اقلام واراء محلي 449
16/7/2013
في هذا الملـــــف:
رسالة مفتوحة إلى السيد جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية
منيب رشيد المصري/ معا
خيارات "حماس" الصعبة ومسؤولية الاتجاه الوطني ..!
أكرم عطا الله /معا
الصفقة: خروج آمن لـ "الإخوان" دخول آمن لـ "حماس"!
رجب ابو سرية/ج.الايام
لمواجهة الاحتلال برد مخططاته ضده!
مصطفى ابراهيم/ معا
المطلوب إعادة صياغة الوعي العربي
راسم عبيدات/ج.القدس
المخرجُ تسويةٌ تاريخيّةٌ بين مختلف الاتجاهات
هاني المصري/ج.الأيام
الحضارات القديمة قدست المياه .. لكل نهر عظيم أسطورة
الدكتور حنا عيسى – أستاذ القانون الدولي/pnn
رسالة مفتوحة إلى السيد جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية
منيب رشيد المصري/ معا
السيد جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية
تحية طيبة واحترام،،،
نرحب بقدومكم مرة أخرى إلى فلسطين ونتمنى لكم كل التوفيق في جهودكم الهادفة إلى احلال السلام والأمن في المنطقة والإقليم والعالم بشكل عام، ونأمل أن تكون فترة توليكم لهذا المنصب مليئة بالانجازات والنجاحات الدبلوماسية، فانتم القادرون والراغبون في احراز انجاز تاريخي يسجل لكم شخصيا وللدبلوماسية الأمريكية بشكل عام، وخير انجاز يُحَقِق لكم هذا، هو وضع حد للاحتلال الإسرائيلي وتطبيق حل الدولتين بما ينسجم مع القانون الدولي والشرعية الدولية.
إننا يا سيادة الوزير نسعى وبكل جد ومسؤولية إلى انجاح جهودكم من أجل السلام والتحرر من أطول احتلال عرفه التاريخ الحديث، يمارس بحقنا كل أشكال التضييق والقهر ومصادرة الأراضي والبناء الاستعماري، والإرهاب من قبل المستعمرون، وبناء جدار الفصل الذي يسبب اضرارا اجتماعية واقتصاديا وبيئية عداك عن عدم شرعيته وبشاعته بالمعنى الانساني والسياسي.
نحن يا سيادة الوزير نطلب بتطبيق مبادئ العدل الواردة في الدستور الأمريكي، وما جاء في خطاب الرئيس باراك اوباما الذي القاه في جامعة القاهرة عام 2009، حين قال: "إننا لا نقبل مشروعية استمرار المستعمرات الإسرائيلية، إن عمليات البناء هذه تنتهك الاتفاقات السابقة وتقوض من الجهود المبذولة لتحقيق السلام، ...، لقد آن الأوان لتتوقف هذه المستعمرات".
إننا نؤمن بأن مطلب القيادة الفلسطينية في وقف الاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى، وأن تكون هذه المفاوضات مبنية على أسس واضحة وضمن جداول زمنية محددة، تمثل اجماع فلسطيني، وتضع أساسا لمفاوضات مثمرة وجدية تحقق ما يطمح اليه الجميع في انهاء الصراع لأن الوقت ينفذ. وهذه المطالب تتجاوب أيضا مع ما قاله الرئيس اوباما في خطابه امام طلبة الجامعات الإسرائيلية في آذار الماضي حين قال: "السلام ممكن"، ...، "المفاوضات ستكون ضرورية لكن ما هو إلا سر مباح إلى أين يتعين أن تقود؟ تقود إلى قيام دولتين ...".
إن أساس العدل يقوم على تحقيق الحقوق، وأن السلام العادل والشامل يمكن انجازه إذا ما قبلت إسرائيل بالأسس التي نادت بها وأقرتها الشرعية الدولية فيما يتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقال بها الرئيس اوباما في ذات خطابه أمام طلبة الجامعات الإسرائيلية: "ضعوا أنفسكم في مكانهم، انظروا إلى العالم من خلال عيونهم، ليس من العدل أن ينشأ أطفال فلسطين دون أن يكون لهم دولة خاصة بهم، وأن يعيشوا طوال حياتهم في ظل وجود جيش أجنبي يسيطر على تحركات ليس فقط هؤلاء الشباب بل أيضا تحركات آبائهم وأجدادهم في كل يوم، وليس فقط عندما يذهب عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين دون عقاب، ليس من العدل منع الفلسطينيين من زراعة أراضيهم؛ أو تقييد قدرة الطلبة على التحرك في جميع أنحاء الضفة الغربية؛ أو تهجير العائلات الفلسطينية من منازلها. لا الاحتلال ولا الطرد هو الحل، ...، فإن للفلسطينيين الحق في أن يكونوا شعبا حرا على أرضهم".
إن من حق الشعب الفلسطيني أن يكون له دولة مستقلة وذات سيادة كباقي شعوب الأرض، ومن العدل أن تكون هذه الدولة عضوا كاملا في الأمم المتحدة، وأن تنال الدعم والمساندة من كل مكونات المجتمع الدولي بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما نطمح اليه؛ في اعترافكم بدولة فلسطين كعضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة تمهيدا لقبولها كعضو كامل في هذه المنظمة الدولية، وذلك انسجاما مع ما قاله الرئيس اوباما في خطابه أمام الأمم المتحدة في العام 2010، "... فسوف نستطيع عندما نعود ونلتقي هنا في السنة القادمة أن نوقع اتفاقية تؤدي إلى دخول عضو جديد في الأمم المتحدة—دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة تعيش بسلام مع إسرائيل".
لقد طال انتظار الشعب الفلسطيني الذي أعطى اقصى ما يستطيع في سبيل تحقيق السلام، وقدم تنازلات مؤلمة حينما قبل فقط بــــــ 22% من مساحة فلسطين التاريخية من أجل تحقيق سلام الشجعان الذي قال به الراحل الرئيس ياسر عرفات وأقرته وثيقة اعلان الاستقلال في العام 1988، وكل مطلبنا يتلخص في الزام إسرائيل بما وقعت عليه وتعهدت به، وأن تحترم القانون الدولي وقرارات الشرعة الدولية، وبخاصة تلك المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. والولايات المتحدة الامريكية هي الأقدر على فعل ذلك مع دولة إسرائيل، فطبيعة العلاقات الثنائية تعطيكم هامشا كبيرا للتحرك في هذا المجال، وبخاصة أن السلام مصلحة امريكية أساسا يخدمها في ترتيب أوضاعها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع دول المنطقة والإقليم والعالم بشكل عام، وانتم يا سيادة الوزير تدركون أهمية هذا السلام على مصالح الولايات المتحدة الامريكية.
إن تحقيق السلام يتطلب انهاء الانقسام وعدم وضع العراقيل أمام تحقيق المصالحة الفلسطينية، ودعم الجهود المحلية والعربية والإقليمية والدولية الدافعة بهذا الاتجاه، فالسلام مع إسرائيل يتحقق عندما يكون الشعب الفلسطيني موحدا سياسيا وجغرافيا، وهنا ندعوكم يا سيادة الوزير بالعمل مع الاطراف المعنية على دفع هذه الجهود ومساندتها وتذليل العقبات التي تحول دون انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.
