أقلام وآراء
(660)
سيترتب على الفلسطينيين الانتظار لعام آخر
الكاتب: داوود كُتاب – صحيفة هفنغتون بوست الأمريكية
العمل على حل النزاع
الكاتب: هوارد سومكا – ذي تايمز
دور تركيا الإقليمي المتغير
الكاتب: جيمز الزغبي – صحيفة هفنغتوت بوست الأمريكية
الغرب لن يسمح للجزئر بالقضاء على الإسلاميين
الكاتب: سيرجي بالماسوف – صحيفة برافدا الروسية
الجيش المصري تعلم الدرس: كيف احتوى المجلس العسكري الثورة الثانية؟
الكاتب: ايريك تراغر – واشنطن انستيتيوت الأمريكي
سيترتب على الفلسطينيين الانتظار لعام آخر
صحيفة هافنغتون بوست الأمريكية – داود كتاب
ترجمة مركز الإعلام
اعتاد القادة على خلق توقعات لشعوبهم، وهذا يتعدى شأن الأفراد الذين يعانون من الظلم. يقول القادة الفلسطينيون -دون الرغبة في وضع حدود زمنية دقيقة- إن الانتخابات ستعقد في فصل الشتاء من السنة المقبلة، أي في النصف الأول من السنة التالية. لا زال الفلسطينيين ينتظرون قيام دولتهم المحررة من نير الاحتلال العسكري الاستعماري الظالم، لكن من المحتمل أن يتلقوا عددا كبيرا من الوعود التي لن تتحقق. لقد بدؤوا في بداية القرن العشرين، عندما وعد القادة البريطانيون القادة العرب أن تكون فلسطيين حرة ومستقلة، ولكن بعد ذلك امتلأت الكتب المسجلة طوال هذا القرن والقرن الحادي والعشرين بالوعود التي لم تتحقق للفلسطينيين. وكان آخر هذه الوعود: الوعد الذي قطعه الرئيس الأمريكي باراك أوباما على منبر الأمم المتحدة "عديم النفع تماما". قال أوباما في افتتاح الدورة الشتوية للجمعية العامة، في سبتمبر/ أيلول عام 2010 إنه "عندما نعود إلى هنا العام المقبل، من الممكن أن يكون لدينا اتفاق من شأنه أن يقود إلى عضو جديد في الأمم المتحدة – دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة، تعيش بسلام مع إسرائيل".
لم تكتف إدارة أوباما بالانضمام للحكومات الأمريكية السابقة في تقديم وعود كاذبة وغير محققة، فقد بدأت أيضا بحملة نشطة لضمان عدم وجود قرار من مجلس الأمن للتعامل مع هذه المسألة بالذات. فشل المجتمع الدولي في إنهاء الاحتلال العسكري الذي رفضه مجلس الأمن بالإجماع في عام 1967. وأعلن قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة رقم 242 في ديباجته "عدم الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب". كلما اقتربنا من نهاية عام آخر من الوعود غير المحققة، أخبرنا الآن أننا في جدول زمني آخر. منحت اللجنة الرباعية الآن، والمكونة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، الفلسطينيين والإسرائيليين مهلة لمدة 90 يوما لتقديم بيان مكتوب عن مواقفهم بشأن الحدود والأمن، وتنتهي هذه المهلة في 26 يناير/ كانون ثاني،2012. قدم الفلسطينيون جوابهم، لكن إسرائيل لم تفعل بعد. إن هدف اللجنة الرباعية بسيط، فهي تريد من إسرائيل أن تلتزم بمكتوب خطي لرؤية دولة فلسطين المستقلة التي يدعمها المجتمع الدولي.
فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -الذي قبل حل الدولتين- في الإجابة على هذا السؤال خلال المفاوضات الحاسمة وجها لوجه في الدورة الشتوية للجمعية العامة في عام 2010. تمثلت شروط نتنياهو في أن تكون فلسطين منزوعة السلاح وأن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية، وأن لا يتم منع الإسرائيليين من إظهار رؤيتهم فيما يتعلق بحدود الدولة الفلسطينية وكيفية تنظيم الأمن الإسرائيلي. طُلب من إسرائيل أن تقدم رؤيتها فيما يخص الحدود (كما هو الحال في أواخر عام 2010)، بهدف تطويق الحواجز الإسرائيلية للمستوطنات. فإذا حددت إسرائيل رؤيتها الدقيقة لحدود دولة فلسطين المستقبلية، فسيكون من الصعب تبرير تسوية إسرائيل أو مصادرتها للأراضي في هذه المناطق المخصصة للدولة الفلسطينية. بالطبع، لن يتفاجأ أحد إذا لم تقدم إسرائيل أية خريطة. ففي المفاوضات على مدى 20 عاما لم تقدم إسرائيل أية خارطة أو ورقة تحدد فيها حدود الدولة الفلسطينية. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت عرض ورقة لنظيره محمود عباس من دون السماح له بأخذها أو طباعة نسخة منها.
