أقلام وآراء616) )

الأزمة تهدد الكبار أولاً المركز الفلسطيني للإعلام بلال الحسن

ومن أجبركم على حب نتنياهو؟ المركز الفلسطيني للإعلام إلياس سحاب

السلطة الفلسطينية بين الحل أو الانهيار المركز الفلسطيني للإعلام مؤمن بسيسو

المصالحة الفلسطينية... لغز أجناد أيمن دراغمة

غزوة صناديق الاقتراع فلسطين أون لاين د.عصام شاور

هل تحقدون على سلام فياض؟ فلسطين أون لاين د. فايز أبو شمالة

الأزمة تهدد الكبار أولاً

المركز الفلسطيني للإعلام،،، بلال الحسن

امتلأت الصحف الأميركية والغربية مؤخرا، بمقالات ومعلومات، تتحدث كلها عن أزمة اقتصادية ضخمة تهدد أميركا، ثم تهدد أوروبا، ثم تهدد دول العالم كلها، ومن ضمنها دولنا العربية. ويستذكر الكل في الحديث عن هذه الأزمة، الأزمة الاقتصادية التي هزت العالم عام 1929، ولا يتورعون عن الإشارة إلى أن أزمة مماثلة ربما تكون في الطريق.

وبينما يتحدث البعض عن أزمة، يتحدث البعض الآخر عن الاقتصاد الرأسمالي برمته، ويقولون إنه اقتصاد هش وعاجز. وتأتي هذه الآراء على لسان اقتصاديين كبار كرأي وازن في مجرى الأحداث. مثلاً... يتحدث (بيير كارلو بادوان) نائب الأمين العام لـ(منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية) قائلاً «إن الأزمة الاقتصادية الراهنة حادة وخطيرة وجادة للغاية، وقد انتقل مركزها من الولايات المتحدة الأميركية إلى أوروبا».

وفور الحديث عن الأزمة يتطور الحديث إلى النظام الاقتصادي الغربي برمته، وهو نفسه يقول «إننا أمام نظام اقتصادي غربي أثبت هشاشته في مواجهة الأزمات»، مطالبا بضرورة تجديد النظام الأوروبي.

ويبرز في قلب هذه الأزمة، الحديث عما يسمى (أزمة الديون)، فقد صرح (آلان غروكر) كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي، بأن أزمة الديون والبنوك في أوروبا لا تزال تشكل أكبر تهديد لتعافي الاقتصاد الأميركي، خاصة أن أميركا تصدر 20 في المائة من إجمالي صادراتها إلى أوروبا. ولذلك فإن كروغر يحث أوروبا على اتخاذ إجراءات سريعة لتنفيذ (خطة إنقاذ أزمة الديون)، حيث تهدد هذه الأزمة بإدخال الاقتصاد الأميركي في أزمة ركود تنعكس سلباً على حظوظ باراك أوباما في الفوز برئاسة ثانية لبلده.

وتمتد الأزمة من أميركا إلى أوروبا، حيث تشهد اليونان انكماشاً في اقتصادها ينذر بأزمة مالية، كذلك امتدت الأزمة إلى إيطاليا وإسبانيا، حيث تعاني الدولتان من نتائج ديون كبيرة تفرض عليهما دفع فوائد ضخمة.

وتعليقا على ذلك قالت مصادر مصرفية إن (هيئة الرقابة المصرفية في أوروبا) أعلنت أن البنوك الأوروبية تحتاج إلى 144 مليار دولار لاستعادة الثقة بنظامها المصرفي.

ويجمع المحللون على أن الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية، والتي تؤثر على بقية دول العالم، تكمن في النفقات الباهظة التي تتحملها أميركا جراء احتلال العراق وأفغانستان، فقد ازدادت هذه النفقات حتى بلغت في العراق وحده 700 مليار دولار.

في مواجهة هذه النفقات الباهظة، تمت المسارعة إلى رفع أسعار النفط، وهكذا بدأ سعر البرميل الواحد بالارتفاع حتى تجاوز 150 دولاراً. كما انعكس ذلك مباشرة على قطاع اقتصادي آخر هو القطاع العقاري (عام 2008)، نتيجة عدم قدرة ذوي الدخل المحدود على دفع أقساط الدين المترتب عليهم. ثم تلا ذلك إقدام البنوك والشركات الضخمة على تسريح الأيدي العاملة. وهكذا بدأت سلسلة من التراجعات في مختلف المناحي الاقتصادية.

امتدت الأزمة من أميركا إلى أوروبا، فشملت بريطانيا، ثم شملت دول أوروبا الشرقية، وفي مقدمتها روسيا التي سارعت لدعم اقتصادها بنحو 300 مليار دولار.

ومن غير الممكن أن يدور الحديث عن الأزمة الاقتصادية العالمية، من دون التطرق إلى الأوضاع العربية، وإلى الثروات العربية، وتحميلها جزءا من اللوم بسبب ما يجري داخل الاقتصاد العالمي. فمنذ عام 2008 صدر تقرير أميركي يتحدث عن صناديق التوفير العربية مثل (صندوق الأجيال)، أو (صندوق الثروة السيادية). هذا التقرير أعده (ريتشارد هاس) مسؤول التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأميركية. ركز هاس في تقريره على مصادر الثروة السيادية لدى الدول الخليجية، وعبر عن التخوف من تزايد سطوتها بما يمكنها من التحكم بالنظام المالي الأميركي (!!). وثمة تقرير ثان أعده (دانييل وريزنر) ونشره في مجلة (أميركا) عام 2008، تحت اسم (السيادات قادمة) وركز فيه على أن عصر سيطرة هذه الصناديق السيادية العربية قادم بسبب تضخم أموال هذه الصناديق العربية السيادية (أي التي تمتلكها حكومات). وهو تحليل ينطوي على دعوة مبطنة لسلب أموال هذه الصناديق بطريقة أو بأخرى، وإفشال قدرتها على التأثير في أوضاع السوق العالمية.

