حجز الأموال الفلسطينية: قرصنة وإرهاب إسرائيلي

الكاتب: ابراهيم العبسي _ الرأي الاردنية

 المنطقة والتدخلات "الاسرائيلية"

الكاتب: علي جرادات _ الخليج الاماراتية

 المصالحة الجديدة: هل من جدّية؟

حسام كنفاني _ الخليج الاماراتية

 الدولة الفلسطينية حلم أم حقيقة

طلال عوكل_ البيان الاماراتية

 إيران و”إسرائيل” مَنْ يمحو مَنْ؟!

الكاتب: ناجي صادق شراب_ الخليج الاماراتية

 مقومات الدولة الفلسطينية

الكاتب: أسامة الرنتيسي_ جريدة عُمان

حجز الأموال الفلسطينية: قرصنة وإرهاب إسرائيلي

الكاتب: ابراهيم العبسي _ الرأي الاردنية

نصت اتفاقية اوسلو التي جرى توقيعها في ايلول عام 1993في واشنطن بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة اسرائيل، على ان تقوم هذه الاخيرة بتحصيل عائدات الضرائب في الاراضي الفلسطينية المحتلة مقابل اقتطاع جزء من هذه العائدات، ومن ثم تحويلها الى السلطة الفلسطينية.

وعائدات الضرائب الفلسطينية تقدر بحوالي مائة مليون دولار شهريا تشكل ثلثي المبالغ التي يحتاجها الفلسطينيون للنفقات العامة الضرورية التي تؤمن للفلسطينيين ما نسبته خمسة واربعين في المائة من نفقاتهم على اقامة المؤسسات الوطنية واشادة البنية التحتية وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية وتامين رواتب الموظفين. غير ان اسرائيل ومنذ عهدت اليها هذه المهمة منذ حولي تسعة عشر عاما درجت على المماطلة والتسوبف والتلاعب وخلق الصعاب في تحويل هذا المبلغ للسلطة، الامر الذي اوقع الفلسطينين في مآزق مالية لا حصر لها ولا عد، واربك برامجها في تطويروتقديم خدماتها للشعب الفلسطيني وعلى رأس هذه الخدمات دفع رواتب موظفي السلطة في موعدها. واّخر ما قامت به اسرائيل في هذا الصدد، هو رفضها تحويل هذا المبلغ المتواضع الذي هو حق للفلسطينيين وليس منة من اسرائيل ايغالا في استفزاز الفلسطينيين وممارسة ضغوطها عليهم ومعاقبتهم وارباك مسيرة بناء السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في مخالفة للاتفاقيات الثنائية والدولية،خصوصا بعد قبول فلسطين عضوا كامل العضوية في منظمة اليونسكو التابعة لهيئة الامم المتحدة. واذ يرفع الفلسطينيون صوتهم لمطالبة الولايات المتحدة واوروبا والامم المتحدة بالتدخل املا في ارغام اسرائيل على دفع هذه المستحقات، لا يجدون من هذه الجهات غير الصمت في اشارة من هذه الجهات على الموافقة على القرصنة الاسرائيلية، ما يفاقم المأزق المالي الذي تعانيه السلطة الفلسطينية، لاسيما بعد ان هددت الولايات المتحدة بقطع مساعداتها او فتاتها عن الفلسطينيين في حال اصرار السلطة على مطلب الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية في الامم المتحدة ومنظماتها الاقليمية والدولية والذي احبطته الولايات المتحدة مؤخرا.

ولا يجد الفلسطينيون امامهم الا محيطهم العربي يستنجدون به للضغط على الولايات المتحدة راعية السلام ومهندسة اتفاقية اوسلو ومطالبتها بتنفيذ التزاماتها وتعهداتها في ارغام اسرائيل على الوفاء بما التزمت به في اوسلو.

والغريب ان يلوذ العرب بالصمت ازاء هذه القرصنة الاسرائيلية والتواطؤ الاميركي في الوقت الذي بمقدورهم اعلان غضبهم على اسرائيل وعلى الولايات المتحدة واجبارهما على الامتثال لاتفاقية اوسلو التي افرغتها اسرائيل من محتواها، ومن ثم دفع المستحقات الفلسطينية للشعب الفلسطيني الذي يعاني اقسى ظروف العيش تحت نير الاحتلال الاسرائيلي الفاشي الذي لا يفوت فرصة لاضطهاد الشعب الفلسطيني واحباط وافشال مساعيه حتى في الحصول على الحد الادنى من المتطلبات المعيشية.

لقد آن لجامعة الدول العربية التي تزعم انها معنية بحماية المدنيين العرب من كل الشرور التي تنتظرهم، ان تكون منسجمة مع نفسها وتتجنب سياسة الكيل بمكيالين وتجند نفسها وامكانياتها للانتصار للحق الفلسطيني في هذه المسألة التي لا تستوجب شجاعة كبيرة بل ارادة كبيرة. فهل تفعلها مؤسسة الجامعة العربية وتقف الى جانب الشعب الفلسطيني لا من اجل المطالبة بحماية دولية توقف البطش الصهيوني المستمر بحق ابنائه، مع انها ينبغي ان تفعل ذلك انسجاما مع توجهاتها الجديدة، بل على الاقل من اجل ارغام اسرائيل على ضرورة دفع المستحقات الفلسطينية لاصحابها!

