المغزى الإستراتيجي لخطاب السيد الرئيس: مدونة إستراتيجية أعادت صياغة الصراع

كان إعلان القيادة الفلسطينية بالذهاب للأمم المتحدة من أجل الحصول على اعتراف هيئة الأمم بالعضوية الكاملة للدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 ، مكان جدل ونقاش شغل كافة المراقبين المحليين والدوليين .

كان هذا الجدل من حيث كيفية تناول القضية من جوانبها القانونية والسياسية ، ومدى التأييد الذي ستحصل عليه فلسطين في هذا المسعى ، وماهي العراقيل التي ستواجه هذا التوجه ، وماهي المحاولات و المناورات لثني القيادة الفلسطينية عن قرارها .

لكن ، وللحقيقة كان الجدل الأكبر والذي راهنت عليه كثير من الاطراف محلية وإقليمية ، هو مدى صلابة موقف القيادة الفلسطينية وتصميمها على مسعاها ، وراهن البعض على الربع الساعة الأخير ، خاصة في ظل المبادرات التي قادتها بعض الأطراف الدولية ، والضغوط التي مورست في أبشع صورها ومجافاتها لقيم السياسة والدبلوماسية .

إلا أن هذه الحقيقة نسفت حتى قبل وقوف السيد الرئيس على المنصة ، وتصريحاته وتأكيداته المتكررة على مطلبه ، متحديا " أن العالم سيسمع مالم يسمعه من قبل " ، وكان العالم بأسره ينتظر تلك اللحظة التاريخية في تلك القاعة الأممية والتاريخية ، ليستمع الى حديث ارتقى فوق مستوى أن يكون خطابا سياسيا ، وأقل ما يمكن أن يقال فيه انه كان مرافعة قانونية قدمها قانوني بارع ، وكانت مدونه إستراتيجية شاملة تناولت بالملخص العميق والهادف تاريخ ومكونات الصراع، ليس فقط على أرض الدولة الفلسطينية العتيدة في حدود 1967 ، بل الصراع على فلسطين التاريخية ، من خلال رفض المدونة ليهودية الدولة حين نوه سيادته إلى الصراع الديني على فلسطيني التاريخية ومستقبل أكثر من مليون فلسطيني داخل حدود 1948 .

ما شاهده العالم في نيويورك يحمل الكثير من المغازي والأبعاد التي يمكن وضعها في سياقات إستراتيجية عامه ، في تقديرنا أنه سيكون لها تداعياتها على طبيعة إدارة الصراع وإعادة صياغة قواعده

كانت مدونة إستراتيجية واضحة وجريئة ، عبر فيها السيد الرئيس عن ماذا يفكر وماذا يريد ، يمكن القول انها كانت من الناحية البنيوية مبنية كلمة كلمة ، من حيث ترتيبها وترابطها ووقعها على السامعيين ، منسجمة مع طريقة إلقاء أخذت طابع الهجوم المدروس والمنسق بين كافة أركانه،والمعبر عن طول ألم ، هجوم يخاطب العقل و الوجدان ، وفيه مسحة من العاطفة الهبت الحاضرين الجالسيين ليصفقو 13 مرة وبوقوف مرة واحدة.

عكست المدونة مراجعة استراتيجية لمكونات الصراع ، وحملت استراتيجية جديدة ، للتعامل مع هذه المكونات بقواعد جديدة .وتجاوزت نبرة التمني الى نبرة التحدي ، من خلال ما حملته من اتهام و ادانة للتعنت الاسرائيلي في تحقيق التعهدات والالتزامات ، وفي نفس الوقت مخاطبة الإدراك الدولي أن القدرة الفلسطينية على تحمل الظلم لم تعد قائمة ، وبذلك وضع العالم أمام مسؤولياته ، وأنه " كفى كفى " ، منوها الى "الإنفجار الحتمي" في المنطقة ‘ن لم تدار الأزمة بما هو مقبول .

ما كان في الامم المتحدة مثل انتصارا دبلوماسيا يسجل في تاريخ القضية الفلسطينية، وللإنصاف يسجل في تاريخ الرجل الذي قدم مرافعته أمام الهيئة ، ليس مبالغا فيه القول أن مرافعة ومدونة السيد الرئيس كان فيها شيئ من المفاجأة للمراقبيين ، وربما هذا أعطاها الزخم والتعاطف . وفي تقديرنا أيضا أن السيد الرئيس صنع ما يعرف بالعلم الإستراتيجي " مباغتة ذهنية على ذهن الخصم"،وأن المفاجأة الكبرى كانت للحكومة الاسرائيلية . شاهد نتنياهو من غرفته الخاصة معزوفة من نوع ولون جديد لاقت الاستحسان و التصفيق ، تجلت المفاجأة من خلال كلمة نتنياهو .