وقد كان هنري كيسنجر سباقا لطرح مثل هذا التوجه، وذلك في مقال نشره في مجلة «هيرالد تريبيون» الدولية (19/9/2008)، يحذر فيه من تكديس مليارات النفط في الخليج وفي صناديق الثروة الخليجية، ويدعو الغرب إلى العمل على تقليص قدرة منظمة أوبك النفطية حتى لا يتحول تأثيرها الاقتصادي إلى تأثير سياسي. وهنا دعا كيسنجر إلى استراتيجية أميركية سياسية لمواجهة صناديق الثروة العربية الناجمة عن النفط.

وهكذا.. تتطلع السياسات الغربية دائما نحو السعي للسيطرة على الثروات الاستراتيجية العربية، ولكنها لا تكتفي بذلك، بل هي تسعى في خطوة لاحقة إلى السيطرة أيضا على ما يتجمع لدى الدول العربية من أرباح، يفترض أن تستثمرها هذه الدول في تطوير اقتصادها، وهو ما لا يرتاح إليه سياسيون من نوع كيسنجر، والذي لم يعد حالة فردية، بل أصبح يمثل مدرسة يوجد تلاميذها في مراكز صنع القرار في أكثر من عاصمة أوروبية.

إزاء هذا كله، وإزاء هذا الاهتمام الغربي الكبير بما يتوفر لدى بعض الدول العربية من أموال، يستحق الأمر أن تولي الدول العربية عناية لما لديها من أموال، وأن تبحث عن أفضل السبل لاستثمارها داخل بلداننا العربية، بما يؤدي إلى تطويرها ورفع مكانتها الاقتصادية. ونموذج ذلك مشروع مد سكك الحديد داخل المملكة العربية السعودية.

ويقتضي الأمر وضع خطط عربية طموحة لتطوير البنية التحتية للاقتصادات العربية، وبخاصة ذلك النوع من التطوير الذي يحتاج إلى تعاون أكثر من جهة عربية، مثل بناء شبكة مواصلات تصل الأقطار العربية بعضها ببعض، سواء في الطرق البرية، أو في سكك الحديد، أو في شبكات الملاحة البحرية.

ولا بأس أن نستذكر هنا، أنه في عام 1980، ومع بروز نظريات السلام على طريقة (اتفاق كامب ديفيد)، تم وضع دراسات أميركية وأوروبية، تركز على تطوير شبكة المواصلات في المنطقة. وقد لفت نظر الكثيرين في تلك الدراسات أنها كانت تتطلع إلى شبكة مواصلات كثيفة، تنطلق من كل عاصمة عربية، ليس إلى العواصم العربية المجاورة لها، بل نحو دولة إسرائيل، بحيث تكون "إسرائيل" هي المركز الذي تصب فيه جميع طرق المواصلات العربية. ومع أن هذه الخطط لم تنجح، إلا أنها كشفت، وتكشف دائما، أن المشاريع الغربية لا تهتم بتطوير منطقتنا بل تهتم أساسا بتقوية موقع "إسرائيل" من خلال ربط "إسرائيل" بالعواصم العربية.

إن قضية المواصلات بين الدول العربية جديرة باهتمام خاص، يضعها في إطار استراتيجي يخدم مصالح الجميع، ويقوي من وضع دول المنطقة في مواجهة الخصوم والطامعين، ويجعل العلاقات العربية منطلقا أساسياً في التفكير والتخطيط، يقف في وجه فكرة العلاقات العربية - الإسرائيلية التي لا يفكر الغرب إلا بها، خدمة لمصالحه.

ومن أجبركم على حب نتنياهو؟

المركز الفلسطيني للإعلام،،، إلياس سحاب

في البداية، شكراً للخطأ التقني الذي تسبب في أن ينقل لنا ما كان يتهامس به كل من الرئيس الفرنسي ساركوزي والأمريكي أوباما، بشأن عواطفهما الشخصية تجاه شخصية مشتركة، هي شخصية رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو.

وسبب الشكر المباشر هو أن هذا الخطأ قد أتاح لنا الكلمة الفصل في ما كان البعض منا يستنتجونه استنتاجاً، فجاء الخطأ ليحول الاستنتاج إلى حقيقة، وهي الحقيقة التي تقول إن ساركوزي قد عبر عن أنه لا يطيق نتنياهو لأنه كاذب، كما أن أوباما قد عبر عن أن ما لديه إزاء نتنياهو من انزعاج يفوق ما لدى الرئيس الفرنسي.

لكن السؤال المهم الذي سرعان ما يطرح نفسه إزاء هذه الصراحة السياسية التي تسربت إلى العلن رغم إرادة صاحبيها، هو: ما الذي يفسر لنا إذاً، هذا التناقض بين العواطف السياسية الدفينة، والعواطف السياسية المعلنة لدى الرئيسين الغربيين الكبيرين، إزاء موضوع له علاقة ب"إسرائيل"؟

وقبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لنذكّر القارئ بأنه قلما جاء رئيس فرنسي بعد ديغول كان يغدق على "إسرائيل" آخر العواطف في أشد لحظات "إسرائيل" مخالفة لكل القوانين الدولية مثلما فعل ساركوزي، كما أنه ثبت من قبل انتهاء الولاية الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما، أنه أكثر الرؤساء الأمريكيين صهيونية في مواقفه منذ إنشاء دولة "إسرائيل"، على الأقل في ما يعبر عنه علناً من عواطف سياسية ومواقف سياسية.