المنطقة والتدخلات "الاسرائيلية"

الكاتب: علي جرادات _ الخليج الاماراتية

منذ تم زرْعها، بتواطوء دولي ودعم استعماري، عام 1948 في فلسطين، وعلى حساب شعبها وحقوقه الوطنية والتاريخية، شكلت “إسرائيل”، ولا تزال، تهديداً استراتيجياً لكل تطلعٍ قومي أو وطني عربي تحرري، سيان رسمياً كان أو شعبياً . وهذا ما تجلى في تدخلاتها ضد أي تغيرات عربية داخلية تؤثر في ميزان قوى الصراع معها، عبر شن الحروب تارة، وخلقِ الفتن السياسية وتغذيتها تارة أخرى، فضلاً عما قامت به من احتلال مباشر لأراضٍ عربية متاخمة لفلسطين عام 1967 . ويكفي التذكير ب:

مشاركة “إسرائيل” في التصدي للتغيير الوطني والقومي للثورة المصرية عام ،1952 عبر انضمامها إلى جانب بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 . قيامها بالتصدي لتطلعِ العراق إلى امتلاك الطاقة النووية السلمية، عبر مهاجمة ما أنشأه من مفاعل نووي، وتدميره، عام 1981 . إقدامها على تدمير منشأة سورية في دير الزور، بدعوى أنها مفاعل نووي عام 2007 . مشاركتها في التصدي لنهوض القوة العراقية، عبر المشاركة المستورة في ما يكابده من احتلال أمريكي منذ عام ،2003 قاد إلى تدميره كدولة ودور، وليس كنظام فقط . دخولها، (الذي لم يعد سراً)، على خط تقسيم السودان وتمزيق وحدته . تدخلاتها العسكرية والسياسية التي لم تنقطع في كل ما شهده لبنان من تغيرات وطنية داخلية .

وأكثر، فإنه، ولأجل زيادة التحكم بالتغيرات العربية الداخلية، فقد انتهج قادة “إسرائيل”، بدعم غربي، استراتيجية “التحالف مع الغلاف العربي”، (والتسمية لبن غوريون)، ما قاد إلى توسيع دائرة الوظيفة التخريبية ل”إسرائيل”، لتشمل بتدخلاتها أي تغيرات وطنية وقومية ديمقراطية في الدول غير العربية، إن كان في منطقة الشرق الأوسط أو إفريقيا، بل، وفي دول أمريكا اللاتينية أيضاً . ويكفي التذكير ب:

عداء “إسرائيل” الثابت لأي تغيرات وطنية وقومية ديمقراطية داخلية في إيران وتركيا، الدولتين الشرق أوسطيتين المحوريتين، عبر ما نسجته مع نظاميهما من تحالف سياسي وعسكري وأمني استراتيجي، وذلك منذ نشأتها عام ،1948 وحتى إطاحة نظام الشاه الإيراني عام ،1979 وحصول التزعزع النسبي في تحالفها مع تركيا في السنوات الأخيرة . المساعدات السياسية والعسكرية والأمنية المعروفة التي قدمتها، ولا تزال، لأنظمة الاستبداد والانقلابات العسكرية في مواجهة ثورات شعبية في دول إفريقية وأمريكية لاتينية . هذا فضلاً عن الدور المحوري الذي لعبته في تفكيك نظام الاتحاد السوفييتي، وما تلعبه من دور تخريبي في العديد من جمهورياته السابقة، وخاصة تلك المتاخمة لمنطقة الشرق الأوسط .

وتتضاعف مخاطر تدخلات “إسرائيل” في التغيرات الداخلية للمنطقة العربية وغلافها الإقليمي، بفعل كونها تدخلات دائمة، وذلك ارتباطاً بحقيقتين:

* الأولى: حقيقة أن هذه التدخلات ليست كأي تدخلات تقوم بها هذه الدولة الطبيعية أو تلك تجاه محيطها، لهذا السبب الطارئ أو ذاك، وتنتهي بانتهائه، بل، هي تدخلات مستمرة، بحسبان ارتباطها بالطبيعة العدوانية التوسعية الثابتة ل”إسرائيل” التي نشأت ككيان اغتصب فلسطين، وفُرِض على محيطها العربي والإقليمي، عدا أن قادته مازالوا يرفضون التسويات السياسية للصراع، ويؤججون ناره بالمزيد من الحروب والاعتداءات .

