أقلام وآراء
(166)
فلسطين باقية ما بقي الفلسطينيون
الكاتب: علي السنيد _ الدستور الاردنية
أمس واليوم، وغداً عن المصالحة.. والطريق؟
الكاتب: بسام الهلسه _ الدستور الاردنية
واشنطن وعزلة “إسرائيل”
الكاتب: محمد عبيد _ الخليج الاماراتية
تفاؤل حذر بصعود الإسلاميين
الكاتب: محمود الريماوي_ الخليج الاماراتية
محنة الإسلاميين
الكاتب: عبد الحليم قنديل _ القدس العربي
هل ينجح الإسلاميون الجدد في وصل ما انقطع بين الدين والدولة؟
الكاتب: مأمون كيوان _ المستقبل اللبنانية
لماذا تدق طبول الربيع العربي للأحزاب الإسلامية
الكاتب: د. علي الخشيبان_ الوطن السعودية
الإسلام السياسي وتحدى الديمقراطية !
الكاتب: رجا طلب _ الرأي الاردنية
فلسطين باقية ما بقي الفلسطينيون
الكاتب: علي السنيد _ الدستور الاردنية
الهوية الفلسطينية يجب ان تتحول الى عقيدة سياسية، انسجاما مع البعد التاريخي لها، وليست مجرد هوية تتعرض للالغاء مع اهواء السياسيين ، ورغبات المجتمع الدولي حماية لاسرائيل، وانسجاما مع الوهن الذي اصاب العرب، وقتل غيرتهم الوطنية والقومية، وكل من يدفع باتجاه ما من شأنه المس بالحقوق التاريخية للفلسطينيين على ارضهم المحتلة لا يمكن له ان يدعي انه يحب الفلسطينيين او يسعى لخير قضيتهم .
وسيبقى كل فلسطيني على الأرض نقيضا لإسرائيلي حل بمحله ، وتحول الفلسطيني إلى أي هوية عربية ، إنما يحل أزمة صهيوني يعاني أمام التاريخ ، والفلسطينيون ممنوعون من الإذابة في البلاد العربية حفاظاً على قضيتهم من أن تندثر ، وهم وأبناؤهم أنى يولدون الشاهد الباقي على اغتصاب هذا الثرى العربي المقدس.
ومن حقهم على امتهم ان تترتب لهم على اية بقعة عربية الحقوق الإنسانية الكاملة من معيشة كريمة ، وصحة ، وتعليم ، وعمل ، ولكن الحقوق السياسية من الفداحة أن يتمتعوا بها ، او يطالبوا بحيازتها مهما بلغ حجمهم في أي مجتمع سياسي في الشتات لأنها تبطل هويتهم الأصلية ، وتفرغ فلسطين من أهلها الفلسطينيين.
وكل عربي يمكن له ان يتحول إلى فلسطيني، او اية جنسية أخرى الا الفلسطيني فيجب ان يحرص على هويته ، ويمنع تحوله إلى أية هوية أخرى بديلة في هذا العالم.
فالهوية الفلسطينية الضمانة الوحيدة ضد إلغاء فلسطين من الوجود ، وأي مكان يتيح المشاركة السياسية للفلسطينيين خارج فلسطين إنما يمس بجوهر هذه الهوية، ويصفيها مع مرور الأيام كما ان أي بلد عربي يمنع الفلسطينيين من التمتع بالحقوق الإنسانية يتنكر لواجب الأخوة.
والفلسطينيون في الشتات لم يكن خيارهم الانخراط في اية عملية سياسية خارج وطنهم ، وانما طالبوا بحقوقهم الإنسانية ، وعندما يتم التضييق عليهم يلجؤون الى المطالبات السياسية ، وقد يكون هنالك من سعى لتركيز تجمعهم في بقعة ما في الخارج تنفيذاً للرغبة الصهيونية في نقل فلسطين حيث يحل الفلسطيني ، وايجاد وطن بديل لهم، والقضاء على حق العودة الذي صدرت فيه قرارات دولية ملزمة.
ولا شك ان سياسيين فلسطينيين انخرطوا في هذا المخطط ، وحاولوا جعله جزءًا من التفكير الفلسطيني في الشتات وادخلوا الفلسطينيين في المعادلات السياسية الداخلية لبعض البلدان المضيفة ما سيقضي مع مرور الوقت على حقهم التاريخي في بلدهم المحتل بدعوى حقوقهم في البلدان التي ضمت شتاتهم ، وللأسف تشكلت خلطة سياسية قابلة لأن تلعب بها القوى الدولية تفضي الى تضييع الحق الفلسطيني لا سمح الله.
فهذه القضية غير قابلة للإلغاء الا بإلغاء الفلسطيني نفسه وتذويبه في هويات الآخرين ، واذا كان اليهود حافظوا على انفسهم من الذوبان في المجتمعات التي تنقلوا فيها لمدة الفي عام حتى يعودوا الى (ارض الميعاد)، كما يزعم نتياهو في كتابه "مكان تحت الشمس" فلا يجوز ان يتحول الفلسطينيون في اقل من مئة عام الى هوية أخرى لتحقيق مكاسب آنية خارج فلسطين ويكون ثمنها كبيراً أمام التاريخ.
