اقلام واراء

110

 الخامس من حزيران...ذكرى نكسة مؤلمة محمود كعوش - جريدة الفجر

 عشيقة الرئيس جونسون ... بطلة حرب حزيران سليم نصار - الحياة اللندنية

 كيف واجهت حماس الأزمة في سوريا؟ ياسر الزعاترة - الدستور الاردنية

 مسيرات التحرير والعودة عوني فرسخ - الخليج الاماراتية

الخامس من حزيران...ذكرى نكسة مؤلمة

بقلم: محمود كعوش * عن جريدة الفجر

لا شك في أن ما حدث في الخامس من حزيران عام 1967 قد شكل في نظر العرب الأقحاح نكبة ثانية لهم بعد النكبة الكبرى التي ألمت بهم جراء قيام المغتصبين الصهاينة باحتلال فلسطين في عام 1948. لكن ذلك الحدث المؤلم والمفاجئ كان في مطلق الأحوال اختباراً حقيقياً للأمة العربية كونها أمة تاريخ وحضارة وتراث لا يمكن أن تسقط بسهولة.

فقد تعرضت هذه الأمة العظيمة من قبل وعلى مدار تاريخها الطويل لكثير من الطامعين والحاقدين والغزاة والمستعمرين، ولكن كل هؤلاء كانوا قد مروا وزالوا وبقيت هي ثابتة كالطود وضاربة جذورها في عمق التاريخ، وهو ما نريده لها في الحاضر ونسعى لأن يكون في المستقبل بعون الله وهمة وإرادة رجالها الأوفياء الصابرين. ومن دواعي الحزن والأسى ومبعث الإحباط وخيبة الأمل أن تحل الذكرى الرابعة والأربعون لعدوان حزيران هذا العام فيما لم يزل حال النظام الرسمي العربي على أسوأ ما يمكن أن يكون عليه من التردي والعجز والهوان والوهن وفقدان الإرادة وامتهان الكرامة، الأمر الذي استدعى تفجر الثورات الشعبية في العديد من الأقطار العربية، والتي لم تزل تتوهج وتنذر باحتمال تمددها إلى غالبية أقطار الوطن العربي إن لم يكن إليها كلها.

في ذلك اليوم الأسود شن الإرهابيون الصهاينة حرباً عدوانيةً غاشمةً استهدفت ثلاثة من الأقطار العربية هي مصر وسوريا والأردن أطلق عليها وفق تسلسل الحروب بين العرب والصهاينة تسمية "الحرب الثالثة"، بعد نكبة فلسطين في عام 1948 والعدوان الثلاثي على مصر في عام 1956. إلا أنه وبمبادرة جريئة قُصد من ورائها التخفيف من وطأة نتائج وإرهاصات تلك الحرب العدوانية والآثار السلبية الفادحة والمفجعة التي ترتبت عليها على مستوى الأمة العربية جمعاء التي كانت تعيش قبل وقوعها أوج مجدها ومدها القومي وذروة آمالها العريضة بقرب أزوف اللحظة الموعودة التي يتم فيها تحرير فلسطين من الاغتصاب الصهيوني، أطلق الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر عليها تسمية "نكسة حزيران". هذا إلى جانب تحمله مسؤولية ما جرى، وفقاً لما افترضته شجاعة ورجولة القادة التاريخيين الكبار.

لقد مثلت تلك الحرب العدوانية بما أفرزته من نتائج عسكرية وسياسية واقتصادية وجيواستراتيجية تحولاً خطيراً في مجرى الصراع العربي ـ الصهيوني بشكل عام والصراع الفلسطيني ـ الصهيوني بشكل خاص، لما نجم عنها من خللٍ واضحٍ وخطيرٍ في توازن القوى بين الأقطار العربية مجتمعة من جهة وكيان العدو من جهة أخرى. فبذريعتها أًعيدت القضية الفلسطينية مجدداً وبشكل مفاجئ وغير محسوب إلى ردهات منظمة الأمم المتحدة لتواجه دوامة جديدة ومعقدة من التكتلات والصراعات والمماحكات والمناقشات والاجتهادات الدولية والإقليمية والعربية حول قرارات ومشاريع قرارات متواترة ومتلاحقة، أدت بالنتيجة إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 في 22 تشرين الثاني 1967 والذي تضمن حسب زعم مجلس الأمن "ما اعتبر مبادئ حلٍ سلميٍ" لها. لكن ذلك القرار ما لبث أن أُحبط بعدما فسر الكيان اللقيط بنوده بالكيفية التي أرادها ورفضه رفضاً قاطعاً!!