* الثانية: حقيقة أن تدخلات “إسرائيل” في المنطقة العربية وغلافها الإقليمي ترتبط بمشاريع دول الاستعمار الغربي في هذه المنطقة . وهي أيضاً مشاريع ثابتة في جوهرها، وإن تغيرت أشكالها، وذلك ارتباطاً بما لموقع المنطقة العربية وغلافها الإقليمي من أهمية استراتيجية، وبما لثرواتها من غنى وتنوع، ما أكسب السيطرة عليها أهمية استراتيجية في حسبة السيطرة على العالم والتحكم بمصيره، سواء في عهد الإمبراطوريات، أو في عهد الدول العظمى التي ورثتها، وآخرها الولايات المتحدة التي ورثت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قيادة دول الاستعمار الغربي عن بريطانيا التي قادت مع فرنسا تقسيم الوطن العربي إلى عدة دول وفقاً لاتفاقيتي: سايكس بيكو، (1916)، وسان ريمو، (1920)، وقررت منح اليهود “وطن قومي” في فلسطين، وفقاً لوعد بلفور، (1917)، الذي جرى تضمينه في صك الانتداب، بمصادقة عصبة الأمم .

ومعروف أن ذلك التقسيم لم يأخذ في الحسبان لا العوامل الاقتصادية ولا الجغرافية ولا الثقافية للوطن العربي، وأن كل ما أخذه كان تقاسم النفوذ بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وخاصة بريطانيا وفرنسا، الدولتين العظميين آنذاك . وللحفاظ على هذا النفوذ وحمايته، وعلى تفوق “إسرائيل”، ككيان غاصب ارتبط به، نشأة ومساراً ومآلاً، على ما عداها من دول المنطقة وقواها، بكل ما يقتضيه ذلك من دخول على خط أي تغيرات عربية داخلية ذات انعكاسات استراتيجية على ميزان القوى والنفوذ في المنطقة العربية وغلافها الإقليمي .

إزاء هذه الحقائق عن تدخلات “إسرائيل” الثابتة، فضلاً عن دور الاستعمار الغربي، في أي تغيرات وطنية وقومية عربية تحررية داخلية، يثور السؤال: كيف يكون السبيل الأنجع للرد عليها؟ هل يكون بالفصل بين الوطني والديمقراطي من الاستحقاقات والمهام، على طريقة الشعار التبريري: “لا صوت يعلو على صوت المعركة”، أم بالدمج بينهما، بحسبان أن الديمقراطي الداخلي، سياسياً واجتماعياً، يعزز مجابهة الوطني مع الأعداء، ويزيدها منعة؟

لقد كان من شأن الدمج بين الوطني والديمقراطي أن يحمي العراق والسودان والصومال وليبيا من المصير الذي آلت إليه كدول ودور، وليس كأنظمة فقط . واليوم أخشى ما نخشاه، أن يتدحرج الوضع في سوريا الدولة والدور، التي تقف على حافة جرف خطر لم تشهده من قبل، إلى ذات المصير، وبفعل ذات السبب، أي الفصل بين الوطني والديمقراطي، لا من قِبل النظام فقط، بل، أيضاً، من قِبل بعض أطراف المعارضة المندفعة نحو الاستعانة بالأجنبي، إذ بمعزل عن النوايا التي يقود أحياناً حتى الطيب منها إلى بلاط جهنم، فإن النتيجة واحدة . هذا ما يوحي به لنا عقلنا، فيما عاطفتنا تتقد بالقول: عمار يا سوريا .

المصالحة الجديدة: هل من جدّية؟

حسام كنفاني _ الخليج الاماراتية

أبو مازن كان بحاجة للذهاب إلى المحفل الدولي بمشهد فلسطيني وحدوي دفعه إلى تسريع آلية الاتفاق، الذي رآه الكثيرون فاشلاً منذ اللحظة الأولى لقيامه على المحاصصة بين الحركتين . ومع ذلك تمّ التوقيع على الاتفاق في احتفال ظن الكثيرون أن من شأنه أن يعيد اللحمة إلى جناحي الوطن الفلسطينيانشغل الفلسطينيون منذ أكثر من أسبوعين بالحديث عن اللقاء المتوقع بين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، خالد مشعل، في القاهرة، والذي من المرتقب أن يكون مدخلاً حقيقياً لتحقيق المصالحة الفلسطينية المتعثرة منذ اتفاق القاهرة الأخير قبل أكثر من ستة أشهر . الاتفاق تم على الخطوط العريضة بين حركتي “فتح” و”حماس”، إلا أن شيطان التفاصيل نجح في إفساد ما كان من المفترض أن يكون عرس الوحدة .

كان للمصالحة في ذلك الوقت حاجة أساسية بالنسبة إلى الرئيس الفلسطيني، الذي كان في طريقه إلى الأمم المتحدة لتقديم طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية . أبو مازن كان بحاجة للذهاب إلى المحفل الدولي بمشهد فلسطيني وحدوي دفعه إلى تسريع آلية الاتفاق، الذي رآه الكثيرون فاشلاً منذ اللحظة الأولى لقيامه على المحاصصة بين الحركتين . ومع ذلك تمّ التوقيع على الاتفاق في احتفال ظن الكثيرون أن من شأنه أن يعيد اللحمة إلى جناحي الوطن الفلسطيني . لكن وقائع التطبيع جاءت مختلفة تماماً، وكل ما تحقق هو ذهاب عباس إلى الأمم المتحدة متحدثاً باسم الشعب الفلسطيني، رغم الانتقادات التي وجهتها “حماس” للخطاب، الذي جاء أصلاً من تعطّل المشهد التصالحي، على اعتبار أن عباس لم يستشر الطرف الثاني في خطابه ومضمونه ولا في خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة، رغم الإشادات بالخطوة من قبل عدد من قياديي “حماس” في الأيام الأولى للتوقيع على اتفاق المصالحة .

