في هذا الملـــــف:
الأغذية الفاسدة وبضائع المستوطنات الى متى؟!
بقلم: حديث القدس – القدس
«فتح» و «حماس» والعودة إلى زمن المناكفات
بقلم: أحمد مصطفى علي – القدس
نريد الدولة حسب "رؤية" درويش !
بقلم: حـسـن الـبـطـل – الايام
غزة المختلفة
بقلم: د.عاطف أبو سيف – الايام
الاستقلال الوطني الفلسطيني
بقلم: سميح شبيب – الايام
"الانـتـفـاضـة" خـارج الـنـبـوءة
بقلم: غسان زقطان – الايام
تغريدة الصباح - أنت المسؤول يا أبا مازن
بقلم: محمد علي طه – الحياة
نبض الحياة - ادلسون يقلب الحقيقة
بقلم: عمر حلمي الغول – الحياة
بين الشطط والإنصاف وعرفات
بقلم: بكر أبو بكر – الحياة
الأغذية الفاسدة وبضائع المستوطنات الى متى؟!
بقلم: حديث القدس – القدس
تطالعنا الجهات المختصة في السلطة الوطنية بشكل دوري يوميا او اسبوعيا بضبط أطنان من الأغذية الفاسدة منتهية الصلاحية او بضائع من المستوطنات او مهربة من اسرائيل، في أسواقنا المحلية، وبكميات ليست قليلة وفي مختلف المحافظات ، وهو ما يدفع الى التساؤل: الى متى سيظل المواطن ضحية لجشع بعض التجار او السماسرة او الوكلاء وضحية لعدم تشديد الاجراءات الخاصة بحظر البضائع والأغذية الفاسدة والمهربة خاصة من المستوطنات؟!
وعلى الرغم من الجهود المبذولة من قبل الضابطة الجمركية ووزارة الاقتصاد الوطني والجهات الرقابية عموما فان ما يضبط من أغذية فاسدة وبضائع إنما يشكل جزءا فقط مما تسرب الى الاسواق الفلسطينية فيما وجد الجزء الآخر طريقه الى الأسواق ومن ثم الى المواطن وخاصة السلع الاستهلاكية وأغذية وسكاكر الأطفال مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر على صحة المواطن من جهة ومخاطر ضرب الموقف الوطني الخاص بمقاطعة منتجات المستوطنات لأن شراءها انما يعني دعم المصانع التي تنتجها في المستوطنات غير الشرعية القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ان ما يجب ان يقال هنا ان التكرار الواضح في وجود هذه المواد في الأسواق المحلية يعني ان هناك خللا ما في الطريقة والآلية التي يمكن ان نواجه بها مثل هذه المخاطر.
وإذا كانت الأجهزة المختصة في السلطة الوطنية هي المسؤول الأول عن الرقابة وعن الحفاظ على الأمن الغذائي للمواطن وعلى الموقف الوطني الخاص بمقاطعة منتجات المستوطنات فإن للمواطن أيضا دورا هاما في هذه الجهود خاصة وأن أجهزة الرقابة لا يمكن ان تغطي كل الأسواق وفي نفس الوقت ، كما ان اولئك الذين أعماهم جشعهم عن رؤية مصلحة المواطن والوطن يدركون تماما كافة الثغرات الموجودة في آلية الرقابة ويلجأون الى استخدام وسائل وأساليب لإخفاء الجريمة التي يرتكبونها مثل إعادة التغليف او التلاعب بتواريخ الصلاحية او البيع في مناطق من المستبعد ان تصلها الرقابة .... الخ من الأساليب ، ولهذا فإن دور المواطن مهم وحيوي في مواجهة هذه الظاهرة من أجل اجتثاثها.
وإذا كان هناك من يتندر على العقوبات التي قد تفرض على من يتورط بمثل هذه الجرائم او يعتقد ان من الممكن التهرب من العقوبة فان من الواجب مراعاة كافة القوانين والأنظمة الخاصة بهذا الشأن وسن ما يلزم من قوانين ووضع أنظمة أخرى كفيلة بتشديد العقوبات وتضييق الخناق على كل من يعتقد ان بإمكانه الثراء على حساب صحة المواطن او على حساب ضرب الموقف الوطني .
كما ان المطلوب بهذا الشأن تكثيف حملات الرقابة والمتابعة بالتعاون والتنسيق بين كل الجهات المختصة بما في ذلك البلديات والمحافظات إضافة الى وزارة الاقتصاد الوطني والضابطية الجمركية عدا عما يمكن للمستوردين ولجان التجار الإسهام به بهذا الشأن لخدمة الصالح العام خاصة وأن هذه الشريحة من المنتفعين الذين يتاجرون بالأغذية الفاسدة وبضائع المستوطنات والبضائع المتسوردة انما تسيء لمجموع التجار بممارساتها تلك، ونحن نعلم ان الغالبية الساحقة من المستوردين والتجار لا يمكن ان يقبلوا بمثل هذه الجرائم ولا أن يعرضوا صحة المواطن للخطر.
وفي المحصلة ، ونحن نقدر ونثمن الدور الهام الذي تقوم بها الجهات المختصة في هذا المجال وما تحققه من انجازات ، فإننا نتطلع الى المزيد من الجهود والاجراءات والى تعاون المواطن والتاجر والمستورد في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.
«فتح» و «حماس» والعودة إلى زمن المناكفات
بقلم: أحمد مصطفى علي – القدس
لا يختلف عاقلان في هذا العالم، خصوصاً إذا كانا من أبناء الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال والاضطهاد على أن العودة إلى زمن المهاترات والمناكفات بين حركتي فتح وحماس، لا تصب في مصلحة القضية المركزية للعرب، بل يعيدها سنوات إلى الوراء، في ظل انقسام الصف الوطني الفلسطيني واستمرار حالة الشقاق وإفشال جهود استكمال المصالحة الوطنية، وهذا غاية ما يصبو إليه الجانب الاسرائيلي الذي يعمل جاهداً لتحقيقه وفق القاعدة السياسية المعروفة "فرّق تسد" .