أعلن محمود عباس أنه في 4 أيار من العام المقبل ستعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الضفة الغربية و قطاع غزة، وستشارك فيها كل الأطراف، بما فيها حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية. وبالإضافة إلى الاتفاق على موعد لانتخابات محددة، قالت حركتي فتح وحماس إنهما ستعملان على توظيف المقاومة الشعبية (على العكس من المقاومة المسلحة) كوسيلة لتحقيق استقلال فلسطين. وذكرت بعض التقارير الصحفية أن حماس قادرة على مناقشة موقفها من الاعتراف بإسرائيل. إذا كان الفلسطينيين يتحدون، فسيتمكنوا من ممارسة حملات متظافرة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الوحشي الذي دام 44 عاما على أراضيهم.
العمل على حل النزاع
ذي تايمز– هوارد سومكا
ترجمة مركز الإعلام
يقول الرئيس التنفيذي لحركة (صوت واحد) إن السعي من أجل السلام يجب أن يستمر حتى لو كانت الظروف ليست مثالية.
يدعم المتشددون في جميع أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية بعضهم البعض وتُطلق الأصوات من أجل السلام. هنالك انعدام بالثقة، والخوف والعزلة على نحو متزايد. لقد تعرفنا على الجيل القادم من الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يخيم عليهم في الوقت الراهن الخمول السياسي والإيمان بالقضاء والقدر. ظهرت حركة (الصوت الواحد) قبل تسع سنوات وأنشأت شبكة من الناشطين الشباب البالغ عددهم 4500 إسرائيلي وفلسطيني للعمل من أجل إنهاء الصراع من خلال التوصل لحل الدولتين عن طريق التفاوض. يدير هؤلاء الأفراد سلسلة من الانتماءات السياسية والدينية، وتقدم بديلا للبيئة السامة، وهم بمثابة وكلاء للتغيير. هم يعملون بشكل متواز من مكاتبهم في تل أبيب ورام الله لتضخيم صوت المعتدلين الذين يطالبون قادتهم باتخاذ خطوات جريئة.
في هذه الافتتاحية الأخيرة، تجاهل موشيه دان التحريض. لقد نظمنا الالاف من الإسرائيليين والفلسطينيين للمشاركة من خلال اجتماعات في دار البلدية، وحملات في الشوارع ووسائل الإعلام الاجتماعية التي كانت من المحرمات ابتداء من القدس إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومن المستوطنات إلى قضية مقايضة الأراضي. علينا معالجة قضايا التحريض، وأعراض الصراع الذي يدمر الحياة والذي يؤثر على النسيج الأخلاقي لكلا المجتمعين. في الواقع، نحن نعمل الآن على حل الدولتين، ويترأسنا عضو الكنيست يوئي حسون لتشجيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تجديد اللجنة الثلاثية لمنع التحريض والتي التزم بها الرئيس محمود عباس بالفعل.
إذا قبلنا حجة دان بأن جوهر الصراع هو "كراهية اليهود"، فسيكون الجميع في المنطقة قد أُدين في النزاع الذي لا نهاية له. حركة (الصوت الواحد) لن تتخلى عن جهودها لأن الظروف أقل من المرغوب فيها. لن نبقى مكبلين في الوقت الراهن، فالكراهية والتحريض والعنف تشكل عقبات خطيرة في طريق السلام. إن حل هذه المشكلات لن يتم بشكل فردي، ولن يتم بشروط مسبقة، فهناك تحديات مقبلة ستحكم على جيل آخر من الإسرائيليين والفلسطينيين.