نأمل لكم كل النجاح والتوفيق في مهامكم، ونقول؛ سنعمل معكم ومع كل الأطراف لتحقيق السلام العادل والدائم والشامل والمبني على أساس دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967، بعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين وفق القرار الدولي رقم 194، هذه الدولة تعيش بسلام وأمن وتعاون مع كل مكونات المجتمع الدولي، بما فيها دولة إسرائيل.
خيارات "حماس" الصعبة ومسؤولية الاتجاه الوطني ..!
أكرم عطا الله /معا
قبل عامين ونصف العام ألقى الرئيس المصري السابق حسني مبارك خطاباً عاطفياً قدم خلاله كل التنازلات التي طلبها المتظاهرون من تعديل مواد الدستور المختلف عليها وتعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية التي كانت ستجري بعد ثمانية أشهر من ذلك الخطاب، ظهر حينها وكأن الرئيس السابق يستجدي أن يكمل ولايته لكن المتظاهرين رفضوا وأصروا على الرحيل واكتشف لاحقاً أن المحرك الأكبر لثورة يناير هو تنظيم الإخوان المسلمين وبالتالي قدموا سابقة إسقاط الرئيس قبل نهاية ولايته.
والآن يتكرر المشهد مع رئيس من الإخوان ولكن موقفهم هذه المرة مختلف عنه قبل أكثر من عامين، ويبدو الحديث عن الصندوق وتجربة الصندوق بحاجة إلى مراجعة حيث تبدل المواقف باختلاف المواقع، بينما لا يتوقف التيار الإسلامي عن وصف وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي بالانقلابي، بينما يستقبل أمير قطر الذي انقلب على أبيه استقبال الفاتحين، فالسيسي هنا أضر بمصالح الإخوان لكن ما حدث في غزة قبل سنوات ضد رئيس منتخب لم يكن انقلاباً لأنه في صالح الإسلام السياسي، هكذا الأمر.
وبغض النظر عمن يحكم مصر التي غيرت في السنوات الثلاث الأخيرة ثلاثة أنظمة، حكم الرئيس مبارك ثم المجلس العسكري ثم حكم الرئيس مرسي، لم يحدث أي تغيير على الوضع الفلسطيني، حكم مرسي أم ذهب مرسي فلن يشعر الفلسطينيون بأي فارق وهناك الكثير من الدلائل التي لا يريد بعض الفلسطينيين قراءتها وأهمها تحدي العدوان على غزة والذي لم يتجاوز دور الإسلام السياسي المصري دور الآخرين بالتوسط بين المقاومة وإسرائيل.
هناك حقائق لا نريد أن نصدقها وأول هذه الحقائق هي أن الوطنية المصرية هي من خاض كل المعارك ضد إسرائيل وليس الإسلام السياسي، والحقيقة الثانية أن الإسلام السياسي كان يطالب بفتح الحدود للجهاد في فلسطين ولكن حين وصل للسلطة إذ به يعلن تشكيل مجموعات "للجهاد" في دمشق فحسبة الفلسطيني هي حسبة وطنية لها علاقة بفلسطين وإسرائيل وليست حسبة "كابول أهم من القدس".
كان يجب أن يكون الفلسطينيون أكثر حذراً حتى من إبداء الرأي في الأزمة المصرية، فسيل الاتهامات كبير جداً بالتدخلات بكافة أشكالها بما فيه العسكرية "والتي بالمناسبة لم يعلن حتى اللحظة اسم واحد منها" فليس هناك مستفيد أو متضرر من بقاء أو رحيل الرئيس مرسي سوى حركة حماس والتي باتت تشعر باليتم بعد إنهاء تجربة الإخوان المسلمين في القاهرة باعتبارها القدوة والنموذج والداعم الرئيس معنوياً ومادياً وهي مراهنة التاريخ بالنسبة للحركة الفلسطينية والحكم على صوابية البرنامج وحتمية الانتصار بالصعود، فالهبوط وإنهاء التجربة وبهذا الشكل يعتبر ضربة كبيرة لمشروع حركة حماس ونموذجها لذا يمكن فهم غضبها على سقوط الرئيس المصري وإطلاق تسميات وتوصيفات للأزمة ليست مقبولة على كل المصريين ويمكن أن تغذي حالة الشيطنة التي تمارسها بعض وسائل الإعلام في القاهرة ضد الفلسطينيين، لهذا كان يجب الحذر وإجراء حساب العقل والمصلحة الوطنية وليس حسابات حركة الإخوان لتكون بعض الفضائيات الفلسطينية وكأنها جزء من الأزمة المصرية.
وعلى وقع الأزمة المصرية يبدو السؤال عن خيارات حركة حماس بعد زلزال القاهرة وهي الأكثر اهتزازاً في الساحة الفلسطينية وهل يمكن أن يجد الفلسطينيون فيما حدث في الجوار ما يضيف لتجربتهم السياسية الفقيرة والتي يبلغ حد الإقصاء فيها منسوباً لم يبلغه أي نظام سياسي في العصر الحديث.
أمام حركة حماس ثلاثة خيارات تتراوح بين الواقع والضرورة أولها بقاء الوضع على ما هو عليه باعتبار أن الحركة تحكم قطاع غزة قبل التغيرات في الإقليم وقبل حكم الإخوان المسلمين وبالتالي يستمر في حكم القطاع مع مزيد من التضييق المصري والذي سيؤثر مالياً عليها ولكن الحركة تتدبر أمورها بزيادة الضرائب والجمارك بحيث تغطي نقص المساعدات والأموال التي كانت تأتي عن طريق مصر.
الخيار الثاني وهو أن يشتد خناق الأجهزة المصرية على حكم حركة حماس كانتقام من وقوفها إلى جانب حركة الإخوان المسلمين ومنع الأموال وإغلاق الأنفاق ومنع السفر وكذلك منع أية وفود خارجية تأتي إلى غزة يعني أن تنعزل الحركة وهذا الخيار يمكن أن يدفع حركة حماس للذهاب نحو فتح معركة مع إسرائيل تستعيد زخمها وتخرجها من دائرة الاتهام والانتقام كحركة شهيدة وتعيد فتح الطريق أمامها وتجنيد حملات الدعم والزيارات والوفود التضامنية التي لا تستطيع القاهرة في هذه الحالة منعها.
أما الخيار الثالث فهو الخروج من هذه الحالة وهو الذهاب نحو الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني من خلال إعادة تشكيله بالتوافق مع حركة فتح وباقي الفصائل على تشكيل حكومة وحدة تتكفل بالعلاقات الخارجية بعيداً عن مسؤولية كل فصيل على حدة وتعيد فتح معبر رفح وفقاً لاتفاقية 2005 وكذلك المعابر مع إسرائيل وفقاً لاتفاقيات أوسلو.