المصالحة الفلسطينية التي قطعت أشواطاً مهمة، إثر تشكيل حكومة التوافق الوطنية، باتت الآن في مهب الريح، بعد سلسلة التصريحات غير المسؤولة وسلسلة التفجيرات في غزة، وبعد منع فتح من إقامة مهرجان شعبي في غزة في الذكرى العاشرة لاستشهاد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات .
من المؤسف جداً أن يحصل كل هذا تزامناً مع إحياء ذكرى عرفات، وأن يسارع كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر المسؤولية كاملة، متناسين أن المصالحة مصلحة وطنية عليا، لا يمكن بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة القفز عليها، لأنها الخيار الوحيد للوصول إلى حق تقرير المصير وإعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني بإقامة دولته المشروعة على أرضه التاريخية وعاصمتها القدس الشريف التي تتعرض هذه الأيام لخطر التهويد الكامل، بما فيها المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها الأقصى المبارك الذي لا يكاد يمر يوم إلا ونشهد فيه أعمال حفريات تستهدف أساساته ومن ثم وجوده، فضلاً عن أعمال التدنيس اليومية من جانب المتطرفين الاسرائيليين تحت حماية الجنود وحراستهم .
لن يرحم التاريخ يوماً، لا حركة فتح ولا حماس ولا أي حزب سياسي آخر، إذا تمكن الجانب الاسرائيلي من تصفية القضية الفلسطينية، وتهويد ما تبقى من المدينة المقدسة والضفة الغربية المحتلة، مستغلا انشغال أصحاب القضية بمهاتراتهم الجانبية ومناكفاتهم المؤسفة التي تحاول نسف جهود المصالحة برمتها وإيصالها إلى طريق مسدود .
المصالحة الوطنية بين الفلسطينيين، تحتاج إلى التضحية والتنازل عن المكتسبات الصغيرة، إلا أنه يبدو أن بعض الأطراف والشخصيات تتمسك بمصالحها الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا، ولا تريد حتى مجرد التفكير في التنازل عن ذرة مما اكتسبته جراء حالة القطيعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه الأطراف مستعدة لاقتراف أي عمل جبان لتحقيق غاياتها الشخصية وإشباع أنانيتها، من خلال تفجيرات كما حصل في غزة مؤخراً، أو تهديد مهرجانات إحياء ذكرى الشهيد عرفات، من دون أن تدرك أن هناك خصماً يتربص بهم وصولاً إلى إنهاء القضية الفلسطينية، بالاستفادة من انشقاق أصحاب القضية أنفسهم وتناقضاتهم .
الفصائل الفلسطينية، مطالبة اليوم، بإثبات وطنيتها، من خلال صيغة للتحرك المشترك بالضغط على حركتي فتح وحماس، ومحاسبة المسؤولين عن التفجيرات التي استهدفت منازل خمسة عشر قيادياً فتحاوياً في غزة، ومن ثم إعادة المياه إلى مجاريها بين الحركتين ونزع فتيل التوتر بينهما، تليها تسريع خطوات استكمال المصالحة الفلسطينية التي يخشاها المحتل وتقض مضجعه.
نريد الدولة حسب "رؤية" درويش !
بقلم: حـسـن الـبـطـل – الايام
هل فات مؤسسة ياسر عرفات، مثلاً، أن تخصص جانباً من جائزة التميز والإبداع السنوية، لتشتري إعلاناً صحافياً مأجوراً من صفحة واحدة، هو نص وثيقة إعلان استقلال فلسطين؟
مستشفى الشفاء ـ غزة يستحق هذا العام، وإنعاش ذاكرة الفلسطينيين يستحق، بعد 26 سنة من وثيقة فلسطينية، قد لا تكون في أهمية ميثاق م.ت.ف، لكن لا تقلّ أهمية تاريخية عن برنامج النقاط العشر لعام 1974.. وقد تفوقها!
هل فات وزارة التربية والتعليم أن تجعل الحصة الأولى في الصفوف المدرسية لتلاوة الوثيقة، سواء بصوت مدير المدرسة، أو معلم الصف، أو حتى أحسن التلاميذ في الإلقاء؟.. أو لدراسة الوثيقة لغوياً (نحوياً وإملائياً مثلاً)!
حسب علمي، ربما كانت جامعة بيرزيت هي الأكاديمية الوحيدة الفلسطينية، التي أقامت يوم الخميس 13 الجاري "ورشة" موضوعها وثيقة إعلان الاستقلال (وأيضاً حديقة لزراعة الورود بدلاً من استيرادها).
حسب علمي وعلمكم "قصّر" رؤساء تحرير الصحف الوطنية الثلاث في تخصيص صفحة مجانية لوثيقة سياسية هي أهم ما صدر عن المجلس الوطني، وتضارع في أهميتها قيام البرلمان الفلسطيني المنتخب والأول بوضع قانون أساس ـ دستور مؤقت للسلطة الفلسطينية. لا مقارنة بين عمل البرلمان الأول والثاني!
صحيح، أن كتّاب الرأي في "الأيام" مثلاً، تناوشتهم مناسبات أكتوبر الحافلة، التي أضيف إليها إحياء غياب الرئيس ـ المؤسس قبل عشر سنوات، أو أربعة أيام من إعلان 15 تشرين الثاني 1988، باستثناء الزميل هاني حبيب (مقالة، أمس، الأحد 16 تشرين الثاني).. وكاتب هذا العمود.
غاب القائد الذي أعلن بصوته وثيقة إعلان الاستقلال؛ وغاب بعده الذي كتبها، وأذكر دعابة طريفة بينهما في احتفال بمناسبة ما، حيث قدّم عرفات الشاعر درويش بـ "الشاعر العام" الذي ردّ الدعابة بالقول: ما دمت أنت "القائد العام".
قلة من الشعراء الكبار لها ميزة الوعي السياسي الذي لـ "الشاعر العام".. وهكذا، كانت لدرويش فضيلة صياغة خطاب عرفات في الجمعية العامة 1974، وكتابة وثيقة الاستقلال، إنه أستاذ في الشعر والنثر.. والوثائق التاريخية.
لما قرأ قانونيون وصحافيون إسرائيليون وثيقة "قصر الصنوبر" وجدوا فيها ما يشبه "هندسة عكسية" لوثيقة أعلنها بن ـ غوريون في 14 أيار 1948 عن استقلال دولة إسرائيل.