نحن بحاجة إلى إبراز جميع القضايا وإدراك ضرورة تقديم التنازلات المؤلمة. إننا نقوم ببناء بنية تحية بشرية قادرة على دفع الزعماء لتقديم تنازلات، وتقديم القادة للمساءلة. هذا هو ما تفعله حركة (الصوت الواحد) على أرض الواقع في إسرائيل وفلسطين، وليس من مكاتبها في نيويورك ولندن، فهي تلتزم بفريق من الشباب وقادة متعهدين بالعمل كل يوم لتحقيق المصلحة القصوى: مستقبل دولتان تعيشان جنبا إلى جنب في سلام.
دور تركيا الإقليمي المتغير
هافينغتون بوست الأمريكية- جيمز الزغبي
ترجمة مركز الإعلام
في غضون عام فقط، تحولت العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا من التوتر إلى التعاون. فبعد أن استعرضت الاختلافات في العلاقة الثنائية بالأمس واليوم، طرح هذا الصحفي سؤالاً وجيهاً: "ما الذي حدث لتفسير هذا التغير وإلى أين سيفضي؟" تذكر الصحفي أنه عندما حضر المؤتمر التأسيسي لهذه المنظمة في 2010، كان يعتري العلاقات بين البلدين نوع من الفتور، ذلك أن تركيا كانت قد قطعت علاقاتها مع إسرائيل على خلفية حصار قطاع غزة وهجومها المميت على سفن كانت متوجهة إلى القطاع. لم تكن الولايات المتحدة راضية عن الجهود التركية الرامية إلى التفاوض حول توافق قد يخفف المخاوف الدولية من برنامج إيران النووي. وفي رد فعليهما، كان الكونغجرس والإدارة الأميركية ينتقدان بشدة "التدخل" التركي والنزعة التركية الجديدة "المناوئة لإسرائيل".
وبالمقابل، تبدو العلاقات اليوم أكثر دفأً من أي وقت مضى، إذ كثيراً ما يتحدث أوباما ورئيس الوزراء التركي مع بعضهما الآخر، وكذلك يفعل موظفوهما. ويبدو أن ثمة درجة من التعاون في التعاطي مع مواضيع إقليمية مهمة؛ من استمرار النزاع الذي يهز سوريا إلى الانسحاب الوشيك للقوات الأميركية من العراق. فما الذي حدث لتفسير هذا التغير؟ باختصار، إنه "الربيع العربي"، والصعوبات التي تجدها الولايات المتحدة في طريقها عبر المتاهة التي خلقتها الحقائق السياسية الجديدة للمنطقة. فما كان ثابتاً أصبح اليوم متحولا يغير مشهد العالم العربي.
حدث هذا في ظرف صعب بالنسبة للولايات المتحدة، فرغم هيمنتها الاقتصادية والعسكرية، إلا أن قدرتها على المناورة والتحرك في هذه البيئة المتغيرة تصطدم بعدد من العراقيل. فأولاً وقبل كل شيء هناك الضرر الذي تسببت فيه حرب إدارة بوش المتهورة والقاتلة في العراق والتي خلقت استياء عميقا عبر العالم العربي، ولطخت صورة الولايات المتحدة، وقوت إيران وزادتها جرأة. يضاف إلى ذلك فشل إدارة بوش في التحرك لوقف حروب إسرائيل الدموية الأربع ضد لبنان (2006) والفلسطينيين (الضفة الغربية في 2002، وغزة في 2006 و2009)، والتي لم تؤد إلا إلى تعميق الغضب العربي من الولايات المتحدة، وأخيراً، ورغم نية أوباما تغيير الاتجاه، فإن التصلب الإسرائيلي والانقسام الحزبي العميق في واشنطن كانا يحبطان جهوده مراراً وتكراراً. بلغ أوج جهود العرقلة هذه في مايو الماضي مع الدعوة التي وجهها "الجمهوريون" إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من أجل إذلال الرئيس أمام الكونجرس.
ونتيجة لذلك، كانت سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال بداية الربيع العربي تسير على غير هدى. وواحدا تلو الآخر، كان الحلفاء يسقطون أو في خطر لتجد واشنطن نفسها في ورطة. صحيح أن الإدارة تستطيع التحدث حول دعم الانتفاضات الشعبية، ولكنها كانت تعلم علم اليقين أنه إذا ما كتب لهذه الانتفاضات النجاح، فإن التحول الذي سينتج عن ذلك لن يؤد إلا لتعقيد وضع الولايات المتحدة الصعب أصلاً في الشرق الأوسط بشكل. علاوة على ذلك، فإن علاقة واشنطن "الوثيقة" بإسرائيل كانت قد "أخرجتها من اللعبة" في الواقع، مما قلص قدرتها على لعب دور مهم في المنطقة. والواقع أنه في هذه اللحظة بالذات انفجرت سوريا. وعلى غرار الولايات المتحدة، أُخذت تركيا أيضاً على حين غرة من قبل تطورات الربيع العربي المتلاحقة حيث كان ردها على التطورات في كل من مصر وليبيا اعتباطياً في البداية. غير أنه بعد الغليان في جارتها الجنوبية، بذلت تركيا جهوداً حثيثة للتدخل، حيث دعت إلى الإصلاح في البداية، ثم إلى المفاوضات، وبعد ذلك، طالبت بوضع حد لإراقة الدماء، قبل أن تحتضن المعارضة في الأخير متخليةً بذلك عن نظام الأسد ومعلنةً عن عقوبات واسعة ضد حليفها السابق.
يبدو اليوم أن الولايات المتحدة بدأت تصغي لتركيا كحليف مهم في التعاطي مع الملف السوري لسبب مهم. ونتيجة لدعمها للفلسطينيين، اكتسبت تركيا "مصداقية الشارع" في العالم العربي، في حين أن الولايات المتحدة لا تمتلك شيئاً من ذلك؛ فتركيا تستطيع الاجتماع مع الجامعة العربية كشريك، في حين أن الولايات المتحدة لا تستطيع؛ كما أن تركيا تستطيع إيواء ودعم المعارضة السورية على نحو لا تستطيعه الولايات المتحدة. إلا أنه لا بد من التنبيه هنا إلى جملة من المحاذير، فتركيا لا تستطيع المبالغة في لعب أوراقها في سوريا، فهي ليست "زعيمة العرب"، وهي لا تنوي لعب هذا الدور، على ما أعتقد.
صحيح أن تركيا تحظى بمكانة ممتازة عبر العالم العربي، مثلما يظهر ذلك استطلاع الرأي الأخير الذي قمنا به. إلا أن ذلك لا يمثل دعوة لتركيا لإعادة فرض "عثمانية" جديدة، ولاسيما أن استطلاعات الرأي التي نجريها تشير إلى أن تركيا قد لا تكون سوى "وكيل"، لأنه عندما يُسأل العرب حول الجهة التي يريدونها أن تقود المنطقة، فإنهم يجيبون: "مصر". فتركيا تحظى بالتقدير والاحترام، ولكن كشريك إقليمي، وليس كزعيم عربي. ثانياً، يجب على تركيا أن تكون حذرة وأن تحرص على عدم السماح لأي ضغط خارجي أن يرغمها على أن تغوص عميقاً داخل المستنقع السوري. فبعض المعارضين السوريين قد يريدون من تركيا أن تتدخل عسكرياً في سوريا، ولكن ذلك قد يكون خطأ قاتلا لأن من شأنه أن يؤجج نزاعاً دمويا، بحيث يتسبب في مزيد من أعمال القتل والاضطرابات في منطقة غير مستقرة أصلا، كما من شأنه أن يعرض مصداقية تركيا للخطر. ولعل المسار الأكثر حكمة هو أن تقاوم تركيا الضغوط وتواصل عملها بتنسيق مع الجامعة العربية للتشديد على ضرورة أن يدخل النظام السوري مفاوضات تفضي إلى إصلاح واسع وانتقال للسلطة على نحو منظم. لقد تغيرت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة رداً على التغيرات الدراماتيكية التي تحدث في العالم العربي. ولكن حتى مع هذه التغيرات، فإنه مازالت ثمة بعض الثوابت، وفي مقدمتها الأخطار المرتبطة بالتسامح المحدود للمنطقة مع التدخل الأجنبي.
الغرب لن يسمح للجزائر بالقضاء على الإسلاميين
صحيفة برافدا الروسية - سيرجي بالماسوف
ترجمة مركز الإعلام
تلقت الجزائر إشارة واضحة من الغرب: فقد قامت النيابة العامة السويسرية بمساءلة وزير الدفاع الجزائري السابق (خالد نصار) والمتهم بارتكاب جرائم حرب في أثناء الحرب الأهلية التي جرت في الجزائر مابين عام 1992 – 1999. وقد تم إلقاء القبض على الجنرال البالغ من العمر 74 عاماً بينما كان متوجهاً إلى سويسرا من أجل العلاج، وقد أطلق سراحه بعد التحقيق معه، ولكن النيابة السويسرية أعلنت أن القضية لم تنته بعد وأنه سيتم استدعاء الجينيرال خالد مرة أخرى للإجابة على الأسئلة المتعلقة بالتهم الموجهة إليه.
نذكر بأن الجزائر شهدت انقلابا قام به العسكريون بعد الانتخابات التي جرت في العام 1991 وحصلت جبهة الإنقاذ الإسلامي فيها على نسبة 60% من الأصوات، فلم يسمح العسكريون للإسلاميين بتشكيل حكومتهم، وتم اعتقال قادة جبهة الإنقاذ الإسلامية. ولكن الإسلاميبن لم يستسلموا للأمر الواقع وأعلنوا حرباً مسلحة ضد النظام، فدخلت الجزائر في حرب أهلية كلفتها أكثر من 200 ألف قتيل ما بين العامين 1992-1919، وفي النهاية تمكن العسكريون من السيطرة على زمام الأمور وأعلنوا نصرهم على الإسلاميين.
وبناءً على ذلك فقد وجهت إلى الجينيرال خالد نصار عدة تهم من بينها إنشاء معسكرات اعتقال للإسلاميين في الصحراء، كما قالت الصحف الغربية إن النظام العسكري في الجزائر قام بتشكيل فرق موت للقضاء على الإسلاميين، والتي قامت بإبادة قرى بأكملها للاشتباه بتعاملها مع الإسلاميين. ولكن السلطات الجزائرية نفت صلتها بهذه الجرائم واتهمت الإسلاميين بالقيام بها، وهنا يصعب الحكم من هو المحق في هذا الموضوع لأنه لم يجرى هناك أي تحقيق مستقل بخصوص هذه الجرائم. كما أنه غالباً ما يصعب الحكم في الجرائم التي تنتج عن الحروب الأهلية، فكثيراً ما يقوم أحد أطراف الصراع بارتكاب الجرائم تحت علم الطرف الآخر لكي يتهمه بارتكابها.
لقد كنت سخصياً شاهد عيان على الأحداث التي تلت مقتل ابنة أحد ضباط الجيش، فتمت محاصرة الإسلاميين الذين التجأوا إلى أحد المباني وتم قصف المبنى بالكامل بمن فيه من السكان بالدبابات. الملفت للنظر هو أن الغرب وعلى الرغم من تثمينه وبإعلانات رسمية لانضمام الجزائر للدول المكافحة للإرهاب في المغرب العربي والذي يهدد المصالح الأوروبية بشكل مباشر، إلا أنه في الوقت الحالي يقوم بمحاسبته على ذلك، مما يدعوا إلى التفكير في نواياه تجاه مستقبل هذا البلد.
كما أن هنالك أمر غريب في الموضوع وهو أن المئات من الضحايا الذين قتلهم الإسلاميون هم من الأجانب (والكثير منهم من الروس)، ممن قتلوا لاتهامهم بالتعاون مع النظام الشيطاني. ولكن ومن ناحية أخرى يتوجب الذكر بأن هذا النظام هو الذي أنشأ المؤسسات والمستشفيات والمصانع والبنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية في الجزائر. كما أن التهم التي توجهها النيابة السويسرية إلى خالد نصار تعتبر تبرئة لهؤلاء الذين قاموا بقتل المواطنين الأوروبيين في التسعينيات في الجزائر. إن استبدال الأمين زوريال الذي يعتبر نجم هزيمة الإسلاميين بعبد العزيز بو تفليقة، تم تحت ضغط من الغرب وبشكل واضح.
لقد تلقى الجزائر إذارات بسبب دعمه للنظام الليبي، وبسبب تهديداته بعدم السماح بتكرار السيناريو الليبي في سوريا، إلا أن هنالك الكثير من العوامل التي تشير إلى تكرار هذه السيناريوهات في الجزائر. فقد أعلنت مصادر جزائرية ولأكثر من مرة بأن هنالك أجهزة أمنية أجنبية تعمل على تقطيع أوصال الجزائر عن طريق دعم وتسليح القبائل الإنفصالية، التي غطى حجمها في العام 2011 على قوى المعارضة المسلحة في الجزائر. كما أن جهاز MI5 التابع للأجهزة الأمنية البريطانية قام بإفشال عملية تصفية لمجموعة إسلامية جزائرية مسلحة كانت تتواجد على الأراضي البريطانية، ومن الواضح أن ذلك ما كان ليحدث لولا أن هنالك مصلحة بريطانية تكمن وراء ذلك. ولم يتبق لنا سوى أن نتساءل عن طبيعة الشكر الذي سيقدمه هؤلاء الجهاهديون الجزائريون لبريطانيا كرد للجميل الذي قدمته لهم أجهزتها الاستخبارية!
الجيش المصري تعلم الدرس: كيف احتوى المجلس العسكري الثورة الثانية؟
واشنطن انستيتيوت الأمريكي - ايريك تراغر
المفترض أن الثورة الثانية قد وصلت مصر. وخلال الاثني عشر يوماً التي سبقت الانتخابات، تجمع عشرات الآلاف من المصريين في "ميدان التحرير" للمطالبة بتخلي "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" ["المجلس العسكري"] عن السلطة لحكومة إنقاذ وطني بقيادة مدنية. وقد ردت قوات الأمن المصرية بقتل 40 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 1000 بجراح وغطت أجزاء من وسط القاهرة بالغاز المسيل للدموع. إن تلك المشاهد القبيحة تستدعي للأذهان الأيام الأولى للانتفاضة الحاشدة في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير أي الثورة الأولى التي أنهت نظام حسني مبارك. لكن لهذه الثورة الثانية مشكلة رئيسية واحدة وهي أنه ما دام المصريون يتجنبون "ميدان التحرير" فمن السهل نوعاً ما تجاهلها.
وقد بدأ الاعتصام في 18 تشرين الثاني/نوفمبر عندما انسحبت مظاهرة حاشدة بقيادة إسلامية من "ميدان التحرير" تاركة وراءها عدد قليل من المتظاهرين من بينهم أفراد أُسر لأناس قُتلوا أثناء الثورة الأولى. وعندما قامت "قوات الأمن المركزي" بتفريق ذلك الاعتصام الصغير بعنف، احتشد بسرعة آلاف الشبان النشطاء وانغمروا في معارك مع الشرطة للسيطرة على الميدان. ومع اشتداد أعمال العنف تدفق آلاف آخرون إلى "التحرير" وأجبر هذا الشغب المُميت "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" على القيام ببعض التنازلات مثل التعهد بالتخلي عن السلطة بحلول تموز/يوليو 2012 وقبول استقالة حكومة مصر الانتقالية غير الشعبية. إلا أن هذه الثورة الثانية قد فشلت في تحقيق أكبر هدف لها وهو إجبار "المجلس العسكري" على تسليم السلطة التنفيذية إلى حكومة إنقاذ وطني بقيادة مدنية يرأسها محمد البرادعي.
وقد فشلت الثورة الثانية لأنه قد تم احتواؤها بشكل ملحوظ منذ تطبيق قرار وقف إطلاق النار في 24 تشرين الثاني/نوفمبر. وبالفعل تسير الأمور في القاهرة بشكل طبيعي وكالمعتاد خارج "ميدان التحرير". وعلى بُعد بضعة أقدام فقط من نقاط مدخل "التحرير"، التي يفتش فيها النشطاء الشباب المتحمسون كل من يمرُّ من خلالها، بإمكان رؤية المحلات مفتوحة ويسهل عبور المارة. وعبر النيل في حي الزمالك الراقي تتكدس المقاهي حتى الساعة الثانية صباحاً. كما أن الأسواق مليئة في حي إمبابة الذي يقطنه محدودو الدخل، وتعمل "ماكينات الصراف الآلي" بنشاط في حي الدقي الذي تقطنه الطبقة المتوسطة، وتقدم المطاعم خدماتها في حي المهندسين الذي يقطنه الأثرياء. وفي الأيام الأخيرة اصطفت حشود من سكان القاهرة للتصويت بصورة منضبطة فاقت التوقعات بكثير. ولا تؤدي المظاهرات الأخيرة في "ميدان التحرير" إلى إعادة تجسيد الحياة في المدينة بل أصبحت بشكل متزايد مشهداً ثانوياً مكتملاً بباعة يعرضون للبيع تحفاً فرعونية رديئة النوع. وهكذا أخذ المشهد الجانبي في التضاؤل بشكل سريع.
ولم يكن هذا هو الحال في أوائل هذا العام. ففي كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير عندما غمر مئات الآلاف من المحتجين شوارع المدينة وصرخوا من الشرفات وانضموا إلى "ميدان التحرير" أطلقت شرطة "الأمن المركزي" الغاز المسيل للدموع عبر الكثير من أرجاء المدينة وأغلقت شبكة الإنترنت في جميع أنحاء البلاد وفرضت حظر التجول بعد ساعات الظهر الذي جعل هذه العاصمة ذات السبعة عشر مليون نسمة تتوقف بصورة تثير الذعر. ثم تدهورت الأمور لاحقاً حيث اندفع بلطجية - كثير منهم ضباط شرطة بملابس مدنية يقال إن وزارة الداخلية هي من أرسلتهم - لتخويف مجتمعات السكان في القاهرة بسرقهم بعض المحلات وسطوهم على البنوك. ويبدو أن مبارك قد اعتقد أن انعدام القانون هذا سوف يجعل مواطنيه يستنجدون بقبضته القوية لكنهم توحدوا ضده وشكلوا لجاناً شعبية لحماية أحيائهم وبدأوا يظهرون في "ميدان التحرير" بأعداد غفيرة.
إن الادعاء بأن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" لم يتعلم شيئاً من مبارك، أصبح شائعاً بين الطبقات المترفة في القاهرة. لكن التناقض الصارخ بين ثورة كانون الثاني/يناير والاحتجاجات المحصورة اليوم يؤكد أن الجنرالات قد تعلموا على الأقل درساً واحداً من سقوط الديكتاتور السابق ألا وهو أن الخطوة الأولى في إنهاء أية ثورة هو منعها من تعطيل حياة البسطاء. وعلى هذا النحو فإنهم قد جعلوا نطاق "التحرير" حدَّاً فاصلاً بين العمل الثوري والحياة العادية. ومع ذلك فإن الخطوة الثانية أعقد قليلاً وهي أن "المجلس العسكري" يجب أن يلجأ إلى المجتمع المصري الأكبر حيث يجب أن يقنع الناس أن راحتهم اليومية أفضل من الفوضى.
ولـ "المجلس العسكري" ميزتان رئيسيتان في صراع الاستحواذ على الرأي العام. الأولى هي الدعم الواسع الذي يتمتع به الجيش بفضل الخدمة العسكرية التي تشمل عامة الشعب والتي تسمح لقادة القوات المسلحة بأن يصفوها بأنها "جيش الشعب." كما يحظى الجيش المصري باحتفاء واسع بما أنجزه من أكبر "انتصارات" حققتها البلاد مثل الحرب بين العرب وإسرائيل عام 1973 والتي يعتقد المصريون (خطأً حسب أغلب معايير النصر) بأنهم قد انتصروا فيها. وفي خطابه للأمة الثلاثاء الماضي استعان رئيس "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" محمد حسين طنطاوي بهذه المشاعر الموالية للجيش قائلاً "نحن في القوات المسلحة - مدرسة الوطنية - معتادون على مواجهة الصعاب ومدربون على كيفية الصبر حتى نصل إلى هدفنا من خلال التخطيط والعزم التام على النجاح." وهذا هو نوع الرسالة التي يدوي صداها في مصر حيث ذكر اقتراع أجراه "مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية" في تشرين الأول/أكتوبر أن 90 بالمائة من المصريين يدعمون "المجلس العسكري". (وحتى مع تنامي التوترات بين "المجلس العسكري" والأحزاب السياسية المصرية ما تزال الاقتراعات الأخيرة تُظهر أن أكثر من 60 بالمائة من المصريين يدعمون الحكام العسكريين.)
والأداة الثانية هي سيطرة "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" على وسائل الإعلام المملوكة للدولة التي استخدمها لإلقاء اللوم على المحتجين في استمرار الأوضاع المضطربة في مصر. ففي يوم الجمعة دوى العنوان الرئيسي في صحيفة "الأهرام" بشكل مُنذر "الفرصة الأخيرة: الاستقرار أو الفوضى" وحذر مانشيت يوم السبت من "خطر الانقسام" بعد أن ظهر "ائتلاف الأغلبية الصامتة" الموالي لـ "المجلس العسكري" لمواجهة المحتجين المُعادين له في "ميدان التحرير". وسابقاً ألقى الإعلام الرسمي اللوم على المظاهرات في كل شيء بدءاً من صعود نجم الإسلاميين الراديكاليين وإلى استمرار مصائب مصر الاقتصادية. وبالنظر إلى العمق الذي باستطاعة وسائل الإعلام المصرية التي تسيطر عليها الحكومة الوصول إليه، من المعتقد بشكل واسع من جانب المُقللين من شأن "المجلس العسكري" أن هذه الحملة قد نجحت حيث قال لي فتحي عبد الله الذي يملك عربة طعام في إمبابة ويتعاطف مع المحتجين "لا أحد يسمع [يصغي إلى] الناس في «التحرير» لأنه لا أحد يعرف شيئاً عن السياسة. حسني مبارك أفسد جميع الحياة السياسية في مصر وقتل حقوقنا."