هذا وكسب العدو الصهيوني بموجب نتائج تلك الحرب أوراقاً جديدةً للمساومة، وأقام حدوده الجديدة عند موانع أرضية طبيعية محكمة وحساسة كقناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان. وقد أثر ذلك في الروح المعنوية لجيشه وقادته إلى حد أن وهمهم وغرورهم صورا لهم أنهم تمكنوا من فرض إرادتهم على العرب وباتوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مطامعهم التوسعية التي رسمتها استراتيجيتهم الهدامة في الوطن العربي!!

وفي الجانب العربي، فإننا إذا ما سلمنا جدلاً بأن ما كسبه كيان العدو في تلك الحرب جاء على حساب خسارة العرب وإذا ما نحينا جانباً نتائج تلك الحرب على الصعيدين الاقتصادي والجيو ـ استراتيجي، يمكن الجزم بأنها على مستوى نتائجها السياسية أيقظت الوجدان العربي وهزّته هزا عنيفاً، ونبّهت الشعور القومي إلى الخطر الداهم على كل العرب من المحيط إلى الخليج. وانعكس ذلك على التحرك العربي الذي اتخذ اتجاهاتٍ عملية وسريعةً لإزالة آثارها ودعم مواقع الصمود والاعتماد على الأصالة الذاتية للأمة العربية. كما وأن تلك الحرب وما ترتب عليها من "نكسةٍ" قاسيةٍ على العرب، كشفت للعالم أجمع أكذوبة "الكيان الضعيف الذي يهدده العرب من كل الاتجاهات"، مما أكسب العرب عطفاً دولياً وتضامناً مع قضاياهم ساعدهم على عزله عالمياً، لكن وللأسف إلى أمد لم يطل كثيراً.

أما على الصعيد العسكري فلا شك أن القوات العربية قد منيت بخسائر فادحة على المستويين البشري والمادي. غير أن هذه القوات استطاعت أن تتحرك سريعاً وتعيد بناء وتنظيم قدراتها وإمكاناتها، واستطاعت في فترةٍ وجيزةٍ أن تتعافى وتعود أقوى مما كانت عليه من قبل، وذلك بفضل الدعم العربي ودعم الدول الصديقة. وعلاوةً على ذلك فقد دفعت مرارة "النكسة" الجماهير العربية والحكومات والقوات المسلحة العربية إلى العمل الدؤوب من أجل رفع مستوى القدرة القتالية والتأهب للثأر الذي طال انتظاره!! ولربما أن ما فاق كل ذلك أهميةً، حسبما أجمع المراقبون الحياديون في حينه، هو أن تلك "النكسة" أو "الهزيمة" التي ألمت بالعرب قد زادتهم إصراراً وتصميماً على مواجهة التحديات والمخاطر المحدقة، بدلالات قرارات مؤتمر قمة الخرطوم وحرب الاستنزاف ومعركة الكرامة، وبدلالة متابعة الاستعدادات لبلوغ النصر، الأمر الذي لم يمكن الكيان المصطنع من فرض أهدافه السياسية على العرب أو إخضاعهم لإرادته وإرادة المعسكر الغربي الذي اعتمده شرطياً "أميناً" على مصالحه.

وبالرجوع إلى القرار الأممي 242 الذي صدره عن مجلس الأمن الدولي بعد خمسة شهور من عدوان الخامس من حزيران 1967 يمكن القول أن استخفاف حكومة الكيان به وتهربها من تنفيذه زادا العرب إصراراً فوق إصرار وتصميماً فوق تصميم على مواجهة التحديات والمخاطر المحدقة. وقد اقتضى ذلك بدء مرحلة جديدة تميزت باتساع رقعة نفوذ الثورة الفلسطينية، وتعدد ساحات ومعارك النضال الفلسطيني المسلح، وتزايد تأييد حركات التحرر الوطنية والقومية العربية والتقدمية العالمية. لكن كل ذلك لم يُثنِ الكيان عن سياسته العدوانية ضد العرب، فظل يوغل في تنفيذ مخططاته الجهنمية الخاصة بقضم وضم الأراضي المحتلة شبراً شبراً، وفي رفض أي مبادرة دولية لتسوية الصراع العربي ـ الصهيوني بالوسائل السلمية، وفي تحدي ميثاق منظمة الأمم المتحدة وانتهاك مبادئها. واستمر الوضع على ذاك المنوال إلى أن نشبت الحرب العربية ـ الصهيونية الرابعة في السادس من تشرين الأول عام 1973.