المرحلة الأولى من استحقاق الأمم المتحدة انتهت، وغاب معها الحديث عن المصالحة، إلى أن عاد للظهور مجدداً قبل أسبوعين . عودة محمودة، غير أنها أيضاً مرتبطة بغايات معينة، ولا سيما بالنسبة إلى الرئيس الفلسطيني، الذي يصرّ على المضي في الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن إلى النهاية . وبما أن ما تسرّب عن تقرير لجنة العضوية أشار إلى افتقار السلطة إلى مقومات الدولة بفعل عدم السيطرة على قطاع غزة، عاد حديث المصالحة بقوة، مع حديث عن “تنازلات” كانت حركة “فتح”، بزعامة عباس، لا ترضى التراجع عنها سابقاً، وفي مقدمتها رئاسة سلام فياض للحكومة . اليوم يجري الحديث من قبل قياديي “فتح”، وحتى من فياض نفسه، عن الاستعداد لتسمية شخصية محايدة تحظى بقبول الطرفين .

من هنا تطرح تساؤلات حول الغاية من المصالحة، وما إذا كانت فقط ظرفية مرتبطة بالملف الفلسطيني أمام الأمم المتحدة، وتحقيق وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، أم أن عباس ماض بجدية هذه المرة إلى إنهاء الانقسام . سؤال تبقى إجاباته رهن الأيام التالية للقاء بين عباس ومشعل، مع مراقبة الضغوط التي بدأت الولايات المتحدة ممارستها على السلطة من الباب المالي .

الدولة الفلسطينية حلم أم حقيقة

طلال عوكل_ البيان الاماراتية

قليلة صفحات التاريخ الفلسطيني التي تكتسب لوناً غير الأسود، إذ لا يكاد يمر شهر إلا ويتذكر الفلسطينيون مأساة وقعت أو مجزرة ارتكبها أعداء أو أشقاء بحقهم، أو نكبة حلت بالشعب والوطن، أو عملية اغتيال أودت بحياة واحد أو عدد من كبار قادتهم، وما تزال صفحات التاريخ مفتوحة على المزيد، طالما لم يحقق الفلسطينيون حريتهم واستقلالهم الوطني. لكن ليس لهذا السبب يحتفل الفلسطينيون بذكرى إعلان استقلال دولتهم، منذ أن وقع ذلك خلال اجتماع عرمرمي للمجلس الوطني في الجزائر، في الخامس عشر من نوفمبر العام 1988.

ثلاثة وعشرون عاماً منذ أن تم إعلان الاستقلال، الذي حظي في حينه باعتراف أكثر من مئة دولة، هي أكثر من نصف عدد أعضاء الأمم المتحدة البالغ عددهم حتى الآن مئة وثلاثة وتسعين دولة، لكن لا هذا الحجم من الاعترافات، ولا استمرار الفلسطينيين الاحتفال بهذه المناسبة سنوياً، أدى إلى هبوط هدف الدولة من الواقع النظري الافتراضي، إلى الواقع الجيوسياسي. ذهب صاحب الإعلان التاريخي الزعيم الراحل ياسر عرفات اغتيالاً على الأرجح، وذهب قهراً صاحب وثيقة الاستقلال، الشاعر الكبير محمود درويش، تلك الوثيقة التي ينظر إليها الفلسطينيون على اعتبار أنها بمثابة دستورهم المؤقت، ولم تذهب أحلام الفلسطينيين وحركاتهم السياسية وغير السياسية، إزاء إمكانية تحقيق دولتهم.

حين تم إعلان الاستقلال، في جو احتفالي وحدوي أحاطته الانتفاضة الشعبية الكبرى التي كانت تدخل عامها الثاني، بجو من الحماس وكثير من المهابة، حين ذاك أخذ بسطاء الجزائريين، يتساءلون عن سبب وجود الفلسطينيين طلاباً أو معلمين أو سياسيين خارج دولتهم التي اعتقدوا أنها ولدت واستقلت للتو، بمجرد أن أعلن المجلس الوطني استقلالها.

وبالتزامن مع إعلان الاستقلال، أعلنت القيادة الفلسطينية عن مبادرتها للسلام، والتي استندت إلى اعتراف المجلس الوطني بقراري الأمم المتحدة رقم 242، 338، كأساس لقبول الفلسطينيين بإقامة دولتهم على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس، مع ما يقتضي ذلك من اعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ونبذ ما يسمى بالإرهاب، وتكييف الميثاق الوطني الفلسطيني مع هذه التغييرات.