قلت "هندسة عكسية" وربما يصحّ القول أكثر بمقارنتها بهندسة ميكانيكية حيث ناقل الحركة عبر مسننات تروس الآلات، يحول حركاتها من أفقية إلى عمودية.. وبالعكس.
حرب رواية تقابلها حرب رواية، والروايتان تعبير عن صراع الأرض الواحدة والكينونة السياسية المزدوجة عليها.
ومن ثم، فإن التشابه بين الوثيقتين ليس لـ "الأزرق" كما يقول الشاعر نفسه في سياق آخر. لكن وثيقة استقلال فلسطين هي الردّ على وثيقة استقلال إسرائيل، وتنطلقان من ادعاءين مختلفين لـ "الحق التاريخي" للشعبين على هذه الأرض.
يمكن القول إن "النكبة" الفلسطينية نتيجة من نتائج "الهولوكوست" النازي؛ وأن السلطة الفلسطينية هي الرد على "الييشوف" اليهودي الذي بنى نفسه (أو بنوه) ثلاثين عاماً قبل إعلان قيام دولة إسرائيل. سنكون دولة فلسطينية قبل مرور 30 سنة على إعلان وثيقة الاستقلال.
تبقّى القليل من "جيل النكبة" و"جيل الهولوكوست" لكن جيل الانتفاضة الأولى والثانية أحيا ذكرى النكبة بمظاهرة أسفرت عن شهيدين أمام سجن عوفر (الآن اعترفوا أن الجندي أطلق النار الحية بقصد القتل)، ثم أحيا ذكرى إعلان الاستقلال بتسلق جدار الفصل في قلنديا، ورفع علم فلسطين على أرض مطارها، أو فتح ثغرات في الجدار.
للدول دستور مؤقت أو دستور دائم، ولبعض الدول كأميركا وثيقة الاستقلال وعدة "تعديلات" دستورية هي في صلب الوثيقة، صحيح، أن إعلان استقلال إسرائيل هو، دستورياً، "قانون أساس" وإعلان وثيقة استقلال فلسطين أثمر ـ الدستور ـ المؤقت الذي هو "قانون أساس".
الدستور الدائم ينصّ في مواده الأولى على تحديد "حدود" الدولة، وهذا ما ينقص الوثيقتين الإسرائيلية والفلسطينية، لأن إسرائيل ترفض تحديد ورسم حدودها؛ وفلسطين تسعى لتحديد حدود الدولة الفلسطينية، وبالتالي حدود دولة إسرائيل!
دون هذا، لن يكون لفلسطين أو إسرائيل دستور دائم، ولا بأس أن تكون وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني "ديباجة" للدستور الدائم، أو تكون مواده اقتباساً من هذه "الرؤية" الوطنية والديمقراطية والإنسانية التي في وثيقة إعلان الاستقلال.
غزة المختلفة
بقلم: د.عاطف أبو سيف – الايام
في معمعة الحديث عن السياسة وعن التطورات الميدانية والحروب والعدوان تغيب صورة غزة الأخرى، تلك الصورة التي لا تراها وسائل الإعلام، أو هي لا ترغب أن تراها، حيث إن المغري في غزة يبدو الخبر الساخن المليء بالتوتر والمعجون بالدم والمخبوز بالألم. اما حين يتعلق الأمر بأي شيء آخر يتحدث عن الحياة والحب والإبداع والأمل فيبدو ترفاً لا يليق بغزة ولا تحبه وسائل الإعلام. هذه الصورة النمطية التي جعلت من غزة مخبزاً للمعجنات الشهية من الأخبار العاجلة ومن التقارير الصارخة، لا تسعى لشيء أكثر من تقديم غزة ضمن قالب صلب تغيب فيه ملامح المدينة، ويصبح السكان مجرد أرقام تلتهمهم آلة البطش والقتل والتدمير، وتصبح الحياة عجينة الموت المرغوب والمتوقع.
غزة المختلفة لا تستهوي الإعلام، ولا تحتل الصدارة في التقارير، بل إنها تغيب في آخر الصفحات والأسطر إن وجدت، وتكون بإشارات ضعيفة لا تلفت الانتباه، فالكل منشغل بغزة المتوهجة المحترقة المدمرة، غزة المحاصرة التي تعاني من أبشع آلات القتل والبطش، لكنها قادرة على أن تكون غزة. كما أن الصورة النمطية التي أشرنا لها سابقاً تعيد انتاج نفسها حتى تستمر نشرات الأخبار في تقديم الوجبات الساخنة من المشهد داخل القطاع المنكوب دائماً. وما عدا ذلك يتراجع للخلف، ويختفي بشكل كامل، فالمطلوب أن تكون الصورة كما هي وبنفس المواصفات وبنفس الجاذبية للمتابع.
غزة المختلفة المليئة بالحيوية رغم الحصار، القادرة على الإبداع رغم العدوان، الواقفة بثقة تصبو للسماء رغم بشاعة الدمار على الأرض. غزة التي تتمرد على صورتها النمطية وتريد أن تكون مثل أي مدينة ساحلية في العالم، غزة التي يشبه بحرها كل بحور الكون، كما يفوح من بيارات برتقالها شذي يملأ الصدور نشوة، والتي تقف بناياتها او أبراجها منتصبة الهامة لا يزعجها إلا صوت الزنانات في السماء، والتي فيها كل ما قد تستدعيه الحياة من تفاصيل تليق بمدينة يقترب تعداد سكانها (كمدينة) من مليون نسمة، مكتظة أسواقها، مكتظة مدارسها، فقيرة أحيائها، متناقضة في تفاصيلها، لكنها مثل كل المدن لها ما يميزها وبها ما يفصلها عن غيرها.