الخيارات الثلاثة هي فقط أمام حركة حماس ويبدو أن الخيارين الأول والثاني يرجحان أكثر من الخيار الثالث ارتباطاً بتجربة الماضي، ولأن المستجدات تجعل الحركة أقل ثقة بنفسها نظراً لاختلال التوازنات وهذا الشعور من شأنه أن يغلق ملف المصالحة ويستبعد من تفكيرها ولو مؤقتاً لهذا فإن المسؤولية الآن هي مسؤولية الاتجاه الوطني أن يأخذ بيد "حماس" بعيداً عن تغيرات الإقليم والتي في كل مرة يعيش طرف في الساحة الفلسطينية النشوة مؤقتاً ليتباعد الطرف الآخر، "حماس" أمام حالة من ضبابية المستقبل ولأن كل الخيارات أمامها مفتوحة فعلى الحالة الوطنية ألا تنتظر أن تحشر حركة حماس في زاوية الخيارات الصعبة وهي تبدو أن الأمور تسير بذلك الاتجاه فقد تندفع الحركة باتجاهات خاسرة للجميع أو مكلفة، فالأسهل مساعدة "حماس" واحتضانها لا التشفي بها فهي وضعتنا جميعاً في زاوية حرجة بموقفها من الأزمة في مصر فمن جهة لسنا راضين على موقفها لكننا لا يمكن التبرؤ منها والقول عاقبوا "حماس" وحدها ومن جانب آخر لسنا قادرين على حمل موقفها ودفع ثمنه وأمام هذا الواقع ليس أمام الحالة الوطنية إلا أن تتصرف بمسؤولية تستدعيها اللحظة التاريخية.
الصفقة: خروج آمن لـ "الإخوان" دخول آمن لـ "حماس"!
رجب ابو سرية/ج.الايام
بعد مرور أسبوعين على عزل الرئيس المصري / الإخواني محمد مرسي العياط، بات واضحاً أن من شبه المستحيل أن ينجح الإخوان في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فلا هم نجحوا في حشد ملايين كافية _ كما وعدوا أكثر من مرة _ لإعادة رئيسهم المعزول إلى "عرشه"، ولا هم وجدوا في "الخارج" خاصة الولايات المتحدة القوة الكافية لإجبار الجيش، على التراجع عن موقفه، ثم إنهم أيضاً أخفقوا في فرض أسوأ السيناريوهات، التي هددوا بها، وهو جر مصر إلى حرب أهلية، وباستثناء حادثة الحرس الجمهوري، التي عبدوا طريق الدم إليها بالخديعة، حين أوحوا بأن مرشدهم، محمد بديع، سيخرج إلى أنصارهم يحثهم على ضبط النفس، وعلى التظاهر السلمي، فإذا به يزيد على ما فعله من قبله صفوت حجازي، وعصام العريان، بتحريضهم على سلوك طريق الدم!
حتى قدرتهم على اختراق جبهة سيناء، والتي طالما اعتبرناها الخاصرة الضعيفة لمصر الكنانة لأكثر من سبب، لم تظهر على القدر الذي كان يتوقعه الكثيرون، وذلك ارتباطا بحجم الخسارة السياسية التي لحقت بهم، ونقصد إسقاطهم عن عرش مصر، بعد أن انتظروا هذه اللحظة أكثر من ثمانين سنة!
اليأس بدأ يتسرب إلى نفوس قادة الإخوان أنفسهم، وهم بعد أن رفضوا بشدة التعامل مع المطلب الشعبي، قبل 30 يونيو، بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ثم بعد أن رفض الرئيس مرسي العياط مهلة الجيش، بعد أن امتلأت ميادين مصر بالمناهضين له، بالتنحي، قدم الإخوان أول تنازل، حينما وافق مرسي على التنحي شريطة منح الإخوان 48 ساعة، بحجة ترتيب أمورهم ( طبعا كان ذلك بمثابة فخ لالتقاط الأنفاس، لإحداث الثورة المضادة)، ثم كانت موافقتهم على إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة، شريطة عودة مرسي للحكم، ثم ها هم يتنازلون أكثر ويقبلون عزل مرسي، مقابل الإبقاء على وزرائهم ومحافظيهم ومشاركتهم في الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، والأهم عدم ملاحقة قادتهم قضائياً.
هذا البند هو ما بات يعرف في الأوساط الإعلامية المصرية بالخروج الآمن للإخوان من الحكم، أي إنهم يخشون مصيراً مشابهاً لأركان نظام حسني مبارك الأسبق، أي مقاضاتهم، بما يعني إدانتهم في قضايا جنائية عديدة، قد تصل إلى أحكام بالسجن لسنوات طويلة، بتهم جنائية لا تجعل منهم أبطالاً، كما كان حالهم في السابق، حين كانوا يسجنون، كسجناء سياسيين.
الموقف القوي لتحالف الشعب والجيش والقضاء والإعلام، اتضح من خلال رفضهم لعروض الإخوان بالخروج الآمن، وربما لا يطول الوقت حتى، نجد أن المحاكم قد بدأت تبث على الفضائيات جلسات محاكمة الرئيس المعزول، وقيادة الإخوان، في مشهد يعيد ما حدث مع مبارك، وأركان نظامه، بمن فيهم نجلاه: جمال وعلاء ووزير داخليته الحبيب العادلي.
رغم الموقف الضعيف داخلياً وخارجياً للإخوان، خاصة خلال الأسبوع الثاني بعد عزل رئيسهم، والذي ظهر من خلال فشلهم في حشد ملايين كافية لأظهار أن هناك معارضة شعبية لقرار العزل، رغم أنهم حاولوا أن يجمعوا كل أنصارهم من كل المحافظات وإحضارهم بحافلات خاصة، رغم ذلك إلا أن الورقة الوحيدة التي باتت بأيديهم، ويبدو واضحاً حرصهم على التشبث بها، لتوفير الخروج الآمن لهم، على أقل تقدير، هي بقاء "رابعة العدوية "في حالة تظاهر، رغم ذلك يكلفهم ملايين الجنيهات التي تدفع يومياً لها، ورغم المغريات الغريبة حتى تبقى، بما في ذلك ما نسمعه عن جهاد المناكحة في المكان، وعن تنظيم الخلوة لمدة نصف ساعة مقابل 50 جنيهاً وما إلى ذلك.
مع محاولة إخوان مصر الخروج الآمن من الحكم، وربما من مصر كلها، حيث ربما يتم التوصل إلى اتفاق يلجأون بموجبه الى تركيا مثلا أو الى قطر، الدولتين الوحيدتين مع تونس اللتين ما زالتا تتعاطفان معهم، بسبب من استثمار عشرات مليارات الدولارات من قبلهما في مصر، تبدو محاولة "حماس"، التي لم تستوعب هي أيضاً حجم ما حدث _ بعد _ الدخول الآمن، وذلك بالعودة إلى خيار المصالحة، والدخول في عباءة أبو مازن لعلها تبقي على مكان لها، أو تنقذ ما يمكن إنقاذه من "ملك "يتهاوى، حيث من الواضح، أن مصر ما بعد الإخوان تدرك حجم الخطر الذي يأتيها من غزة بإخوانها وسلفييها، الذين حاولوا بعد أن خسروا القاهرة أن يتشبثوا بسيناء، كما فعلوا في فلسطين (فصل سيناء كما فصلوا غزة)، لذا فإن الجيش وهو يحارب الإرهاب في سيناء، جعل من استهداف الأنفاق جزءاً من تلك المعركة، وخلال أسبوعين كان قد دمر 80% منها، وحتى يوم غد سيكون قد أجهز على كل الأنفاق.