الجواب عن السؤال يذهب بنا مباشرة إلى أن الغرب قد ارتكب ضد يهود أوروبا بالذات من التصرفات العنصرية في القرون الأخيرة، وخاصة في النصف الأول من القرن العشرين ما جعل الدول الغربية (أمريكا وأوروبا) بمجملها تشعر بنقطة ضعف إزاء الحركة الصهيونية التي تجسدت منذ منتصف القرن، بدولة "إسرائيل".

نقطة الضعف هذه راكمت مواقف الدول الغربية الشاذة عند إنشاء "إسرائيل" على أرض فلسطين المغتصبة والمشرد شعبها، وبعد إنشائها، وحتى يومنا هذا، ما يفوق الخيال، لأنها كلها مواقف تحسب على نقيض كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية الواردة في مختلف نصوص وثائق الأمم المتحدة (حقوق الإنسان وسواها).

من هذه المواقف مثلا أن "إسرائيل" قد سمح لها أن تقوم كدولة، بدعم الدول الغربية الكبرى، على تشريد شعب من أرض أجداده.

ومنها أن عدداً من القرارات الدولية قد أصدرها المجتمع الدولي بعد ذلك في محاولة لتخفيف آثار ذلك الموقف التاريخي الناشز، مثل القرار 181 أو القرار 194، لكن دون جدوى.

ثم جاء بعد ذلك احتلال "إسرائيل" لمجموعة من الأراضي العربية في العام 1967، ومنها البقية الباقية من فلسطين، إضافة الى مزيد من أراضي الدول العربية المحيطة بها. لكن الدول الغربية دأبت مذاك على أن تستخدم أو تهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) إزاء كل المساعي التي بذلت في الأمم المتحدة لعشرات السنين، لتفرض على "إسرائيل" تطبيق القرارات الدولية التي من شأنها تخفيف الوقع القانوني والإنساني لمأساة إنشاء دولة "إسرائيل" في العام 48 واحتلال العام 67.

آخر هذه المواقف المخزية، التي لا آخر لها، تمثل في موقف الصحافة الغربية (وعلى رأسها الصحافة الفرنسية في بلد المسيو ساركوزي) عندما تمت عملية التبادل بين الجندي "الإسرائيلي" الأسير (شاليت) وما يفوق ألفاً من الأسرى العرب في السجون "الإسرائيلية". فلقد خرجت كبريات الصحف الفرنسية، وعلى رأسها صحيفة "لوموند" المعروفة برصانتها عادة، تهلل لإطلاق سراح فرد "إسرائيلي" واحد هو شاليت، وتتناسى نهائياً مئات الأسرى العرب المطلق سراحهم، وكأنها تريد أن تزيد على مواقفها السياسية المخزية إزاء كل ما تمثله "إسرائيل" من تناقض مع القانون الدولي، ما يؤكد تمييزها العنصري بين فرد من "إسرائيل"، ومئات من الأفراد العرب، الذين لا يساوون هذا الفرد في ميزان العنصرية الغربية إزاء العرب.

إنه إذاً، الموقف العنصري الذي يفسر هذا التناقض بالأساس، لكن يضاف إليه في تفسير التناقض المشار إليه في مطلع المقال، الموقف السياسي، الذي يدفع كل عامل في السياسة في كل الدول الغربية الكبرى، إلى أن يكون حريصاً، في جميع مواقفه الكبيرة والصغيرة، ألا يسجل عليه غلطة انتقاد السياسة "الإسرائيلية"، أو الساسة "الإسرائيليين"، حتى لو كان يقول له إن هذه السياسة تقوم أساساً على خرق كل الشرائع والقوانين الدولية، وكل المواثيق الإنسانية والأخلاقية.

من أجبر إذاً، ساركوزي وأوباما على الغرام العلني بنتنياهو ومواقفه، وعلى التعبير عن كرهه في السر؟ إنه المنصب السياسي والمصالح الذاتية المنافية لكل القيم الإنسانية هو الذي أجبر الرئيسين الفرنسي والأمريكي، على التناقض بين المعلن والمستور من مواقفهما إزاء "إسرائيل" وساستها.

السلطة الفلسطينية بين الحل أو الانهيار

المركز الفلسطيني للإعلام ،،، مؤمن بسيسو

هل يملك "أبو مازن" قرار حلّ السلطة الفلسطينية وفرط عِقدها وإعادة "الأمانة" إلى حِجْر الاحتلال من جديد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن خلال التلويح بنفض اليد من تجربة السلطة الفاشلة أو التحذير من انهيارها الذاتي بفعل تعنت وإجراءات ومخططات الاحتلال؟

تلويح أو تهديد "أبو مازن" بحل السلطة أو انهيارها بسبب فشل التسوية واستمرار الاستيطان وعدم الإقرار بدولة فلسطينية في حدود العام 67 ينكأ من جديد الجرح الفلسطيني المفتوح، ويعيد إلى الواجهة حقيقة الأزمة الخانقة وطبيعة المشكلة المستعصية التي يئنّ من شدة وطأتها الواقع الفلسطيني الراهن، والمتمثلة في استمرار وجود السلطة ككيان وظيفي خادم للاحتلال، وهيكل سياسي فاقد لكل مقومات البقاء وأشكال السيادة فلسطينياً.