وفي الحقيقة يصعب قياس نجاح الحملة الاحتجاجية المناهضة لـ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" حيث عبر عدد من المصريين عن إحباطهم من الاحتجاجات المستمرة. فقد قال أحمد رفاعي وهو صاحب متجر في إمبابة يبلغ من العمر 55 عاماً "لا نريدهم هناك على الإطلاق لأنهم يعيدون البلاد إلى الوراء." وفي ردهة مقهى قريب اتفق معه محمد محمود، مدرس عمره 40 عاماً، حيث قال لي "أنا ضدهم. لأن كل حزب في «التحرير» له مطالبه الشخصية ويخشى الفشل في الانتخابات وهم يتحدثون عن الديمقراطية لكن الديمقراطية في صناديق الاقتراع والتصويت."
وقال آخرون إنهم يُقدرون جهود المتظاهرين لكنهم يوافقون على الخطة التي أعلن عنها مؤخراً "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" لتسليم المسؤولية إلى سلطة مدنية منتخبة في 1 تموز/يوليو 2012. وقال المتظاهر المعارض لـ "التحرير" بهجت الشاعر، 38 عاماً، وهو يتلقى توبيخات شديدة من رفاقه، "معظم الناس يطالبون بإنهاء حكم «المجلس العسكري» ومعظمهم يتعجلون الأمور وهذا ليس أمراً سديداً."
ولا يعنى كل ذلك أن "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" قد استراح من جميع العناء. فرغم أن أفضل القوى السياسية تنظيماً في مصر بما فيها جماعة «الإخوان المسلمين» والعديد من الجماعات السلفية قد ابتعدت عن هذه الجولة من المظاهرات إلا أن ذلك لم يكن بسبب دعمهم للحكم العسكري. بالعكس، فهذه التنظيمات ترى الانتقال بقيادة "المجلس العسكري" ضرورياً لضمان قيام الانتخابات، لكن حالما يتم انتخابهم فإنهم سيسارعون إلى ترجمة شرعيتهم الشعبية إلى سلطة فورية. وهذا هو السبب للمعارضة القوية التي عبرت عنها هذه التنظيمات - على النقيض من نظرائها العلمانيين - لمحاولة "المجلس العسكري" ترسيخ "المبادئ فوق الدستورية" التي سوف تحافظ على استقلال الجيش فيما يتعلق بشؤونه الخاصة وكذلك هذا هو السبب في دعوة المتحدث باسم «الإخوان المسلمين» كمال الهلباوي إلى تقليص دور الجيش بعد الانتخابات. وهكذا فإذا كان "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" ينوي الحفاظ على السلطة إلى ما بعد فترة الانتقال الحالية فإنه ربما يواجه برلماناً منتخباً من قبل الأكثرية ذو أحزاب قادرة على حشد المؤيدين لها بحيث يمكن أن تدفع بموجة جديدة من المظاهرات التي ستتخطى نطاق "ميدان التحرير".
ومع ذلك، ففي الوقت الحالي يلعب "المجلس العسكري" بأوراقه بشكل صحيح. فالانتخابات البرلمانية التي بدأت يوم الاثنين قد ولدت مشاعر إيجابية حتى داخل "ميدان التحرير" الذي قلَّ فيه عدد المتظاهرين. لكن لو أدت الانتخابات فجأة إلى قيام أعمال عنف أو لم يَفِ "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" بوعوده بتسليم السلطة في تموز/يوليو 2012 فإن خطورة المظاهرات الحاشدة بقيادة إسلامية ستكون كبيرة. ومن شبه المؤكد سيتم الشعور بوجود "الثورة الثالثة" في الزمالك وما وراءها.


رد مع اقتباس