مصر ما بعد الإخوان هي أقوى بكثير من مصر قبل حكمهم، وإبان حكم مبارك، وفلسطين دون حكم "حماس" في غزة، ستكون أقوى في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لذا فإن الخروج عن الكل الوطني والقومي، وعن المنطق الديموقراطي وعن لغة وثقافة عصر ما بعد الحرب الباردة _ عصر العولمة _ بات يعني ذهابا للفراغ ومغامرة لو نجحت فإنما مؤقتاً فقط، وليس هناك من مخرج سوى أن تحدث تحولات داخل الإخوان و"حماس"، تذهب بهما إلى التقاطع مع الآخرين والى المصالحة، وحتى يكون الدخول آمناً والخروج كذلك، فلا بد أن تكون الأيدي نظيفة، والعقول منفتحة، وإلا فإن كل شاة ستكون معلقة من عرقوبها، ولا يلومن كل إنسان أحداً غير نفسه!
لمواجهة الاحتلال برد مخططاته ضده!
مصطفى ابراهيم/ معا
للسنة الثانية على التوالي وفي شهر رمضان تقوم اسرائيل بمنح فلسطينيي الضفة الغربية مئات الالاف من التصاريح لزيارة القدس وإسرائيل في خطوة كانت العام الماضي غير مسبوقة، بعد سنوات من القطيعة ومنع الفلسطينيين من دخول اسرائيل بهذا العدد إلا بإجراءات صارمة ومعقدة.
في حينه أثار بعض المسؤولين الفلسطينيين في السلطة الشك حول تلك الخطوة، ومنهم من اعتبرها مؤامرة ضد السلطة لتعريتها امام الناس، ومنهم من قال انها لتشجيع السياحة ودعم الاقتصاد الاسرائيلي المتدهور بفعل الاحتجاجات الاجتماعية في اسرائيل، مع ان التصاريح كانت وما زالت تصدر بالتنسيق مع وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية والإدارة المدنية الاسرائيلية.
فقرار السماح للفلسطينيين بزيارة اسرائيل يصدر عن طريق مكتب منسق شؤون المناطق التابع لوزارة الامن الاسرائيلية، وبتنسيق مع الاجهزة الامنية الاسرائيلية التي تدرك طبيعة الاحوال في الضفة الغربية في ظل هدوء امني غير مسبوق لم تنعم به اسرائيل منذ العام 1967، حسب التقارير الامنية الاسرائيلية، وفي ظل العدوان الاسرائيلي المستمر على غزة وحصاره، و هجمات المستوطنين فيما يعرف بحملة جباية الثمن والسماح للمستوطنين باقتحام المسجد الاقصى وتدنيسه، وتهويد القدس وبناء المستوطنات، والحواجز الاسرائيلية والاعتقالات اليومية في الضفة.
الذي دفع اسرائيل للاستمرار في هذه الخطوة للعام الثاني على التوالي، هو خدمة لمصالحها، وان من يقوم بهذه الخطوة هو حكومة اليمين الأكثر تطرفا، فهذا خدمة لها، و يؤشر الى ان اسرائيل تعمل على تحسين صورتها امام العالم السيئة، وانها هي التي تقرر فيما يجري في ساحتنا الفلسطينية وان السلطة لا تأثير لها على اسرائيل و خدمة لمشاريعها وأهدافها وخططها السياسية.
أيا كانت الاسباب التي دفعت اسرائيل للقيام بهذه الخطوة في ظل صمت وعجز السلطة وعدم فعاليتها في مواجهة المخططات الاسرائيلية، فالأخبار تقول ان الادارة المدنية منحت فلسطيني الضفة الغربية عشرات الآلاف من التصاريح حتى الان لزيارة فلسطين التاريخية، ولدعم السياحة فيها، ولا أعتقد ان هذا السبب الرئيس في ذلك، لكن وان تم ذلك ولا مواجهة له وهناك رضى من الناس بالزيارة لأهداف مختلفة، فهذه فرصة للفلسطينيين لاستغلال ذلك والقيام بزيارة الأماكن السياحية الفلسطينية التي يسكن فيها الفلسطينيين الناصرة و حيفا وعكا ويافا والمثلث و اللد والرملة والقدس والنقب، وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية التي شردوا منها.
وفي الوقت التي منحت اسرائيل الفلسطينيين من الضفة الغربية تصاريح تزامن مع ما قمت بنشره امس عن ضرورة التفاعل مع الأشقاء في ألجزء الغالي من الوطن من فلسطينيي الداخل في مواجهتهم لمخطط برافر الاستيطاني في النقب حيث سيكون الخامس عشر من تموز/ يوليو 2013 يوما للإضراب الجماهيري من قبل اهلنا احتجاجا على المخططات الاستيطانية في النقب، وكان التفاعل من قبل الفيسبوكين واسعا حيث تداعوا للتضامن على صفحات الفيسبوك ومنهم من دعى للنزول لحديقة الجندي المجهول بمدينة غزة.
التفاعل والتضامن الحقيقي يجب ان يكون من الكل الفلسطيني في الضفة الغربية شعب وفصائل ومؤسسات مجتمع مدني، و ليس بالتجمع في حديقة الجندي او دوار المنارة بل يجب ان يكون بالقرب من المعابر والشريط الحدودي سلميا، وليس داخل المدن والشوارع الرئيسية فقط، ولتكن هذه فرصة للاشتباك مع الاحتلال في جميع الأراضي المحتلة، والإثبات أننا شعب واحد في طل مكان في مواجهة مشاريع الاحتلال الاستيطانية في النقب والجليل والمثلث والقدس ورام الله والغور وغيرها من المدن الفلسطينية التي يلتهمها غول الاستيطان.
لنتوحد في مواجهة مخططات الاحتلال ومشاريعه العدوانية على طريقتنا وبمزاجنا وليس مزاج الاحتلال ومخططاته، ونعيد الثقة بقضيتنا ومشروعنا الوطن، خاصة في هذه الظروف الذي نعيشها ومحيطنا العربي غارق في همومه ومشكلاته.
المطلوب إعادة صياغة الوعي العربي
راسم عبيدات/ج.القدس
...على ضوء ما يشهده العالم العربي من فتن مذهبية وطائفية وعرقية وأثنية،وسيادة ثقافة الإقصاء والتكفير والتخوين،وما رافقها من تفكك للدولة المركزية الى دويلات طائفية ومذهبية،تتحكم فيها ميليشيات وبلطجية وزعران،وعكس هذه الثقافة لنفسها،ليس فقط على الواقع السياسي العربي،بل هذه الثقافة التخريبية والمدمرة تطال بشكل أساسي النسيج المجتمعي العربي،حيث أصبحنا امام مجتمعات عشائرية وقبلية وجهوية وطائفية ومذهبية،لا يربطها رابط بواقعها ومحيطها الوطني والقومي،وواضح بأن هناك مشروع سياسي خطير،يجري تنفيذه من أجل نحر هذه الأمة،وجعلها امة خارج التاريخ البشري العاقل.
