سياسة خارجية مستقلة وشجاعة، ومنصفة لنفسها، إذ هي ملتزمة أصلاً باعتراف سابق بدولة فلسطين. أما التشيك، التي ذهب موقفها الى معسكر الضد؛ فقد أساءت لسمعتها بنفسها، بانكشاف مدى التأثير الأمريكي والصهيوني عليها، ليتماثل وضعها مع وضع أية واحدة من «دول» جزر مكرونيزيا. وبالمناسبة، لم يقف مع أمريكا وإسرائيل، سوى أربع دول، واحدة منها ذات أربع جمهوريات «مستقلة» مكرونيزية افتراضية. الأولى منها، وهي التي تحمل اسم الجزر، امتلكت أمريكا المقاطعتين الأكبر منها ومنحتها «استقلالاً» موصولاً بها واشترت ما تنتجه وما ستنتجه غاباتها من خشب التدفئة!

دولة «ناورو» شقيقة مكرونيزيا، والقائمة على إحدى جزرها المترامية؛ هي الأخرى إحدى الأربع التي جعلت أصوات الضد، بخلاف صوتي أمريكا وإسرائيل، سبعة بدلاً من أربعة، وبذلك ازداد عدد أعضاء البعثات التي في مقدورها أن تصفق وقوفاً للمتحدث باسم نتنياهو وليبرمان. و»دولة» ناورو هذه، هي واحدة من الـ 4 مكرر، وتختلف عن الأم مكرونيزيا بأنها أبرمت مع استراليا اتفاقاً يغنيها عن تشكيل قوة مسلحة، إذ يتكفل الاستراليون بالدفاع عنها إذا ما هاجمها طرف يعرف الطريق اليها!

ثالثة الأربع جمهوريات المكرونيزية، هي بالاو التي يصنفها الجغرافيون ضمن مجموعة جزر مكرونيزيا. وعدد سكان هذه الدولة، لا يصل الى عدد الذين احتشدوا في مدينة الخليل لمتابعة التصويت. هم لا يزيدون عن 18 ألفاً، منحت أمريكا حكومتهم، الحق في الاعتراض على صفة الدولة لفلسطين ذات العشرة ملايين في الداخل والخارج. هم يمتثلون لواشنطن، لأنها هي التي شجعتهم على الانتقال من وضعية الوصاية الأمريكية عليها بقرار من الأمم المتحدة، الى وضعية دولة مرتبطة بـ «ميثاق حر» مع الولايات المتحدة!

ولعل المفارقة الطريفة، التي تستكمل المعسكر المكرونيزي الذي لا تخجل أمريكا من الاستئناس به ومجافاة العالم؛ تتمثل في «جمهورية» جزر مارشال (مارشال آيلاند) وهي عضوة أصلاً في أسرة الجزر المكرونيزية، تمردت على أهل الدار. ويستغرب واحدنا، لماذا أمريكا تفتن بين الجزر «الصديقة» المطيعة، فتؤجج الخلافات بينها، بينما شعوب هذه الجزر, بائسة ومغلوبة على أمرها؟ ولا أظن أن هناك حاجة للسؤال كيف يرضى الأمريكيون من الوجهة الأخلاقية، أن يدفعوا «جمهورية» تابعة لهم، لم يصل عدد سكانها الى عشرين ألفاً، للتصويت ضد حق عشرة ملايين فلسطيني في دولة ناضلوا من أجلها جيلاً بعد جيل؟ فأمريكا لا تستحي من ضآلة رصيدها بين مجموعة الأمم، ولا ترى حرجاً من الاستحواذ على أصوات المكرونيزيين. فمارشال آيلاند هذه، ولاية أمريكية بعيدة، مقتطعة من مكرونيزيا. العملة الرسمية فيها هي الدولار الأمريكي، وهي منصة تجهيز لوجستي للتجارب الذرية. ربما تكون أمريكا لم تسع الى الصلح بين الجزر، رغبة في زيادة عدد الأصوات التي تمتلكها في الجمعية العامة. فمن أجل ذلك تحرم شعب الجزر، من بناء دولة مكرونيزيا الكبرى، التي تمتلك جيشاً، ولها عملة وهوية وسياسة وكرامة، وتدفع المحروم للتصويت مع حرمان الآخرين!

بخلاف معسكر الرفض المكرونيزي، لم يكن في صف واشنطن وإسرائيل، سوى كندا والتشيك وبنما التي كانت أمريكا احتلتها باجتياح عسكري وأطاحت حكم الجنرال نورييغا في خريف العام 1989. فضلاً عن هذه الدول الثلاث، كان ينبغي أن تكون هناك دولة رابعة هي مكرونيزيا المستقلة والموحدة التي تمتلك إرادتها فتكون مع الضد أو لا تكون. أما عندما تتكرر مكرونيزيا أربع مرات، فإن الأمر يصبح شكلاً جديداً من التزوير في اقتراع «برلمان الأمم». هو شكل قانوني وعلني لكنه في ذات الوقت، فاسد ومتحايل بوقائع التقسيم التي سبقت تنسيب الجزيئات المكرونيزية للأمم المتحدة. أما كندا والتشيك، فإنهما في داخل نفوذ واشنطن وفي مناخها، كل منهما في موقعها. الأولى ذات ارتهان ماكث، أما الثانية فهي ذات موال عابر، بعبور الأنظمة والأحوال الأوروبية!