غزة المختلفة تقول شعراً وتكتب نثراً وتسرد قصصاً وتنظم معارض للفن التشكيلي، ويقف فنانوها على خشبة صغيرة للمسرح جمهورهم ليس بالآلاف لكنه جمهور يصفق لهم في نهاية العروض، غزة المختلفة تنتج أفلاماً قصيرة قصر شاطئ بحرها، لكنها أفلام تُعبر عن واقع الحال أو هي تقدم غزة كما يراها فنانوها، غزة المختلفة فيها شاب يحلم أن يلعب في أحد الأندية الكبرى في العالم، وفيها من يحلم بجائزة نوبل، وفيها فنان يريد أن يذهب لهوليوود، وطفلة تريد أن تشارك يوماً بمسابقة ملكة جمال الكون، وطالب يريد أن يقدم اختراعاً لم يسبقه إليه أحد، وفيها إلى كل ذلك شعب يصبو إلى حقوقه وأرض آبائه وأجداده التي لن تحرمه منها السنون مهما طالت والباطش مهما بطش.
غزة المختلفة يقوم أطفالها العلماء باستخلاص "الدي ان أي" مثلا من الموز في تجارب علمية متواضعة تحملهم على بساط العلم في المستقبل لو وجد من يهتم بهم ويرعاهم. إنها غزة التي تجدها مثلاً في معرض أيام العلوم في مركز القطان للطفل الذي يسعى إلى دعم عملية تعليم العلوم في المدارس، ونشر الوعي لدى الأطفال بالقضايا العلمية والتكنولوجية والبيئية المعاصرة بشكل ترفيهي وميسّر.
في إحدى زوايا المعرض هناك مجموعة من الفتيات والفتيان بزي العاملين في المختبرات العلمية يقومون بتأدية التجارب العلمية بطريقة متقنة تمتد من البكتيريا إلى الحمض النووي ويقومون بالحديث عنها وشرحها للزوار. وعلاوة على ذلك، يقومون بتجارب علمية مثل استخراج وفحص الـ DNA من مختلف الفواكه والخضراوات يناقشون الإيجابيات والسلبيات للأغذية المعدلة وراثياً. وفي زاوية أخرى يقوم الأطفال بصناعة الجبنة وبعض الأطعمة ويتذوقونها ويتذوقها الزوار. وفي زاوية أخرى يناقش الأطفال الأفكار والتقنيات والأجهزة الطبية الحديثة وقدرتها على تحسين جودة الرعاية الصحية.
الأطفال العلماء يقومون بهذا بدهشة ومتعة سعداء وهم يرون الابتسامات والدهشة على وجوه الزوار. كما يركز المعرض على تكنولوجيا المستقبل حيث تجد معرض التكنولوجيا الإحلالية القائمة على إلغاء الأساليب والممارسات التقليدية من جهة دمج الحقيقة أو الواقع في العالم الافتراضي عبر آلية الواقع المعزز أو الحقيقة المدمجة (Augmented reality)، وهي تقنية معلوماتية حديثة تستطيع تحويل الصورة الحقيقية إلى صورة افتراضية على شاشة الحاسوب. مثلاً يمكن أن تصبح حركة اليد البشرية أمام كاميرا صغيرة حركة لحيوان أسطوري على شاشة الكومبيوتر. ومثل الأطفال فقد يقوم الزائر بالعمل على إحلال الواقع الافتراضي محل العالم الحقيقي باستخدام المحاكاة. ثمة أطفال سيرشدونك على سبل الاندماج في أحد برامجهم، وسيكون ذلك ممتعاً. كما تجد الأطفال يقومون بتركيب روبوتات على أشكال وهيئات مختلفة ويتم برمجتها والتحكم بها آلياً بطريقة تقول لك أين يتجه العلم.
إلى جانب ذلك، ثمة مهرجان للأفلام العلمية يركز على "تقنيات المستقبل"، حيث سيستكشف الأطفال والزائرون للمهرجان المستقبل من خلال عروض الأفلام العلمية، وأنشطة علمية تفاعلية بعد عرض الأفلام وتتمحور حولها. ويشمل المهرجان أنشطة علمية تفاعلية، ومعرض "كولاج إلكتروني" يضم لوحات فنية صنعها الأطفال من الخردة الإلكترونية مثل بقايا الكمبيوتر والرموت والأجهزة الخلوية وقطع من الراديو والطابعات وغيرها. في المعرض لوحات فنية بطريقة جديدة يبدع فيها الأطفال في استخدام نفايات المستقبل العلمي لتزيين جدار منازلهم ومكاتبهم.
هذه إحدى صور غزة المختلفة، غزة المبدعة، غزة التي تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً، وهي تستطيع كثيراً في ذلك رغم قهر الواقع وقسوة المحيط. إنها غزة البعيدة عن الصورة، لكن القلب أيضاً بعيد عن مظهر الجسد الخارجي، غزة المختلفة في كل شيء. وهذه ربما دعوة أن لا يتم قبر غزة هذه في النمط والصورة، فالشعب الذي لا يبدع لا يقاتل، فالبحث عن الحرية إبداع البشر الأكثر إنسانية، وهو بحث لا يقهر الإنسان في الإنسان، بل يُثوّر مواطن الإبداع وينوع من طقوس الحياة ويخلق من المدينة المنهكة بسبب الدمار والتشريد مدينة شابة حية متفاعلة ومبدعة: إنها غزة المختلفة.
الاستقلال الوطني الفلسطيني
بقلم: سميح شبيب – الايام
في تاريخنا الوطني، تجربة حزبية مميزة، وهي تأسيس وقيام حزب الاستقلال العربي في فلسطين في العام 1931.
تأسس هذا الحزب من نخبة مثقفة، كان لها تطلعات وطنية في تحقيق الاستقلال، وكان هذا الحزب هو أول من رأى، بأن سبب الداء والبلاء هو الانتداب والصهيونية، وأنهما عملة واحدة بوجهين.
تضمنت أفكار الحزب، توجهاً لتحقيق استقلال فلسطين، تحت سيادة فلسطين، وفي تاريخنا الوطني أيضاً تجربة حكومة عموم فلسطين، التي أعلنت وأسست في غزة 1948، وجسدت فكرة الاستقلال، بدءاً من غزة، عبر حكومة ترأسها أحمد حلمي باشا.
صحيح أن التجربتين: حزب الاستقلال وحكومة عموم فلسطين، لم تعيشا طويلاً، لكنهما مثّلا معالم على طريق الاستقلال الوطني.
أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن الجزائر وثيقة قيام دولة فلسطين، لكن هذا الإعلان، كان إعلاناً سياسياً، حظي بتأييد دولي واسع، لكنه لم يجسد على الأرض، أصبحت فلسطين دولة سياسية معلنة، لكنها لم تقم على الأرض عملياً.
بعد تجارب عديدة، وجهود مكثفة ومضنية وطويلة، وعبر ثورة، هي أطول ثورة في العالم، نضجت ظروف كثيرة، لها جذورها في التاريخ، ولها أسسها الراسخة في الأرض، أكان في فلسطين التاريخية ما قبل 1948، أو في الضفة وقطاع غزة، أو في دول الشتات، المحيطة بفلسطين، أو تلك البعيدة عنها.
هناك جذور عملية، وهنالك تراكمات معرفية في السياسة والقانون، والتحرك الدولي، لدرجة يمكن القول معها، إن ملامح النضوج الجدية، لتجسيد فكرة الاستقلال، باتت قائمة، وإن الزمن دار دورته نحو تحقيق الاستقلال الوطني.
ما جرى عملياً، هو اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، كطرف سياسي مفاوض باسم الفلسطينيين جميعاً في وثيقة الاتفاق الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وظهر خلال عشرين عاماً من المفاوضات 1993ـ2003، بأن الفلسطينيين هم الأكثر حرصاً على عملية السلام، وبأن مطالبهم لا تتعدى حدود مقررات الشرعية الدولية، وبأنهم جادون في تسوية تاريخية تضمن لهم قيام دولة، إلى جانب دولة إسرائيل.
الآن، باتت الأمور، أكثر وضوحاً للإسرائيليين قبل غيرهم، بأن فرصة قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، باتت قائمة عملياً، وبأن المسألة، باتت مسألة وقت، ليس إلاّ.
تحاول إسرائيل الهروب إلى الأمام، أو افتعال معارك جانبية، كما حدث في القدس، أو تصوير الأمور، على غير حقيقتها، لكن زمن ذلك فات، وأصبح جزءاً من الماضي. استحقاق قيام دولة فلسطين، بات استحقاقاً قائماً، وبات التوجه الفلسطيني نحو مجلس الأمن، حقيقة قائمة، متداولة، متفاعلة مع الأطراف الإقليمية والدولية في آن.
لم يعد بالإمكان، ولا بالمقاييس العملية، أن تقوم الولايات المتحدة، بالتهرب، أو التغافل عما يحدث.
ولم تعد إسرائيل قادرة على قلب المجن، كما كانت تفعل سابقاً، الدنيا تغيّرت، والمعطيات تغيّرت، والمقاييس تبدلت... ودولة فلسطين ذات السيادة قادمة لا محالة!!!.
"الانـتـفـاضـة" خـارج الـنـبـوءة
بقلم: غسان زقطان – الايام
يسأل مقدم البرنامج السياسي في الفضائية شبه الرسمية ضيفه، بما يشبه اكتشافاً يصعب صده من قبل "ضحيته" التي استدرجها الى الاستوديو:
هل ستحدث انتفاضة ؟
الضحية لا يرتبك كما توقع المذيع، لم يترنح ولم يؤخذ على حين غرة، بدا متماسكاً وأومأ برأسه قبل أن ينظر الى أعلى، الى سقف غير مرئي يتجاوز سقف الاستوديو نحو فضاء سماوي، في اشارة واضحة على الاستغراق في التفكير، قال الضحية، الذي نحن ضحيته بطريقة ما:
الظروف ناضجة للانفجار، لم يبق سوى إشعال الفتيل.
كان نطقه بطيئاً، ومخارج حروفه واضحة، ونظرته غائمة، كمن يلقي بنبوءة ليست ملكه أو من صناعته، نبوءة حدثت وهي تهبط في طريقها للتنفيذ، بينما دوره لا يتعدى ترجمتها ونقلها بأمانة رسول.
يكاد يكون هذا الحوار نقلا أمينا لمشهد يومي بصري وسمعي ومكتوب.
ثمة انتفاضة ستحدث وثمة فتيل جاهز للاشتعال، وثمة متنبئين في كل مكان يجمعون حطب تحليلاتهم ورغباتهم ومخيلاتهم، يواصلون التحديق في الأعلى بانتظار نبوءات سماوية ليلقوها على طاولة السؤال البسيط.
الانتفاضة التي تم رسمها وانجازها ومقارناتها، الانتفاضة القادمة من برامج الفصيل ومخيلته، والقادمة من ماضي الأشخاص والفصائل والقوى بما يشبه حنينا ساذجا ومكررا، الفتيل الممدود من هذا الماضي الممتلئ بأحلام الانفلات والعسكرة البلاغية ومصادرة دور الناس وشراكة الحارات والبيوت.. لن تحدث.
الانتفاضة بمواصفات الفصيل الذي يحلم بتسلقها والقفز عبرها على المنجز الوطني ووعي الناس وذاكرتهم، لن تحدث.
ثمة استعلاء مثير للشفقة على ما يفعله الناس على الأرض خارج أحلام مصادرة جهد الناس ومقاومتهم، عندما يجري تجاهل ما يحدث والحديث عن "انتفاضة" قادمة، بينما هي "الانتفاضة" تسعى على الأرض، حية وذكية وعميقة.
يتظاهر الشبان في شوارع القدس وأحيائها، ويندفعون بأجسادهم من سلوان حتى مخيم شعفاط وعناتا والرام مروراً بالأحياء القديمة الضيقة للعاصمة.
تصلي نساء القدس على عتبات الأقصى والشوارع المحيطة به وتلك المؤدية إليه، ويبتكر الفتيان أساليب مواجهة جديدة في كل ليلة.
تتدفق المظاهرة عبر الجدار نحو مطار قلنديا، الجدار الذي فتحوا ثغرات في جسده المتسلط، في رسالة واضحة للعالم وهو يحتفل بذكرى هدم جدار برلين.
أشياء كثيرة تحدث خارج الاستوديو الذي يجلس فيه الرجلان، خارج السؤال خارج الاجتماع الفصائلي وخارج النبوءة.