وهذا المشروع تشارك فيه قوى محلية(المتأسلمين الجدد)،الإخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم من القوى الأخرى والتي تريد ان تعلي حزبيتها وهويتها الدينية او الفئوية فوق هويتها الوطنية والقومية،(تقديم الإسلامي/ الإخواني على الوطني)،وهذه الثقافة عكست نفسها هواجس وخوفاً عند باقي مركبات ومكونات المجتمع العربي الأخرى،حيث وجدنا العديد من تلك المركبات والمكونات تنسحب نحو هويتها الطائفية والمذهبية على حساب الهوية الوطنية والقومية،وبدأت بخلق تنظيماتها السياسية ومؤسساتها المجتمعية على أسس مذهبية وطائفية وعرقية،وبما يكشف بان المستهدف من هذا المشروع الخطير، هو الفكر والهوية القومية العربية،وهذا المشروع الخطير،ليس حوامله فقط هم القوى المتأسلمة،بل هناك قوة دفع كبيرة تقف خلف هذا المشروع،تشارك فيها قوى عربية وإقليمية ودولية،حيث أننا نقف على مفترق طرق ومعركة مصيرية ومفصلية،حيث تخاض الان حرب شرسة وطاحنة لتصفية وإزالة ما تبقى من جيوب المشروع القومي العربي، وجرت وتجري عملية تصفية لتركته،هذا المشروع الذي شهد تراجعاً كبيراً بعد إتفاقيات كامب ديفيد،بخروج مصر بثقلها العسكري والسياسي والبشري من هذا المشروع،وليبلغ المشروع ذروته بتدمير العراق ومن ثم إحتلاله،حيث جرت خلخلة كبيرة وشروخ عميقة في جدار النسيج المجتمعي العراقي،وإنشطر مذهبياً وطائفياً وعرقياً وأثنياً،ولم نعد امام مجتمع عراقي ودولة مركزية واحدة،بل(دولة ديكور)،يجمعها نفس الهدف والمصير،او ان مصلحة العراق فوق مصلحة الجميع،بل تم إستدخال الفتنة الى المجتمع العراقي،وفق مخطط مدروس وممنهج (مشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي) .
فواضعو وأصحاب هذا المشروع،أرادوا له التقدم على محورين،محور أسلمة الفتنة سنية- شيعية و"تطيفها" جعلها طائفية إسلامية - مسيحية على ان يجري نقل الفتنة من مستواها الرسمي الى الشعبي،وهذا الدور عهد به للمرجعيات الدينية (سنية وشيعية وكردية ..الخ)،وعربيا وإقليمياً ودولياً،كان يجري تصفية حساباتهم والصراع على مصالحهم فوق أرض العراق وبدماء العراقيين انفسهم،حيث أصبحنا أمام عملية تقسيم حقيقية للجغرافيا العراقية دويلات سنية وشيعية وكردية، تتناحر وتتصارع،وتفعل فعلها في تدمير المجتمع العراقي،وبما يلغي هويته القومية.
رواد هذا المشروع والمخطط،يدركون جيداً بان نجاح مشروعهم يتوقف بشكل أساسي،على تصفية حوامله الأساسية،مصر وسوريا،فبتصفية هاتين الحلقتين يسقط المشروع القومي العربي،بشكل نهائي،وتفقد الأمة العربية خصائص وجودها كأمة،ويستعاض عنها بدويلات مذهبية وطائفية وعرقية،أو دول دينية غير قادرة على البقاء،لأنها غير قادرة عن التعبير عن كل مكونات مجتمعاتها.
كان واضحاً بان مشروع الفتنة تقدم نحو العراق،ولكن كان مطلوباً له وللفوضى الخلاقة،ان تتقدم باتجاه حلقات وجيوب المشروع القومي الاخرى،التي تقف في وجه المشروع الأمريكي للمنطقة،فكانت الحرب العدوانية التي خاضتها إسرائيل بالوكالة لأول مرة على المقاومة اللبنانية وفي المقدمة منها حزب الله اللبناني في تموز/2006،لخلق ما يسمى بالشرق الوسط الكبير،ولكن لم تنجح امريكا واسرائيل في ذلك،بفعل صمود حزب الله اللبناني،بل والمس بهيبة الجيش الإسرائيلي.
على ضوء ذلك رات امريكا بأنه من اجل ضرب حلقات المشروع المقاوم والممانع،إقليمياً وعربياً) ايران سوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية،فلا بد من التقدم على صعيد شعبنة الفتنة المذهبية، وخلق ادوات جديد مقبولة شعبياً وجماهيرياً قادرة على لعب هذا الدور،بعد أن إستنفذت الأنظمة الدائرة في فلك امريكا قدراتها على لعب هذا الدور،حيث لم تعد مقبولة لا جماهيرياً ولا شعبياً (النظام التونسي،اليمني،المصري،الليبي)، فكانت ثورات ما يسمى بالربيع العربي، والإستفادة منها من اجل عقد صفقة مع الإخوان المسلمين لتسليمهم السلطة في تلك البلدان،مقابل حماية المصالح والأهداف والمشاريع الأمريكية في المنطقة،والإستفادة منهم وتطويعهم من أجل تقدم المشروع الأمريكي في المنطقة- (مشروع الفوضى الخلاقة) -،وبالفعل بعد تسلم الإخوان للسلطة في تونس ومصر وليبيا،صعد الإخوان بدعم مباشر ورئيسي من مشيخات النفط من حربهم المذهبية تجاه ايران وحزب الله وسوريا،ولعبوا دوراً مركزياً في الحرب التي تشن على سوريا،من اجل كسر هذه الحلقة المركزية،بإعتبارها آخر جيوب المشروع القومي الذي يجب إزالته وتصفيته.
ولكن تعثر المشروع هنا،حيث صمدت الحلقة السورية ومعها الحلقة اللبنانية المقاومة،وتعثر مشروع الإخوان،بسبب عقلية الإخوان الإقصائية وفكرهم الإنغلاقي وعماهم السياسي، وتم إسقاط هذا المشروع عبر الإرادة الشعبية،التي عبرت عنها الجماهير المصرية في الثلاثين من الشهر الماضي،حيث تم عزل الرئيس المصري مرسي،وعين رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور رئيسا مؤقتاً،لحين إعداد دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة،ولكن واضح ان الإخوان سيدخلون مصر في اتون الفتنة المذهبية والطائفية،تلك الفتنة التي تستهدف مصر كحاملة للمشروع القومي العربي.
ولذلك بات من الملح،أن تجري عملية مراجعة شاملة للفكر والوعي العربي،مراجعة وصياغة تطال المفاهيم والبرامج والرؤى،من اجل خلق مجتمعات مدنية،تتسع لكل أبناء الوطن الواحد،تتساوى فيها في الحقوق والواجبات،وتصان فيها الحريات العامة والخاصة والكرامات،ويجري التعبير فيها عن همومهم وطموحاتهم،وتوحدهم عبر مشروع عربي نهضوي قومي واحد،فالدول الدينية لن تكون بأي شكل من الشكال جامعةً وموحدا للأمة،ومعبرة عن هويتها وقوميتها،بل ستغرق المجتمعات العربية في اتون صراعات وخلافات ومذهبية وطائفية وعرقية،تجرنا الى الخانة التي يردها أصحاب المشاريع المشبوهة لأمتنا،مشاريع التفتيت والتقسيم على أساس الثروات والعوائد والمذهب والطائفة.