يُسجل للعرب أنهم بعد تلك الحرب استطاعوا وربما لأول مرة أن ينتزعوا زمام المبادرة من عدوهم، وأن ينتقلوا بنجاحٍ من حالة الدفاع إلى الهجوم الإستراتيجي، وأن يفاجئوا العالم بأخذهم ذلك العدو على حين غرة، وأن يحطموا نظرية الأمن الصهيوني وأسطورة التفوق المزعوم، وأن يثبتوا قدرتهم على التضامن والعمل المشترك لتحقيق هدفٍ واحدٍ موحد. وإن لم تفضِ حرب السادس من تشرين الأول إلى نصرٍ عسكريٍ كبير وحاسمٍ لأيٍ من طرفي الصراع بفعل الدعم الغربي لكيان العدو الصهيوني الذي تمثل بالجسر الجوي الذي أقامته واشنطن بين تل أبيب وعواصم الحلف الأطلسي في أوروبا وبفعل جنوح الرئيس أنور السادات إلى "السلم وفق الرؤية الأميركية ـ الصهيونية المشتركة" وتطويعه نتائجها لغايات قطرية ضيقة، إلا أنها رجحت كفة العرب وجاءت في كثير من نتائجها لصالحهم، وبالأخص على المستوى السياسي.

ولربما أن حالة التضامن التي أظهرها العرب في مواجهة العدو المشترك كانت من أهم وأبرز نتائج تلك الحرب وأكثرها قيمةً وتأثيراً، إذ مكنتهم من محو آثار "نكسة" الخامس من حزيران 1967 بجدارة واقتدار. وعلى وقع صدى رجحان كفة العرب في عام 1973 وإيقاع نقر دفوف انتصاراتهم في عامي 2000 و2006 على الجبهة اللبنانية ـ الصهيونية وفي عام 2008 على الجبهة الفلسطينية ـ الصهيونية ومع تعاظم الآمال المعقودة على نهج المقاومة والممانعة المتنامي بثبات وصلابة في الوطن العربي وبالخصوص في كل من فلسطين والعراق ولبنان وأقطار عربية أخرى باعتباره خيار الأمة الأمثل والأنجع،

يتجدد طرح السؤال الملح والمترافق مع كثير من التمنيات: ترى هل يُتاح للعرب أن يشهدوا مرة أخرى تضامناً عربياً مماثلاً للذي شهدوه في حرب تشرين الأول 1973 على خلفية نكسة 5 حزيران 1967 يمكنهم من دحر كيان العدو الصهيوني وتلقينه الدرس الذي يستحق والذي طال انتظاره كثيراً!!!؟ لما لا والوطن العربي يشهد الآن هذه الموجة العارمة من الثورات الشعبية التي تستهدف تغيير النظام الرسمي العربي العجوز والمتهالك بآخر ينبض بروح الشباب والعزة والكرامة !!!!!!؟

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالدانمارك

عشيقة الرئيس جونسون ... بطلة حرب حزيران

بقلم: سليم نصار * عن الحياة اللندنية

الزمان: الساعة السابعة و45 دقيقة صباحاً من يوم الخامس من حزيران (يونيو) 1967.

المكان: مركز قيادة الطيران الحربي في اسرائيل.

كان رئيس الوزراء ليفي اشكول قد سلم وزير الدفاع موشيه دايان، نص القرار السياسي الذي اتخذته الحكومة بضرورة تسليم العسكريين مهمة الهجوم على القوات المصرية في كل مكان.

واختار دايان لتلك الحرب رمزاً مشفراً اختصره باسم «ناهشونيم»، وهو اسم زعيم قبيلة «يهودا» التي تعتبرها الاساطير التلمودية اول قبيلة نجحت في تحقيق الرحيل الجماعي من مصر بقيادة «ناهشونيم».