والفلسطينيون أبناء هذه الأمة ومن ينكر ذلك مغرق في الوهم ، ولكنهم فلسطينيون للأبد، حتى يظلوا النقيض للهوية الإسرائيلية التي نتجت عن اكبر أكذوبة في التاريخ تسمى الصهيونية.
وعليهم أن يخلعوا أية هوية في أعناقهم سوى هويتهم الوطنية ، وان يبتعدوا عن ممارسة ما ينتج عن وجودهم في أي بلد من حقوق سياسية هدفت لإلهائهم عن تحرير وطنهم ، وهذا لا يعنى التنكر للبلدان المضيفة وان تتشكل موانع الاندماج الإنساني غير ان انخراطهم في أي مشروع سياسي خارج فلسطين يعد نكبة أخرى تلحق بفلسطين بذوبان شعبها في الشتات.
وهذا التحدي الأكبر أمام الأجيال الفلسطينية - حتى تحرير فلسطين - بالحفاظ على الهوية الأم، وتفويت الفرصة على الطامعين السياسيين اللاهثين خلف المكاسب ولو من يد الصهيونية. إجهاض عملية نقل فلسطين إلى إي مكان خارج فلسطين تحدْ كبير أمام الفلسطينيين، وهم وحدهم من يفشلون هذا المخطط اللئيم مهما مرت الأيام والسنون.
أمس واليوم، وغداً عن المصالحة.. والطريق؟
الكاتب: بسام الهلسه _ الدستور الاردنية
مع أننا لا نعول كثيرا على المصالحة التي اعلن عنها قادة
حركتي "فتح" و"حماس" أخيراً في القاهرة، إلا اننا نرحب بها،
حتى لو لم ينتج عنها سوى التواصل وتبادل التحيات وانهاء معاناة الموقوفين والمعتقلين من الطرفين. فالوضع الذي تمر به القضية الفلسطينية حالياً، قد يكون من بين أسوأ ما مرت به من أوضاع على مرِّ تاريخها المعاصر. ولهذا أسباب عديدة يتحمل القادة الفلسطينيون قدراً مهماً منها. ولن يكون بوسع أحد أن يتقدم لمساعدتهم ما لم يبادروا هم إلى مساعدة أنفسهم وتدبر شؤونهم ومصالحهم وتحديد أولوياتهم وسبلهم. فهم أعرف الناس بما يواجهه الفلسطينيون- شعباً ووطناً وقضية- من مشكلات وتحديات على المستويات كافة: السياسية والأمنية والإنسانية والمعيشية. ورغم معرفتنا بأن هؤلاء القادة لا يملكون الوصفة الشافية لهذه المشكلات والتحديات، إلا أنهم يستطيعون أن لا يزيدوا من تفاقمها، وإرهاق الشعب بأعباء إضافية فوق الأعباء الكثيرة التي تفرضها عليه سياسات سلطة الاحتلال بشكل يومي.
***
ترحيبنا بالمصالحة، لما تشيعه من جو طبيعي قد يوفر بيئة ملائمة تسمح بتفكيك ونزع الألغام الداخلية، لا يعني أبداً أننا نراهن عليها كطريق لمواجهة الاستحقاقات الوطنية الفلسطينية،
ما دامت المصالحة أسيرة ذهنية المحاصصة الفصائلية، وما دامت أسيرة السقف السياسي الذي حددته اتفاقية "اوسلو" وما نتج عنها. فالمطلوب بالدرجة الاولى، هو تقديم الحلول الناجعة للقضية الوطنية وليس حل مشكلة الفصيلين، الا بقدر ما تساعد على التقدم نحو حل القضية الوطنية المركزية، التي يفترض انها المعيار الأساس في النظر إلى أية وحدة أو أي انقسام وتأثيرهما.
وفي ظل الظروف العربية والاقليمية والدولية الحالية، التي تبدو فيها كل الدول والقوى السياسية منشغلة بما يكفي من المشكلات، قد يكون نافلاً القول بأن على الفلسطينيين أن يركزوا اهتمامهم على قضيتهم لابقائها حية فاعلة، كي لا تطويها قعقعة مجنزرات الاحتلال، ولا يغيِّبها صخب الصراع المحتدم على إعادة تشكيل ما يسمى بالشرق الأوسط عامة، والوطن العربي بخاصة، الذي تنخرط فيه شعوب وقوى ودول متعددة، وسيستمر لمدة غير معلومة، وليس معروفاً بعد ما سيؤول إليه.
***
سبق للفلسطينيين وأن واجهوا ظرفاً مشابهاً بعد النكبة. حينما انشغلت الدول العربية بشؤونها الداخلية- او بالصراع فيما بين محاورها- فيما وجد الفلسطينيون أنفسهم عزلاً مكشوفين أمام عدوهم القوي، يعلقون آمالهم في انتظار اليوم الذي سيأتي فيه الأشقاء لنصرتهم. لم يأتِ أحد بالطبع، رغم كل الوعود والنوايا الطيبة، فقد كان لكل قطر- وحزب- عربي مشاغله وأولوياته. ومضت سبعة عشر عاماً بعد النكبة وهم ينتظرون ويأملون، قبل أن يتوصلوا إلى الواجب البديهي: أن لا يدعوا قضيتهم لغيرهم مهما كانت نواياه ووعوده صادقة، وأن يتولوا مباشرتها بأنفسهم، فيما يستمرون في مطالبة أشقائهم العرب بتحمل مسؤولياتهم القومية تجاه قضية الأُمة المركزية، القضية الفلسطينية، التي يتعلق بتحريرها مسار العرب ومصيرهم في التحرر والوحدة والتقدم. ولما كان المثال التحرري الذي قدمه شعبا الجزائر واليمن الجنوبي حاضراً، فقد بيَّن الطريق الواجب اتباعها لنيل الحقوق: "حرب التحرير الشعبية"، التي كان التخلي عنها واتباع طريق "العملية السلمية"، هو ما اوصل القضية الفلسطينية إلى ما هي عليه الآن. وهي المسألة التي على الفلسطينيين والعرب ان ينشغلوا بها: امس، واليوم، وغداً.
واشنطن وعزلة “إسرائيل”
الكاتب: محمد عبيد _ الخليج الاماراتية
التحذيرات المتتالية التي وجهتها واشنطن وستواصل توجيهها مستقبلاً على الأغلب، من تزايد عزلة “إسرائيل” في المنطقة والعالم، لا تعبر عن إقرار أمريكي بأن الكثيرين في العالم لم يعودوا يصدقون الكذب “الإسرائيلي” المستمر، ولا سياسات الاحتلال المغرق في العنصرية والسادية، والسلب والنهب والتهويد والتنكيل بالفلسطينيين، مع أنها تشي بذلك، بقدر ما تشكّل نواقيس إنذار مبكر للكيان، وتنبيه إلى ضرورة إحداث تغيير في السياسات والتوجهات، حتى وإن كان طفيفاً .
وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا يتوجه بالتحذير إلى قادة الحرب والإرهاب في الكيان، مؤكداً ضمناً أن بلاده ليست في وارد عمل “إسرائيلي” عسكري تجاه الجيران الإقليميين، وخصوصاً إيران، ولا تنوي التورط في “مغامرة” جديدة، مفضلة على ذلك الوسائل والضغوط الدبلوماسية والسياسية، والعقوبات .
ومع تأكيد تفهّمه لا اتفاقه مع وجهة النظر “الإسرائيلية” القائلة إن “هذا ليس وقت السعي إلى تحقيق السلام، وإن الصحوة العربية تعرّض للخطر بشكل أكبر حلم وجود “إسرائيل” آمنة ومطمئنة ويهودية وديمقراطية” . إلا أنه لم يخرج عن “ألف باء” السياسة الأمريكية الثابتة تجاه الكيان بقوله إن “الولايات المتحدة ستحمي أمن “إسرائيل”، وتضمن الاستقرار الإقليمي . ورمى الكرة في ملعب الكيان الذي رأى أن عليه “مسؤولية السعي إلى تحقيق تلك الأهداف المشتركة لبناء الدعم الإقليمي للأهداف الأمنية “الإسرائيلية” والأمريكية” .
واشنطن لم تخرج عن نهجها الثابت تجاه حماية أمن وتفوق الكيان العسكري، ولم تخرج كذلك عن التزامها الرؤية والرواية “الإسرائيلية”، رغم قولها بغير ذلك، وليس أدل على ذلك من محاولات السياسة الأمريكية المحمومة لتطويق الكراهية المتصاعدة للكيان على المستوى الإقليمي، والأثر الذي أحدثته ثورات الشباب في دول الجوار، والتغيير الذي تمر به، وما يحمله ذلك من مخاوف “إسرائيلية” لها أرضيتها، خصوصاً أن مجرد انتقال دول عانت من استبداد تصالح مع الكيان وخدم مصلحته، إلى نظم ديمقراطية تمثل إرادة الشعب، يعني بالضرورة سياسات ضد الاحتلال ودولته، ويكشف زيف الرواية القائلة ب “الواحة الديمقراطية”، التي صدّرتها “إسرائيل” على مدى زمن طويل إلى العالم .
واشنطن تعبّر بشكل يومي عن سياسة ثابتة تجاه الكيان، لكنها مع ذلك تسلك طريقاً مغايراً في الوقت الحالي، مدفوعة بفهم واقعي لما آلت إليه الأوضاع، وما من دليل أبلغ على ذلك، السياسة الأمريكية التي أخذت وجهة “معدّلة” تجاه الكيان، وقول بانيتا نفسه “خلال العام المنصرم رأينا تزايد عزلة “إسرائيل” عن شركائها الأمنيين التقليديين في المنطقة” .
عزلة الكيان أمر واقع لا مفر منه، وإن حاولت واشنطن ترجمة المسألة بطريقة ترضي حليفتها الأولى في المنطقة، إلا أن دوائرها السياسية تدرك الأمر جيداً، وليس أدل على ذلك من المحاولات المتواصلة لدوائر صناعة القرار الأمريكي، والمنظمات الأمريكية المختلفة، لإحداث اختراق في دول “الربيع العربي”، وتثبيت أقدامها مجدداً في المنطقة، من خلال بناء وتشكيل الأطر الداعمة للسياسات الأمريكية، والسيطرة على مراكز القوى في هذه الدول من خلال المال والرشى السياسية، واستخدام سلاح المساعدات، وحتى التحالف والتقارب مع قوى طالما اعتبرتها الولايات المتحدة عدواً تاريخياً، وقلما نظرت إليه في غير سياق ما تسميه “الإرهاب” .
الولايات المتحدة لن تترك حليفتها في الميدان وحيدة، لكنها مضطرة إلى تغيير قواعد اللعبة لتتناسب مع الوضع الإقليمي المستجد، وذلك يعني في مبادئ السياسة والمصلحة، أنه لا وجود لما يسمى “عدواً تاريخياً”، كما أنه لا وجود لمصطلح “مبدأ” عندما يتعلق الأمر بالكيان ومصلحته .
تفاؤل حذر بصعود الإسلاميين
الكاتب: محمود الريماوي_ الخليج الاماراتية
الإسلاميون يتصدرون نتائج الانتخابات في دول شمال إفريقيا (المغرب، تونس ومصر) . في ظروف سابقة كان هذا الحدث سيبدو محاطاً بعلامات استفهام وتحف به محاذير شتى . في ظروف الربيع العربي وانتفاء شبهة التزوير وبالاحتكام إلى صناديق الاقتراع والقبول المسبق بالنتائج، فإن هذا الحدث رغم ما يحمله من إثارة فإنه يمُر بهدوء وتقبل عام . حتى إن الدوائر الغربية تبدي قبولاً علنياً به . وإذا كان هناك يساريون ووسطيون ولبيراليون في أوساط المجتمعات لا بين المرشحين فقط قد أصيبوا بالصدمة، فإن ذلك لم يدفع أحداً للخروج على اللعبة الديمقراطية . ومن جهتهم فإن الفائزين في المغرب وتونس حرصوا على طمأنة الجميع بأن الحياة سوف تسير سيرها المعتاد، وأن “انقلاباً” لم يحدث ولن يحدث، وقد ترافق ذلك مع السعي لبناء ائتلافات حكومية سيكون لها انعكاساتها على مجرى عمل المجالس التشريعية المنتخبة .
يود المرء هنا أن يرحب بهذه النتائج، لأكثر من اعتبار من دون إغفال محذور سوف يتم التطرق إليه .
الاعتبار الأول أن هذا التغير في المعادلات السياسية الداخلية يزيل قدراً كبيراً من الاحتقان الاجتماعي، ويسهم في ردم الفجوة الكبيرة بين الحكام والمحكومين في هذه البلدان، ويسمح لفئات عريضة مهمشة أو محافظة، بأن تكون كلمتها مسموعة عبر ممثليها المنتخبين . كما يسمح لهذه الشرائح الكبيرة بأن تشارك في الشأن العام . ولما كانت هذه البيئة “الشعبية” في ما مضى أرضاً خصبة لتلقي واحتضان بذور العنف السياسي والاجتماعي والعقائدي، فإن تصدر ممثلي هذه البيئة للسلطتين التنفيذية والتشريعية، يغلق الباب أمام نمو التطرف بل ينزع عنه أي شرعية اجتماعية . ولما كانت هذه البلدان الثلاثة قد عانت بدرجات إلى جانب استبداد الحكم وفساده من موجة التطرف، فإن لنا توقع أن تشهد هذه الموجة المزيد من الانحسار بصورة ملحوظة في مقبل الأيام .
الاعتبار الثاني ويتصل بما سبقه، يقوم على ان قوى الإسلام السياسي باتت على أهبة الاندماج في الحياة السياسية، وبدأت تبارح موقع المعارضة “الأبدية” . يشكل ذلك تحدياً لهذه القوى عليها أن تثبت استجابتها له، ولنا أن نتذكر ما يخص المغرب مثلاً فالمعارضة اليسارية في ذلك البلد وصلت إلى رئاسة السلطة التنفيذية في أواسط تسعينات القرن الماضي ممثلة بحزب القوى الاشتراكية الذي أسسه المهدي بن بركة، لكنها لم تحقق الكثير مما كان يزخر به خطابها من وعود وطموحات .
ليس من المحتم أن تتكرر التجربة مع الإسلاميين وخاصة في مواجهة معضلات التشغيل والصحة والإسكان، غير أن التحدي يظل ماثلاً كونها التجربة الأولى للإسلاميين في البلدان الثلاثة . وأياً كانت النتيجة التي ما زالت في علم الغيب، فإن الاندماج في الحياة السياسية الفعلية والعلنية وفق ضوابط قانونية ودستورية، سوف يدفع إلى إنضاج تجربة هؤلاء وربما تدفعهم لتداول تعبيرات مثل: الواقعية، والتركيز على أن لا حلول سحرية لمعضلات بنيوية قديمة، ولهم بعدئذ استخلاص أن المعارضة أسهل من تولّي الحكم، وأنها تحقق لأصحابها شعبية أعلى ونفوذاً أكبر في الشارع، وبعناء أقل مما يترتب على قيادة السلطة التنفيذية، علماً أن مآل النظام الجديد في مصر سوف يكون أكثر تعقيداً، فما زال النظام رئاسياً ولم ينتقل بعد إلى نظام برلماني . غير ان تصدر إسلاميين لمجلس الشعب علاوة على تحبيذ تيارات اخرى للنظام البرلماني، سوف يدفع الوضع في أرض الكنانة بهذا الاتجاه .
الاعتبار الثالث: أن فوز قوى إسلامية أساسية سوف يدفع إلى حالة فرز في الشارع الإسلامي بين من يؤمنون باللعبة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وبمبدأ المواطنة، وبين من ما زالت تأسرهم نزعة التكفير وتصنيف المواطنين على أساس ديني، وعلى الضد من مبدأ: الشعب (بكل فئاته وأطيافه) مصدر السلطات، وسيكون على القوى الصاعدة العاقلة احتواء هؤلاء .
لهذه الاعتبارات فإن الحراك السياسي الداخلي في البلدان الثلاثة مرشح للاغتناء مع ما قد يحف بذلك من بعض مظاهر الاضطراب . وهو ثمن يمكن تقبله مع السعي للحد من أضراره، في سبيل الانتقال إلى حياة ديمقراطية رحبة، لا محل فيها للإقصاء والاستحواذ، ولا مجال فيها لإعمال العقلية الانقلابية .
يبقى محذور لعله على جانب من الأهمية (والخطورة!)، لا بد من الإشارة إليه . فهناك خشية من أن تتمرس بعض قواعد وكوادر الأحزاب المتصدرة، بعقلية العمل السري وتحدي القانون والنقمة على المجتمع، كما في حال حزب النهضة التونسي مثلاً، وأن تجنح مثل هذه الأحزاب إلى احترام القوانين والتشريعات السائدة على مستوى التسيير الحكومي والأداء الرسمي، وأن تغض الطرف في الوقت نفسه عن تجاوزات أعضاء وهيئات في الحزب، كما في حادث اقتحام جامعة تونسية مؤخراً، إضافة إلى شواهد سابقة حملت تهديدات واستعراضات قوة .
ولكي يكون حزب كالنهضة حزباً مسؤولاً، فإن عليه تطبيق القوانين على أعضائه ومناصريه أولاً، وقبل الفئات الاجتماعية الأخرى، كي لا يقع في ازدواجية مهلكة بأن يكون جزء منه في الحكومة والبرلمان وتحت مظلة القوانين، وجزء آخر يقوم ب”مبادرات” مستهجنة لأخذ القانون باليد ومحاولة تخويف الفئات الأخرى تحت سمع وأنظار السلطات الجديدة، التي تصل إذا وصلت متأخرة لجبر الضرر . شيء من ذلك كان يحدث في العراق أيام النظام البعثي السابق، ولا بد هنا في حالة دول مثل تونس والمغرب تفادي الوقوع في خطيئة الحزب الحاكم بأمره، أو غض الطرف عن حماسة واندفاع “جماعتنا”، فذلك يطعن في صدقية أي شعارات وتطمينات لفظية .
محنة الإسلاميين
الكاتب: عبد الحليم قنديل _ القدس العربي
قد يصح أن نندهش من المندهشين لفوز الإسلاميين في الانتخابات العربية الجارية، فقد فازوا بنسبة 40' في تونس، وفازوا بنسبة أقل في الانتخابات المغربية الأخيرة، ويفوزون بنسبة مكتسحة في الانتخابات المصرية الجارية، وليس في ذلك مفاجأة سياسية من أي نوع، فالنتيجة ذاتها مرجحة في أي قطر عربي قد تجري به انتخابات الآن .
وقد نخاطر بتوقع ما سيجري بعد الفوز الانتخابي الكبير للإسلاميين، فسوف يحكم هؤلاء في الأقطار العربية، سوف يشكلون الحكومات، وربما يصنعون الرؤساء، ولكن دون مقدرة ظاهرة على إحداث فارق حقيقي، سوف يراهم الناس في كراسي الحكم، وهم أكثر براجماتية وأقل مبدئية، ولن يكون بوسعهم تقديم حلول جذرية، بل وربما تتفاقم أزمات الاقتصاد والمجتمع مع حكمهم، وتنخفض شعبيتهم بإطراد، وتتراجع نسب فوزهم في الانتخابات اللاحقه، هذا كله متوقع 'إلا إذا'.
و 'إلا إذا' هذه هي التحدي الأكبر الذي يواجه الإسلاميين، فالثقافة التي يحملونها معادية بطبيعتها للتغيير والتنمية والتحديث، وهنا لا يمكن التعميم بذات القدر، فحركة النهضة في تونس تبدو أنضج بكثير، بينما تبدو التفاعلات الداخلية في جماعة الإخوان المصرية أكثر تعثرا، ويبدو 'حزب العدالة والتنمية' الإسلامي المغربي في حالة وسطى، وخارج الجماعات الإخوانية المنشأ تبدوا المشكلة أكبر، يبدو السلفيون المصريون مثلا في حالة بدائية وصحراوية تماما، أفكارهم تخاصم العصر بالجملة، وأراؤهم تثير العجب، والفزع، ومن نوع منع نشر صور مرشحاتهم، وإحلال صور أزواجهن محلها، أو وضع وردة مكان الصورة، أو ستر الأهرامات والآثار ببطانيات، أو من نوع حل المشكلات الاقتصادية بالغزوات وجلب السبايا، أو من نوع جواز أكل لحم العفاريت، أو إلى غيرها من أراء وفتاوى غاية في الشذوذ، تخاصم العقل وصحيح الإسلام، وتوقعهم في التهلكة السياسية إن حكموا، وإن يكن هؤلاء ليسوا من النوع الإسلامي المرشح للوصول إلى الحكم الآن، فالجماعات الإخوانية على اختلاف مراحل تطورها أسبق قدما، وتنتظرها محنة الحكم، وربما لا ينجحون فيها 'إلا إذا' تحولوا إلى شئ آخر تماما، أو أن يتحول عنهم الناس المقبلين عليهم الآن .
وليس صحيحا أن الإسلاميين لم يحكموا في العالم العربي من قبل، لا نتحدث هنا عن السعودية ونظم الخليج، ونظم الحكم فيها تقول أنها تحكم بالشريعة، والمحصلة كما نعرف، نظم حكم ديناصورية ناهبة، وتحكم بشرائع الأمريكيين لا بشريعة الله، وقد يكون من الظلم أن نحكم على الإسلاميين العرب بفساد وتخلف النظم الخليجية، لكن الإسلاميين حكموا في أقطار عربية أخرى، وسواء كان هؤلاء من منشأ سني أو من منشأ شيعي ، حكمت الأحزاب الدينية الشيعية في العراق بعد الاحتلال، وثبت أنها مجرد جماعات لصوص، وفي الصومال حكم الإسلاميون في السنوات الأخيرة، وكانت النتيجة مزيدا من هلاك وفناء الصومال، واشتعال الحرب الأهلية بين 'المحاكم الإسلامية' إخوانية النزعة، و'حركة شباب المجاهدين' السلفية الأقرب إلى فكر تنظيم القاعدة، وفي السودان حكمت حركة حسن الترابي إخوانية المنشأ، وعلى مدى زاد إلى الآن عن عشرين سنة، والمحصلة كما ترى، تحسن اقتصادي طفيف، ومقابل تفكيك السودان، وتفكيك الحركة الإسلامية نفسها، وخروج الترابي نفسه إلى خلاء المعارضة، واستيلاء المشير البشير على غالب كوادر الحركة الإسلامية القديمة، ودمجها في نظام حكم لا يغرى أحدا بتقليده، وقد يقال أن هؤلاء الإسلاميين فشلوا لأنهم وصلوا للحكم بغير الطريق الديمقراطي، وهو اعتراض فيه بعض الصحة، وبرغم أنه يخالف دعاوى هؤلاء عن أنفسهم، وعن شعبيتهم الجارفة، وعن حكمهم بالشريعة طبعا .
المعنى: أن خرافة عدم تجريب حكم الإسلاميين لا أساس لها، وقد يكون وصولهم للحكم هذه المرة بالطريق الانتخابي فيه جديد، ولو كان في الشكل أكثر من المضمون، ومجرد الفوز الانتخابي للإسلاميين حدث لا يستهان به، ويثير المخاوف إلى حد الفزع عند قطاعات من الرأي العام العربي، بينما تبدو مخاوف الإدارة الأمريكية أقل، وهي ذات الإدارة التي دعمت نظم حكم يرثها الإسلاميون الآن، والمفارقة تحتاج إلى تفسير، وليس صعبا تبين حقيقة التفسير، فللأمريكيين مصالح دائمة لا أصدقاء دائمين، ولا يهمهم أن يكون الحاكم بذقن ثقيلة أو خفيفة، وعدا خلافات تبقى حول الموضوع الإسرائيلي، تبدو الإدارة الأمريكية مطمئنة تماما لحكم الإسلاميين، والسبب ظاهر، فهؤلاء الإسلاميين أقرب لشريعة السوق، وإن أطلقوا على اقتصاد الخصخصة اسم الاقتصاد الإسلامي، وقد توالت ظواهر ترحيب الأمريكيين والاوروبيين بفوز الإسلاميين، وبدأت جولات الحوار النشيط، وتوالت الأحاديث عن خيبة الليبراليين، وعن ' ليبرالية ' الإسلاميين المتزايدة، فهؤلاء الأخيرون ـ براجماتيون جدا، وما يكون حراما في دهر يتحول إلى حلال زلال في ثانية، وهم قوة يمينية بامتياز، لكنهم أكثر حيوية بمراحل من اليمين الليبرالي ذي المنشأ الفكري الغربي، واستفادوا في صعودهم من ظروف استجدت على مسرح العالم والمنطقة، استفادوا من الانقلاب في مصر بالذات على مشروع النهضة والتصنيع والتنمية والتوحيد وعدالة التوزيع، وتحول المجتمعات العربية من طبقات وفئات إلى غبار بشري، وسيادة مشاعر البؤس واليأس، والانقطاع عن سباق العصر، وقد خاطب الإسلاميون بؤس المجتمع كجمعية خيرية، كما خاطبوا يأس المجتمع كجمعية دينية، ولم تكن نظم الحكم العائلي تمانع في الدعوة الدينية، ولا في العمل الخيري، وهو ما أدى لتضخم أدوار وموارد المجموعات الدينية على اختلافها، فقد تضخم دور الكنيسة المصرية في الفترة ذاتها التالية على تصفية المشروع الناصري، كما تضخم دور التيار الإسلامي، وانتفخت عضلاته المالية والتنظيمية خلال أربعين سنة مضت، وكان طبيعيا مع كسر القيود على حريات السياسة، كان طبيعيا أن يجري التصريف السياسي لطاقة هائلة اجتمعت من موارد دينية وخيرية، وأن يبدو فوز الإسلاميين قدرا لا فكاك منه في أول انتخابات تجرى، لكنه الفوز الذي يقود إلى اختبار، أو إلى محنة، لا نقصد هنا محنة المجتمع، بل محنة الإسلاميين الفائزين بالذات، محنة التكيف مع تجربة حكم مراقب ديمقراطيا وشعبيا، محنة الامتحان العملي، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
هل ينجح الإسلاميون الجدد في وصل ما انقطع بين الدين والدولة؟
الكاتب: مأمون كيوان _ المستقبل اللبنانية
أفضت التداعيات الأولى لحركات الاحتجاج الشعبية العربية التي تتابعت منذ بدايات العام الحالي إلى تصاعد حالة حراك لافتة داخل القوى المكونة للتيار الإسلامي بمختلف مسمياته ومدارسه الإخوانية والسلفية والصوفية والمتطرفة والجهادية. وتعمقت حالة الحراك بعد فوز حركة النهضة التونسية بغالبية مقاعد المجلس التأسيسي وفوز حزب العدالة والتنمية بـ107 مقاعد برلمانية من أصل 395 في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
ولعل حجر الزاوية في حالة الحراك هذه تتمثل في محاولة حل متحارجة العلاقة بين الدين والدولة بعد تراجع تأثير الشعارين الشهيرين: "الدين لله والوطن للجميع" و"الإسلام هو الحل".
وتعد مصر بوتقة أو مرجل السجالات الساخنة بين القوى الإسلامية حيث تجند الإسلاميون المصريون الإخوانيون والسلفيون والصوفيون في أحزاب سياسية طرحت برامج متضاربة فقد اعتبر شيخ الطريقة العزمية محمد علاء أبو العزايم، وهو أحد مؤسسي "حزب التحرير المصري"، أنه "إذا ما وصل السلفيون للحكم فسيؤخرون البلاد لما لا يقل عن خمسة آلاف عام وسيعيدونها لعصر الجاهلية، فهم يرفضون الآخر بل هناك بعض منهم يكفّر الآخر كبعض التيارات السلفية التي تكفرنا نحن كصوفية ويكفّرون الأقباط أيضا. وإذا تقلد السلفيون والاخوان المسلمون زمام الحكم قد يلغون المشيخة الصوفية".
ومن جهة أخرى، شدد أبو العزايم على أن "الصوفية يمكنها أن تهزم الإرهاب وتضع حدا للتطرف داخل المجتمعات وتوفر لها الأمن والسلام وذلك لأن الصوفية تقوم بالأساس على الارتقاء بالسلوك الأخلاقي للبشر وما يتبع ذلك بالضرورة من تقبل للآخر والتعاطي معه وبالتالي تقليل فرص التعصب".
والجدير ذكره أنه يوجد في مصر نحو 15 مليون صوفي ينتمون لنحو 80 طريقة يمكن ان يشكلوا كتلة تصويتية مهمة اذا وحدوا صفوفهم لكن تجربتهم وقوتهم السياسية والتنظيمية اقل من قوتهم العددية.