ومع ذلك، لا تبدو الإجابة عن سؤال حل أو انهيار السلطة سهلة المنال في ظل التعقيدات والتشابكات التي رافقت نشأة السلطة كإفراز عن اتفاقات أوسلو، ومراحل عملها وسيرها، وطبيعة تعاطيها مع عناصر ومكونات المجتمع الفلسطيني، وأسس وخلفيات العلاقة السياسية والأمنية والاقتصادية التي تربطها ب"إسرائيل" والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل خاص، والمحيط الخارجي بشكل عام.

تجربة كارثية

منذ نشأتها وفقاً لاتفاقات أوسلو أدخلت السلطة الفلسطينية القضية الفلسطينية في منزلقات ومتاهات بالغة الخطورة، وجعلت منها ألعوبة بيد الشرق والغرب ومطية لأصحاب الأجندة الخاصة والأغراض الرخيصة.

ولم يكن الشعب الفلسطيني أفضل حالا؛ فقد تأثرت مختلف شرائحه وأطيافه الشعبية بألوان المعاناة التي تعاقبت عليها في مختلف الأصعدة والمجالات، ودفعت ثمن الارتهان للقرارات والأجندة الخارجية من جهة، وثمن الممارسات الفاسدة التي أدمنت عليها السلطة حتى اليوم من جهة أخرى.

مع وجود السلطة تشوهت المعادلة الفلسطينية التي "استوت" فترة من الزمن على سوق مواجهة الاحتلال، وتخللتها نضالات وانتفاضات مقدّرة، وأضحت حالة مأزومة في ظل هيمنة الاحتلال وسيادته، فلا هي تدرك توصيف نفسها ككيان يلتمس بناء مقومات دولته المستقلة وركائزها ويعمد إلى البناء الداخلي، ولا هي تمضي في مسار الكفاح والمقاومة لتحرير الأرض من دنس الاحتلال على وقع مخططات الاستيطان والتهويد التي تبتلع الأرض الفلسطينية دون هوادة.

الحقيقة التي لا مراء فيها أن تأسيس كيان فلسطيني يرعى شؤون واحتياجات الفلسطينيين أمر ملح للغاية، لكن هناك فارقاً -بداية- بين الكيان ذي الصبغة البلدية الذي لا يرتبط بسقوف والتزامات سياسية، وبين الكيان ذي الصبغة السياسية المحكوم بقيود وأثقال تفرغه من مضامينه الأساسية، وتجعل منه كياناً مسخاً ذا مهام وظيفية ليس أكثر، فكيف لو اجتمع ذلك مع استباحة هذا الكيان من قبل احتلال عسكري وحشي لا يتورع عن التغول على كافة المناحي الفلسطينية وسحق كل أشكال الكرامة والنهوض لديهم؟!

ما بين ائتلاف النقيضين الذي اختلطت فيه مساعي البناء الداخلي بجهود التحرر الوطني، شهد الواقع الفلسطيني اختراق كثير من المحرمات والخطوط الحمراء الوطنية التي جعلت من الالتزامات الأمنية مع الاحتلال -وفقاً لاتفاقية أوسلو وملحقاتها- تكأة لتبريرها؛ فالاعتقال السياسي وخنق الحريات العامة وقمعها، وضرب المقاومة ومحاولة استئصالها، وعسكرة المجتمع، وسيادة سلوكيات الفلتان الأمني، والتعاون الأمني مع الاحتلال الذي كانت ثماره المرّة اغتيال واعتقال المقاومين، شكلت -وما زالت- مظاهر سوداء في سجل ممارسات السلطة الفلسطينية طوال المرحلة الماضية، وما زالت تجد صداها وشرعية اقترافها في قمة الهرم السياسي السلطوي الفلسطيني، وبقرارات وسياسات رسمية معتمدة.

أدارت السلطة الشأن الوطني الفلسطيني، وعملت على بناء مؤسسات وهياكل رسمية من أجل تنسيق شؤون الناس وإرساء الأرضية المواتية والقواعد الصلبة لإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة، وأجرت انتخابات رئاسية وتشريعية في إطار الحراك المتبلور نحو العمل الديمقراطي، وتشكّل لذلك برلمان عتيد وحكومات متعاقبة تحت أسماء براقة وألقاب لامعة، فماذا كانت النتيجة في نهاية المطاف؟ لا شيء. هذه خلاصة ما بلغناه من وراء كل العمل وكل الجهد في مرحلة ما بعد نشأة السلطة حتى اليوم.

لم تخدم السلطة شعبها وفق المأمول، وكل ما فعلته أنها حشدت جيشا عرمرماً من البطالة المقنعة في إطار وظائف السلطة التي تنتظر راتبها نهاية كل شهر، ولم تبنِ مؤسسة حقيقية واحدة تصلح للاستفادة منها بصورة حقيقية باعتبارها ركيزة من ركائز الدولة، والنتيجة أننا عايشنا فصولا من الإخفاق المدقع في تأسيس تجربة ديمقراطية حقيقية تشكل نواة صلبة لمرحلة الدولة الموعودة.

رئيس السلطة ليس له حصانة، ويحتاج كأي مواطن عادي إلى تصريح للمرور من سلطات الاحتلال، وهو غير بعيد عن سوط العقاب والاستهداف فيما لو خرج عن لعبة الالتزامات المفروضة، وتجربة الراحل عرفات خير شاهد وعنوان، ولا حصانة للوزراء والنواب وكبار المسؤولين الذين احتضنتهم -وما تزال- سجون الاحتلال وزنازينه أسوة بغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني، ولا قيمة سياسية أو اعتبارية للسلطة في مناطق عملها ونطاق إدارتها، والجيش الإسرائيلي جاهز للاستباحة والاقتحام في أي لحظة، ولا.. ولا.. والقائمة تطول!