المخرجُ تسويةٌ تاريخيّةٌ بين مختلف الاتجاهات
هاني المصري/ج.الأيام
يوجد مخرجٌ واحدٌ للمأزق العام المتفجر الذي تمر به مصر حاليًا، بعد عزل الرئيس محمد مرسي، وتنظيم تظاهرات واعتصامات حاشدة من جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم منذ أسبوعين حتى الآن، إضافة إلى قيامهم وتشجيعهم على استخدام العنف ضد الجيش، خصوصًا في سيناء؛ والمخرج هو التوصل إلى تسوية تاريخيّة تستهدف مشاركة جميع الاتجاهات الليبراليّة والقوميّة واليساريّة والإسلاميّة، وتضمن المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن لونهم وجنسهم ودينهم وقوميتهم، وتفصل ما بين الدين والدولة على أساس أن "ما لله لله وما للوطن للجميع".
صحيح أن هذا المخرج صعب ويبدو بعيد المنال، ولكنه هو المخرج الوحيد، وكلّما تم اعتماده سريعًا كان ذلك أفضل من اعتماده بعد زمن طويل يُدفع فيه ثمنٌ باهظٌ؛ ويجعل مصر والعرب خارج مكانهم في التاريخ لفترة إضافيّة لا يعلم مداها إلا الله.
لقد ثبت بعد ما جرى في مصر وفلسطين وتونس وليبيا والعراق وفي عموم المنطقة العربيّة عجز اتجاه واحد مهما كبر حجمه عن قيادة الشعب والدولة بمفرده وإقصاء الاتجاهات الأخرى.
مثل هذه التسوية التاريخيّة قامت بشكل أو بآخر في أوروبا وأميركا وفي كل دولة مستقرة، وهي التي سمحت بقيام دول ديمقراطيّة بعد سلسلة من الثورات والتجارب المؤلمة والحروب الأهليّة والصراعات الدّامية ضمن عمليّة تاريخيّة استمرت مئات السنين.
فهناك أشياء تجمع كل شعب يجب البناء عليها، وهناك قواعد مشتركة للعمل السياسي يجب الاتفاق عليها، ومن دون هذا وذاك لا تجربة ديمقراطيّة حقيقيّة، وستدخل البلاد في الفوضى والدمار وتحل شريعة الغاب من الآن وحتى أجل غير مسمى.
جماعة الإخوان المسلمين التي تاقت إلى الحكم طوال أكثر من أربعة وثمانين عامًا، وعانت الأمرّين أثناء مكوثها في مقاعد المعارضة طوال هذه المدة؛ لم تصدق نفسها بعد فوزها في الانتخابات البرلمانيّة ومن ثم الرئاسيّة في مصر، وتصورت أن هذا الفوز يعطيها تفويضًا لتحكم كما تشاء على أساس فهم ضيق للديمقراطيّة، باعتبارها مجرد صندوق اقتراع أو حكم الأغلبيّة، وتجاهلت أن الديمقراطيّة تعني أيضًا حماية حق الأقليّة في المعارضة وفي العمل من أحل الوصول إلى الحكم. إن على الجماعة أن تراجع تجربتها وتدرك وتدرك أهميّة الوطن والمواطن وأولويتهما على الجماعة.
إن الديمقراطيّة تعني، قبل كل شيء، اتفاق الأغلبيّة والأقليّة على مرجعيّة واحدة تحدد الأسس والأهداف وأشكال العمل الأساسيّة. مرجعيّة تجسد ما يجمع الشعب عليه أو ما تتفق عليه أغلبيّة ساحقة على الأقل. مرجعيّة يتم الاحتكام إليها لإدارة الخلافات الموجودة التي ستبقى موجودة بسبب استمرار وجود عقائد وطبقات مختلفة وتباعد في الرؤى حول المجتمع المراد بناؤه وحول الدين وموقعه من النظام السياسي وحول السياسة والاقتصاد والثقافة.
لقد تصورت جماعة الإخوان المسلمين أن من حقها الحكم منفردة أسوة بالحكام الرجعيين الذين حكموا ولا زالوا يحكمون في عدد من البلدان العربيّة، والعسكريين والقوميين الذين حكموا عددًا من البلدان العربيّة منفردين طوال عشرات السنين، وتجاهلت أن هذا الحكم وذاك لم يحقق الأهداف العربيّة القطريّة والقوميّة المتوخاة، وجاء في ظروف مختلفة:
فأولًا، جاء ضمن مشروع نهوض عربي بالرغم من إخفاقاته وهزائمه إلا أنه حقق إنجازات تاريخيّة لا يمكن نكرانها، وكان من أهم أسباب سقوطه عدم اعتماده الديمقراطيّة في الحكم، حيث أدى الحكم الفردي العسكري وإقصاء الآخرين إلى الفساد والاستبداد، وساعد على عودة التبعيّة بأشكال ربما تكون أسوأ من السابق، فهل من المفترض أن نجرّب المجرب الذي أدى إلى ما نحن فيه ولا يسرّ صديقًا ويسعد كل الأعداء.
وثانيًا، نحن نعيش في عصر العولمة والاتصالات والفضائيات والإنترنت، وما يعنيه ذلك من تمكين كل فرد وأقليّة وحزب وجماعة من العمل بحريّة وفاعليّة بصورة أصبح بعدها لا يمكن إسقاط أي قوة من الحساب، لأنها قادرة على التخريب إذا لم تتمكن من المشاركة.
لقد أقصت جماعة الإخوان المسلمين خلال تولي الرئيس محمد مرسي الاتجاهات الأخرى، بما فيها القوى التي ساهمت معها في صنع ثورة 25 يناير، وهناك أدلة على ذلك، أبرزها وأهمها إقرار دستور بلون واحد، ولهذا السبب وبحكم الأخطاء الأخرى المرتكبة خلال عام واحد كانت كافية لخروج عشرات الملايين من المصريين في الشوارع مطالبين بعزل مرسي وإجراء انتخابات رئاسيّة مبكرة.
هناك ما يبرر ثورة 30 حزيران التي تشكل الموجة الثانية من الثورة المصريّة وتحاول تصحيح مسار الثورة، لأن عدم استجابة الرئيس مرسي لإجراء انتخابات رئاسيّة مبكرة كان يمكن أن يؤدي إلى حرب أهليّة لولا تدخل الجيش. وهذا التدخل يمكن أن يقود إلى تحقيق أهداف الثورة، أو إلى إجهاضها مرة أخرى وقيام نظام مباركي جديد بقشرة ديمقراطيّة زائفة.
الشرط الحاسم الذي سيجعل هناك إمكانيّة للقول إن الأحداث تسير للنهوض بمصر وبالتالي بالعرب؛ هو الإسراع في إنهاء الفترة الانتقاليّة وضمان أن يكون الحكم ديمقراطيًا يضمن للجميع المشاركة والمنافسة من دون تكفير أحد وإقصاء أحد، وليس مقبولًا أن يتم إقصاء الاتجاه الإسلامي ردًا على ما قام به من إقصاء، لأنه في هذه الحالة لا يكون أحد أحسن من أحد.
لا تكفي الدعوات الحميدة إلى الحوار والمصالحة والمشاركة في الحكومة والانتخابات القادمة، بل يجب توفير الأجواء المناسبة للنجاح، فلا يمكن أن تكون الدعوة للحوار والمصالحة جديّة، بينما يتم إغلاق المحطات المحسوبة على الاتجاه الإسلامي، وحجز الرئيس المعزول، واعتقال عدد من قادة الإخوان المسلمين، وملاحقة أعداد أخرى، ورفع دعوات باتهامات لهم تبدأ بالتحريض على العنف والقتل ولا تنتهي بالتعاون مع جهات معادية.
