أقلام وآراء ( 440)

خطاب الرئيس: ما وراء القشرة المركز الفلسطيني للإعلام ماجد الكاتب

حلم الدولة الفلسطينية المركز الفلسطيني للإعلام د. أحمد يوسف أحمد

كيف سنحرر الدولة بعد إعلانها؟! المركز الفلسطيني للإعلام ياسر الزعاتر

"إسرائيل" الكبرى وفلسطين الصغرى المركز الفلسطيني للإعلام عبداللّه الكعبي

دول عربية لم تدعم عباس فلسطين أون لاين د. يوسف رزقة

الأبواب المغلقة فلسطين أون لاين د. يوسف رزقة

خطاب الرئيس: ما وراء القشرة

المركز الفلسطيني للإعلام ماجد الكاتب

هل أمسكت حبة جوز ذات مرة، ثم تلمست صلابتها، ثم كسرت قشرتها، ثم أغمضت سريعاً عينيك -بلا إرادة منك- وقطبت جبينك، وأمسكت نَفَسك، ثم ألقيت بعيداً القشرة المحطمة؟ ذلك ببساطة لأن لب القشرة متعفن ولا يصلح للأكل؛ هذا لا يحصل مع الجوز فقط، بل مع أي ثمرة، صلبة كان غلافها أو لدناً ليناً أو عادي الصلابة، غير أن الثمار صلبة القشور لا تشي أبداً عن أي احتمالات سوى القوة والصلابة وجودة المحتوى، بخلاف حبة التين مثلاً التي يتوجس آكلها -عادة- من دودة في داخلها..

لولا خبرة الإنسان ما توقع أبداً أن هذه الصلابة تخفي خلفها عفناً، فكيف مثلاً لو أن أحدهم يملك شجرة جوز، وفي مرّ السنين كلها، ما كسر حبة جوز إلا ووجد لبها متعفناً، ثم أنه ورغم هذا المران الطويل لا يكسر حبة إلا وهو شغف بما خلف القشرة، وكأنه يكسرها للمرة الأولى، وكأنه لم يتعلم أبداً أن هذه الشجرة لا تثمر إلا حباً عفناً!

الغريب ليس إثمار الشجرة الدائم بالثمر الخرب، ذلك أولاً: أن هذا حاصل في الشجر، وقد اتخذ الله من عادة الشجر هذه مثلاً فقال: (شجرة مباركة)، وقال: (شجرة تنبت في أصل الجحيم)، وقال: (كلمة طيبة كشجرة طيبة)، وقال: (كلمة خبيثة كشجرة خبيثة)، وثانياً: لأن المتوقع من مالك شجرة الجوز هذه أنه قد خبر شجرته خاصة وأنها لم تصدف مرة بحبة جيدة اللب كما هي صلبة القشر.. إن الغريب هو سلوك صاحب الشجرة والذي وبدلاً من اقتلاع شجرته بقي سنوات عمره كلها يطرق حباتها، حبة حبة، متوقعاً في كل حبة لباً شهياً.. ليس في ذلك شيء من الفأل الحسن، بل ضياع العمر وجَهْد العذاب.

هل كان خطاب الرئيس قوياً؟ الصحيح أنه كان مختلفاً، على غير عادته، أسهب في ذكر عذابات شعبنا، ومظلمته التاريخية، وجرحه المفتوح على نزف حاضر لا يرقأ له دم، إلى درجة الحديث عن أصل الصراع وبدايته التي كانت في العام 48 لا في العام 67، كل ذلك جديد، وجميل، ويستحق الذكر والإشادة والثناء، وإضافة إليه لا يمكن لأي فلسطيني إلا وأن تتحرك مشاعره تأثراً صادقاً بمشهد التصفيق العاصف لكلمة الرئيس، أو لتوصيفه الدقيق والصادق لمعاناة شعبنا منذ عقود إلى الآن، غير أن هذه ليست بداية معرفتنا بالرئيس واستراتيجيته السياسية، ولا بداية معرفتنا بمشروع الأخوة في حركة فتح، ولأن الواقع على الأرض لا يكشف أبداً عن أي تغير مطلوب، فإن الخطاب لا يعدو أن يكون قشرة صلبة لا تنغلق على لب يشتهيه الفلسطيني.

لم يكن مطلوباً من الرئيس أن يتحول في خطابه وحسب، مع أنه وفي كل الأحوال خطاب من هذا النوع أفضل من سوابقه النازلة عنه مستوى، ذلك لأننا نكره المناكفة، ولا نرجو اخطاء الناس لاصطيادها واشباع عقدة التشفي، فهذا سلوك المرضى بذواتهم وأحزابهم، فخطأ المجموعات والأشخاص المؤثرين مهما اختلفنا معهم ضار حتماً بالقضية الوطنية، وقد يكون مدمراً، ولذا نرجو صواب المختلفين معهم، لأننا نقدم فلسطين على ذواتنا وجماعاتنا ومصالحنا الخاصة، بخلاف سلوك الاخوة في حركة فتح القائم على المناكفة واللعب على الكلمات والمواقف لإحراج الخصم وإسقاطه أو لتحقيق غاية خاصة ضيقة جداً وقد تكون صغيرة جداً.

كان المطلوب تغيراً في المواقف، ولو في حدود الممكن بالنسبة للرئيس وحركته والسلطة التي يقودها، إذا كان القفز مرة واحدة باتجاه خطوة جذرية متعذراً أو أمراً مستحيلاً.