والمؤكد ان القيادة العسكرية الاسرائيلية كانت تسعى من وراء هذا الربط الرمزي، الى اقناع المقاتلين بأهمية دورهم في حرب تحرير الدولة العبرية من وطأة حصار التهديد العربي. ويدعي المدير السابق للاستخبارات العسكرية حاييم هرتزوغ، ان هذا الحافز المعنوي شجعهم على أداء دورهم بمهارة، اضافة الى الدعم العملي الذي وفره الرئيس الاميركي ليندون جونسون عندما وافق على ارسال ذخيرة وقطع غيار نقلت جواً الى اسرائيل بقيمة 70 بليون دولار، علاوة على المساعدات الميدانية التي أمَّنتها طائرات الاستطلاع وأقمار التجسس.

ويشدد الكاتب دونالد ناف في مؤلفه الشهير «6 أيام غيرت الشرق الأوسط» على الدور العاطفي الذي لعبته ماتيلدا كريم مع عاشقها المتيّم ليندون جونسون، ذلك انه كان يستضيفها مع زوجها اثناء اندلاع الحرب. وأكد ناف في كتابه أن الرئيس عرّج على غرفتها ليبلغها الخبر اليقين، ثم اعتذر عن عدم تمكنه من مشاركتها وجبة الافطار، لان وزير الدفاع ماكنمارا ووزير الخارجية دين راسك ينتظرانه في المكتب البيضاوي.

ثم تبين بعد حين ان اللوبي اليهودي دفع ماتيلدا لمواصلة عملية اغواء الرئيس العاشق بهدف استخدامه للحصول على كل مساندة ومساعدة تحتاجها اسرائيل قبل الحرب.

ولدت ماتيلدا غالن في ايطاليا سنة 1928 لأبوين سويسريين، ولما انتهت الحرب العالمية الثانية، كرست الصبية الشقراء معظم اوقاتها لملاحقة اخبار اليهود الذين تعرضوا للابادة الجماعية خلال الحكم النازي. وقد اصيبت في حينه بمرض الاكتئاب

والانزواء الى ان وجدت الخلاص بين يدي طالب يهودي بلغاري يدعى ديفيد دانون. ويبدو ان هذا الطالب خدم في عصابة مناحيم بيغن في فلسطين قبل ان تطرده قوات الانتداب البريطاني الى سويسرا.

وبدلاً من ان يهتم ديفيد بتحصيل العلم في جامعة جنيف، كرَّسَ وقته مع زوجته ماتيلدا للقيام بعمليات ارهابية لصالح عصابة «ارغون» في ايطاليا وفرنسا.

وكان من الطبيعي ان تعتنق هذه الفتاة المتحمسة لقضية اسرائيل، اليهودية كدين قرّبها من زوجها ومن الذين تخدمهم بطاعة عمياء.

سنة 1953 انتقلت الحسناء الشقراء مع زوجها ديفيد من جنيف الى تل ابيب، حيث التحقت بمؤسسة وايزمان كباحثة في مختبر للامراض المستعصية. وبعد ولادة ابنتهما، انفصلا حبياً ليتفرغا لامور مختلفة.

خلال هذه الفترة الرمادية التقت ماتيلدا في اسرائيل آرثر كريم، وقد اقنعها بأهمية العيش معه في الولايات المتحدة. ومن مؤسسة وايزمان في تل أبيب انتقلت الى نيويورك لتعمل في مؤسسة زوجها الثاني كريم، صاحب «مركز سلون – كاترينغ للامراض السرطانية»

وبما ان الجالية اليهودية في نيويورك كانت تعتبر كريم من اكرم المتبرعين لمشاريعها، لذلك اولته اهتماماً خاصاً وقدمته للرئيس جونسون كنصير لاسرائيل. ويقول دونالد ناف في كتابه الموثق، إن اشكول ودايان وإيبان، كانوا ممتنين جداً للدور الذي قامت به ضيفة البيت الابيض وزوجها قبل حرب حزيران وبعدها. والسبب ان جونسون المتيّم كان يطلعها على كل البرقيات الديبلوماسية. وكانت هي تعرف من عشيقها انه وعد الزعيم السوفياتي كوسيغين بألا يسمح لاسرائيل بشن حرب مفاجئة بانتظار تسوية النزاع سلمياً بواسطة امين عام الامم المتحدة يوثانت. ولكنها نقضت هذا التعهد وأقنعت جونسون بإعطاء اشكول الضوء الاخضر لهجوم مباغت على مصر. والثابت ان وزير خارجية اسرائيل أبا إيبان كان هو الآخر يلعب دور المنسق بين اشكول وجونسون، خصوصاً في القضايا الخارجية التي تحتاج الى تدخل الرئيس الاميركي. ومن ابرز مظاهر ذلك التدخل الديبلوماسي السافر، قرار تأخير وقف اطلاق النار على مختلف الجبهات.