هذا لا يعني عدم المحاسبة على العنف وجرائم القتل، ولكن هذه قاعدة عامة يجب أن تشمل كل أعمال القتل والعنف المرتكبة منذ ما قبل الثورة وخلالها، والمنظور بقسم منها أمام المحاكم المصريّة، من دون تجريم تيار بكامله ولا إقصاء أي فصيل، وإنما محاسبة من قام بالجريمة فقط، لأن الأخذ بمحاسبة كل من حرض يعني محاسبة الجميع تقريبًا.
وإذا أصرت جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من قوى الإسلام السياسي على رفض المشاركة بعد توفير شروط المشاركة وأجوائها المناسبة تكون هي من أقصت نفسها بنفسها، وهناك فرق جوهري حاسم بين إقصائها أو أن تقوم بإقصاء نفسها. فالإقصاء للإخوان المسلمين يمكن أن يكون أسوأ من حكمهم. والإقصاء يقدمهم بوصفهم ضحايا، خصوصًا أن كل مبررات عزل الرئيس الوجيهة لا تنفي أن شرعيّة إقصائه ستبقى محل شك إلى حين قيام تجربة ديمقراطيّة تعدديّة جديدة.
يُخْطِئ من يعتقد أن الإسلام السياسي قد خرج أو أُخرِج من المشهد السياسي المصري، مع أن ما حدث في 30 حزيران وبعده قد وجه ضربة قويّة جدًا لوجوده وستؤثر كثيرًا على مستقبله، والدليل تظاهر الملايين (وهناك تقديرات تصل إلى 20 مليون مصري) منذ أكثر من أسبوعين وحتى الآن؛ دفاعًا عن شرعيّة الرئيس المعزول، ما يعطي رسالة بالغة الدلالة بأنه لا يمكن انفراد اتجاه أو عدة اتجاهات بالحكم وإقصاء اتجاه أو عدة اتجاهات أخرى. فأهم درس ينبغي تعلمه من الثورة المصريّة أن الشعب المصري حيوي ومستمر بثورته ما دامت لم تحقق أهدافها، وأن ما حرك الشعب المصري في 25 يناير و30 يونيو يمكن أن يحركه في موعد آخر ضد رئيس آخر إذا لم تتحق أهداف الثورة.
بالرغم من عَظَمة الثورة المصريّة إلا أنها تفتقد إلى قيادة وتنظيم وهيئة أركان ورؤية متكاملة وبرنامج عمل واضح قابل للتنفيذ، وتعاني من عدم إعطاء مسألة الاستقلال الوطني والتعبيّة للخارج الأهميّة التي يستحقها؛ لذلك سُرِقت الثورة من الإخوان المسلمين عبر صفقة شاركوا فيها مع العسكر والأميركان، ويمكن أن تسرق الثورة مجددًا من قبل العسكر وبمشاركة بعض الليبراليين والفلول والأميركان، ولكن الشعب المصري سيكون لأعداء الثورة بالمرصاد.
فالشعب المصري لا يريد ثورة من أجل تأمين حريّة الكلام فقط، بينما يبقى الفقر والاستغلال الفساد وتدني مكانة مصر والعرب على حاله، فالشعب المصري يستحق حياة أفضل وأن يأخذ مكانه الذي يستحقه تحت الشمس.
الحضارات القديمة قدست المياه .. لكل نهر عظيم أسطورة
الدكتور حنا عيسى – أستاذ القانون الدولي/pnn
الماء هو أول مكون للبيئة، وأهم عنصر في إيجاد الحياة، بدءًا من الكون برُمته إلى ما فيه من إنسان وحيوان ونبات، وجميع المخلوقات التي يُعتقد أن وجود هذا الماء كان سابقًا عليها. وهو كذلك أساس بقاء الحياة بالنسبة لمختلف الكائنات التي يتوقف استمرارها على ما يتوافر لها منه، للشرب والتطهر والسقي؛ إضافة إلى استعماله في منافع أخرى كثيرة، كالطاقة وما إليها من الأغراض التي أدرك الإنسان أهمية الماء فيها، على امتداد مراحل الحضارة البشرية، وقد وجدت - ومازالت توجد -معتقدات تقدس الماء وتحيط منابعه بأسرار وأساطير تبلورها في طقوس وعبادات، باعتبار هذه المنابع مواطن للآلهة أو لقوى خفية، وباعتبارها كذلك مساكن لمخلوقات خارقة، على نحو ما هو شائع عن حوريات البحر وعرائسه.
وجميع الحضارات القديمة قدَّست المياه وحملَ كل نهرٍ عظيم أسطورة "إله" مثل نهر الغانج في الهند، النيل في مصر، دجلة والفرات في بلاد ما بين النهرين وغيرهم... وأثبتت الإكتشافات الأركيولوجية ان المياه في المدن السومرية القديمة كانت تُرفع في علو 10 أمتار عن مستوى النهر. كذلك كشفت مخطوطات هيرودوت وديودور دي سيسيل عن إستغلال المياه "كمحركات للطاقة" لدى المصريين، البابليين والفرس، وبلاد ما بين النهرين كانت مزدحمة بقنوات الوصل بين دجلة والفرات لتسهيل عمليات ري يابسة الرافدين، فالملكة سميراميس ملكة بابل الأسطورية قد حولت سير نهر الفرات ليصب في وسط بابل وشيّدت نفقاً يربط ضفتي المدينة وقصريها المشيدين كلً على ضفة، كي تتمكن من التنقل تحت النهر دون أن يراها أحد، هذا وبالإضافة الى جنائنها المعلقة العجيبة التي كانت تُروى من خزان هائل الحجم مبني من القرميد والأسفلت وعلى إمتداد 300 مدرجاً (مساحة 53 كلم) من الجوانب وفي عمق 10 أمتار. إن أسطورة سميراميس ومدينة بابل مثال على دور المياه في تاريخ الشعوب. فمثلما أُستغِلت في الري والحياة وإزدهار المدن والأمم كذلك أستُخدِمت كأداة شر وحيلة في الإحتلالات والحروب عبر التاريخ القديم والمعاصر.
ولما كان للماء في الاسلام موقع متميز، يلخصه القرآن الكريم في قوله عز وجل: "وجعلنا من الماء كل شيء حي"؛ ويجليه مفصلاً وبشكل واضح من خلال حديثه عن ماء الإنسان المتمثل في "النطفة"، ثم الماء الذي ينزله سبحانه وتعالى "مبـاركـًا" من السماء، فيتوسل به الناس لإشباع شتى حاجاتهم وقضاء مختلف أغراضهم.
والماء من أهم الوسائل لترسيخ العقيدة وتصديق الأنبياء، وإقامة العبادات، والدفاع عن الدين ونصرة المؤمنين، وإهلاك الكافرين، كما أنه وسيلة للحافظ على النفس الإنسانية من الجوانب المادية والمعنوية، كما أن الحفاظ على الماء هو حفظ للمال، فالماء يمكن بيعه ووقفه وهبته، وكذلك فإن القرآن الكريم والسنة النبوية زاخران بالمعجزات العلمية المتعلقة بالماء، وفي ذلك تكريم للعقل والعلم.