ولأننا فلسطينيون، أصحاب الحق، المحترقون على جمر الاحتلال، نختلف عن أولئك الذين توقفوا في الجمعية العامة للأمم المتحدة تصفيقاً للرئيس، ينبغي أن يكون تقييمنا مختلفاً، وملاحظاتنا دقيقة، مجردة من المجاملات، خالية من الثناء حسن النية سواء الصادر عن إعجاب عاطفي، أو توقع في تغيير، أو تشجيعاً لتغيير حقيقي، وكذا منزوعة من مجرد الرغبة في المناكفة لأسباب سياسية وحزبية أو لأسباب عدائية ناتجة عن الصراع السياسي والأوجاع المتولدة عن سياسات الرئيس وحركة فتح والسلطة، فلا عمر المحنة، ولا طبيعة الظرف، يحتمل هذا السلوك أو ذاك.

أولاً: لا بد من تسجيل الاختلاف مع الرئيس وحركة فتح في الاستراتيجية السياسية القائمة على الانطلاق من قرارات الأمم المتحدة التي تسلب شعبنا حقه الشرعي والأصلي والتاريخي والقانوني في فلسطين الانتدابية، أو في المبادرات المختلفة كالمبادرة العربية، وهذه مسألة مبدئية لا يجوز أن يصبح التأكيد عليها شيئاً من الماضي، أو أن يكون فيها حرجاً سياسياً، ونحسب أن الأجدر بقوى المقاومة وعلى رأسها حماس العودة للتأكيد الدائم على هذا الأصل الذي لا يجوز الحيد عنه، خاصة وأن لهم فيمن سلف عبرة، والدرس المستفاد العاجل من الثورات أن المواقف الجذرية وحدها هي الصالحة لاحقاق الحق لا غيرها، والله فوق ذلك الموفق إن صلحت النوايا وحسنت الوسائل.

ثانياً: رغم ثنائنا على الشق الذي يستحق الثناء في خطاب الرئيس، فإن الخشية واقعة من اتخاذ هكذا خطاب، وخطوة في الأمم المتحدة، لإلهاء الشعب الفلسطيني عن خطوة حقيقية أكثر جذرية وأصلح للتعامل مع الاحتلال، أو كعملية تجميل لسياسات حركة فتح المشوهة منذ أكثر من عشرين عاماً، أو لمجرد إثبات المصداقية، أو لإخراج جديد لنفس السياسة المتمثلة بالمفاوضات يقنع به المواطن الفلسطيني، أو لتسجيل خطاب تاريخي في السجل الشخصي على مثال خطاب الرئيس أبو عمار -رحمه الله-، فكل ذلك سلوك فئوي وشخصي يزيد القضية الوطنية ضرراً وأذى ولا يخدم سوى مصالح آنية وصغيرة لجهات محدودة في الشعب الفلسطيني؛ بل إن البعض يذهب إلى ما هو أكثر من ذلك بالقول أن كل ما جرى مدبر بالاتفاق مع الاحتلال وأمريكا لإقناع الشعب الفلسطيني بإخراج جديد للمفاوضات واستمرار الوضع القائم بعد أن انكشف الأفق عن انسداد محكم وبات مشروع السلطة في خطر خاصة في ظل الثورات العربية.

ثالثاً: لأن المهم هو الخطوات لا الخطابات، فإن خطاب الرئيس لم يكن خارطة طريق، وورقة عمل، كما ذهب عبد الباري عطوان في مقاله المنشور في صحيفة القدس العربي في عدد السبت 24/11، فمن الغريب توصيف الخطاب بهذا القدر من المبالغة، خاصة وأن خطاب الرئيس ورغم جودته في توصيف معاناة شعبنا ومظلوميته التاريخية ومنشأ الصراع، فإنه خلا تماماً من أي خارطة طريق، ولم يكن ذكر المقاومة السلمية ليغني في ذلك، خاصة وأنه أكد على العودة إلى لمفاوضات التي وصفها في نفس الخطاب بأنها لم تكن ذات معنى، فكيف يؤكد على العودة إلى شيء بلا معنى؟ هذا إضافة إلى أن المقاومة السلمية حتى الان لم تتجاوز قدر الاستخدام المصلحي للحزب الحاكم في الضفة لتجميل سياسات قائمة، ولم تكسر هذا الحد لتصبح حالة عامة مؤثرة ومحسوساً بها، أما غير ذلك فلم يذكر شيء جديد بحيث يعتبر خريطة طريق، ومع أن الرئيس أقر بأن الحاكم في الضفة الغربية هو الإدارة المدنية، فإنه مثلاً لم يهدد بتسليم تلك الإدارة كل شيء بما في ذلك رعاية السكان تحت الاحتلال، أو بأي خطوة دون هذه الخطوة.

رابعاً: تحدث الرئيس عن المصالحة، ووحدة الشعب الفلسطيني من بعد انقسام، وإذا كان الرئيس مقتنعاً بأهمية المصالحة، وضرورة الوحدة الوطنية، وأنها أكبر من أي مكاسب شخصية أو فئوية، وأنها تعلو على أي مخاوف وضغوطات من طرف الاحتلال والقوى المختلفة، فإن هذا كان يعني أن يتوجه للأمم المتحدة وعلى الأقل قد ترك أثراً طيباً في نفوس الفلسطينيين كلهم، قبل أن يترك مثل ذلك الأثر في نفوس المجتمعين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذين كان يمكن أن يصفقوا لأي صوت جميل يطرب، أو نكتة تضحك، أو مشهد درامي يبكي، فكيف يتزامن توجه الرئيس للأمم المتحدة مع شراسة حملة الاعتقالات التي شنتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أبناء شعبهم إلى درجة أنها شملت كتاباً وصحفيين كثامر سباعنة ومحمد منى، وهؤلاء لا يحملون سلاحاً يهدد أمن الاحتلال، أو يخدش التنسيق الأمني، أو يقلب نظام السلطة!