ومن المؤكد ان فترة التأخير ساعدت القوات الاسرائيلية على احتلال المزيد من الاراضي العربية. وهكذا قدرت مساحة الارض التي احتلتها اسرائيل، اربعة اضعاف ما كانت عليه قبل الخامس من حزيران 1967. اي انه بعد ستة ايام فقط، أمَّنت القوات الغازية في الجولان، شريطاً فاصلاً يبلغ طوله عشرين ميلاً. كذلك اتسع «خصر» اسرائيل الضيق بعد احتلال الضفة الغربية، وانتشار جيشها على طول الحدود الطبيعية لنهر الاردن. كما ادى احتلال سيناء الى اخراج مصر من معادولة التوازن الاستراتيجي سنة 1978، اي بعد احدى عشرة سنة.

وكان من الطبيعي ان تستغل اسرائيل انتصارها المدوي لتباشر في اعلان ضم القدس الشرقية على لسان اول من اقتحمها، قائد القطاع الاوسط اوزي ناركيس. وفي اول صورة التقطت له امام حائط المبكى الى جانب موشيه دايان وإسحق رابين، انشد ناركيس اغنية «العودة الى البحر الميت» التي ينشدها الجيش الاسرائيلي. وقد انضم اليهم بعد الظهر رئيس الوزراء اشكول، وهو يحمل رسالة خطتها زوجته لم يلبث ان ان ادخلها بين حجارة حائط المبكى. وقد كتبت فيها القسم المتداول بين يهود الدياسبورا: «ليلتصق لساني في حلقي اذا نسيتك يا أورشليم».

يعترف موشيه دايان في مذكراته انه استغل فرصة وقف القتال، ليباشر عملية نشر المستوطنات اليهودية وسط التجمعات العربية في الاراضي المحتلة. والغاية، كما حددها ارييل شارون، تكمن في خلق حقائق على الارض تحول دون قيام دولة فلسطينية موحدة ومتماسكة في الضفة الغربية. ولما استخدم الفلسطينيون القرارين 242 و 338 لمنع بناء المستوطنات، رد شارون بانتهاك القانون الدولي واستكمال بناء جدار الفصل. وعندما رفعت الشكوى الى محكمة العدل الدولية، طالب 13 قاضياً بضرورة تفكيك الجدار والتعويض على المتضررين منه. وكان وزير خارجية مصر نبيل العربي، القاضي العربي الوحيد في محكمة العدل الدولية. وقد استرشد بالمبدأ الراسخ في القانون الدولي بعدم قبول الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة.

بعد الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية في حرب حزيران، استقطبت منظمة التحرير اعداداً كبيرة من المتطوعين. ورأى ياسر عرفات ان الفصائل المرتبطة بالمنظمة اصبحت هي الامل الوحيد لاسترجاع الاراضي المغتصبة. كما رأى ان سلاح المقاومة هو السلاح الأمضى لإثبات تفوق ارادة النضال على الآلة العسكرية الاسرائيلية.

بعد مضي 43 سنة تقريباً على تلك الهزيمة، لا بد من التذكير بأن الرئيس جمال عبد الناصر أرجأ اعلان استقالته المرفوضة شعبياً، الى حين اكتشف له «المجمع اللغوي» كلمة بديلة لـ «الهزيمة» هي كلمة «نكسة».

ولكن التخفيف من وقع تلك الهزيمة لم يمنع الشعوب العربية ولو بعد نصف قرن تقريباً، من اعلان الثورة ضد كل الانظمة التي تخاذلت في حرب حزيران 1967. وما نشهده حالياً فوق الساحات العربية من عنف وعنف مضاد، ليس اكثر من ظاهرة طبيعية افرزتها الهزائم المتواصلة امام عدو عرف كيف يسخّر الدول الكبرى لخدمة مطامعه.

في كتابه حول تاريخ الامم، يقول المؤرخ ارنولد توينبي، ان الامم التي تتعامل بلامبالاة في مواجهة التحديات الكبرى، تكون من الامم الميتة، والمؤسف ان العرب، تعاملوا مع هزيمة حزيران 1967، كأنهم ينتمون الى الاموات لا الى الأحياء...