تغريدة الصباح - أنت المسؤول يا أبا مازن
بقلم: محمد علي طه – الحياة
نحن عصابة نون لام باء م.ض. ومن لفّ لفّهم. نمتهن زرع الخوف في قلوب شعبنا، ونتّهم الآخر بما نشاء صباح مساء حتّى نصدّق التّهمة ومن لم يصدّقنا فهو لا ساميّ. نحن عصابة الثّلاثة، توحّدنا ثلاثة: أولها كراهيّتنا الشّديدة للعرب منذ إسماعيل حتّى محمود عبّاس وثانيها احتقارنا لليسار ونعني بذلك كل من ليس معنا وثالثها حقدنا على كلمة سلام. هذه كلمة خطيرة. نحن نريد مفاوضات لإدارة الصّراع وأمّا كلمة سلام فهي كلمة عربيّة فلسطينيّة إسلاميّة ثقيلة على اللسان وعلى السّمع وعلى القلب. كلمة يحبّها الضّعفاء. يحبّها أبو مازن. وأبو مازن رجل خطير جدّاً. إرهابيّ في بذلة حديثة وربطة عنق. إرهابيّ سلام. يحاربنا بلا هوادة في أميركا وفي أوروبا وفي العالم كلّه. يفضح طابقنا. يُسقط القناع عنّا ويحاول أن يعرّينا. يسمعون كلامه في السّويد وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وأميركا اللاتينيّة، ويصدّقونه ولكنّنا نعرف كيف سنؤدّب هؤلاء الأوروبّيّين الذين يكرهوننا. السّويديّون هم مثل الزّبدة المائعة في الصّيف، لا ينفعون ولا يضرّون. والفرنسيّون سلّموا عاصمتهم لجيوش هتلر في ثلاثة أيّام. والاسبان خراف حكمها فرانكو عدّة عقود، والإنجليز يعرفون ماذا فعلنا بهم في كينغ ديفيد. طز على أوروبا والاتّحاد الأوروبيّ. أغبياء لا يريدون أن يعرفوا أنّ أبا مازن هو المسؤول عمّا يجري في جبل الهيكل الذي يسمّيه المسجد الأقصى. هو الذي دعا وزراءنا وأعضاء الكنيست لزيارة الأقصى والإدلاء بتصريحات ناريّة كي يثير المسلمين ضدّنا ويقود إلى انتفاضة ثالثة وحرب دينيّة. هو المسؤول عن محاولة اغتيال عزيزنا المدلّل يهودا غليك. هو الذي قال لغليك أن يصرّح بأنّه يرغب بأن يهدم الأقصى ويبني الهيكل مكانه. وهو الذي أعطى السّيّارة للإرهابيّ العكاري لدهس جنودنا. أبو مازن يقود انتفاضة داعس وداهس. يرجم القطار الخفيف بالحجارة لأنّه عدوّ للقطار فالعرب يسافرون على الحمير والجمال. وهو المسؤول عن فشلنا في الجرف الصّامد. هو من موّل حفر الأنفاق. وهو المسؤول الأوّل عن العجز في ميزانيّة إسرائيل وعن انخفاض المياه في بحيرة طبريا إلى ما تحت الخطّ الأحمر. يحاربنا بالتّعطيش كي نموت. وهو المسؤول عن رشقة البَرَد في شهر تشرين الثّاني التي خرّبت الملفوف والخسّ والبندورة والخيار والكوسا في مزارعنا فارتفعت الأسعار كي تسقط حكومة اليمين. وهو المسؤول عن ضياع النّبي موسى وشعب إسرائيل في صحراء سيناء. وتؤكّد كتب التّاريخ أنّه المسؤول عمّا فعله الأشّوريّون والرّومان بشعب إسرائيل. مسؤول عن السّبيّ الأوّل والسّبيّ الثّاني وعن خراب الهيكل وعن كلّ بوجروم في أوروبا. هو المسؤول عن فشل المفاوضات وعن المظاهرات وعن العنف. هو المسؤول. عنزة ولو طارت. هذا الرّجل يجب أن يذهب. نحن نحتاج إلى رئيس مرن ومعتدل يأخذ ويعطي ويتنازل عن حقّ العودة وعن القدس عاصمتنا الأبديّة وعن الأغوار ويرى المستوطنين أصدقاء وأصحاب حقّ وجيراناً. نحن نريد رئيساً شيخاً مثل القرضاويّ يقول إنّ اليهود أبناء القردة والخنازير أو شيخاً مثل الزّهّار يقول: حيفا لنا. عكا لنا. تل أبيب لنا. طبريا لنا. زخرون يعقوب لنا.
أبو مازن أشدّ خطورة من عرفات هو المسؤول عن كلّ أمرٍ سيّء يحدث لنا، مسؤول عن رجم جنودنا بالحجارة، مسؤول عن رجم سيّارات المستوطنين، مسؤول عن حرق المساجد. هو المسؤول هو المسؤول وكفى!!
نبض الحياة - ادلسون يقلب الحقيقة
بقلم: عمر حلمي الغول – الحياة
الحركة الصهيونية وادواتها ومؤيدوها من اليهود وغيرهم من ارباب الرأسمال العالمي، امتهنوا مهنة التزوير والكذب وقلب الحقائق لتسويغ سياساتهم ومشاريعهم الاستعمارية، وتبرير جرائمهم وارهابهم المنظم.
كل اكاذيب اسرائيل وداعميها، ترتكز على قاعدة الشعار الناظم للحركة الصهيونية، القائل: «شعب بلا ارض .. لأرض بلا شعب!» واذا ما دقق اي باحث ومراقب في العلاقة بين سلسلة السياسات والمخططات والممارسات الاجرامية الاسرائيلية على مدار تاريخ نشوئها، يلحظ، انها ترتبط ارتباطا عميقا مع الشعار الاستعماري آنف الذكر.