هنا وقع خطأ تاريخي، ذلك أن المرجعية القانونية الأكيدة والوحيدة، التي تمنح الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم على جزء من أرضهم، كان قرار التقسيم لعام 1947، وليس قراري 242، 338، اللذين لا ينصان على قيام دولة فلسطينية. كانت مبادرة السلام الفلسطينية، والقرارات التي استندت إليها والشروط التي وافق عليها الرئيس الراحل ياسر عرفات.

وأدت فقط إلى موافقة الولايات المتحدة على بدء حوار رسمي مع منظمة التحرير الفلسطينية، كان كل ذلك قد شكل تنازلاً كبيراً، قبل أن تبدأ المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، الأمر الذي ينطوي على خطأ مبدأي، يعود أساسه إلى رغبة القيادة الفلسطينية المتسرعة في استثمار الانتفاضة، وخشية أن تنطفئ جذوتها، فتذهب آثارها سدى بدون نتائج.

وحين تم توقيع اتفاقية أوسلو في حديقة البيت الأبيض في أكتوبر 1993، لم ينتبه المفاوض الفلسطيني، أو أنه لم يتمكن من أن يفرض على الطرف الإسرائيلي أن يكون الاتفاق بين دولة فلسطين ودولة إسرائيل، فلقد تضمنت الوثائق توقيع منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر، ثم إن الاتفاق لم يكتسب البعد القانوني الدولي، وبقى اتفاقاً بين طرفين، بدون ضمانات دولية أكيدة.

بعد ثلاث وعشرين عاماً على إعلان الاستقلال، وثمانية عشر عاماً على توقيع اتفاقيات أوسلو، ظل الفلسطينيون يحتفلون بذكرى الاستقلال، لكن ثقة الكثيرين منهم تزعزعت، حول إمكانية تحقيق هذا الهدف، الذي يتحول يوماً بعد آخر إلى مجرد شعار حالم، وخطاب يصلح لإقناع الرأي العام الدولي بواقعية السياسة الفلسطينية. خلال الثمانية عشر عاماً، لم تصل المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية إلى اتفاق.

وكان واضحاً أن إسرائيل استخدمت اتفاقية أوسلو والمفاوضات كغطاء لتقويض الأسس التي يمكن أن تقوم عليها الحقوق الفلسطينية، فالقدس بحسب السياسات والممارسات الإسرائيلية، هي عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل وهي خارج نطاق المفاوضات، وعودة اللاجئين، أمر تتنكر له إسرائيل والولايات المتحدة بدعوى أن الاعتراف بهذا الحق يعني تدمير إسرائيل.

من بين قضايا الحل الدائم الأساسية، بقيت مسألة الدولة الفلسطينية، التي مزقتها السياسات الاستيطانية على الأرض، حيث أحال الاستيطان، وجدار الفصل العنصري والفصل بين الضفة وغزة، وكل منهما والقدس، أحال ذلك الدولة الفلسطينية إلى مجرد كانتونات معزولة عن بعضها البعض. فوق هذا تصر إسرائيل على أن حدودها الأمنية تصل شرقاً، إلى نهر الأردن، أي أن أمن إسرائيل يقتدي الاحتفاظ بمنطقة غور الأردن، التي تصل مساحتها إلى ثلث مساحة الضفة.

إذا أضيفت لها مساحة القدس التي تصل إلى نحو عشرين في المئة من أرض الضفة، فإن إسرائيل في أحسن الأحوال يمكن أن تقبل بدولة فلسطينية على أقل من نصف أراضي الضفة الغربية. هذه مجرد تفاصيل الحل المرحلي بعيد المدى الذي أعلنه شارون، عشية انتخابه رئيساً لحكومة إسرائيل عام 2001، وقال إنه يشمل إقامة دولة فلسطينية على نحو 42% من أرض الضفة، ومنذ ذلك الحين والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعمل وفق ذلك الحل.

عند هذا الحد، وبسبب انحياز الولايات المتحدة للسياسات الإسرائيلية، وعجز الرباعية الدولية عن توفير بيئة وشروط مناسبة للمفاوضات، تكون مسيرة السلام قد وصلت إلى طريق مسدود، كأمر حتمي يعكس الاختلال الكبير في موازين القوى، وهذا الاستنتاج هو الذي يفسر إصرار القيادة الفلسطينية على الذهاب إلى الأمم المتحدة، بآلياتها ومرجعياتها رغم استمرارها في الحديث عن التزامها خيار التفاوض.

وهكذا فإن المسافة بين إعلان الدولة الفلسطينية كشعار وتحققها على الأرض، قد اتسعت واقعياً، مما يعني أن الصراع قد يعود إلى مربعه الأول، المفتوح على كل الأرض الفلسطينية كصراع وجود وليس صراع حدود.

على أنه إذا كان الطرفان الإسرائيلي الذي يعرف إلى أين تقود سياساته، والفلسطيني الذي يعرف أيضاً، تراجع إمكانية تحقيق أهدافه وثوابته الوطنية التي يلخصها شعار العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، نقول إن الطرفين، غير مستعدين للاستعجال في إعلان هذه الحقائق، بما يستدعيه ذلك من تغيرات جذرية في الاستراتيجيات والخيارات.

إيران و”إسرائيل” مَنْ يمحو مَنْ؟!

الكاتب: ناجي صادق شراب_ الخليج الاماراتية

تصاعدت التكهنات والتوقعات بعد التقرير الذي أصدرته وكالة الطاقة الذرية عن ملف إيران النووي بزيادة احتمالات الحرب، وذهاب “إسرائيل” إلى هذا الخيار باعتباره خياراً حتمياً، لأنه يتعلق بمفاهيم البقاء والوجود، وخصوصاً بعد التصريحات التي تخرج من إيران على مستويات صنع القرار السياسي والعسكري كافة، بأن إيران قادرة على محو “إسرائيل” من الوجود . وهنا السؤال: ما دلالة هذه التصريحات؟ وما مدى جديتها؟ وهل تدرك إيران خطورتها؟ وهل من السهل تحقيق عملية المحو هذه؟ وماذا عن إيران نفسها؟ هل ستبقى هي بمنأى عن التدمير الشامل والفناء؟ والأهم من كل هذا هل تدرك جميع الأطراف ماذا يعني اللجوء إلى القوة النووية المتاحة لديها؟

بداية، لابد من القول إن أهم وظائف السلاح النووي هي خلق حالة من الردع المتبادل الذي يحول دون استخدامه، ثم إن هذا السلاح هدفه تأكيد دور الدولة ومكانتها الإقليمية والدولية، وتقليص حدود الدور والمكانة للدول الأخرى المهيمنة والمسيطرة على إقليم معين .

إذاً، الهدف من امتلاك هذا السلاح هو انتزاع الاعتراف من الدول الأخرى الأقليمية والدولية بدور هذه الدولة، ومن ثم التعايش مع الدولة النووية الجديدة، وهي في نموذجنا إيران . ولو طبقنا هذه المحدّدات على إيران، فلا أحد يستطيع أن يتجاهل أنها تسعى إلى امتلاك القدرة النووية التي تؤهلها لهذا الدور الإقليمي، وما يؤكد ذلك الاستخلاص أن لإيران أهدافاً إقليمية، وتريد استعادة دورها بوصفها دولة مركزية .

وتكشف التصريحات الأخيرة للقادة الإيرانيين أن إيران إما أنها تملك قدرات نووية جاهزة، وإما أنها على مقربة خطوة واحدة من امتلاكها . ولكن هل تدرك إيران مغزى وتداعيات ذلك؟ ومن منظور المنهاج العقلاني يمكن القول نعم، لأن إيران تدرك أيضاً، أن “إسرائيل” دولة نووية وتملك أضعاف أضعاف ما تملكه، وأنها لن تقف مكتوفة اليدين، وهي تستمع إلى مثل هذه التصريحات، وأمامها خياران، إما خيار الذهاب إلى ضربة عسكرية استباقية تدمر بها قدرات إيران النووية وتؤخر برنامجها لسنوات طويلة، وإما أن تتعايش مع هذا الخيار وتحاول أن توظفه في تحسين علاقاتها بمحيطها الإقليمي العربي مستفيدة من التخوف العربي من إيران النووية، وتحسين علاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية أيضاً . ومن جانبها فإن إيران تدرك أنه ليس بمقدورها أن تلجأ إلى القوة النووية حتى لو امتلكتها فعلاً، ومن ثم، خياراتها أن تنتزع اعترافاً دولياً بالدور الإيراني، وأن تفرض على العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة، خيار التعايش معها كدولة نووية، وكذلك محاولة تفريغ العقوبات الدولية من كل تأثيراتها السياسية والاقتصادية، وبالتالي أن تفرض على الغرب الدخول في حوار حتمي معها قد يؤدي إلى حلول وسط تراعي الواقع الجديد، والمصلحة المشتركة في تجنب الحرب التي ستكون تداعياتها خطيرة جداً على مستقبل الاقتصاد العالمي، وتحديداً اقتصادات الدول الأوروبية والولايات المتحدة .

وما زاد الأمر تعقيداً، أن إيران تقع في قلب أهم منطقة صراع إقليمي ودولي، وهي منطقة الخليج العربي التي تشكل أهمية اقتصادية، واستراتيجية لكل القوى الإقليمية الطامحة إلى دور إقليمي قيادي، ومن ناحية أخرى التواجد الأمريكي المباشر في المنطقة، وهو ما يعني زيادة احتمالات المواجهة المباشرة . والأمر الآخر وجود “إسرائيل” في قلب النظام العربي، وفشل العملية السلمية التي كانت تعتمد اعتماداً كبيراً على الحفاظ على موازين القوة لمصلحتها . والآن ومع تنامي قدرات إيران النووية، فذلك يعني تراجعاً في قواعد لعبة القوة في المنطقة بما يعرّض “إسرائيل” لمزيد من الخطر الذي إذا وصل إلى حد تهديد وجودها فذلك سيدفع “إسرائيل” إلى حرب حتمية تعني أيضاً تدمير إيران .