لم يكن "أبو مازن" يتخيل في أسوأ توقعاته أن يتحول إلى رئيس شكلي دون أي سلطة حقيقية، وأن تدير إسرائيل ظهرها لكل الالتزامات ونصوص المعاهدات التي أبرمتها مع السلطة سابقاً، وأن تتهرب الإدارة الأميركية من مسؤولياتها تجاه مسيرة التسوية، وتعجز عن ممارسة أي ضغط حقيقي على حكومات الاحتلال باتجاه وقف أو تجميد الاستيطان ولو جزئياً لفترة زمنية محدودة.

لذا فإن تجربة السلطة في ظل الاحتلال تجربة مأساوية ذات نتائج كارثية بامتياز، فقد وضعت الفلسطينيين وبناهم ومؤسساتهم تحت رحمة الاحتلال، وأعادت القضية الفلسطينية سنوات طويلة إلى الوراء، وحرفت الفلسطينيين عن أولويات التحرر الوطني، وأشعلت نيران التناقضات الداخلية، وهدمت القيم والمبادئ والأخلاقيات الوطنية، ونزعت من الصدور حب الوطن لصالح الانحياز للرتب والوظائف والامتيازات والمصالح الشخصية الضيقة، وأهملت المواطن العادي غير المؤطر تنظيميا أو غير القريب من الدائرة الفصائلية.

قد يطلق الكثيرون على واقع السلطة الراهن نعوتا من قبيل "السلطة الورقية" أو "السلطة الكرتونية"، ويستدلون على ذلك بانعدام كافة مقومات سيادتها على أرض الواقع، لكن القول الأصح الذي ينبغي إطلاقه على حقيقة الكيان المتشكل حاليا هو لفظ "اللاسلطة"، فهو ليس مجرد سلطة ورقية أو كرتونية، وليس حكما ذاتيا محدودا، بل إن تشخيص حاله يجزم بوقوعه في دائرة "اللاسلطة" وانتفاء أي مظهر سلطوي فيه.

من هنا فإن جرداً بسيطاً لحساب الأرباح والخسائر الوطنية الفلسطينية منذ تأسيس السلطة حتى اليوم يؤكد أن الفلسطينيين لم يخسروا -في ظل وجود السلطة- الكثير فقط، بل إنهم خسروا بصورة دائمة ومتواصلة، وإن قضيتهم وكينونتهم ودورهم الفلسطيني إلى تراجع وانكسار.

باختصار، أضحت السلطة -بصورتها وهياكلها ودورها الحالي- عبئاً كاملاً على شعبنا الفلسطيني وقضيته الكبرى ومشروعه الوطني، فلا سلطة ولا ديمقراطية تحت الاحتلال.

على مفترق طرق

لم يكن خيار حلّ وتفكّك السلطة -تحت أي صورة كانت- مطروحا في الأروقة السلطوية والفتحاوية القيادية إبان المرحلة التي أعقبت تأسيس السلطة وحتى وقت قريب، لكن التلميحات والتسريبات الأخيرة التي صدرت عن شخصيات قيادية في السلطة وحركة فتح فعلت فعلها، وأرخت ظلالاً من الشك حول مدى وطبيعة استعداد "أبو مازن" وقيادة السلطة وفتح للاستمرار في مشروع السلطة وفق المعايير والمواصفات والمعطيات الحالية.

يدرك "أبو مازن" -ومن ورائه قيادة فتح- أن مشروعهم الوطني المطروح قد فشل إثر عقدين أعجفين من العمل التفاوضي الهزيل، وأن خياراتهم الوطنية قد تم استنفادها عن بكرة أبيها، وخصوصا إثر فشل خيار اللجوء إلى الأمم المتحدة لتحصيل العضوية الكاملة للدولة الذي شكل الخيار الأخير لدى "أبو مازن" لتحقيق أي إنجاز وطني فلسطيني، والمحاولة الأخيرة لإنقاذ مشروعه السياسي والوطني الذي شهد انتكاسات بالغة طيلة الأعوام الماضية التي تلت اعتلاءه سدة الرئاسة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح.

اليوم، يجد "أبو مازن" نفسه على مفترق طرق حاسم في مواجهة التحديات الكبرى، فإن استمر فسيستمر رئيساً لسلطة متهافتة ذات وظائف أمنية خادمة للاحتلال بعيداً عن أي نفس وطني، وسيسقط تماماً في بؤرة الغضب والرفض الشعبي الفلسطيني.

ومن هنا يمكن تفسير شروع "أبو مازن" في تغيير قواعد اللعبة بشكل تدريجي مدروس مع "إسرائيل" والإدارة الأميركية، وحرصه البائن على إنجاز مشروع المصالحة الفلسطينية والتنسيق مع حماس بهدف إرساء إستراتيجية فلسطينية جديدة لإدارة الملف الفلسطيني داخلياً وخارجياً خلال الأيام المقبلة.

متواليات الأحداث تعطي مؤشرا واضحا لذكاء "أبو مازن" سياسياً، ولكنه ذكاء متأخر على أية حال، ومع ذلك يمكن البناء عليه لجهة ترتيب الأولويات الوطنية الفلسطينية من جديد، ورسم ملامح موقف فلسطيني موحد في مواجهة الاستلاب الإسرائيلي للفلسطينيين، أرضاً ووطناً وإنساناً وسلطة وقضية، خلال المرحلة القادمة.

مشكلة "أبو مازن" أنه أدرك متأخرا أن سلطته وهمية، وأنْ لا سلطة حقيقية تحت الاحتلال، فالمسألة هنا لا تتعلق برغبة نظرية يسهل تبنيها بقدر ما تتعلق بحالة معقدة وأخلاط متشابكة، داخلياً وخارجياً، يصعب تفكيكها أو القفز عنها بسهولة كما يتصور البعض.