نعتقد أن ما قدمه نتنياهو لم يكن الخطاب المعد أصلا ، بل نعتقد أنه تم استبداله بعد سماع الايقاع الفلسطيني ، وكان واضحا أنه لم يكن يقرأ نصا مكتوبا كاملا ، بل كان يقرأ ملاحظات كتبت له على عجل واستفاض في شرحها .

كان الارتباك في بداية حديثه هو السمة الواضحة على وجهه ، وجوم يعبر عن مفاجأة وخيبة أمل ، وراح يخلط الحابل بالنابل ، وكانت الدقائق الأولى من كلمته ليست ذي صلة ومرتجلة . حديث مكرر لم يلقى استحسانا ، علما أن الجزء الأكبر من خطابه مأخوذ من كتابه " مكان بين الأمم " الفصل السابع ،الدرع الواقي " صفحة 277 الصادر عام 1997 ،حيث طرح تخوفاته الأمنية من قيام دولة فلسطين نظرا لعدم امتلاك إسرائيل للعمق الاستراتيجي .

حاول نتنياهو في خطابه الرد على مدونة السيد الرئيس ، من خلال ما تناوله لأساطير تاريخية وسياسية ، لكنه لم يكن موفقا على الإطلاق ، وراح يلوم من صفق وتعاطف ، متهما أن الخطاب الفلسطيني يحمل مغالطات .

هذا الموقف الاسرائيلي متوقع وقابل للإدراك والفهم ، لكن الغير مألوف "اللاموقف" الذي قدمته بعض صغار قيادات حماس ، والذي جاء فيه منسجما مع الموقف الإسرائيلي شكلا ومضمونا ، وهو موقف مستوحى من موقف قيادات حماس ومعارضتها للخطوة الفلسطينية في الحصول على اعتراف ودولة . بالطبع لا تتوافق ورؤية حماس في الابقاء على انقسام الوطن وكيان امارة اسلامية في غزة اسمى طموح حماس .

استثمار الفوز " من أهم مبادئ الاستراتيجية العسكرية " ، واستثمار النصر الدبلوماسي من أهم مبادئ العمل السياسي الناجح ، مما يفرض الحاجة الفلسطينية العليا لهذا الاستثمار والحفاظ عليه ، في مواجهة الخصوم السياسيين المحليين ، و في مواجهة الأعداء و الخصوم في البيئة الاستراتيجية المحيطة . هذا الاستثمار يرفع مستوى الحاجة الى الثبات والإصرار على الموقف السياسي مهما كانت التضحيات و الأثمان . ما تم في نيويورك بناء قوي يمكن البناء عليه و يعول عليه على كافة المستويات .

ما شاهده العالم أعطى ميلادا جديدا للقضية الفلسطينية ، وأعادها الى سلم الأولويات ليست فقط في الذهن الفلسطيني ، بل والعربي والعالمي .وفي الوقت نفسه رفع أسهم وزخم التأييد للقيادة الفلسطينية في موقفها لقيادة ثابتة و قادرة على الوصول الى بر الأمان .

في تقديرنا ،أن الجمهور الفلسطيني والعربي بات مقتنعا بأن القيادة الفلسطينية قدمت ما تستطيعه، ولم تأل جهدا أبدا ، و مهما كانت نتائج ذهابها للامم المتحدة سيكون مرحبا بها ومقبولة ، وسيعطي مزيدا من الالتفاف حول قيادة لم تساوم و لم تتراجع و لم تنثني عن ما تعهدت به .

المرونة مطلوبه في العمل السياسي وكان السيد الرئيس واضحا في مدونته ، ولم يغلق "نافذة المفاوضات " التي حدد استنادها الى مرجعيات وضمانات وشروط تؤدي الى دولة فلسطينية وعاصمتها " القدس الشريف "

من هنا ، أولوياتنا متابعة ومواصلة خطوة الذهاب للأمم المتحدة ، لأنه حتى لو ووجهت بالفيتو الأمريكي ستبقى القيادة الفلسطينية على مكانتها في الإعتقاد الشعبي العام العربي و الفلسطيني ، ويستقبل السيد الرئيس استقبال الأبطال .ويتطلب ذلك بالضرورة الحفاظ على زخم التأييد الشعبي الفلسطيني والعربي ، من خلال تعزيز موقف القيادة الفلسطينية من خلال تنظيم العمل السياسي الفصائلي .

وهذه الجهود بحاجة إلى إسناد العمل الدبلوماسي بأداء إعلامي موحد وهادف وقوي ،و العمل على التواصل مع الجماهير الشعبية الفلسطينية من خلال الأطر النضالية للفصائل الوطنية ،والتواصل بالاساليب والأشكال المتعددة مع الربيع العربي .