* كاتب وصحافي لبناني

كيف واجهت حماس الأزمة في سوريا؟

بقلم: ياسر الزعاترة * عن الدستور الاردنية

وجدت حركة المقاومة الإسلامية حماس نفسها حيال أزمة حقيقية إثر اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا، لاسيما أن معظم قيادتها الرئيسة في الخارج كانت تقيم منذ سنوات في دمشق، حيث وجدت قدرا من الاحتضان والدعم لا ينكره سوى جاحد، وهو دعم لم يكن حكرا على النظام، إذ أن الشعب السوري كان حضنا دافئا للحركة أيضا، حيث منحها دعما لا يقل عن أي شعب عربي آخر.

لم يكن لدى أي مراقب على صلة بعوالم السياسة أي وهم حول البعد السياسي لذلك الدعم الذي تلقته الحركة، ومثلها حركة الجهاد وسائر قوى المقاومة، وليس ثمة عاقل كان يتصور أن بوسع النظام احتضان حركة تنتمي للجماعة الأكثر صداما معه طوال تاريخه «الإخوان» لولا الشعور بجدوى ذلك من الناحية السياسية.

حماس والجهاد -كما هو حال حزب الله - كانتا بالنسبة للنظام السوري جزءًا من الأمن القومي، وهما تحققان مصلحته بمواجهة من يريدون تحجيم حضوره ودوره، من دون أن نتجاهل أن مقاربة النظام حول كلفة الاستسلام الأغلى من كلفة الصمود والممانعة كانت صائبة إلى حد كبير، وهي التي أخرجته من مآزق كان يمكن أن تشطبه بالكامل، كما هو حال محطة الاحتلال الأمريكي للعراق.

الأكيد أن حماس كانت تتمنى لو أن النظام السوري استوعب رياح التغيير في المنقطة وبادر إلى إصلاحات تحقق الحد المعقول من مطالب الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، لكن النظام لم يفعل اعتقادا منه بأن وضعه الداخلي مريح إلى حد كبير، فكانت الثورة الشعبية التي فاجأته، وربما فاجأت الجميع بجرأتها وإصرارها على الانتصار.

بعد الثورة الشعبية وجدت حماس نفسها أمام سؤال الموقف، وهنا لم تجد أفضل من الحياد. حدث ذلك باعتقادنا تجسيدا لمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول العربية من جهة، كما كان جزءًا من الوفاء للشعب السوري الذي احتضنها، والذي يصعب على عاقل القول إنه اليوم على توافق مع نظامه في الملف الداخلي، لاسيما بعد أن سال الدم غزيرا في شوارع المدن والقرى السورية.

من جانب آخر- وفي حساب الأرباح والخسائر، فضلا عن المبدأ الذي تنحاز إليه الحركة- فإن أي انحياز إلى جانب النظام إنما يعني خسارة فادحة للجماهير العربية والإسلامية التي لم تتردد في دعم مطالب الشعب السوري في الإصلاح والتغيير، ثم ازداد انحيازها له بعد البطش الذي واجه به النظام جموع المحتجين، فضلا عن استباحة المدن والأحياء.

من هنا كان موقف الحركة الحيادي مقدّرا من قبل السوريين، وإلم يكن كذلك بالنسبة للنظام، أو بعض أركانه في أقل تقدير. صحيح أن ردة فعل معاكسة واضحة لم تسفر عن نفسها حتى الآن، ربما لأن الممانعة والمقاومة هي البضاعة التي يدافع بها النظام عن نفسه بين الجمهور السوري والجمهور العربي، لكن ذلك لا يعني أن الأمور ستبقى على ما كانت عليه، وإن تأثر الموقف بتطورات الحراك الشعبي.

خيارات الحركة غير دمشق تبدو محدودة، ومن العبث -بالطبع- القول إن غزة هي الخيار المفضل كما ذهب البعض، ليس لأنها مكشوفة تماما أمام العدو بالنسبة لأي قائد سياسي يوضع على قائمة الاستهداف، ولا أيضا لأنها تجعل الحركة أسيرة الموقف المصري (أيا تكن تقلباته)، بل أيضا بسبب انقطاع صلتها المباشرة بالضفة الغربية وما تبقى من فلسطين، فضلا عن حقيقة أن مصير القطاع لم يُحسم بعد في ظل انتخابات جديدة قادمة يمكن أن يفوز فيها مناهضو برنامج المقاومة، وأصحاب مشروع

«الحياة مفاوضات» والسلاح الواحد كما كرر ذلك محمود عباس أثناء كلمته في احتفال المصالحة، لاسيما أن الاستهداف الذي تتعرض له الحركة في الضفة سيتصاعد أكثر فأكثر بمرور الوقت، وقد تابعنا خلال الأسبوعين الأخيرين حملة الاعتقالات التي

طالت النواب (استهداف السلطة لم يتوقف أيضا)، ما يؤكد عبثية فكرة المصالحة القائمة على ذات برنامج السلطة التقليدي وفكرة الانتخابات ذات المآل البائس سواء فازت حماس أم فتح وحلفاؤها.

قطر، وإن كانت خيارا بالنسبة لقلة من رموز الحركة، إلا أنها سترفض على الأرجح استضافة الكثير منهم، وكذلك حال الأردن المقيد بشروط وادي عربة ومعادلاته السياسية الأخرى، كما أن الخيارات الأخرى جميعا تنطوي على قيود ومشاكل لا تجعلها أقرب إلى الحالة السورية، ربما باستثناء لبنان إذا سمحت تناقضاته بذلك، وفي مقدمتها موقف حزب الله، لكن ذلك كله لا ينفي أن المرحلة المقبلة هي مرحلة المقاومة والآفاق الأفضل في ظل نجاح الثورة في تونس ومصر وإمكانية نجاحها في دول عديدة أخرى.

هي لحظة صعبة من دون شك، لكنها طبيعية ومتوقعة في تاريخ الحركات الثورية والعقائدية، فكيف إذا كانت جزءًا من مخاض يبشر بمرحلة أفضل بكثير عنوانها الإجماع الشعبي الفلسطيني المدعوم من جماهير الأمة على برنامج شطب الاحتلال بكل وسيلة ممكنة، وفي مقدمتها انتفاضة الداخل والزحف الجماعي (الشتات الفلسطيني والجمهور العربي) من الخارج؟!

* كاتب وصحفي اردني

ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

مسيرات التحرير والعودة

بقلم: عوني فرسخ * عن الخليج الاماراتية

تأكيداً لدلالات مسيرات عشرات الآلاف إلى حدود فلسطين المحتلة في ذكرى النكبة يوم 15 مايو / آيار الماضي، وفي تحد للممارسات العدوانية الصهيونية، وإجراءات القمع الرسمية العربية في ذلك اليوم التاريخي . تداعى قادة مخاض التغيير العربي في مصر والأردن ولبنان وسوريا لمسيرات جماهيرية سلمية في ذكرى نكسة الخامس من حزيران / يونيو 1967 متجهة إلى حدود فلسطين المحتلة رافعة الأعلام الفلسطينية إلى جانب الاعلام الوطنية للأقطار الأربعة، مؤكدة الالتزام بتحرير كامل التراب العربي المحتل في فلسطين والجولان وجنوبي لبنان، وتأكيد حق عودة اللاجئين لديارهم واستردادهم عقاراتهم والتعويض عليهم، ورفض جميع مشروعات التوطين وما يسمى “الوطن البديل” . والمطالبة بإلغاء معاهدات كامب ديفيد ووادي عربة واتفاق أوسلو .

وكل ما ترتب عليها من اتفاقيات وتطبيع مع العدو الصهيوني . وإلى جانب التواصل والتنسيق بين قادة مخاض التغيير في كل من مصر والأردن ولبنان وجهت دعوات المشاركة لكل هيئات المجتمع المدني في الأقطار الثلاثة من أحزاب ونقابات مهنية وعمالية وجمعيات اجتماعية ومؤسسات ثقافية .

ولو أن أحداً قال غداة النكسة إنه سيأتي يوم تزحف فيه الجماهير العربية بقيادة شباب وصبايا نحو حدود فلسطين المحتلة مطالبة بالتحرير والعودة لكان أبسط ما يتهم به بأنه مجرد حلم . غير أن ما كان يبدو مستحيلاً يوم النكسة بات واقعاً معاشاً في زمن “الربيع العربي” . بما شهده من سقوط حواجز الخوف، وتعاظم ثقة الجماهير العربية بقدرتها على التغيير وتجاوز الواقع المأزوم، واستعادة القضية الفلسطينية مكانتها المركزية في الفكر والوجدان الشعبي العربي .

وليس في المسيرات الجماهيرية السلمية لحدود فلسطين المحتلة المدعو لها في ذكرى النكسة “طفولة سياسية” ما يشكل خطراً على مخاض التغيير الديمقراطي الجارية فصوله في معظم الأقطار العربية، كما ادعى أحد الكتّاب في تعقيبه على المسيرات التي سبق انطلاقتها في ذكرى النكبة، محتجاً بأن التوجه لحدود فلسطين المحتلة يستفز القوى الأمريكية والأوروبية راعية وحامية الكيان الصهيوني فتعمل في تقديره لإجهاض الحراك الديمقراطي العربي، وكأن هذه القوى ليست معادية للديمقراطية وتحرر المواطنين العرب، ولا هي عاملة على احتواء الحراك الديمقراطي العربي . والدعوة لمسيرات جماهيرية سلمية لحدود فلسطين المحتلة في ذكرى يونيو/حزيران ،1967 كسابقتها التي انطلقت في ذكرى نكبة ،1948 وإن كانت من

بعض الإنجازات الواعدة لربيع التغيير العربي، ودليل بعده القومي التحرري، إلا أنها نتاج تراكمات ما شهدته السنوات الأربع والأربعون التالية للنكسة من متغيرات ومستجدات في ميزان القدرات والأدوار في الصراع العربي الصهيوني.

فالانتصار العسكري المبهر الذي حققه الكيان الصهيوني في ما سماه “حرب الأيام الستة” لم يتوج بإنجاز سياسي كان مستهدفاً من العدوان، إذ حالت دونه انتفاضة جماهير مصر رافضة استقالة عبدالناصر ومؤكدة عزمها على مواصلة الصراع بقيادته . فيما أسهم استقبال جماهير السودان له غداة قمة الخرطوم في إجماع الملوك والرؤساء العرب على لاءات الخرطوم الثلاث: لا صلح منفرداً، ولا مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل”، ولا اعتراف بشرعية وجودها .

فضلاً عن توالي فشل آلة الحرب الصهيونية في تحقيق أي نصر منذ خسارتها حرب الاستنزاف المجيدة التي بادرتها مصر بعد أيام من النكسة . ولما كانت “إسرائيل” قد فشلت في قهر إرادة أطفال حجارة الضفة والقطاع المحتلين، ثم لم تلبث أن افتقدت قوة ردعها بالحرب على لبنان صيف 2006 . ولم تستطع استعادتها بالمحرقة “الهولوكوست” التي اقترفتها في قطاع غزة أواخر 2008 ومطلع 2009 . كان طبيعياً سقوط هيبة الكيان الصهيوني في نظر شباب وصبايا ربيع التغيير العربي .

ولقد أكد أكثر من مصدر إعلامي أن “إسرائيل” حشدت في مقابل “مارون الراس” في الجنوب اللبناني أربع فرق عسكرية في مواجهة مسيرة يوم النكبة . وفي هذا الدلالة الواضحة على فعالية المسيرات الجماهيرية السلمية لحدود فلسطين المحتلة مؤكدة الالتزام بالتحرير والعودة وإقامة الدولة الديمقراطية مستقلة الإرادة على كامل التراب العربي الفلسطيني .

وإذا كان جدود وآباء الشباب والصبايا من اللاجئين الفلسطينيين المشاركين في مسيرات ذكرى النكبة والنكسة قد هجّروا من مدنهم وقراهم بعملية تطهير عرقي اقترفتها قوات الغزو الصهيوني بناء على أوامر رسمية من القيادة الصهيونية بزعامة بن غوريون، كما وثق ذلك بني موريس وسواه من المؤرخين “الإسرائيليين” الجدد، فإن شباب العرب في مسيراتهم السلمية ودعوتهم الحضارية لإقامة الدولة الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني لا يؤسسون فقط لتحرير التراب العربي المغتصب، وإنما أيضاً لعتق المستوطنين اليهود من إسار العنصرية الصهيونية . والتوظيف في خدمة صنّاع القرار الأمريكي والأوروبي مسخري المشروع الصهيوني لخدمة مشروعهم الإمبريالي . ذلك بأن يخير مغتصبو فلسطين ومشردو شعبها بين العودة لمواطنهم التي جاءوا منها أو البقاء الآمن في فلسطين العربية كمواطنين أو مقيمين أسوة بيهود المغرب والبحرين وأكثر من قطر عربي آخر .

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الامارات العربية

ـــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