وهذا الإصرار على استمرار نهج الاعتقالات السياسية يشكل علامة استفهام كبيرة على سلوك السلطة السياسي، إذ لو أرادت هذه السلطة تحدي أمريكا واسرائيل لأوقفت التنسيق الأمني، أو على الأقل جعلته في حدود ضيقة -رغم رفضنا له في أي حال- وكفت يد الاعتقالات عن أبناء حماس، وفتحت باب الحريات واسعاً للنشاط السياسي والجماهيري والدعوي والإعلامي. وطالما أنها لم تفعل ذلك ولا تريد أن تفعل رغم توقيع اتفاق المصالحة، ورغم انسداد الأفق السياسي لمشروع السلطة، ورغم خطوة التوجه للأمم المتحدة، فإن هذا لا يعني سوى شيئاً واحداً وهو أن الرئيس ومن خلفه فتح والسلطة يتحركون تحت السقف المسموح به أمريكياً واسرائيلياً رغم الرفض الدبلوماسي والإعلامي المعلن لخطوة السلطة، وأن ما لا يمكن أن تتسامح معه أمريكا واسرائيل فعلاً هو وقف التنسيق الأمني، أو رفع القبضة الأمنية عن حماس، أو مس الأمن الاسرائيلي، ولذلك لا يوجد أي تحرك بهذا الاتجاه من طرف السلطة أو من طرف الرئيس.

وعلى ذكر المصالحة، فإن خطاب الرئيس في الأمم المتحدة، يشبه توقيع اتفاق المصالحة، فالمصالحة كانت توقيعاً بلا تنفيذ، بل على العكس لا يزال التنفيذ بخلاف الاتفاق، وخطاب الرئيس كان كلمات قوية بلا رصيد في الواقع، بل على العكس لا يزال الواقع بخلاف تلك الكلمات. وليس أبلغ في التعبير عن ذلك من حديث عن مصالحة ووحدة في الأمم المتحدة بينما الاعتقالات في الضفة تزداد شراسة لأسباب غير مفهومة.

خامساً: خطوة الأمم المتحدة في ذاتها تكشف عن استمرار سياسات مريبة لا تليق بالشعب الفلسطيني، وما عادت مقبولة خاصة بعد الثورات العربية، فالشعب الفلسطيني أكبر من أن يكون غُنَيْمة يقودها بعض من الفلسطينيين، وأكبر من أن تختزل قيادته في بعض من الأسماء القليلة كياسر عبد ربه، وصائب عريقات، فأي تغيير يكشف عنه خطاب الرئيس، إذا كان الانفراد بالقرار كما هو، خاصة وأن السبب الرئيسي في الانقسام سياسة حركة فتح تاريخياً القائمة على الانفراد في تقرير مصير الشعب الفلسطيني وكأنه تركة خاصة بفتح أو بعض رؤوسها؟ وهل قامت الثورات العربية إلا لأجل الكرامة المهدرة تحت أقدام حفنة من الذين استعبدوا الناس وقرروا لهم كما قرر فرعون ذات يوم حين قال: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)؟

سادساً: الأجواء المهيئة لهذه الخطوة، من تعبئة وحشد بعيداً عن نقاش سياسي حر وموسع، وفي ظل القمع للمختلفين سياسياً مع السلطة، وتعظيم خطوات الرئيس إلى درجة تكاد تقارب التقديس، وهو أمر لم يعتده الشعب الفلسطيني سابقاً حتى زمن أبو عمار، وحشد الناس بصورة منظمة من خلال تعطيل المدارس والجامعات والمؤسسات المختلفة للاحتفاء بالخطوة، وإلزام المساجد بالتكبير فور انتهاء الرئيس من كلمته، وغير ذلك، هو نسخة عن سياسات الأنظمة العربية التي ثارت عليها شعوبها، ويراد تطبيقها على شعبنا الذي لم يعتد سوى الحرية والأنفة، وهذا مريب، ولا يدل على نوايا حقيقية في التغيير، أو فتح صفحة جديدة في التعامل مع الاحتلال، وإلا لرفعت القيود عن الناس لنقاش هذه الخطوة بحرية وأريحية دون خوف أو وجل فهذا وحده فقط ما يكشف عن حسن النوايا.

وعلى هذا، وطالما أن سياسات السلطة لم تتغير، وطالما أن منظمة التحرير لم يعد بناؤها، وطالما أن السلطة وحركة فتح يستغلون بعض المواقف والتصريحات للتغطية على مواقفهم السياسية، فإنه من الضروري اتعاظ الخط السياسي المقابل والمتمثل بخط المقاومة ورأس حربته حركة حماس، لمراجعة بعض المواقف والتصريحات والمبادرات السابقة التي يساء فهمها حيناً ويساء توظيفها حيناً آخر، بل يتجاوزها البعض لما هو أبعد منها، ومن تلك المواقف والتصريحات والمبادرات حصر الموضوع السياسي بمنظمة التحرير وتفويض الرئيس بإدارة تلك المفاوضات كما هو في وثيقة الأسرى ومن ثم وثيقة الوفاق الوطني ومن ثم اتفاق مكة، والتردد في اتخاذ موقف من خطوة التوجه للأمم المتحدة، مع تفهمنا للظروف والملابسات التي تحيط بهذا الموقف أو ذاك، فإنه بات جلياً أن السلطة تستخدم ذلك كله لتسويغ مواقفها وإحراج خصومها، بل لتسويغ انفرادها بالقرار بحجة أن الموضوع السياسي محصور بالمنظمة بالاتفاق مع حماس سابقاً، ولا تزال آثار تلك المواقف والمبادرات ضارة ومؤذية ولم نر فيها خيراً بعد، وهذا يعيدنا لجذر المسألة وإعادة التأكيد على أصل الصراع دون حرج أو مواربة، فلا يليق بحركة مقاومة إلا أن تكون جذرية في صراع لا يحتمل الحلول الوسط.