بقي القول، لو كان الأمر بيدي، وبلغني تردد البريطانيين واشتراطهم العجيب، الذي يقر ضمناً بأن إسرائيل تقترف جرائم الحرب بحكم طبيعتها؛ لأرسلت للبريطانيين من يقول لهم: حتى بدون هذا الشرط، إننا لا نرغب في الحصول على صوتكم، وذلك لأسباب تاريخية، فضلاً عن الأسباب السياسية الراهنة. إن صوتكم المؤيد هو فأل شؤم، لأنكم أصل البلاء ولا يُرجى منكم دواء!

خبراء تبهيت الانتصارات.. عن المقاومة والدولة

بقلم: أكرم عطا الله عن صحيفة الأيام

ستحفظ الذاكرة الفلسطينية ما سيخلده التاريخ، وسيتعلّم الأولاد في كتبهم أن شهر تشرين الثاني من هذا العام كان شهر انتصارات فلسطينية بامتياز، لقد خاض الفلسطينيون في هذا الشهر أشرس معاركهم العسكرية والدبلوماسية وكان النصر حليفهم، سيكتب التلاميذ على مقاعد الدراسة "في ذلك الشهر حمل الفلسطينيون ما يملكون من أسلحة الإرادة الإصرار مدججين بقوة الحق ليهزموا قوى الشر والاحتلال وكان ذلك".

من يقرأ التاريخ بهدوء وبعيداً عن المواقف المسبقة لا بد أن يعترف أن معركتي الشهر الماضي سجلتا من التحدي ما يمكن أن يؤسس لصفحة جديدة في إطار الكفاح الطويل على طريق الانتصار والتحرير، ومن حق كل فلسطيني أن يفخر بما تحقق وأعطى أملاً كبيراً لمواصلة النضال، ففلسطين تتقدم وإسرائيل تتراجع، المشروع الفلسطيني يراكم نقاطاً، وبالمقابل مشروع الاحتلال يسجّل خسارات على طريق الرحيل والهزيمة كما كل من سبقه من قوى عسكرية اعتقدت أن السلاح يمكن أن ينتصر على الإرادة، وإسرائيل فشلت في قراءة كل دروس التاريخ، وها هي تتعلّم الدرس في القدس من المقاومة وفي نيويورك من الدبلوماسية السياسية الفلسطينية.

هذا هو الواقع ودون تضخيم، بأن هذه المعارك هي معارك النصر الكبرى ولكن أيضاً دون تبهيت تردده بعض الأصوات في الساحة الفلسطينية والتي رغم كل الأحداث الكبيرة فإنها لم تغادر ثوبها الحزبي الذي أصابها بالعمى حد رفض رؤية أي إنجاز يحققه الخصم السياسي ولا ترى سوى أن الانتصار لجهة سياسية واحدة، ويصل الأمر حد تمني الهزيمة وانتصار إسرائيل حين يقود المنافس سياسياً المعركة ضد إسرائيل.

أثناء المعركتين برزت أصوات كأنها تستكثر على الفلسطينيين تحقيق إنجاز ضد إسرائيل، فالمنافسة السياسية وصلت حد إحباط الشعب الفلسطيني والتقليل مما يحققه من انتصارات، كان يكفي النظر لردود فعل إسرائيل لقياس حجم الإنجاز، وليس من المبالغة القول إن هذا الشهر كان شهراً صعباً على إسرائيل.

معركة الأمم المتحدة كانت أشبه بحرب شوارع دبلوماسية، هدد الإسرائيليون القيادة الفلسطينية حد التصفية، استخدمت إسرائيل كل ما تمتلكه من أسلحة ومصالح وأموال ولوبيات ضغط وإعلام وقوة الولايات المتحدة التي حاولت ثني الرئيس عباس عن التوجه للأمم المتحدة، واستمرت حتى ربع الساعة الأخيرة بالتهديد والوعيد، وفتحت إسرائيل خطوطها الساخنة مع كل دول العالم ووضع الفلسطيني ظهره للحائط متكئاً إلى حقه في أرضه على الرغم من كل تهديدات إسرائيل بالخنق والسحق، وذهب حتى النهاية وعلى غير المتوقع بهذه المعركة ليهدي شعبه انتصاراً، وللاحتلال انكساراً.

من لم يعمل في السياسة لا يعرف ماذا تعني الضغوط السياسية والتي قلما يصمد أمامها أعتى السياسيين في العالم، فكل القوى الفلسطينية خاضت مفاوضات ورأينا حتى على مستوى الإقليم كيف أن ضغوط أجهزة دول كانت كفيلة بتغيير المواقف، فما بالنا حين يكون الأمر على مستوى العالم وحين يكون على رأس تلك الضغوط سياسياً الولايات المتحدة، وميدانياً إسرائيل، حقاً إنه قدر من الشجاعة يستحق الاحترام، ومن الاستخفاف اعتبار أن ما تحقق من تظاهرة دولية ضد إسرائيل، وحسم مسألة الأرض الفلسطينية من أراض متنازع عليها إلى أراض محتلة هي مسألة ضد الحقوق الفلسطينية، إن ذلك ليس أكثر من منافسات حزبية صغيرة لا تستحق أن تسجل في إطار القراءات الموضوعية لتاريخ الصراع.