ولا يبدو أن القوى الكبرى التي رعت إنشاء السلطة كمشروع دولي في وارد التضحية بها والاستغناء عن خدماتها، على الأقل في هذه المرحلة، فالإدارة الأميركية التي تتزعم الضغوط على السلطة راجعت حساباتها بوضوح تجاه تهديداتها بقطع الدعم المالي عن السلطة في ظل مؤشرات انهيارها، ولا يُتوقع أن تنحو منحى عقابياً للسلطة على الصعيد المالي والاقتصادي مستقبلاً.

وعلى المستوى الداخلي، فإن الارتباط المعيشي لشرائح واسعة من الفلسطينيين بالسلطة وراتبها يجعل من الشروع في بحث أمر حل السلطة دون بدائل سليمة وحقيقية أمراً متعسفاً بعيداً عن المنطق والواقعية.

لذا، يجوز لنا التأكيد أن مفتاح حلّ السلطة، ولو عبر بوابة التحذير من انهيارها، ليس بيد "أبو مازن" وحركة فتح، وأن السلطة يصعب أن تأخذ طريقها نحو الحلّ عبر المراجعة الفلسطينية الذاتية حالياً، وأن إمكانية انهيارها تبقى أحد الاحتمالات الواردة خلال المرحلة المقبلة.

ما الحل؟

حلّ وتفكيك السلطة لا يشكل أولوية وطنية في هذه المرحلة، وينبغي أن تتصدر المصالحة وجهود إنفاذ آلياتها الأجندة الوطنية الفلسطينية، بموازاة الانخراط في ورش عمل وطنية تشارك فيها فصائل الشعب الفلسطيني وكافة شرائحه الاجتماعية، وتبحث بشكل شامل ومعمق في ماهية الخيارات والبدائل الوطنية، بهدف استنقاذ القضية الفلسطينية ومواجهة التحديات والمخططات الإسرائيلية، وإقرار أفضل الصيغ لإدارة الشأن الفلسطيني الداخلي في إطار مسيرة التحرر والانعتاق من الاحتلال.

تهديدات "أبو مازن" اليوم بحل السلطة أو التحذير من انهيارها تبقى في الإطار النظري المجرد، ولا يُتوقع –على الأرجح- أن تترجم على أرض الواقع لاعتبارات وظروف مختلفة، يتعلق بعضها بضعف نفوذه وتأثيره الداخلي الذي أحال الضفة الغربية إلى قطاعات سياسية وممالك أمنية ذات ولاءات وامتدادات خارجية ارتبطت مصالحها ووجودها بمصالح واستمرار الاحتلال، ويتعلق بعضها الآخر بسطوة التدخل والتأثير الدولي على السلطة الفلسطينية.

المنظومة السلطوية الراهنة بحاجة اليوم إلى علاج جذري وإعادة صياغة شاملة، ولن يتأتى ذلك إلا عبر ولوج بوابة التوافق الوطني، وطيّ صفحة الانقسام البغيض بشكل نهائي، وتطبيق اتفاق المصالحة الفلسطينية الذي تم إقراره في القاهرة شهر مايو/أيار الماضي، والشروع في إعادة قولبة النظام السياسي الفلسطيني من جديد، ورسم رؤية وطنية فلسطينية شاملة تتناول إدارة الواقع الداخلي كما إدارة الصراع مع الاحتلال، وذلك بهدف تقويم العوج والانحراف الذي أصاب المسيرة الوطنية الفلسطينية طيلة العقدين الماضيين، ومواجهة أخطار وتحديات المرحلة القادمة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى سيرتها الأولى، سيرة الشرف والطهر والإجماع الوطني.

من هنا تكمن أهمية اللقاء المرتقب بين عباس ومشعل خلال الأيام القادمة لجهة بحث آفاق المستقبل الفلسطيني وآليات إنفاذ المصالحة الفلسطينية، وهو لقاء حاسم وأساسي ومفصلي كما تشير إلى ذلك معظم المعطيات والتوقعات، وربما يؤسس -حال نجاحه- لمرحلة تاريخية جديدة في حياة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

المصالحة الفلسطينية... لغز

أجناد،،،النائب: أيمن دراغمة

الحديث عن المصالحة الفلسطينية يأخذنا للحديث حول ملفات مرتبطة أساساً بجوهر الموضوع، ولا يمكن القفز عنها إن من سمات وتعقيدات الحالة الفلسطينية الحالية بعد نشوء السلطة ظهور حالة عدم انسجام مكونات النظام السياسي وأقصد مكونات العمل الوطني والسياسي الفلسطيني، فهناك سلطة ولدت من رحم اتفاقيات أوسلو برعاية أوروبية وأمريكية وقد تمت الاتفاقيات بشكل يضمن للإحتلال التحكم بتنفيذها في الوقت الذي تصطدم فيه أهداف الاحتلال مع الأهداف الفلسطينية التي اعتبرت عام 1999، هو نهاية المرحلة الانتقالية والتي كان يجب أن تفضي لقيام الدولة، بينما الاحتلال الاسرائيلي يرى السلطة شكل وظيفي يقوم بمهام وظيفية إدارية وأمنية ومالية فيما يتعلق بحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال. ولذا فهو يدعم ويساند ويسهل هذه الخدمات ما دامت لا تمس استراتيجيته التي لا تعترف بالحقوق الفلسطينية ولذا طالب عدد من مفكري وقيادات العمل الوطني الفلسطيني بحل السطلة ، وإلزام الاحتلال بتحمل المسؤولية القانونية تجاه هذه المهمات والخدمات.