حلم الدولة الفلسطينية

المركز الفلسطيني للإعلام د. أحمد يوسف أحمد

للمرة الثانية في أقل من ربع قرن يقف زعيم فلسطيني على منبر يراه فيه ويسمعه العالم كله وهو مسكون بحلم الدولة الفلسطينية. في المرة الأولى أعلن عرفات قيام دولة فلسطين بمناسبة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988 في زخم "انتفاضة الحجارة" الفلسطينية التي بدأت مع نهاية 1987.

وبالأمس القريب وقف عباس على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة لكي يعلن أنه قدم طلباً لانضمام فلسطين كدولة كاملة العضوية إلى الأمم المتحدة. في الحالة الأولى تم الإعلان من طرف واحد بما يتناسب مع المناخ النضالي الذي كان الشعب الفلسطيني يعيش فيه، ثم توالت الاعترافات الدولية بالدولة المعلنة، ولكن تطورات الأوضاع في المنطقة، وبصفة خاصة الغزو العراقي للكويت في 1990 والموقف الفلسطيني الملتبس منه، جعل الدولة الفلسطينية الناشئة تدخل لاحقاً في غياهب سلسلة من الأنفاق حتى وصلنا إلى اتفاقية أوسلو بما لها وما عليها في عام 1993.

أما الحالة الثانية فقد اتسقت مع ما آلَ إليه النضال الفلسطيني من اعتماد شبه كلي على أسلوب التفاوض والمقاومة السلمية، والتحرك في إطار الشرعية الدولية، ففي هذه المرة تعين على الرئيس عباس أن يبدأ تحركه من منبر يفترض فيه أنه يمثل الشرعية الدولية، على عكس الزعيم عرفات الذي أعلن الدولة الأولى من طرف واحد أمام منبر فلسطيني.

لا ينتظر أي محلل يتابع شؤون الصراع العربي- الإسرائيلي عامة والفلسطيني- الإسرائيلي خاصة أن تحدث هذه الخطوة تغييراً جذريّاً على الأرض، بمعنى أن تقوم فعلاً دولة فلسطينية على الأراضي التي تحتلها "إسرائيل" منذ 1967 بما فيها القدس الشرقية، بل إن أبحديات هذا الصراع وواقع الأمم المتحدة وأجهزتها يشيران إلى أن الطلب الفلسطيني لن يمر من مجلس الأمن أصلاً بسبب حق الاعتراض الذي تتمتع به الولايات المتحدة في المجلس، والتي لم تدعْ مجالاً لأدنى شك في أنها سترفض طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.

ومع ذلك تتقدم السلطة الفلسطينية بهذا الطلب لأكثر من سبب من أهمها فضح المواقف الإسرائيلية والأميركية من الحقوق الفلسطينية، وإثبات التأييد العالمي واسع النطاق لهذه الحقوق، والاتجاه بعد رفض طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في مجلس الأمن إلى الجمعية العامة التي يحظى فيها الطلب الفلسطيني بأغلبية كبيرة تمكن من إضفاء "وضع الدولة المراقبة" على فلسطين بما يتجاوز وضع "المنظمة المراقبة" الذي تتمتع به منظمة التحرير الفلسطينية حاليّاً في الأمم المتحدة، ولعل هذا بالتحديد هو ما يخيف "إسرائيل"، لأن فلسطين بموجب وضع "الدولة المراقبة" ستنضم إلى منظمات الأمم المتحدة بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية التي يمكن أن تسبب ل"إسرائيل" متاعب لا حصر لها مع الرأي العام العالمي وعديد من الدول، بل وربما مع قطاعات من الرأي العام والقوى السياسية في "إسرائيل" ذاتها.

وربما لهذه الأسباب وغيرها ولدواعٍ انتخابية فيما يتعلق بالرئيس الأميركي بُذلت جهود مستميتة لإثناء عباس عن الإقدام على طلب عضوية الأمم المتحدة، غير أن جعبة أنصار "إسرائيل" بدت خاوية من أية إغراءات يمكن أن تخدع الفلسطينيين مجدداً، وينطبق الحكم نفسه على "إسرائيل" ذاتها، إذ بدأ الجميع يعزفون تلك النغمة النشاز: نعم لدولة فلسطينية ولكن بشرط أن تنشأ من خلال التفاوض، وكأن الشرعية التي تمنحها الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذه الدولة لا تكفي، مع أنها كانت كافية لقيام دولة "إسرائيل" في 1948 بموجب قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة في 1947.

ونعلم جميعاً القصة المملة للمفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، على الأقل منذ توقيع اتفاقية أوسلو في 1993، التي تقوم على أركان لا تتغير بتغير الحكومات الإسرائيلية والرئاسة الأميركية محاولة ترجمة الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة إلى واقع قانوني من خلال اتفاقيات إملاء على الجانب الفلسطيني - خلق واقع جديد في تلك الأراضي، وبالذات في الضفة الغربية، يقوم على أساس التهامها وتغيير هويتها من خلال عملية الاستيطان المكثف المتسارع، والاعتماد على ثبات التأييد الأميركي للمواقف الإسرائيلية أيّاً كانت بسبب قوة اللوبي الصهيوني في الساحة السياسية الأميركية وتأثيره فيها. وعلى سبيل المثال نذكر أن ربط استئناف المفاوضات بوقف الاستيطان هو في الأصل مقترح أميركي أخفقت الإدارة الأميركية الحالية في وضعه موضع التطبيق، فما كان منها إلا أن استدارت ببساطة وعادت لتأييد الموقف الإسرائيلي "وتفهمه"، وذلك بعد أن رأت الآثار الضارة التي يمكن أن تحدث للرئيس الأميركي الحالي في معركة إعادة انتخابه.