وآخر ما تفتقت عنه عنصرية الملياردير الصهيوني اليهودي، شلدون ادلسون، صاحب جريدة «يسرائيل هيوم»، وصديق بنيامين نتنياهو، كان قوله: «ان الفلسطينيين، هم شعب تم اختراعه بهدف تدمير اسرائيل» واضاف مؤكدا على ما وصفه بحقيقة راسخة، تسمى الدولة العبرية منذ نشوئها، رغم انه صاغها بطريقته، حيث اوحى، أن اسرائيل «الديمقراطية» « لا تستطيع الصمود كدولة ديمقراطية، ويجب ان تقيم من حولها سورا عاليا للدفاع عن نفسها»! وهو يعلم ان هناك بونا شاسعا بين دولة التطهير العرقي الاسرائيلية والديمقراطية. لأن دولة تقوم على احتلال ارض شعب آخر، وتمارس الارهاب المنظم، وتعمق قوننة السياسات العنصرية في منابرها التشريعية والقضائية والتنفيذية والدينية ضد الشعب الآخر، وحتى في اوساط واتباع الديانة اليهودية نفسها، لا يمكن ان تكون ديمقراطية، مهما كانت قوة آلة اعلامها، وايا كانت القوى الدولية الداعمة لها، والمتساوقة معها.
فاسرائيل، ليست سوى اطار جديد من منظومة الغيتو، الذي حكم الطوائف اليهودية تاريخيا في عيشها بين ظهرانية الشعوب، التي تنتمي لها. ولا داعي للسيد ادلسون، ان يطالب اسرائيل ببناء السور العالي، لانها اقامت جدار الفصل والتهويد العنصري، ومشورته حول اسقاط الديمقراطية، معمول بها تاريخيا، الا ان كان المياردير اليهودي، يريد مزيدا من الوحشية والفاشية الاسرائيلية ضد ابناء الشعب الفلسطيني. وهذا ايضا معتمد ومعمول به من قبل حليفه، رئيس الحكومة الحالية واقرانه في الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم.
وعودة لاختراع الشعب الفلسطيني، فان الضرورة تملي على المرء، دعوته (شلدون) للاطلاع على كتاب البرفيسور شلومو ساند «اختراع الشعب اليهودي»، الذي ينفي فيه وجود ما يسمى الشعب اليهودي. لعله يدرك من هو الشعب المخترع، ومن هو الشعب الضارب في جذور التاريخ. الشعب صاحب التاريخ والحضارة، الذي تحاكيه كل زاوية من ارض فلسطين، وكل حبة تراب، وكل معلم من معالم الانسان الحضارية. وبالتالي، محاولة ادلسون تمرير المقولة الصهيونية التاريخية، لم تعد تنطل على احد، وسقطت منذ زمن بعيد، بل ان الحركة الصهيونية ومعها الغرب الرأسمالي لم يفلحوا في تمرير الفكرة الشعار، لأن الشعب العربي الفلسطيني، صاحب الارض والتاريخ والحضارة، تصدى بكل ما امتلك من ارادة وقوة، ومن خلال تمسكه بهويته وثقافته وبمشروعه الوطني. وقبوله بالمساومة والتسوية السياسية، لا يعني بحال من الاحول تنكرا للتاريخ والهوية الوطنية، ولا يعكس تناقضا مع حقيقة، انه، هو وليس احد غيره صاحب الارض العربية الفلسطينية التاريخية من البحر الى النهر، وعلى المساحة الكلية لفلسطين التاريخية (27009) كم2. غير ان الرغبة الاكيدة من الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية في صناعة السلام، ووقف دورة العنف والحرب وعوامل اخرى، هي التي دعته لاعطاء فرصة للقبول بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، مع ضمان حق العودة للاجئين لديارهم واراضيهم على اساس القرار الدولي 194.
يا حبذا لو ان ادلسون يغزل بمسلة اخرى، ويكف عن انتاج الاكاذيب والافتراء على الحقيقة، ويدعو صديقه قبل ان تتوقف جريدته عن الصدور، الى قبول التسوية ودفع استحقاقاتها، فهذا افضل كثيرا له ولاسرائيل كلها.
بين الشطط والإنصاف وعرفات
بقلم: بكر أبو بكر – الحياة
من الطبيعي أن يكون العظماء والكبار عبر التاريخ مثار جدل يصل من قِبَل مريدي أي منهم إلى حد التقديس, ومن قبل مخالفيه الى حد الاتهام بأقصى حدود الاتهام.
لم يسلم من ذلك عظماء التاريخ من أنبياء ورسل، ومن مصلحين ومفكرين وثوار وسياسيين وقادة، حتى يخيل إليك عندما تقرأ لمريديهم أو المؤمنين بهم أو أتباعهم أنك تتعامل مع شيخهم باعتباره نصف إله أو كائناً مقدساً.
ولأن الشطط في الحب, والشطط في الكراهية سيّان إذ يخرجان الموضوع عن النظرة الموضوعية لأن الشطط هو (السّفَه وخِفّة العقل) والشطط كما يقول الامام فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير بالاتجاهين مذموم.
أحببنا أن نذكر هذه المقدمة البسيطة لندلّل على رفضنا المطلق للغُلُوّ والتطرف والشطط بكافة الاتجاهات ما يصيب كل الأمور لا يستثني منها أمرا, وما تنساق فيه الناس هذه الأيام جهلا، أو ارتباطا بقاعدة "القطيع" .
وكنموذج قريب في ذكرى استشهاد ياسر عرفات، عرفننا الشطط (ضده) في حياته ونعرفه اليوم بعد وفاته، كما عرفنا شدة التقدير له الذي وصل بالبعض الى تنزيه أعماله ما لا يتفق مع بشر مطلقا، أي كان أبدا، فلا عصمة إلا للأنبياء, والباقي يخطئون ويصيبون لذا فإن لهم حقاً علينا أن نتحدث في جانب واحد أو الجانبين نخص أو نعمم، بما ليس فيه شطط.
اتهمه أعداؤه بأنه يهودي الأصل, وأصله ونسبه ثابت, واتهموه بالتواطؤ والتآمر مع العدو, فحاصره عدوه أكثر من ثلاث مرات طويلة وحاولوا قتله عديد المرات حتى أفلحوا في الختام، واتهموه في حقيقة أهدافه وهو الذي قال وعمل ما يؤكد أقواله من مسيرة قتال وكفاح ونضال أخطأ فيها وأصاب في كثير منها.
ان المذكور أعلاه من كلام ليس إلا شططاً كما هو الحال اليوم فيما يقال من قبل من لا نريد ذكر اسمائهم ممن يشتمون ويطعنون في ياسر عرفات مثالنا الأساسي في هذا المقال.
وإذا أوغلنا في التاريخ القديم قليلا لنرى عمق الحقد والغُلوّ والشطط والحقد والتعصب عبر محاكم التفتيش في أوروبا التي استمرت 520 عاما دفعت الى المحرقة 10 ملايين امرأة بتهمة السحر ننقل ما كتبه "ديورانت" في موسوعته، الذي يذكر أن الملك فيليب في بلدة الوليد (اسبانيا) أحرق دفعة واحدة 17 من المنكوبين بلهب ووقود ولما تقدم أحدهم الى الملك يبكي أن يبدل الحرق بالشنق والخنق وقطع الرأس؟! رده الملك العقائدي (التقيّ كذا) قائلا : لو كان ابني مكانك لأحرقته بدون تردد تطهيرا لروحه الخبيثة.
وذاك ما أدى للثورة على (الشطط) والتعصب الأعمى في فكر الكنيسة التي تم حسبها-إثر ثورات لاحقة- في (مملكة بقطر كيلومترات) فهل نستطيع نحن أن نفعل مع غول التطرف والكذب والغلو والشطط سواء في الدين أو في السياسة أو في السياسية المحمولة اليوم على رداء الكذب أو الدين أو كليهما؟
ما أظننني خرجت ولا شططتُ عندما أوغلت قليلا في اتجاهات ذات اليمين أو ذات الشمال وإنما لأدلّلُ أن الخير أو الشر, الاتزان (رفع السماء وووضع الميزان-الرحمان7) أو الشطط (لقد قلنا إذا شططا – الكهف 14) لا يحدُّهُ زمان أو مكان، أو تنظيم أو شخص. لأعود لإبراز وإظهار– شاء من شاء وأبى من أبى من الشاطّين بحقه اليوم – خمس فقط من سمات ياسر عرفات الذي قتلوه مرتين الأولى بسيوف الفرنجة وأتباع التوراة الخرافية والثانية بخناجر الحشاشين وخوارج العصر اليوم, قتلوه بكل بساطة لأنهم لم يستطيعوا أن يكونوه.
ولماذا لم يستطيعوا أن يصلوا لعشر معشار ما فعله (هذا ليس شططا)؟ لأن من بنى ذاته بيديه وأظفاره وأسنانه حالة ليست عادية بل هي حالة خارقة للعادة لا تراها الا فيما قلَّ من الشخصيات في الشعوب، وهي تليق بالكبار وأصحاب المهمات الصعبة وأصحاب الرسالات والدعوات العظيمة, ومن بنى ذاته بيديه بنى أيضا سبيلَه وحدد طريقه ورسم معالم مستقبله بإرادته الحرة ووعيه بالمسالك والدروب ورؤيته المستقبلية, إلا أنه استطاع ذلك رغم جراحات الخناجر فيه طوال حياته كما لم يسلم منها في مماته ؟ ولم يصلوا له لأن صموده وثباته وصلابته التي أبهرت العالم أزعجتهم إلى حد الإنكار, أم ترى ذلك لأنه اختار الدخول في فم الوحش بالعودة الجزئية للوطن ساعيا لأن يصرعه فلم تستوعب نفوسهم المريضة وعقولهم الصغيرة وأحقادهم الكبيرة ذلك،.... فسمموه.
ياسر عرفات كما هو حال الكبار في الثورة العربية الفلسطينية الحديثة من صلاح خلف وخليل الوزير وممدوح صيدم وفتحي الشقاقي وخالد الحسن وصخر حبش وهاني الحسن والشيخ هشام الخازندار والشيخ هاني فحص والدكتور عمر محجوب (القبطي المصري) وجورج حبش ومن تلاهم حديثا من فتحي الشقاقي وأبو علي مصطفى وإسماعيل ابو شنب وأحمد ياسين والكثير من الرجال والأبطال كان لهم بصمات تعجبنا كلها أم بعضها فهي في مسار التوازن وعدم الشطط فيها ما فيها ما هو قابل حتما للنقد كما فيها ما هو قابل للتسجيل كإنجازات.
لقد كان ياسر عرفات خمسة في واحد: كان عباءة واسعة في احتضانه للآخر حتى آخر مدى، إذ آمن بالحوار وتوزيع الأدوار والتعامل مع الخصوم تقدما وتراجعا بصعوبة او يُسر، كما كان أفقا سحابيا حاملاً لكل المتناقضات حوله وفي المحيط الأوسع ومشى فيها او عبرها-المتناقضات- بثقة الملاك (واثق الخطوة يمشي ملكا) فتجاوز المفازة حينا وتعثر في أحيان أخرى في غبار السوافي، وهو ثالثا منجم ذهب في الفكر والنشاط والحث والعمل تحفيزا وتشجيعا للمبادرات ومراقبة ومتابعة، وان تجاوز أحيانا في أسلوبه الاداري القيادي الى حد الاستبداد.
ما لا يعجب بعض الظلاميين أن يسمعوه سنقوله في رابعا إذ كان عرفات (قرآنا متنقلا) فكان زاهدا في حياته وملبسه وأكله ونومه ما رأيناه ورآه العالم فلم يكن الشّرِه ولا المسرف, وإن تحكم بالملايين وهذا صحيح، فلم يخلّف قصورا ولا عمارات ولا أراضي. وكان في صلاته وصومه و قيامه وأهدافه لا يسعى إلا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وتحقيق هدف شعبه (وهدفه) وبما يخالط ذلك من سطوة الموقع قطعا و"أنا" الشخصية .
أما خامسا فكان ياسر عرفات محاربا مُرّا ومقاتلا شرسا ومكافحا لا تلين له قناة, قاد المعارك وقاوم الحصارات ونافح وكافح في المؤتمرات العربية والعالمية كما في الميدان، وأشعل ثورة وانتفاضات وقبل أن يُقبّل تراب الأرض للمرة الأخيرة أعطى الشعلة لمن خلفوه, هكذا كان هو، بلا شطط ولا إنكار، وكان الكبار من معاصريه الذين يطعن فيه وفيهم المنحرفون (إنهم ساء ما كانوا يعملون-التوبة9).


رد مع اقتباس