بعد ثورة انتخابات 2006، حدثت صدمة أصابت المكونات غير المنسجمة للنظام السياسي الفلسطيني بدوار، فحماس فازت بالأغلبية وأرادت أن تترجم فوزها الانتخابي بممارسة حقها القانوني والدستوري، وفتح و م . ت . ف صاحبة السبق التاريخي وحق الامتياز بتشكيل السلطة عز عليها ترك المقاعد وتسليمها لحماس، كل ذلك وسط أجواء دولية وعربية غير راضية عن مبدأ الانتخابات وترفض النتائج وتتدخل بشكل يومي في الشأن الفلسطيني وتريد الحفاظ على شكل السلطة ودورها وفقاً لما تم البناء عليه، وقطع الطريق على إقامة نموذج ديمقراطي عربي يترجم إرادة الشعوب من خلال صندوق الاقتراع، وقد تواصلت الجهود الدولية وبشكل مكثف للوصول لمقاربة فلسطينية فلسطينية واستخدمت خلالها جميع وسائل الترغيب والترهيب، ولم تنجح ولذا بقيت الأزمة قائمة، حتى بدأت تخف حدتها مع إطلالة الربيع العربي.

يشكل الربيع العربي والانطواء الأمريكي وانشغال الأوروبيين بأزماتهم فرصة مواتية للفلسطينيين لإعلان إنهاء الانقسام والوصول للوحدة، ومع أنه تم التوقيع على وثيقة المصالحة، ورغم انخفاض وتيرة شروط الرباعية، إعلامياً تماهياً مع ما يسود المنطقة من تغيرات، إلا أن المصالحة أمامها تحديات استراتيجية تتعلق بالشأن السياسي، وهو ما عبر عنه الرئيس الفلسطيني عندما قال سنبحث في اللقاء مع الأخ خالد مشعل حول مستقبل القضية الفلسطينية.

وتقديري أن هناك مسألتان هامتان تشكلان العقبة الكبرى، الأولى تتعلق بشكل النضال الفلسطيني، والثانية تتعلق بالبعد السياسي للمؤسسات الفلسطينية ودخول حماس فيها ومنها الحكومة م . ت . ف، والمسألتان متلازمتان، وتصطدمان مباشرة مع تحفظات وشروط الرباعية التي ترى أن المصالحة الفلسطينية يجب أن تتم وفق شروطها، مع أن بنود المصالحة الأخرى ليست بمستعصية ويسهل الوصول لتوافقات حولها وهي ليست محل الخلاف وإن كانت تستخدم بطريقة إعلامية من أجل تحميل الآخر المسؤولية عن عدم نجاح جهود المصالحة. وعليه فإن التوافق حول ملفات وبنود المصالحة الأخرى وإن كان مهماً لا يشكل حلاً ومخرجاً كلياً، بل يعمل على ترحيل الملفات المتأزمة ويعمل على تأجيل الحديث حول الأزمة الأساسية على أمل الوصول للانتخابات والتي بتقديري ستعيد فتح ملفات الأزمة من جديد.

من وجهة نظر حماس ربما تكون هذه الفترة الزمنية مواتية لأحداث تغيير فلسطيني واختراق في الموقف الدولي تجاه حماس خاصة وأن العالم بدأ يعيد حساباته مع المنطقة برمتها، ويساعد نجاح الحركة الإسلامية في الانتخابات في العالم العربي، على إضفاء مرونة نسبية على سياسة الغرب وعلاقتها مع الإسلام السياسي، وهذا ربما يشكل رافعة ويفرض حالة من الأمر الواقع على الرباعية لا مناص من التعامل معها بمعايير جديدة.

فتح والرئيس أبو مازن لا يستطيع تجاهل التأثيرات الناتجة عن الربيع العربي، ويحاول الاستفادة من ذلك وبحذر وبأناة وبخطوات غير مستعجلة ومتوازنة حسب تعبير الرئيس فهو يفكر بالموازنة بين الداخل والخارج، والمقاربة المتدرجة والمتأنية التي تحافظ على مسافة كافية مع جميع الأطراف، حتى الوصول للانتخابات والتي يعول أن تكون نتائجها كافية لإمساك فتح بزمام القرار الفلسطيني كله وبشكل رسمي من خلال صندوق الاقتراع.

وتقديري أن أهم ملف من وجهة نظره يجب المسارعة في معالجته هو تشكيل قيادة فلسطينية موحدة تتولى مسؤولية ملء الفراغ الناتج عن الانقسام وترهل مؤسسات م . ت . ف وتتولى متابعة جميع الشؤون الفلسطينية الاستراتيجية والمرحلية بما فيها بنود المصالحة.

غزوة صناديق الاقتراع

فلسطين أون لاين ،،،، د.عصام شاور

"انتصرنا بغزوة الصناديق"، مزحة لطيفة جاء بها شيخ سلفي مصري تحولت إلى معركة، فكلمة "غزوة" أثارت فئة لا تحب كل ما يذكر بالإسلام ولو على سبيل المزاح، قيادي تونسي من حزب النهضة ذكر الخلافة السادسة في موقف حماسي فتصدرت مقولته الصحف العربية والأجنبية، أحزاب دقت ناقوس الخطر باحتمال فوز "الفلول" والإسلاميين في الانتخابات المصرية القادمة والتي تبدأ مرحلتها الأولى في 28 من نوفمبر الجاري.