وهكذا تريد إسرائيل، بتأييد أميركي ومن اللجنة الرباعية ومن الاتحاد الأوروبي، أن يمضي الفلسطينيون في المفاوضات إلى الأبد، فإما أن يستسلموا لرؤاها وأطروحاتها، وهو رابع المستحيلات لأن هذه الرؤى والأطروحات لا تعطي الفلسطينيين إلا فتاتاً تستطيع "إسرائيل" أن تعصف به في أية لحظة، وإما أن يرفض الفلسطينيون التصور الإسرائيلي للتسوية كما يفعلون حاليّاً، ولكن من دون أن يكونوا قادرين على تغييره، ومن ثم تبتلع "إسرائيل" معظم ما بقي من الأراضي الفلسطينية، ومعها الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

ولمثل هذه المؤامرة تصمد القيادة الفلسطينية ومن خلفها قوى سياسية وشعبية يُعتد بها، ومن المهم في هذا السياق أن نتذكر أن من يقود "النضال" الفلسطيني في هذه اللحظة هو عباس الذي أسقط الكفاح المسلح من اعتباره تماماً، ولم يرَ سوى المفاوضات آلية وحيدة للتسوية، وهذه هي النتيجة: صفر كبير جعل الرجل يصمد للضغوط التي حاولت إثناءه عن التقدم بطلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، بل وللتهديدات غير النزيهة بقطع المعونة الأميركية عن السلطة الفلسطينية، التي تقترب سنويّاً من نصف مليار دولار، ناهيك عن تهديد "إسرائيل" بوقف تحويل الضرائب الجمركية المستحقة للسلطة الفلسطينية بما لا يقل عن مليار دولار في هذا العام.

ليس الأمر إذن بحاجة إلى مجرد تصفيق لخطوة عباس والقيادة الفلسطينية، ولكن الحاجة ماسة إلى دعم مالي حقيقي للسلطة الفلسطينية في مواجهة هذه الضغوط السافرة، وليس في الأمر أدنى صعوبة إذا تكاتفت الدول العربية والإسلامية في هذا الاتجاه.

غير أن عباس لا يواجه الضغوط الخارجية وحدها، وإنما يواجه أيضاً رفض عدد من قادة الفصائل الفلسطينية "الثورية" وعلى رأسها "حماس" لهذه الخطوة، وهي وجهة نظر ألفناها طويلاً لا تستطيع التفرقة بين الاستراتيجية والتكتيك. صحيح أننا لا نوافق بالضرورة على استراتيجية عباس لتأسيس دولة فلسطينية، غير أن الخطوة الأخيرة التي اتخذها في الأمم المتحدة هي من قبيل "التكتيك" الذي يتعين علينا أن نحدد بموضوعية ما إذا كان قد أضر بالقضية الفلسطينية في شيء، ورأيي المتواضع أنه بالعكس مثَّل إضافة لهذه القضية في الساحة العالمية لا تقيد من قريب أو بعيد أية رؤية فلسطينية سليمة لمستقبل الصراع. وأخيراً وليس آخراً فإن الشعب الفلسطيني مطالب خاصة في زمن "الربيع العربي" بأن يكون أكثر حضوراً في الساحة الفلسطينية سواءً لتصحيح ما يجري داخلها أو لدعم النضال ضد "إسرائيل" من أجل انتزاع حقوقه. وهذه قصة أخرى.

كيف سنحرر الدولة بعد إعلانها؟!

المركز الفلسطيني للإعلام ياسر الزعاترة

باستثناء حفل استقبال الرئيس العائد من نيويورك بحضور جحافل رجال أمن السلطة وكثير من موظفيها، كانت الفعاليات الشعبية احتفالاً بالخطاب التاريخي محدودة رغم حشد فتح والسلطة، ما أكد أن "بروباغندا" الناطقين باسم السلطة في الإعلام العربي لم تنعكس على الجمهور الفلسطيني، من دون أن نستثني وجود مقتنعين بالخطوة "التاريخية"، حتى من المروجين لها في وسائل الإعلام.

في الشتات مرَّ الأمر كمناسبة عادية جداً لا تستحق الاهتمام باستثناء حشد فتحاوي في لبنان، ويكفي أن نشير كتفسير لذلك إلى كلام الرئيس الفلسطيني في "الخطاب التاريخي" عن حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين بحسب المبادرة العربية، فيما يعلم الجميع أن كلمة متفق عليه تعني أنه لن يعود أحد منهم للأراضي المحتلة عام 48، فيما كان اللاجئون جميعاً قد أخذوا علماً بما فضحته وثائق التفاوض من استجداء السلطة لعودة 100 ألف فقط خلال عشر سنوات، واستعدادها بعد ذلك لقبول عودة 30 ألفاً، ثم عرض أولمرت لعودة 10 آلاف، ودائماً على عشر سنوات، وصولاً إلى تأكيد تسيبي ليفني لعريقات وأحمد قريع أن ذلك رأي أولمرت الشخصي وأن رقم العائدين هو صفر.