إذاً، ما نشهده لا يصل إلى حد مَنّ يمحو مَنْ، إذ ليس من السهل أن تمحى الدول بفعل القوة إلا في حالة حرب كونية نووية، لن تقتصر على إيران و”إسرائيل”، بل ستأخذ في طريقها دول المنطقة .

لكل هذه الأسباب لابدّ من البحث عن خيارات أخرى بعيداً عن خيار الفناء والمحو، وعن مخارج للوصول إلى نقطة من التعايش والاتفاق على حدود المصالح القومية، والاعتراف المتبادل، وهذا الخيار هو المحك والتحدي الرئيس أمام إيران .

ويبقى السؤال الذي يفرضه الأمن القومي العربي، أين العرب من كل هذه التحولات وما يرسم للمنطقة من خرائط سياسية جديدة تقوم على تقاسم مناطق النفوذ في المنطقة؟

مقومات الدولة الفلسطينية

الكاتب: أسامة الرنتيسي_ جريدة عُمان

الرئيس محمود عباس وخلال مقابلة أجرتها معه فضائية دريم المصرية قبل أيام، فجّر قنبلة من العيار الثقيل شغلت كافة الأروقة السياسية في العالم، لمعرفة ما هو هذا الخيار الخطير والمهم الذي سيكشف عنه قريباً، وفقاً لتصريحات الرئيس عباس، تبعها بعد أيام بتصريح آخر قال فيه إن العرب أخطأوا عندما رفضوا قرار التقسيم 181، ولا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمن هذا القرار.

إذن عباس والقيادة الفلسطينية في حالة مراجعة لمسار السنوات الماضية، وقد تصل مفاجآت عباس إلى مديات غير متوقعة، لأنه منذ ما يناهز أكثر من عقدين، ومنذ «مؤتمر مدريد» 1991، يمكن تقييم المفاوضات الفلسطينية «الإسرائيلية» بأنها تقوم على أمرين: الاحتفاظ «بإسرائيل الكبرى» «فلسطين بكاملها»، و«اتخاذ المفاوضات» ذريعة للاستيطان وخلق وقائع جديدة تعبر عن جوهر موقف «إسرائيل» بالاحتلال والتمسك بالأراضي العربية المحتلة العام 1967، وموقفها هذا يستهتر بالقانون الدولي والقواعد والتقاليد المرعيّة في حقل العلاقات الدولية، بما يعبر عن أزمة للاستثناء الإسرائيلي والمؤيد من الحكومات الغربية، وباعتبارها مفيدة لبعض الطبقات السياسية المهيمنة في العالم، لأن هذا الأمر يعاكس ما جرت عليه العادة في عموم حالات النزاع الدولي الأخرى، حيث لا توجد أي ضغوط جديّة على «إسرائيل» من أجل التسوية في الشرق الأوسط، بل يتواصل دعمها واحتضانها وتقديم ما يلزمها «تشجيعاً» لها على خوض «المفاوضات لإنجاز السلام»، فهي في موقع الرعاية في المنظومة الدولية الغربية.

لقد فرضت هذه السياسة على اللجنة الرباعية وعلى المجموعات الدولية المشاركة في جهود «السلام»، لذلك تركوا الطرف المفاوض الفلسطيني يحل مشاكله بنفسه معها، واقتصر دور الرباعية كما ارتأته واشنطن بدور المسهل، وعلى أرض الواقع العملي دون فرض اشتراطات وخطة وموقف دولي يؤطر المفاوضات وأهدافها، أي ترك الطرف المحتل والقوي المدعوم يفعل ما يريد بالطرف الفلسطيني الضعيف بحكم توازن القوى، فهو ينكل بالمفاوضات التي تدور في حلقة مفرغة، كما ينكل بالأرض عبر الاستيطان والتهويد بعيداً عن دور دولي بما فيه منظمة الأمم المتحدة والقرارات التي أصدرتها بشأن الصراع.

وتتماهى هنا المفاوضات العبثية بأنها بين طرفين متخاصمين، كلاهما مسؤول عن هذا الخصام، بعد أن نكلت «إسرائيل» بالمفاوض الفلسطيني على امتداد عقدين، إلى درجة اتخاذه موقف ترك المفاوضات بعد أن بات كما يقال في المَثَل: «على الأرض يا حَكَمْ»، هنا تبحث الأطراف الدولية عن مصالحة بين متخاصمين كي يعودا إلى المفاوضات.. «فأي مفاوضات هذه»(!) التي لا تقوم على موضوع الاحتلال لأراضي العام 1967 كافة، والوسيط ليس لديه موقف من نتائج المفاوضات وما آلت إليه، أي بوصفها قضية إزالة هذا الاحتلال، إزالة هذا الاستعمار ونزعه.. بقدر ما هي موضوع «عداء متبادل بين العرب واليهود»(!).