هل تلاحظون أننا نتحدث عن انتخابات وصناديق اقتراع، ولا نتحدث عن انقلابات أو تحركات غير شرعية ضد الآخرين؟، ومع ذلك فهم لا يريدونها خشية من عودة الإسلام والاحتكام إليه، وحججهم كثيرة، يقولون إن التيار الإسلامي _وخاصة "الإخوان المسلمون"_ هو الأكثر تنظيماً بل هو التنظيم الوحيد المنظم والقادر على الوصول إلى القواعد الشعبية، وهل هناك تنظيم بدون نظام ؟، لا يوجد ولكن هناك تنظيمات بدون قواعد شعبية، وارتباطها بالشعب مجرد تلاعب بالكلمات والمشاعر ربما تحرك مجموعة هنا وأخرى هناك لفترة ثم تنتهي دون أن تترجم إلى أصوات مؤيدة عند الحاجة، وهناك حجج كثيرة ولكنها لا تبرر التهرب من الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع كونها الآلية الوحيدة لاختيار ممثلي الشعب ورئيسه.

إذن، المخاوف المشروعة والمقبولة هي المتعلقة بسلامة الانتخابات لا بنتائجها، فيجب أن تكون الانتخابات سليمة، سواء بالقوانين المرتبطة بها بحيث لا تكون هناك قوانين مجحفة بأي فئة من الشعب، ليس هناك قوانين مفصلة على مقاس حزب دون آخر، أن تتسم الانتخابات بالنزاهة والشفافية في كل مراحلها وأن تكون رقابة مشددة تمنع الجرائم الانتخابية بكل صورها رغم أن هناك جرائم لا يمكن ضبطها وهي جرائم خفية يرتكبها الناخبون وكذلك المرشحون أثناء الدعاية الانتخابية مثل التضليل الذي لا يمكن إثباته بأدلة مادية.

إلى حين يكون هناك بديل عن الانتخابات وصناديق الاقتراع يجب الالتزام بالمتعارف عليه، وعلى الأحزاب الضعيفة أن تفتش عن الخلل والأعطال في ذاتها بدلا من الطعن في الأحزاب الأخرى والانقلاب على صناديق الاقتراع أو رفضها من الأساس، ويجب التوقف عن اتهام الشعب نفسه بالجهل أو عدم النضج، ولا يمكن إلقاء اللوم على الجميع وتنزيه الذات فقط.

هل تحقدون على سلام فياض؟

فلسطين أون لاين ،،، د. فايز أبو شمالة

لماذا أنتم حاقدون على السيد سلام فياض؟! لماذا لا تكفون عن مهاجمة شخص الرجل الذي ارتقى بفلسطين، وصعد بها إلى أرقى درجات الأمن والاستقرار والازدهار، وانتقل بالشعب الفلسطيني إلى مصاف المجتمعات الكبرى؟! ما الذي عبأ صدوركم حقداً على الإنسان الذي يقطر في شرايين فلسطين الحنان، والرواتب بانتظام؟!

هكذا يفجر البعض براكين سوء الظن، ويحسب أن منطلقات الاعتراض على سياسية السيد فياض تحركها أحقاد شخصية، وتستهدف شخصاً بعينه، وهنا لابد من التنويه إلى أن معظم المنشغلين بالسياسة، ومنهم كتاب المقالات اليومية لا يلتفتون كثيراً للأشخاص بصفتهم الشخصية، وإنما يهتمون بمواقفهم الفكرية، وآرائهم السياسية، وأفعالهم الميدانية. وهذا ما يدركه كل من احتك بالسياسة، ويدركه كل من تناول الشأن العام بالرأي والتحليل، ويدركه رجل الشارع الفلسطيني الذي يقدر المسافة الفاصلة بين خط المقاومة وخط المساومة.

إن الخصوم السياسيين الذين ينقضون على سلام فياض بالنقد، والتشريح، ويرفضون تسلمه رئاسة الوزراء من جديد، لا يأتون على صفاته الشخصية، ولا يتناولونه من زاوية الوجود الحياتي على أرض فلسطين، وإنما يهاجم الرجل لأنه شخصية سياسية عامة، ولأنه صاحب قرار نافذ، ولأنه فُرِض على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وزيراً للمالية في ظروف استثنائية، ولأن جميعنا شاهد على الزمن الذي انصاع فيه ياسر عرفات للإرادة الأمريكية، ورضي مكرهاً بالرجل وزيراً، وهو يدرك حجم الترابط السياسي والتنسيق الميداني الوثيق بين أمريكا و(إسرائيل)!

إن ثنائية العلاقة الإسرائيلية الأمريكية لتفرض علينا الإجابة عن السؤال التالي: هل نحن أصدقاء (إسرائيل) أم أعداء لها؟ هل (إسرائيل) مغتصبة لأرض فلسطين أم طرف آخر؟

أما من يرى (إسرائيل) طرفاً آخر، وليس عدواً، فهو لا يرى عيباً في فرض سلام فياض وزيراً للمالية، ثم رئيساً للوزراء بعد ذلك، ومتربعاً على رأس القرار السياسي الفلسطيني! أما من يرى الكيان الصهيوني مغتصباً لأرض فلسطين، وعدوا للعرب والمسلمين؛ فإنه يرى في شخص سلام فياض ممثلاً لإرادة الأجنبي، ويخدم في سياسته الداخلية والخارجية طموح (إسرائيل)، ويحقق أحلام المستوطنين.

فأين حقد فصائل المقاومة على شخص سلام فياض؟! وهل من يعتز بفلسطينيته، ويرفض التفريط بالثوابت الوطنية، ويأبى الخضوع لشروط (إسرائيل)، ولا يقبل صداقة أمريكا، ويتنكر لنصائحها الدبلوماسية، هل مثل هذا الفلسطيني يحقد على شخص سلام فياض، أم يحتقر المال الأمريكي الذي فاض سلاماً وهمياً من بين يدي السيد سلام فياض؟!