لا أعرف كيف يتجاوز المحتفلون بالخطوة التاريخية وثائق التفاوض تلك بكل ما فيها من تنازلات، رغم إصرار الزعيم التاريخي على أنه مستمر في التفاوض، وأن ما لا يحل بالتفاوض يحل بمزيد من التفاوض؟! كيف تستوي تنازلات تلك الوثائق مع المعزوفة التاريخية عن الدولة كاملة السيادة في حدود 67 بما فيها القدس الشرقية، وكيف سيفرض على نتنياهو الرضوخ لهذا المطلب الذي لم يرضخ له "حمائم" الكيان مثل أولمرت وباراك وبيريس، لا سيما بعد الدعم اللامحدود من قبل واشنطن والذي ثبت أنه دعم يتجاوز إرادة أي رئيس بعدما أصبح اللوبي الصهيوني مسيطراً على الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟! أياً يكن الأمر، فنحن ننتظر من المحتفلين بالخطوة التاريخية أن يخبرونا كيف سيجري تحرير أراضي الدولة العتيدة، وهل إن المقاومة السلمية بطريقة الرئيس الفلسطيني هي التي ستفعل ذلك.

نستأذن القراء الأعزاء في أخذ هذا الاقتباس الطويل للتسلية والفائدة، وهو جزء من مقال للكاتب الإسرائيلي والمحلل الأمني والعسكري المعروف إليكس فيشمان نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 16/9/2011، وكان بعنوان "خطة ضبط النفس". ولا أعتقد أن عاقلاً يفهم قليلاً في منظومة الإعلام الإسرائيلي يمكن أن يدعي أن الرجل يكذب. يقول الكاتب "قبل نحو أسبوعين حضر ضيوف غير معتادين إلى موقع أمني إسرائيلي مهم، وكانوا ممثلين عن أجهزة الأمن الفلسطينية. وقد طلبوا الحصول على وسائل "عدم قتل" لتفريق المظاهرات (قنابل إحداث صدمة، قنابل غاز، غاز مسيل للدموع، قنابل دخان، وسيارات لرش الماء). فقد استوعبوا هناك في السلطة فجأة أن الردع وحده لن يكفي وأنهم قد يفقدون السيطرة.

إلى ما قبل شهر اعتاد ضباط في أجهزة الأمن في الضفة أن يسخروا على مسامع نظرائهم الإسرائيليين من الذعر الذي أصابهم والاستعدادات المبالغ فيها -في رأيهم- من قبل الجيش الإسرائيلي استعداداً لأحداث استحقاق أيلول (إعلان الدولة). وفجأة مُحيت ابتسامهم أيضاً. فقد أدركوا فجأة أن المارد على هيئة جمهور متحمس مُحرَّض، حتى لو أخرجوه هم أنفسهم من القمقم، قد لا يعود إلى الداخل كما وقع في تونس ومصر وليبيا. وهذا المارد قد يغرق الحلم الفلسطيني بالاستقلال في الدم والنار أيضاً.

احتاجت وزارة الدفاع إلى عدة أيام لإمضاء الطلب الشاذ. بل إن الأميركيين الذين أوكل إليهم تدريب كتائب أمن السلطة والإنفاق عليها طلبوا من "إسرائيل" المساعدة. وأوصى الجيش الإسرائيلي أيضاً بالاستجابة. وفي نهاية الأمر أجاز المدير العام لوزارة الدفاع جزءاً من صفقة الشراء". (انتهى الاقتباس).

نذكّر أيضاً بحملة الاعتقالات والاستدعاءات الشرسة التي طالب مئات من عناصر حماس والجهاد في الضفة خلال الأيام التي سبقت الاستحقاق التاريخي خشية أن تنفلت الأمور وتبدأ الانتفاضة الموعودة، والتي تعمل السلطة بكل ما أوتيت من قوة في المساجد والمدارس والجامعات وسائر مؤسسات المجتمع على تطبيع المجتمع على منع اندلاعها.

بتمرير إعلان الدولة أو بدونه سيعود القوم إلى المفاوضات، ولو عُرض عليهم ما كانوا على وشك التوصل إليه مع أولمرت لوافقوا عليه، ولكن الأمر لن يكون كذلك، إذ ستتواصل عملية "بناء المؤسسات" بإشراف سلام فياض (الأمنية منها بإشراف الجنرال مايكل مولر)، وصولاً إلى دولة الجدار الأمني التي ستغدو في حالة نزاع حدودي مع جارتها.

ليس هناك من يعترض على المقاومة السلمية، ولكن المقاومة السلمية التي تفرض التراجع على العدو، وليست الاستعراضية التي يريدها قادة السلطة. المقاومة التي تشتبك مع الحواجز والمستوطنات وتقدم الدم والتضحيات، وتلتحم مع الشتات الفلسطيني في المحيط العربي وتستنفر الشارع العربي والإسلامي لدعمها.

هل هم جاهزون للتوحد مع الشعب وقواه السياسية على خيار من هذا النوع؟ الجواب معروف، ولكن بعض قومنا لا يعقلون.

بقي أن أعلن على الملأ بأن من يتوقع مني أن أصفق لخطاب أو موقف يتنازل منذ البداية عن 78 في المئة من فلسطين للعدو لن يهنأ بذلك. أنا شخصياً قريتي محتلة عام 48، ولم أفوض محمود عباس بالتنازل عنها كما تنازل عن حقي في العودة (هل ثمة عودة بدون تحرير؟!).

"إسرائيل" الكبرى وفلسطين الصغرى

المركز الفلسطيني للإعلام عبداللّه الكعبي

بالرغم من كل المآسي والمشاكل التي تسببت فيها اتفاقية أوسلو وما تلاها من اتفاقيات ومعاهدات بين الفلسطينيين والإسرائيليين الموقعة من قبل منظمة التحرير نيابة عن الأمة بكاملها، إلا أن الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات خرج بعد إبرام الاتفاقية بوجه بشوش متفائل على عكس الحالة النفسية السيئة السائدة بين كل العرب والمسلمين الذين رأوا في ذلك التوقيع ضياعاً للحلم الفلسطيني في إقامة دولة حقيقية قادرة على الحياة من جديد.

عرفات عندما سئل عن ذلك التفاؤل قال بالحرف الواحد إننا وبهذا التوقيع أنهينا أسطورة "إسرائيل" الكبرى أي أن "إسرائيل" باتت حبيسة حدود دولة فلسطين فقط وليس مفتوحة على أحلام تمددها من النيل إلى الفرات.

بطبيعة الحال رؤية عرفات لم تتحقق على أرض الواقع بعد أن ضربت "إسرائيل" بكل المعاهدات والمواثيق عرض الحائط وواصلت عملها الممنهج الذي استمر إلى يومنا هذا عندما شرعت عبر السنين العشرين الأخيرة في بناء المستوطنات وتهويد القدس وبناء الجدار العازل وحصار غزة وسرقة المياه والإصرار على رفض كل المطالب الفلسطينية أو القبول بأي حلول حتى ولو كانت وقتية طالما أنها تتعارض مع مشروع الدولة اليهودية التي أعلن عنها نتانياهو مؤخراً.

عجز الجانب الفلسطيني عن الحصول على شيء ولو يسيراً من اتفاقيات ومعاهدات السلام طوال السنوات العشرين الماضية دفع بالرئيس الفلسطيني محمود عباس للوقوف أمام الأمم المتحدة هذه الوقفة والمطالبة بقبول عضوية دولته التي لم تر النور في الهيئة العالمية ولكنه وعلى لسانه وليس لسان غيره قرر أن تكون هذه الدولة على حدود 67 فقط وليس 48 كما كان مفترضاً مما يعني أن الفلسطينيين لجؤوا بعد عناء كل هذه السنين إلى حلول غير منطقية ومطالب غير شرعية لا اعتقد أنهم متوافقون عليها ولا تلبي حتى جزءاً من مطالبهم أو تسهم في إعادة شيء يسير من حقوقهم التي ضاعت مع هذه المطالبة التي لم تراع تاريخ القضية ولم تحترم الدماء التي سالت غدراً وإجراماً طوال السنوات الستين الماضية في عهد الدولة اليهودية وما سبقها من سنوات في ظل الانتداب البريطاني الذي ارتكب من المجازر ما يعادل ما ارتكبه اليهود اعتباراً من عام 1948م.

إذا كان عرفات رأى في عام 1993 عند التوقيع على معاهدة أوسلو أنهم تمكنوا من إنهاء حلم "إسرائيل" الكبرى فإن عباس بمطالبته الجديدة قد قضى على حلم الدولة الفلسطينية عندما حصر حدودها في الحد الأدنى لأننا نعلم جميعاً كيف غدت اليوم أراضي الضفة الغربية التي من المفترض أن تشكل الجزء الأكبر من دولة عباس المقترحة. فالضفة الغربية لم تعد خالصة للفلسطينيين بعد أن قطع الجدار أوصالها ونخرت المستوطنات في كيانها الذي يحتاج للتواصل بين بعضه البعض أخذ أذن من قطعان المستوطنين التي بنيت مستوطناتهم على هيئة تمكنها من عزل كل جزء عن الآخر.

بغض النظر عن الفيتو الأميركي الجاهز لإجهاض الطلب الفلسطيني فإن عباس أسهم بشكل مباشر في خنق القضية الفلسطينية من خلال تقديمه لهذا الطلب والذي سيصبح من الآن فصاعداً السقف الأعلى للمطالب الفلسطينية على أن يكون قابلاً للنزول إلى مستويات متدنية جداً إذا ما قضت الضرورة اليهودية ذلك مثلما فعلت مع كل الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها مع الفلسطينيين والتي لم يطبق منها أي شيء في صالح أهل الديار الأصليين.

المطب الحقيقي الذي يعوق الدفع بالقضية الفلسطينية إلى الأمام هو طريقة التفكير التي يتعامل بها الرئيس الفلسطيني وحاشيته مع القضية بعكس الطريقة اليهودية التي حاولت وفي كل مناسبة استثمار أي حدث لصالحها مثلما تفعل مع الثورات العربية وحراكها والذي كان من المفترض أن يمثل خريطة طريق لعباس وقادة السلطة للوصول إلى فلسطين الكبرى بدلاً من ذلك الخطاب الهزيل الذي ربط الحصول على الفتات بالعودة لطاولة المفاوضات والجلوس من جديد وجهاً لوجه مع من اغتصب فلسطين بكاملها.

دول عربية لم تدعم عباس

فلسطين أون لاين د. يوسف رزقة

"دول عربية لم تبدِ استعدادها ومساندتها لدعم السلطة في التوجه للأمم المتحدة". هذا ما قاله السيد عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية. الرئيس محمود عباس أكد على صحة المعلومة في تصريح عمرو موسى، ولكنه لم يكشف عن هذه الدولة وهل هي واحدة أو أكثر؟! وهل هي الأردن أم سوريا، أم من؟!

ثمة خبران يجعلانا نشير إلى الأردن على سبيل التحليل وليس اليقين، الأول صادر عن وزير خارجية الأردن حيث قال: (قضايا اللاجئين والقدس والأمن لها مساس بمصالح عليا للأردن، ولا بدّ أن يشار إلى حلها في إطار يصون بالكمال تلك المصالح). والثاني صادر عن عضو مجلس الأعيان صالح القلاّب، حيث قال: (والله لنقاتل إسرائيل قتالا لم يشهدوه).