وقبل ذلك بأسبوع فقط كانت المقاومة الفلسطينية تقود معركتها حد العظم بما تمتلك من كثير من الشجاعة وقليل من السلاح وقدر من التحدي الذي رفض الهزيمة واضعا ظهره للحائط أيضاً دون خوف من أعتى قوة عسكرية في المنطقة قادرة على تحويل قطاع غزة إلى رماد، لكن المقاومة التي خاضت معركتها هذه المرة بثقة عالية وبانضباط هادئ وإصرار كبير على ألا تنهزم وأن تهدي شعبها أملاً بهزيمة الاحتلال وقد قدمت أداءً فاجأ ليس إسرائيل بل أيضاً أصدقاء المقاومة على مستوى العالم حين تمكنت من ضرب عاصمتي إسرائيل السياسية (القدس) والاقتصادية (تل أبيب) وبكل الظروف سجلت المقاومة اختراقاً لمنظومة الأمن الإسرائيلية وانتهت المعركة بتآكل كبير بمنظومة الردع التي عولت عليها، ولا يمكن لمراقب إلا أن يرى ذلك بهدوء شديد وأن الحديث بغير ذلك هو نوع من المناكفة الحزبية والتعامي عن رؤية حقائق الأشياء ولم يكن أداء المقاومة "عرة" كما وصف أحدهم خطوة الرئيس عباس.

ما هي المصلحة بالقول إن الأداء الفلسطيني كان فاشلاً سواء في معركته العسكرية أو الدبلوماسية، هذه ثقافة وردت على لسان أكثر من مسؤول من كلا الجانبين المتصارعين في الساحة الفلسطينية أو من يقدمون أنفسهم باعتبارهم كتاباً ومحللين يحللون ويحرمون فقط ما تشرعه لهم مصالحهم وقيادتهم السياسية ولكن هذه الثقافة المحبطة نتيجتها قتل الأمل لدى شعب يعتبر الأمل عنصر قوته وسبب بقائه الوحيد على هذه الأرض، وإلا لو كان الأمر غير ذلك لترك المكان منذ زمن باحثاً عن دول بديلة ولكنه هنا لأنه يعرف أن المستقبل له وأن شعبه سينتصر ويقيم دولته.

هناك انقسام قصم ظهر الساحة الفلسطينية وأصابها إصابة مزمنة يحق للجميع أن يقول كلمته حول هذا الانقسام، ويحق للكل أن ينتقد الفصائل والنظام السياسي حين يخطئ بحق المواطن والوطن، ولكن الموضوعية تقتضي حين يتقدم أحد باتجاه فلسطين أن يقترب من شعبها ويهديه نصراً نادراً ويكون سبباً لأن تمتلئ شوارع المدن بالفرح، لا بد أن يقال له شكراً لقد أخذتنا المقاومة وأخذنا الرئيس خلال الأسبوعين الماضيين نحو النصر وإن كانت انتصارات جزئية وصغيرة فلهما كل الاحترام.

من باب المناكفة يسأل أحدهم: هل خطوة أبو مازن تعيد اللاجئين الفلسطينيين؟ هذا يعني أن نطلب من المعارك التكتيكية أن تحقق الأهداف الإستراتيجية، لا يمكن وضع سؤال كهذا إلا في إطار المزاودة الساذجة، فهذه معركة تفتح معارك، ويشبه السؤال في وضعه كمن يطلب من المقاومة أن تقوم بتحرير المناطق التي وصلتها صواريخها ولأنها لم تحرر تل أبيب فهذا يعني أن المعركة لم تكن على مستوى المطلوب.

وفي تلك المناكفة ظلم كبير للفصائل والقوى السياسية، وظلم واستهتار بالمواطن الفلسطيني وهي محاولة كل طرف لتقزيم وتبهيت انتصار الآخر وتلك ربما تطرح سؤالاً كبيراً حول المصالحة الوطنية.

الإنجازات التي تحققت يفترض أن تجعل أطراف الانقسام أكثر ثقة بنفسها والمصالحة تتطلب تنازلات، ولا يقدم التنازلات سوى الواثق وما حدث ربما يساهم إلى حد كبير في الذهاب نحو إعادة بناء النظام السياسي والذي أصبح ضرورة بعد خطوة رفع التمثيل الفلسطيني إلى دولة، فلم تعد السلطة الوطنية تلائم هذا التوصيف والخطوة الآن الذهاب لبناء نظام الدولة وحكومة دولة فلسطين وهذا يتطلب أولاً إنهاء الانقسام وإن لم يتم ذلك ستكون معاركنا الصغيرة هي السبب في إجهاض انتصاراتنا الكبيرة.


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً