أقلام واراء
130
«تشي دحلان» أو «محمد جيفارا»؟! عريب الرنتاوي الدستور الأردنية
هل «يتحررّ» أوباما من سياسة «نعم إسرائيل»؟ هنري سيغمان السفير اللبنانية
غابت الأحزاب.. فحضر الإسلاميون.. يوسف الكويليت الرياض السعودية
محنة حزب الله عبد الحليم قنديل القدس العربي
«تشي دحلان» أو «محمد جيفارا»؟!
بقلم: عريب الرنتاوي* عن الدستور الأردنية
حسناً فعلت "مركزية" فتح حين قررت فصل محمد الدحلان والتحقيق معه بقضايا القتل والفساد، وهي خطوة نأمل أن تكون "صحيحة" و"نهائية"، وهذا هو الأهم، فقد تحوّل الرجل إلى عبء على فتح والحركة الوطنية الفلسطينية، وبات اسمه مرادفاً لكل ما يُغضب الفلسطينيين ويثير حنقهم، من "التنسيق الأمني" إلى "التواطؤ مع الخصوم" مرورا بـ"التآمر" على من أسماه "الزعيم التاريخي" ياسر عرفات، عطفاً على الفساد المالي والإداري، وأحسب أن ما من قيادي فلسطيني جمع كل هذا وذاك وتلك بين "دفتي" شخصيته، مثل هذا الرجل.
محمد الدحلان، ليس نسيج وحده، هو تعبير ظاهرة، هو ليس المسؤول الفلسطيني الوحيد الذي قارف ما قارف، هناك كثيرون فعلوا مثله أو أقل قليلاً (لا أحسب أن كثيرين تفوقوا عليه أو فعلوا أكثر مما فعل)، لكن الرجل والحق يقال، برهن أنه "محب للبقاء ومتقن للعبته - Survival"، لقد اجتاز محطة انتخابات المجلس التشريعي حيث أخفقت كثير من رموز فتح، واجتاز استحقاق مؤتمر فتح السادس، ومرة أخرى، حيث أخفقت قيادات تاريخية في فتح، وفي كلا الاستحقاقين، حضر الرجل بقوة، عبر الأعوان والمريدين الذين حملهم على جناحيه إلى الصفوف الأولى، ولم يفز بمقعده وحيداً أو منفرداً.
قد يقال الكثير عن طرق الرجل الفاسدة، في الوصول إلى مواقعه ومآربه، قد يقال ما هو أكثر عن شبكة الأجهزة الإقليمية -وأحياناً الدولية- الداعمة له، وقد يقال كلام لا ينتهي عن عالم المال والأعمال والاستثمار الذي انخرط فيه مباشرة أو عبر أسماء حقيقية ووهمية، أو شركاء وشراكات فاسدة في دول قريبة وبعيدة، لكن المحصلة أن الرجل ظل في الصورة، بل ظل في قلبها، إلى أن مادت الأرض من تحت أقدامه تحت وقع الضربات المتلاحقة التي كالها له الرئيس عباس مؤخراً.
لا أريد أن أتحدث عن دوافع الرئيس وأسبابه لـ"تصفية الحساب" مع الدحلان، كل ما كان يهمني أن أتيقن من أن "أبو مازن" جادٌّ فعلاً فيما ذهب إليه، وأنه سيمضي حتى نهاية الشوط في معالجة ملفات الفساد والتآمر والقتل، الرئيس بدا متقيناً مما يفعل، الرئيس بدا صارماً في متابعة هذا الملف، ويبدو أن جهوده قد بدأت تؤتي أُكلها.
قلة من أمثال هؤلاء المسؤولين، تمضي حتى نهاية مشوار الإدعاء والكذب والزيف والدجل، من يقرأ رسالة الدحلان إلى أبو ماهر غنيم، يظن أن تشي جيفارا قد بعث حياً في صورة محمد دحلان، أنت الذي قرأت مراسلاته مع شاؤول موفاز وتحريضه على "الزعيم التاريخي"، أنت العارف ببواطن محاولاته الانقلابية في غزة على عرفات بداية وعلى حماس في وقت لاحق، تظن أنك مخطئ وأنك ربما تكون بحاجة لمراجعة ما قرأت وما عرفت، فالرجل يسترجع شعار "ثورة حتى النصر" الذي بدده "أبو مازن" حتى أننا لم نعد نسمع به، والرجل يتحدث عن فقدان فتح لكفاحيتها ونضاليتها تحت زعامة أبو مازن (أنظروا اللغة الجيفارية)، والرجل يتحدث عن تيار "التفريط" كما لو كان حسن نصرالله أو الشيخ أحمد ياسين أو أبو جهاد خليل الوزير أو جورج حبش.
أية جرأة، حتى لا نقول شيئاً آخر من باب أدب الكتابة، تلك التي تدفع برجل ارتبط اسمه بأبرز الأنشطة الانقلابية التي سُجّلت مؤخراً على الساحة الفلسطينية، إلى الجأر بالشكوى من تعرضه لمحاولة انقلابية جديدة، وعلى يد من، على يد أبو مازن هذه
المرة، استكمالاً لما أسماه "انقلاب" حماس عليه في العام 2007، "ضربني وبكى"، أو "رمتني بدائها وانسلّت" أم "برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا، لا أدري أي هذه الأمثلة أنسب في وصف المقام.
لقد تعلمنا أن الانقلابات يقوم بها المرؤوسون على رؤسائهم، لم نسمع من قبل عن انقلاب قام به رئيس على أحد معاونيه أو مجموعة منهم، هذه تسمى مناقلات، تغييرات، تجديدات، إصلاحات، محاربة فساد إلى غير ما هنالك، ولكنها لا تسمى انقلاباً، دحلان إذ يصف موقف عباس منه، بالمحاولة الانقلابية، فإنه يضع نفسه فوق الرئيس والرئاسة، إنه يجعل من الرئيس موظفاً عنده أو مرؤوساً له مسؤولاً منه لا عليه، ولك عزيزي القارئ أن تستنتج بقية القصة والصورة.
لقد بلغت النرجسية بالرجل حداً دفعه لوضع "معركة أبو مازن عليه" في مصاف معركة الشعب الفلسطيني ضد سياسات نتنياهو الاحتلالية والاستيطانية، أو في مصاف معركة الشعب لأنهاء الانقسام، فهو إذ يتساءل -ببراءة- عن سر التزامن بين هذه المعارك الثلاث، يُلمح ضمناً إلى أنها تكتسب نفس الوزن والأهمية عنده، إن لم تكن "المعركة عليه" أكثرها أهمية ومصيرية على الإطلاق، كيف لا وهو السند والرافعة الوطنية للإصلاح والتغيير والتحرير، كيف لا وهو المعادل الفلسطيني لكل ثوار العالم الكبار، العنفيين والسلميين؟!.
أما عن حديث الفساد والإفساد، فقد حرص الرجل على ارتداء "ثياب الإحرام" وهو يقلّب صفحات هذا الملف، وبدا كحمامة مقدسة ناسياً أو متناسياً وهو الذي غادر القطاع كما يقول مجايلوه من أبناء فتح بـ"فردتي شبشب"، أنه عاد إليه مستوطناً "دارة الشوا" وفضاءها الحيوي، فضلاً عن العديد من البيوت والمشاريع والاستثمارات المبثوثة في مدن معينة والعواصم القريبة والبعيدة، تلك الثروة التي يجري التعامل معها كما لو كانت حقاً مكتسباً أو إرثاً عائلياً، لا بوصفها شهادة حيّة، على استشراء الفساد وغياب المساءلة وتعطل الشفافية وانعدام المحاسبة.
مرة أخرى، لا ندري إن كان الدحلان سيخرج من هذه "الأزمة" كما خرج من سابقاتها، لا ندري إن كانت فتح والسلطة ستتفوق على نفسها هذه المرة، أم أنها ستعيد انتاج سيرتها السابقة في التعامل مع الفاسدين والمتواطئين والمتآمرين على فتح والمنظمة والشعب الفلسطيني، لكننا نأمل في مناخات ربيع العرب وثوراتهم، أن يخرج صوت قوي من الشارع الفلسطيني مردداً: الشعب يريد إسقاط القتلة والفاسدين والمتآمرين، وهم كًُثر.
* كاتب أردني
ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
هل «يتحررّ» أوباما من سياسة «نعم إسرائيل»؟
هنري سيغمان * عن السفير اللبنانية
لا يمكن قراءة تعليقات الرئيس الاميركي باراك أوباما بشأن الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، اهميتها او اوجه قصورها، في خطاب 19 ايار الماضي، بمعزل عن فهمنا لتاريخ عملية السلام في الشرق الأوسط. هذا التاريخ بالذات لا ينفك يذكرني بتلك الفكاهة القاتلة التي لطالما سادت زمن الاتحاد السوفياتي: عمال سوفيات يتظاهرون انهم يعملون وقادة الكرملين يتظاهرون بدفع رواتبهم... المشهد يعيد نفسه مع عملية السلام: الحكومات الاسرائيلية تدعي أنها تسعى إلى حل الدولتين، والولايات المتحدة تدعي أنها تصدّقها. وها هو الامر يتجلى في آخر خطاب لأوباما.
لطالما كانت لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (إيباك) الجهاز الدعائي الاول لهذا المكر الاميركي، والتي تقوم شرعيتها على شعار التحدث باسم المجتمع اليهودي الاميركي، فيما الحقيقة ليست كذلك، بل ما يهم مجموعة الضغط هذه، هو التزامها الكامل مع الحكومات الاسرائيلية واليمينية منها تحديدا.
هذا ما لم يرق لرئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين في التسعينيات، اذ لطالما رفض فكرة احتياج رئيس حكومة اسرائيل الى «شفاعة ايباك» للتواصل مع الادارة الاميركية، فضلا عن العلاقة السيئة بينه وبين المنظمة، والتي ظهرت في دعوة رابين الى تشكيل مجموعة دعم اميركية جديدة، فكان «منتدى السياسة الاسرائيلية».
سمحت لي خدمتي في «ايباك» بين العامين 1965 و1994 بمعايشة فترة ما قبل التسعينيات وتحديدا العام 1988 يوم اجتمعت، بكثير من التحدي، «عصبة مكافحة التشهير» و«المؤتمر اليهودي الاميركي» و«اللجنة اليهودية الاميركية»، تحت مظلة «ايباك». يومها، وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» حدث الانضواء الثلاثي بـ«التحدي السياسي الهام، لانه يشير الى ان الراي العام اليهودي الاميركي اكثر تشعباً، وبالنسبة الى بعض القضايا، هو اقل تشددا من الصورة التي تقدّمها «ايباك» والتي ينظر اليها كل من الادارة والكونغرس الاميركيين على انها الناطق الرسمي باسم يهود اميركا.
اما اليوم، فتعطي «ايباك» دعمها الكامل والمفرط للحكومة الاسرائيلية التي ترفض بغالبيتها، وبقوة، حل الدولتين، فيردّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية افيغدور ليبرمان على مثل هذه الخدمة، كما هي الحال منذ العام 1967، بحماية اهداف حكومتهما الأسمى من خطر الاحباط.
«سعت السياسة الخارجية الإسرائيلية، على مدى السنوات الـ 44 الماضية، إلى تجنب تكرار مثل هذا السيناريو (انسحاب اسرائيل من الأراضي التي تمتد الى ما وراء حدودها الشرعية، بدفع من الرئيس هاري ترومان وثم الرئيس دوايت ديفيد ايزنهاور) من خلال التعنت وتسليم اراض تعتبر أقل حيوية كسيناء وغزة ومدن الضفة الغربية وجنوب لبنان، من اجل الحفاظ على الجوائز الكبرى (القدس الشرقية والضفة الغربية ومرتفعات الجولان)»... ما كتبه ألوف بن في صحيفة «هآرتس» في نيسان الماضي يوصّف العلاقة - الصفقة بين الحكومة الاسرئيلية و«ايباك» طيلة الاعوام الماضية وصولا الى اليوم، حيث لم يعد اعضاء حكومة نتنياهو يخبئون معارضتهم لقيام «الدولة الفلسطينية» بل يعبرون عن ذلك جهاراً.
اما نتنياهو ففضّل «الانقلاب». فيوم ادلى بخطابه الحزيراني قبل عامين معلنا، تحت ضغط ادارة اوباما، قبوله بحلّ الدولتين، كان رئيس الحكومة الاسرائيلية امام اكثر خطاباته زيفاً ما دفع كبار اعضاء حزب الليكود الى تشكيل «تجمّع ارض اسرائيل» (Land of Israel Caucus) وهدفه الاساس تقوية «السيطرة على كامل اراضي اسرائيل».
كان تشكيل هذا التكتل، الذي استثنى نتنياهو وبعض المقربين منه، كافيا لتأكيد «انقلاب» اسرائيل على ما تقوله في العلن مفضّلة العودة الى مسلّمات رئيس وزرائها السابق مناحيم بيغن: « قيام دولة مستقلة غريبة في بعض اجزاء ارض اسرائيل يعارض نقطتين اساسيتين: حق دولتنا التاريخي والمطلق بأرض اسرائيل، كما حقها بصون امنها القومي».
عرض ما سبق يأتي منسجماً مع العجز والتضعضع الاميركيين في تحقيق تقدّم ما على طريق حل الدوليتن. ففيما حثّ بعض خبراء السياسة الخارجية الرئيس اوباما على التخلي عن عملية السلام لصالح «مخطط اميركي» يدعو الاسرائيليين والفلسطينيين الى الاتفاق على النقاط الخلافية، عارض آخرون، امثال مستشار اوباما لشؤون الشرق الاوسط دنيس روس، الاقتراح الذي اعتبروه «قفزاً الى الهاوية من اجل السلام»، خصوصا انه لا يفرض على الفريقين المتنازعين الالتزام بالشروط الاميركية لانجاح الاتفاق ما قد يودي بالمصداقية الاميركية ويبدد حظوظ الوساطة.. «فماذا بعد ذلك؟».
انتقاد مبادرة «المخطط الاميركي» امرٌ اساسي خصوصا في التعامل مع الحكومة الاسرائيلية الحالية، لكن طارحي استفهام «ماذا بعد» لم يدركوا ان ما جرّهم الى مثل هذا السؤال هو اصرارهم على العودة الى عملية تفاوض استطاعت من خلالها اسرائيل على مدى 20 عاما التخلص من الضغوط الخارجية فيما خضع الفلسطينيون لرحمة المستوطنين.
كتب نيحيميا شتراسلر في «هآرتس» مؤخرا ان «نتنياهو ليس جاهزا لأي اتفاق او تنازل او انسحاب. كل ما يشغله هو ارض اسرائيل»، وهذا ما ظهر فعليا في خطابه يوم 24 ايار المنصرم. لذا يجب على الغاية من اي مبادرة اميركية للسلام، ان تتخطى هاجس موافقة حكومة نتنياهو، بل رسم الخطوط الحمراء لحدود الدعم الاميركي لاسرائيل من جهة والفلسطينيين من جهة اخرى. فعلى الطرفين ان يكونا على علم بأن ابقاء الضفة تحت سيطرة اسرائيل امر لن يُدعم اميركيا تماما كما لن ينال حق العودة غير المحدودة للاجئين الفلسطينيين رضى الادارة الاميركية.
اصحاب مبادرة «المخطط الاميركي» امثال زبيغينيو بريزينسكي وتوماس بيكورينغ ولي هاملتون وغيرهم، اقترحوا ادارة اوباما لمفاوضات تتم على اساس شروط خمسة:
اولا، تعمل الولايات المتحدة على تأسيس دولة فلسطينية مستقلة، قابلة للحياة، على اساس حدود 1967.
ثانيا، تدعم الولايات المتحدة حلا لمشكلة اللاجئين ينسجم مع مبدأ «دولتين لشعبين».
ثالثا، ايمانا بضرورة صون أمن الجانبين، تدعم واشنطن دولة فلسطينية منزوعة السلاح بموازاة دعمها لآليات امنية تبددّ المخاوف الاسرائيلية المشروعة.
رابعا، تعترف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة للدولتين (الاحياء اليهودية تقع تحت السيادة الإسرائيلية والأحياء العربية تحت السيادة الفلسطينية).
خامسا، واشنطن تشجّع المصالحة بين فتح وحماس على اساس المبادئ السابقة وتجانسا مع قراري مجلس الامن 242 و338.
مثل هذه الخطة قد تضع الحكومة الاسرائيلية المقبلة، وليس الحالية، امام استحقاق حلّ الدولتين. اما رفض ادارة نتنياهو للمقترحات الاميركية وما قد ينتج عن ذلك على مستوى العلاقات الثنائية، فسرعان ما ستتحوّل الى عناوين رئيسية في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، وتنتج على الارجح حكومة من نوع آخر مهمتها تصحيح العلاقات على خط واشنطن-تل ابيب.
ولنكن اكثر واقعية. لا تستطيع واشنطن فرض شروط اتفاق السلام، لكن الجانبان الاسرائيلي والفلسطيني يعجزان ايضا عن اجبار الولايات المتحدة على دعم سياسات تتناقض مع المصالح الاميركية.
هذا ما يعود بنا الى خطاب اوباما في 19 ايار. ربما لن يؤثر ما قاله في عملية الاعداد لاتفاق سلام وحتى في انعاش المفاوضات الشائكة، لكن ما ورد بين سطور الخطاب جدير بالاهتمام:
1 ـ الضغط باتجاه اتفاق السلام يبدأ الآن، وليس يوما ما في المستقبل.
2 ـ وضع خطوط اميركية للمحادثات الثنائية ليست فرضاً على اي من الطرفين.
3 ـ نقطة البداية لمحادثات تبادل الاراضي يجب ان تكون حدود العام 1967.
4 ـ يجب على اتفاق السلام التوفير للفريقين ترتيبات امنية موثوق بها مع انسحاب القوات الاسرائيلية «الكامل والتدريجي» من الضفة الغربية.
اقترح اوباما بالنقاط السابقة ان يبحث الجانبان اتفاقا حول الحدود والامن قبل البت بقضية القدس واللاجئين. الا ان خطورة مثل هذا التدرج في صياغة الاتفاق - الحل هو ان ترفض اسرائيل، بعد إتمام المرحلة الاولى، الغوص في المرحلة الثانية، وبالتالي إحكام سيطرتها على القدس مع ابقاء ملف اللاجئين منسيا.
الخطأ القاتل في اقتراح اوباما هو انه لم يقل بوضوح ان «رفض التعليمات الاميركية سيكون له تداعياته القاسية»، بل اوحى بالعكس تماما عندما توجّه لـ«إيباك» قائلا ان «ما يربط اسرائيل واميركا مصفّح.. غير قابل للتزعزع». ماذا عنى الرئيس بذلك؟ هل يضمن بهذا الكلام ان واشنطن ستواصل منع قيام دولة فلسطينية؟ هل هذه العلاقات «المدرّعة» تتطلب منّا تأمين مليارات الدولارات للجيش الاسرائيلي ومساعدته على تجريد الفلسطينين من حقوقهم؟
إن كانت الاجابة نعم، فها هو اوباما يقفز فوق القرارين 242 و338 الدوليين المؤسسين لاتفاق السلام المنتظر. اما إن كانت الاجابة لا، فلماذا لم يجرؤ الرئيس الاميركي على التوجه الى «إيباك» بالقول ان «الاصدقاء الحقيقيين يتكلمون بصدق» وان «الدعم الاميركي لاسرائيل لن يتواصل ما لم تبدّل حكومة تل ابيب سياساتها»؟
اذا، تقف المسألة عند حدود جرأة اوباما في معارضة اللوبي الاسرائيلي والكونغرس الاميركي المساند له، وصولا الى تمرير اتفاق سلام من توقيعه. اعتقد ان الامر واردٌ خصوصا اذا ما سند اوباما ظهره الى كل من الرئيسين الاميركيين السابقين بيل كلينتون وجورج بوش الابن، اذ ان مضمون «المخطط الاميركي» يتلاقى مع مقترحات كانون الاول العام 2000، ومع المواقف التي اتخذها بوش ابان عهده، يوم اصرّ على ان ليس لاسرائيل الحق في استعادة اراض خارج حدود العام 1967 بلا الرضى الفلسطيني.
ان خلق مواجهة من نوع جديد بين اللوبي الاسرائيلي من جهة وجبهة كلينتون - بوش - اوباما من جهة اخرى، من شأنه اخراج الجميع من دوامة المحادثات الفاشلة، لكن سيكون من الصعب ترجيح نجاح اي من الكفّتين. اما البقاء على المراوحة الحالية، فلن يعطي ادارة اوباما فرصة وضع حد لتراجيديا النزاع فضلا عن فشلها في استعادة ما خسرته من ثقة في الشرق الاوسط والعالم.
* هنري سيغمان
المدير السابق لمشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط في «مجلس العلاقات الخارجية»
المدير التنفيذي السابق للمؤتمر اليهودي الأميركي (1978-1994)
ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
غابت الأحزاب.. فحضر الإسلاميون..
بقلم: يوسف الكويليت* عن الرياض السعودية
ظلت الواجهات الحزبية أيام المدّ الانقلابي بعثية، وناصرية، وقومية وشيوعية، ورغم أن القيادات التي أدارت تلك الأحزاب دخلت السجون عندما تعارضت طروحاتها مع حكومة جاء بها العسكر، إلا أن بناءها بقي متذبذباً بين الصعود إلى حكم الدولة، أو التفتت من داخلها لتوزع الولاءات على جهات داخلية وخارجية، والغريب أنه رغم طروحات القوميين جميعاً الذين رفعوا شعارات الوحدة والنضال ضد الاستعمار، واستقلال الأمة العربية عن توجهات الشرق والغرب، صارت حروبها مع بعضها أقسى من حروبها مع الخارج رغم التلاقي في الكثير من الأفكار..
مراحل ما قبل الثورات العربية الراهنة لم تؤسس لأحزاب جديدة قابلة للتطور، وكذلك من بقي منها مثل البعث في العراق وسورية، والذي تحوّل مجرد ظل للسلطة بدون مضامين إلا ما يشير إلى احتفالات «بروتوكولية» لمرور عام أو أكثر على تأسيسه بتظاهرات ساذجة تطرح الشعارات التي ماتت بعد زوال حضورها وقيمها..
كذلك الوفد في مصر بقي صوتاً في نقد السلطة، ولكن بنفس المزامير القديمة، وبقيت قياداته التي توارثت سياسته بعيدة عن الصلة المباشرة بالشعب والأجيال الصاعدة، أو تمتين قوته بطروحات جديدة تلتقي مع حركة التاريخ وتغيير الأزمنة ما جعل الجماهير وأصحاب الرأي تذهب إما إلى عدم الاكتراث بوضعه، أو الاتجاه لحزب الدولة لجني مكاسب أكثر..
المراقبون لما يجري في أفق الثورات العربية، يبددون المخاوف من أن الإخوان المسلمين في مصر وسورية والأردن هم المهيأون للقفز على السلطة في أي اقتراع حر، بينما في تونس ستكون الأغلبية لحزب النهضة، وفي اليمن وليبيا سيدعم موقف الثورتين تنامي القاعدة، إذ إن جذورها موجودة، وبسبب الفراغ السياسي والتنظيمي، فإن الجبهة الإسلامية هي من يملك التحرك السريع ، والوصول إلى البرلمانات طالما رصيدها في الشارع الذي تنامى وقت غياب الأحزاب والتنظيمات الأخرى، والتصاقها بطبقات المجتمع من خلال منظومة أعمال منظمة، جعلها لا تغيب، وخاصة الإخوان المسلمين الذين لا يزعم أحد، اتفقَ أو رفضَ أفكارهم وطروحاتهم، نفي تعرض قياداتهم للسجن والتهجير والمطارَدة المستمرة.
لكن كثيراً ما اختلّت التوازنات، فالنضال العام الذي يستقطب الكم الأكبر والقيادات المنظمة خارج دائرة الحكم، يختلف عن داخله، وقد كان الملك حسين رائد تجربة تمكين الإسلاميين لوزارات ذات التصاق مباشر مع المواطنين مثل التربية وغيرها، ولم تمرّ مدة قصيرة حتى تحول الرأي العام ضدهم لدرجة أنه في انتخابات لاحقة عجزوا عن الفوز بأي حقيبة وزارية عام ١٩٩١م..
قضية أن يحكم أي تيار إسلامي فذلك أمر محتمل، لكن إذا كانت الرغبة في تطبيق نظمٍ وقوانين لا تراعي الفروقات الدينية والقومية والحريات العامة، وعدم قبول أي حكم مدني، فإن الوضع سيختلف، وما لم يُعد النظر بالمسلّمات التي يراها أي حزب، فإن الممارسة الواقعية سوف تهزم أي موقف لا يراعي اتجاهات المواطن واحتياجاته..
* كاتب سعودي
ـــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ{nl }محنة حزب الله
بقلم: عبد الحليم قنديل* عن القدس العربي
لا تخاف إسرائيل شيئا من الشرق بأكثر مما تخاف من حزب الله .ولا يخاف أي عربي مخلص على شيء في الشرق بأكثر مما يخاف على حزب الله .
حزب الله أسطورة مقاومة عربية، والمثال الملهم المؤسس لمقاومة جديدة من نوع عبقري، مقاومة بدأت على حد ثقافة الاستشهاد، وخاضت حروبا بأعلى قيمة إنسانية، وواجهت في الميادين أعلى قيمة تكنولوجية، وفي الصدام تلو الصدام، أثبتت القيمة الإنسانية عظيم امتيازها، وانتصرت على القيمة التكنولوجية، ثم راحت القيمة الإنسانية المنتصرة تطور نفسها، وتكتسب تكنولوجيا ملائمة، فيما عجزت القيمة التكنولوجية المجردة عن اكتساب أثر القيمة الإنسانية، وهكذا حدث انقلاب الموازين في سيرة صراعنا مع إسرائيل، وتوالت حروب المقاومة الجديدة، حروب من نوع جديد، لا تعتمد على التوازنات المادية الكلاسيكية، بل تدفع بحساب القوى المادية إلى الهامش، وتحل العناصر المعنوية في المتن، وتعجز إسرائيل المتفوقة تسليحيا عن النصر في أي حرب مع المقاومة الجديدة، وعلى نحو ما جرى في حـــرب 2006 اللبنانية، وفي حرب 2009 الفلسطينية، بل وعلى نحو ما جرى في حرب المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال الأمريكي، فقد بدت فصائل المقاومة الجديدة في صورة الجيوش التي لا تقهر، جيوش بقواعد في القلوب والتكوين الإنساني، وقبل أن تكون في خرائط الجغرافيا .
وبالطبع، لا تغيب الجغرافيا بالكامل، ولا ينتفي أثرها بالمطلق، ولا يغيب أثر النظم السياسية في فسيفساء المشرق العربي، فهذه المقاومة الجديدة، وعلى مثال حزب الله، تزدهر حيث تغيب نظم القهر، وفي لبنان لا تبدو الدولة قابضة، تماما كما كان ضعف سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية مفيدا في انتقال الشعلة، وتماما كما كان غياب نظام صدام عنصرا مهما في تفجير الطاقات المخزونة، فنظم من نوع معين تشكل قيدا على نشأة المقاومة الجديدة، وهو ما يفسر مفارقة علاقة النظام السوري بحزب الله، فلم ينشأ في سورية شيء يماثل حزب الله، والسبب ظاهر في وجود نظام القهر، بينما لعب النظام ذاته في علاقته بحزب الله دور التاجر الشاطر، سهل له الحصول على السلاح، ولكن من دون أن يتورط في حرب مع إسرائيل، أو يطلق رصاصة واحدة باتجاه الجولان المحتل، واشتهر النظام السوري بعبارة ذهبت مثلا، وهي أن أحدا لن يجرنا إلى حرب إلا في 'الوقت المناسب' الذي لا يجيء أبدا.
ولم يكن حزب الله يحارب بالنيابة عن النظام السوري بالطبع، بل كان - ولا يزال ـ يحارب حرب وطنه اللبناني وأمته العربية، وينقل خبراته وتجاربه لفصائل مقاومة فلسطينية، ويستعيد الأولوية المتروكه لقضية فلسطين، ويضع نفسه في قلب دراما المصائر، ويهدد إسرائيل وجوديا، ويبني نظمه وخطط عمله على أساس العداوة المنهجية لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، وفي هذا السياق بالذات، تحول حزب الله إلى أسطورة عربية، لم يلتفت أحد إلى تكوينه الشيعي، ولا إلى جغرافياه المحصورة بقيود الجنوب اللبناني، فقد اكتسح حزب الله بنوره الفياض ظلام القلوب، وتحيزات الجغرافيا، وثارات الطوائف، التي حاولت ـ وتحاول ـ إعادة المارد إلى القمقم، وحصاره في المعادلات المميتة، وتصويره كأنه حزب إيراني في أرض عربية، أو كأنه أداة في يد الطائفة الشيعية لقهر الآخرين اللبنانيين، وكانت تلك ـ ولا تزال ـ دعايات إسرائيل، وجوهر دعايات نظم تسند إسرائيل عمليا، وتحتمي بالسلاح الأمريكي، وتجعل هدف تشويه حزب الله واحدة من فرائض الدين والتزامات الشرع.
والحق أن السيد حسن نصر الله أثبت حسا سياسيا رفيعا، وكان واعيا للمصائد والكمائن كلها، ولتداعيات الجغرافيا والديموغرافيا في لبنان ومشرق العرب عموما، وتحول إلى قائد سياسة، فضلا عن كونه قائدا لجيش استشهادي، اضطرته
الظروف أن يقاوم، وأن يحمي المقاومة في الوقت ذاته، وقرر دورا سياسيا لحزب الله إضافة لدوره الأصلي المقاوم، كانت تلك كلها ضرائب ثقيلة، لكن لا مفر منها في بيئة نظم عربية معادية للعرب، وموالية لمن عاداهم، وحرص نصر الله في خطابه السياسي على شمول النظرة والابتعاد عن أي تحيزات مريضة مما تفرزه اللحظة المأزومة، فهو شيعي معتز بشيعيته الحسينية الخالصة، لكنه لم يطرح نفسه أبدا قائدا محصورا بهموم الشيعة المسلمين، بل قائدا منغمسا في هموم المسلمين عامة، وفي هم أمته العربية بنوع خاص، وفي هم انشغاله اللبناني والفلسطيني بصورة أخص، وجذب بخطابه العبقري البليغ عواطف القلوب، خرج من قيود الجغرافيا إلى فضاء القلوب الواسع، وكون صورة متألقة يستحقها، كانت عونا لحزب الله في كسب شارع عربي سني في أكثريته الغالبة.