ما الذي دفع بقصة (الوطن البديل) إلى واجهة الصحافة والإعلام في الأردن في هذه الأيام؟! وما الذي دفع بهذين التصريحين إلى الواجهة الإعلامية أيضًا في هذه الأيام؟! الأردن هو الساحة الإقليمية الأكثر حساسية في مجمل المشروع الذي يحمله محمود عباس في توجهه إلى الأمم المتحدة، ويبدو لي أن حساسية الأردن في هذه المسائل لها ما يبررها، ويجدر إيجاد قنوات تفاهم وتطمين لهم.

(الوطن البديل) مشروع صهيوني قائم على قواعد استراتيجية يلتقي عندها إجماع الأحزاب الإسرائيلية سواء من أعلن عن موقفه هذا أو من احتفظ به ليبوح به في ظرف مناسب. ونحن في فلسطين نرفض فكرة الوطن البديل رفضًا مطلقًا، ويجب علينا مقاومته بكل الوسائل الممكنة، لأن فلسطين هي وطننا، كانت وطن الأجداد والآباء، وستبقى كذلك على أن يأذن الله بعودتها لنا وللمسلمين.

كنت أتمنى لو أقسم صالح القلاب على مقاتلة (إسرائيل) قتالاً لم تشهد مثله ما لم تنسحب من القدس، على نحو قسمه في مقاومة الوطن البديل. نحن في فلسطين سنكفيك وشعبنا الأردني مواجهة هذا الوطن الذي نرفضه ونقاتل ضده، ولكن نرجوكم أن تدعموا مقاومة الفلسطينيين من أجل تحرير القدس والأراضي المحتلة. هم لن يصلوا إلى الأردن إذا ما تمّ دحرهم عن القدس وأريحا ورام الله.

ليست حماس هي الوحيدة التي انتقدت خطوة عباس في توجهه إلى الأمم المتحدة لأسباب كثيرة لسنا بصدد تفصيلها، فقد انتقدتها حركة الإجهاد الإسلامي واللجان الشعبية وألوية الناصر، والأحرار، والمثقفون، وعدد كبير من القانونيين، والآن نقف على معلومة تقول إن دولاً عربية لم تدعم الخطوة وهذا يعني أن هناك قلقًا حقيقيًا، وتخوفات حقيقية، وهي أمور لم يتمكن عباس من معالجتها أو التعامل معها.

الأبواب المغلقة

فلسطين أون لاين د. يوسف رزقة

إن من يستمع إلى خطاب بيبي نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يدرك أنه لا توجد فرصة حقيقية لاستئناف المفاوضات مع محمود عباس ما لم يقبل عباس بكامل الرؤية الإسرائيلية بقواعدها وشروطها. وأحسب أن محمود عباس هو الأول في إدراك هذه الحقيقة. فأبواب (إسرائيل) مغلقة، و(إسرائيل) محصنة ضد الضغوط الخارجية والدولية، وعليه فإنه لا قيمة حقيقية (لتدويل المفاوضات).

كان عباس والحق يقال بليغًا في وصف معاناة الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى الآن، وكان عاطفيًا مؤثرًا، استخرج ما عند الحضور من تصفيق، وكان جيدًا في حديثه عن الثوابت، وكان مصيبًا في وصفه للسياسة الإسرائيلية بالعنصرية والتطهير العرقي. وكان نتنياهو صفيقًا متعجرفًا في النصف الأول من خطابه، حيث أعرب عن لامبالاة بقرارات الجمعية العامة، حيث وصف قاعتها بالمظلمة، ولكنه استدرك على نفسه في النصف الثاني فتقمص صورة الضحية، وعدد المظلومية اليهودية، ووصف عباس والفلسطينيين بالعنصرية وممارسة التطهير العرقي، وأكد على يهودية الدولة، وعلى حقوق اليهود التاريخية قبل أربعة آلاف سنة، واستخرج من الآثار (خاتم بنيامين) إثباتًا لكذبه.

إن من يستمع إلى الخطابين المتتاليين، خطاب عباس وخطاب نتنياهو يدرك أن المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، وأن (إسرائيل) تستثمر الوقت، وتخدع العالم بالمفاوضات، وأنها تعمل حثيثًا لفكرة الوطن البديل، وأنه لا مجال أمام الفلسطيني المفاوض إلا أن يقبل بعرض (إسرائيل) الذي يتآكل عامًا بعد عام، ويصغر عامًا بعد عام.

إن حديث عباس عن المفاوضات بعد الحصول على الدولة والعضوية الكاملة لم يلامس آذان نتنياهو، وكان نتنياهو كاذبًا في دعوته المتكررة لعباس لاستئناف المفاوضات، وما قاله في خطابه كان (علاقات عامة) لا أكثر.

إن عودة عباس للمفاوضات ستكون خطأ فادحًا، (ومن يجرب المجرب عقله مخرّب) كما يقولون. نتنياهو يريد أرض فلسطين التاريخية تحت الانتداب كاملة، ويريدها بلا سكان، ويريد الدولة الفلسطينية شرق نهر الأردن، ويريد دولة يهودية خالية من العرب والمسلمين والمسيحيين أيضًا. إن من كانت هذه رؤيته وهذه أهدافه لا يمكن التفاوض معه. (الوطن البديل حقيقة).

يجدر بمحمود عباس في ضوء خطاب نتنياهو (الأيديولوجي – المزيف للتاريخ وللحقائق) وفي ضوء انحياز الإدارة الأمريكية، أن يلقي على الشعب الفلسطيني خطاب (الوداع الأخير للمفاوضات)، وأن يجمع الشعب الفلسطيني على خيار بديل، يستنفر من خلاله ساحات التغيير وربيع الثورات العربية، وعندها ستتقدم القضية الفلسطينية إيجابيًا نحو الأمام. المفاوضات حلم انتهى، والأحلام لا تتكرر بطبيعتها.