وقد أحصى أحد الباحثين عدد المواضع التي ذكر فيها الماء في القرآن الكريم، ولا شك أن ذكر الماء بهذا العدد الكبير إنما يدل على أهميّة الماء بالنسبة لكل الكائنات الحيّة وعلى رأسها الإنسان. فالماء هو أصل الحياة بل هو الحياة وهو أساس نشأة الحضارات والدول وهو أيضا سبب رئيسي من أسباب الصراعات والنزاعات بين الأفراد والقبائل وبين الدول والشعوب. فجاء ذكر الماء في القران كما يلي :
* وردت كلمات (الماء، المطر، الأنهار، العيون) أربع عشرة ومائتي مرة وقد تحتوي الآية نفسها على أكثر من صنف منها.
* وورد إنزال الماء من السماء أربعا وعشرين مرّة.
* ووردت عبارة (أنزلنا من السماء ماء) أربع مرات.
* وذكر الماء موصوفا في القرآن الكريم بأربع عشر صفة.
حفظ الدين من مقاصد الشريعة في الحفاظ على الماء
إن حفظ الدين من أعظم المقاصد ضرورة وأهمية، فبالدين يسمو الإنسان إلى معاني الإنسانية، والمقصود بحفظ الدين يتجسد في حفظ معانيه الثلاثة-الإسلام والإيمان والإحسان- كما عبر عن ذلك الشاطبي، وقد كان الماء من أهم الوسائل لحفظ الدين، ويبدو ذلك واضحا فيما يأتي:
- الماء وسيلة لترسيخ العقيدة:
إن معرفة المسلم لمقاصد الشريعة يسهم في ترسيخ العقيدة في قلبه، ويعمق معانيها، مما يكون لديه القناعة الكافية في الالتزام بأحكامها التي تضمن له كل الخير والمصلحة،وقد جاء الإسلام لترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين، وجعل من الماء وسيلة لبيان وحدانية الله تعالى، وقد بين ذلك في كثير من الآيات في كتابه الكريم، ففي قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {2/21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).
كما ورد أن الماء من الأدلة على وحدانية الله تعالى، في قوله تعالى: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى).
- الماء وسيلة للإيمان بالأنبياء (عليهم السلام) وتصديقهم:
من معجزات النبي- صلى الله عليه وسلم- الدالة على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم-، ما روى أن الماء نبع من بين أصابعه، فقد روى أن " أنس -رضي الله عنه- قال: أتي النبي- صلى الله عليه وسلم- بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم، قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم، قال: ثلاث مائة، أو زهاء ثلاث مائة".
وكذلك معجزة خروج الماء من حجر بعد أن ضربه موسى –عليه السلام- بالعصا دالا على صدق نبوة موسى –عليه السلام-. ففي قوله تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ )
- الماء وسيلة لإقامة العبادات:
تعد "العبادة صلب الدين، وجوهر الشريعة، ودليل العقيدة"،وقد كان الماء ضروري لإقامة العبادات في الإسلام، فالغسل والوضوء عبادة في حد ذاتهما، وهما عبادات تعتمد على الماء، وهما كذلك فرض لتحقيق عبادات أخرى كالصلاة والطواف حول الكعبة. وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ{ ، وبقوله-صلى الله عليه وسلم-:" لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ".
- الماء من جنود الله-تعالى- للدفاع عن الدين:
لقد سخر الله-تعالى- الماء ليكون جندا من جنوده للدفاع عن الدين، ونصرة المؤمنين، وإهلاك الكافرين، فقد انطوت غزوة بدر على معجزات لتأييد المسلمين ونصرتهم، فقد أمد الله المسلمين فيها بملائكة يقاتلون معهم، كما كان المطر من وسائل تثبيت المؤمنين، ونصرتهم، فقال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ).
نهر الاردن
نهر يمر في بلاد الشام، يبلغ طوله حوالي 80 كلم وطول سهله حوالي 360 كلم، يتكون من ثلاثة روافد هي بانياس القادم من سوريا ،والدان القادم من شمالي فلسطين، وحاصباني القادم من لبنان، وبحيرة طبرية التي تكونت جراء حدوث الوادي المتصدع الكبير. وقد كون هذا الشق عدة بحار وبحيرات أخرى مهمة، يصب فيه روافد نهر اليرموك ونهر الزرقاء ووادي كفرنجة وجالوت، ويفصل النهر بين فلسطين التاريخية والأردن إلى ان يصب في مياه البحر .
السيد المسيح العلنية ابتدأ بدعوة يوحنا المعمدان للتوبة في منطقة نهر الأردن حيث قدم إليه الناس من القدس واليهودية وجميع أقاليم الأردن، وحيث قام بتعميدهم بعد الاعتراف بخطاياهم، وقد ذكر الانجيليون هذا الأمر بوضوح في العهد الجديد (متى 3: 1-6/ مرقس1 :4-5/ لوقا3: 2-3):"وقد قدم يسوع أيضاً من الناصرة عبر الجليل من اجل أن يعتمد في نهر الأردن على يد يوحنا" (مرقس 1: 9-12)، أما في إنجيل يوحنا فقد تم ذكر موقعين في نهر الأردن حيث تواجد فيهما المسيح والمعمدان من أجل التبشير والمعمودية: أولاً بيت عنيا (بيثني) عبر النهر(يوحنا 1: 28) والثاني آنونainon قرب ساليم الواقعة على الضفة الغربية من النهر قرب أراضي بيسان (يوحنا 3: 22-23). وعندما كان يوحنا المعمدان في بيت عنيا (بيثني) عبر نهر الأردن أرسل له وفد من القدس من قبل زعماء اليهود ليسألوه إذا كان المسيح أو إيليا النبي الموعود، وقد كان هذا الوقت الذي تحدث فيه يوحنا عن المسيح كحمل الله أمام الجمهور وأمام تلاميذه، وقد اصبح اثنان منهم تلاميذ ليسوع نفسه، وأحدهم أندراوس والذي سماه يسوع بدوره بطرس (الصخرة) (يوحنا 1).
وفي كل عام تجري طقوس مراسم إقامة الشعائر الدينية المقدسة على نهر الأردن في ذكرى عماد السيد المسيح عليه السلام، والذي يصادف الخميس الأخير من تشرين الأول لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي.
ويقع موقع "المغطس" في وادي الخرار في قرية بيت عنيا شرقي نهر الاردن في المملكة الاردنية. ويبعد عن العاصمة عمان نحو خمسين كيلومترا وتسعة كيلومترات الى شمال البحر الميت، ومنه يمكن مشاهدة اريحا والقدس غربي نهر الاردن وجبل نيبو الى الشرق منه، حتى عام 2000 كان موقع المغطس في وادي الخرار الواقع في غور الأردن مكاناً اثرياً، إلى ان كانت زيارة الحج التي قام بها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني للارض المقدسة في اذار/ مارس من ذلك العام، عندما اعلن الموقع مكاناً مقدساً لحج المسيحين بإعتبار انه المكان الذي شهد عماد السيد المسيح قبل ما يزيد عن الفي عام . ومنذ ذلك التاريخ تحول موقع المغطس الى محج يأتيه الحجاج المسيحيين من كل مكان في العالم ، مما وضع الأردن على خارطة السياحة الدينية في المنطقة، خاصة، وان زوار الموقع اصبحوا بالالاف لاسيما في المناسبات الدينية . حيث يزوره سنوياً ما يزيد عن 300 الف شخص .


رد مع اقتباس