ومع ما جرى في العراق، أي احتلاله وزوال نظامه ودولته، وإلى حدث إعدام الشهيد صدام حسين، ورغم معاناة نصر الله الشخصية والعقدية من حكم صدام الديكتاتوري بامتياز، في هذه الظروف، التي بدا فيها العراق ساحة لانتقام الشيعة من صدام حسين وطائفته السنية، كان خطاب نصر الله غاية في الوعي، والالتزام المقاوم المتحرر من الطائفيات البغيضة، كان موقفه ـ بطبائع الأمورـ ضد الاحتلال الأمريكي، وقال قولته الحكيمة في زمن التحزب الطائفي، قال ما معناه ان الخيانة شركة عابرة للطوائف، وان المقاومة حركة ودين بلا طوائف، قال ان الشيعي قد يكون خائنا، وان السني قد يكون مقاوما، والعكس وارد بلا تحيز بغيض، ودعا إلى فك احتقانات طائفية تفت في عضد المسلمين والعرب، كان الخطاب جامعا، ثم تطور في ما بعد إلى إعلان التأييد للمقاومة العراقية السنية في بدايات تكوينها، لكن التكوين الشيعي الجبري لحزب الله لم يساعد على نشر خطاب نصر الله كما ينبغي، وهو ما استدعى ردة فعل بدت في موقع المخاصمة، فلن تعدم خطابا لفصائل مقاومة عراقية تقلل من قيمة حزب الله، بل وتشكك في دوره الناصع في الحرب ضد إسرائيل، بل وتخلط موقفها من دور إيران الخاطئ في العراق بعد الاحتلال، وموقفها من دور حزب الله على جبهة فلسطين، وفي سياق نظرة انفعالية عمياء ترى في إيران خطرا من نفس جنس الخطر الإسرائيلي.
كانت تلك كلها ضرائب تأخذ من رصيد حزب الله أحيانا، لكنها لم تستطع محو صورته النقيــــة الناصعة، ولا النيل المؤثر من التقدير العام لدوره الطليعي المقاوم، الذي جعله رأس حربة الأمة في الصراع المتصـــــلة فصوله مع كيــان الاغتصاب الإسرائيلي، ثم جاءت موجة الثورات العربية من نوع مختلف، التي بدت في صورة الزلازل والبراكين، وخلعت أنظمة تساقطت كأوراق الخريف.
وسرت النار المقدسة من تونس إلى مصر، ثم إلى اليمن وليبيا والعراق والبحرين، وكان طبيعيا أن يحتفل حزب الله بظاهرة الخلق الجديد، وقد فعل، فحزب الله كيان ثوري مسلح، وثورات الشارع سند ـ بالطبيعة ـ لثورات السلاح المقاوم، والثورة في مصر بالذات تعني الكثير لكل عربي، ولحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية والعربية كلها، وهو ما كان موضع احتفال صادق عند حزب الله، نظر حزب الله إلى الثورات كنجدة إلهية، وعندما انتقلت شعلة الثورات إلى سورية المجاورة الحاضنة، تحول الشعور بالفرح إلى شعور بالحرج، فالمبادئ تلزم بنصره ثورات شعوب الأمة، بينما قيود الجغرافيا تثقل اللسان، خاصة في لبنان الصغير، الذي يبدو على الخرائط كجنين في بطن سورية الأم، وهكذا وقع حزب الله في محنة الجغرافيا، ثم زادت المحنة مع قيود السياسة، التي جعلت حزب الله في صورة الحليف المؤثر لسورية على الساحة اللبنانية، وبدت قيود الجغرافيا والسياسة عبئا ثقيلا، وكان يمكن لحزب الله أن يختار الصمت على ما يجري في أقل تقدير، أو أن يقول - ببساطة ـ ان مصير النظام السوري يقرره الشعب السوري، لكن السيد حسن لم يفعلها، واختار نصرة نظام لا يستحق البقاء، وقع السيد حسن في الخطأ التراجيدي، وإن كنا لانزال نأمل أن يخرج من المحنة، وأن ينتصر لشهداء سورية كما انتصروا لشهداء حزب الله.
* كاتب مصري


رد مع اقتباس