لقد شاهدنا خلال عقدين من المفاوضات أن لغة «دبلوماسية جديدة» ليست من القاموس الدولي المعروف، فهي لا تسمي الأشياء بأسمائها، بل التأويلات والتورية، وعلى سبيل المثال مقولة: «الاستيطان عقبة السلام» وليست عدوانا استعماريا استيطانيا مخططا على الأرض، كذلك مقولة: «إن هدم البيوت وطرد السكان لا يخلقان عوامل الثقة الضرورية للسلام»(!) والعديد من هذه النماذج، بدلاً من إعطاء موقف من الانتهاكات اليومية الخطيرة بحق الشعب الفلسطيني.

كما نلاحظ أن ذات المجموعة المعنية، عندما يصل الأمر إلى موقف سلبي من مواقف «إسرائيل»، فإنها تضطر إلى إقامة ديباجة دبلوماسية طويلة تقترن مباشرة بتأكيد أمنها من قبل الأقطاب، وتعهدات ازدهارها وتقدمها، بينما تخضع السلطة الفلسطينية للابتزاز والتهديد إذا ما قالت إن المفاوضات مراوغة ولن تصل إلى أهدافها.

نتساءل: كيف يمكن حل النزاع العربي الإسرائيلي و«إسرائيل» تتلقى الدعم غير المحدود والضمانات الأمنية والاقتصادية والتسليحية لقوتها العسكرية، وهي في حالة عدوان دائم؟ بل كيف يمكن فرض المفاوضات الجادة عليها تحت ظلال هكذا معادلة؟ ولماذا لا تتغطرس على السلام وتواصل عدوانها كما جرت عادتها سابقاً؟ هي أفضل طريقة تقدم لمشروع «إسرائيل» التوسعي، لدرجة أنها تستهتر بالأوروبيين أيضاً في مقاربتها العمياء، وكذلك باستراتيجياتهم ومصالحهم في المنطقة. أليس هؤلاء هم بالذات مَنْ تواطؤوا معها على حرق «تقرير غولدستون».. بينما يشترطون على الفلسطينيين عدم مقاومة الاحتلال؟.. أية مقاربات هذه؟!

هنا علينا أن نبحث عن استراتيجية أخرى لدفع «إسرائيل» للتوافق مع الإدارة الدولية والقانون الدولي، والتخلي عن الاستيطان، بدلاً من «المكافآت» التي تقدم لها على الرغم من انتهاكها اليومي لعموم القانون الدولي.

إن اعادة النظر في السياسة التفاوضية التي مرت على امتداد عشرين عاماً، ووصلت إلى طريق مسدود.. إلى الفشل الواضح مطلوب وفورا، ولم يعد أمام الشعب الفلسطيني من خيارات إلا العودة للمرجعيات الدولية، أي مجلس الأمن والأمم المتحدة بعد هذا القرار، والدخول عضواً بالأمم المتحدة كاملاً دولةً وليس فقط مراقباً بصفة حركة تحرر وطني.

على الفلسطينيين قراءة مسار المفاوضات واستخلاص الدروس العلمية والعملية بذلك، وألا يعودوا إلى المفاوضات التي كانت قائمة قبل اتخاذ هذا القرار؛ بل إلى مفاوضات من نوع جديد تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية، وفي المقدمة منها القرار قبولهم دولة state بالأمم المتحدة وبكل مؤسساتها بلا استثناء، بما فيه المحكمة الجزائية الدولية، لأن «إسرائيل» والإدارة الأمريكية ترفضان أن تدخل فلسطين عضواً كامل العضوية في المحكمة الجزائية الدولية التي تمكن من وقف الاستيطان في القدس والضفة، وتقرير جولدستون حتى العدوان على غزة حتى الاعتقالات والاغتيالات في الضفة كلها تذهب إلى المحكمة الجزائية لمحاكمة كل الخطوات الأحادية الإسرائيلية.

اشتقاق سياسة استراتيجية تفاوضية جديدة تقوم على هذه القرارات الدولية وفي إطار مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة مرجعية هذه القرارات الدولية، وهذا ممكن وممكن جداً وبسقف زمني محدد وليس مفتوحاً عشرات السنين، وفي عشرات السنين الأخرى لن تبقى إمكانية لبناء دولة فلسطينية قابلة للحياة متصلة وحرة مستقلة، لأن غول الاستيطان وزحفه لا يتوقف.

إن حل الشرعية الدولية يستدعي الجمع بين «سلاح السياسة وسياسة المقاومة»؛ السياسة القائمة على قرارات الأمم المتحدة بتقرير المصير والدولة المستقلة بحدود 4 يونيو 1967 عاصمتها القدس، وحق عودة اللاجئين عملاً بالقرار الأممي 194، والمقاومة الراشدة بجبهة متحدة أولاً، وثانياً إسقاط الانقسام بالعودة للشعب وانتخابات تشريعية وتنفيذية لمؤسسات المجتمع المدني، السلطة، منظمة التحرير الفلسطينية على أساس قوائم التمثيل النسبي الكامل، وسقف أعلى في التضامن العربي والأممي مع حقوق شعبنا الوطنية