بالمقابل، يعتقد المتحدث باسم السلفيين الشيخ عبد المنعم الشحات أن الحركة السلفية لا ترفض التصوف. ويقول:"نحن نرفض التمسح بالقبور والاضرحة والتبرك بها لانه مصادم للشرع". واعتبر المتحدث أن العنصر الأخطر في الديمقراطية ونحن نؤمن أن التشريع لله. ومنصب رئيس الدولة محسوم وممنوع على غير المسلم والمرأة، لكن يجب التفرقة بين حالة غير المسلم وحالة المرأة، وعدم الخلط بين الأمرين".
وذكر أن الدعوة السلفية في مصر تطالب بتنفيذ القانون والاستجابة لنبض الشارع وثمة ثلاثة عوامل يمكن للدعوة السلفية أن تؤيد عن طريقها المرشحين، وهي الإقرار بالمرجعية الإسلامية وتوافر الكفاءة والأمانة.
وعن الدولة ومستقبلها توقع الشحات أن يشهد المستقبل يوما تتحقق فيه الخلافة الإسلامية ويصبح هناك دولة واحدة باسم "الجماهيرية الإسلامية العظمى"!!
هذا ويعارض كثير من الصوفيين فكرة الدولة الدينية على غرار النموذج الإيراني، لأنها دولة شديدة العنصرية، وخطورتها تكمن في أنها تواجه أهل السنة عندها بأشد أنواع البطش والتنكيل.
وفي اليمن عمل عدد من السلفيين على ترتيب أنفسهم للدفاع عمن يسمونه "السلطان" و"ولي الأمر"، في إشارة إلى الرئيس علي عبدالله صالح، ودعا عدد من العلماء السلفيين، المعارضة إلى تحكيم العقل والمنطق وعدم جر البلاد إلى حرب أهلية بين أبناء المسلمين. وقال أبو عبد السلام حسن بن قاسم الحسني، إمام وخطيب مسجد الإمام الوادع في محافظة تعز، في إحدى خطبه:" أمرنا الله بأن ندعو للحكام بالصلاح ولم نؤمر بأن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا". بينما لا يزال بعض السلفيين متحفظاً حول الوقوف مع أي من المعارضة أو السلطة.
وفي المغرب يقر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران أن حزبه سيعمل على وضع برنامج يرضى به شركاء يقبلون الائتلاف معه، لكن الأمر الأساسي في برنامجه يقوم على محورين هما الديمقراطية والحكم الرشيد. فضلاً عن الالتزام بمبدأ الولاء للملكية.
ولا يبدو أن استجابة الفكر السياسي الإسلامي للتحول الجديد، بأنه مناورة، بل هو دليل على ظهور إسلاميين جدد قد يدرك بعضهم أن مجتمعاً بلا مشكلات لا يمكن أن يكون مجتمعاً بشرياً. وأن المجتمع الوحيد بلا مشكلات هو مجتمع من "الملائكة" فقط. ولذلك يجب التوقف عن التلاعب بالشعارات الدينية. وكون ثلثي المسلمين في العالم اليوم يعيشون في ظل أنظمة منتخبة ديمقراطياً غير عربية، يقتضي من العرب المسلمين، أي الثلث الأخير الذي يعيش في ظل أنظمة استبدادية غير منتخبة وأخرى تسير في طريق الديمقراطية، أن يرتضوا الديمقراطية آلية لوصل ما انقطع بين الدين والدولة.
لماذا تدق طبول الربيع العربي للأحزاب الإسلامية
الكاتب: د. علي الخشيبان_ الوطن السعودية
عندما انطلقت الثورات العربية من تونس لم يكن هناك من تفسير واضح لما يحدث فقد صعق الجميع وهو يتلقى أخبار التطورات في مسلسل الثورات العربية، ويبدو أنه مسلسل من عدة حلقات ومع كثير من التفسيرات إلا أنه وبمرور الوقت تعوّد الشارع العربي والسياسة العربية على قبول مفهوم الثورات العربية ومفهوم الربيع العربي لتلطيف الأزمة وبقي السؤال المشروع يدور في أروقة السياسة العربية هل بقاء الحكومات والأنظمة التي اجتاحتها الثورات العربية أفضل أم الثورة عليها هو الأفضل..؟.
التكهنات كثيرة والمنطقة السياسية الوسط والراغبة في التغيير المتدرج وبشكل أهدأ من المظاهرات والقتل هي عنوان الكثير من الدول التي تراقب الوضع القائم ، ولكن تبقى الحقيقة أن تلك الثورات غيرت وأتت بواقع مختلف وقد يبدو مسبباً للفوضى ولكن طبيعة الثورات عمليا تتطلب كل هذه السلبيات فالثورات كما يقول عنها ميكافللي أنها نظام يعقبه فوضى يعقبها نظام.
نحن اليوم أمام نهاية العام الأكثر إثارة خلال القرن الحادي والعشرين بعد عام الأحداث السبتمبرية 2001م ، وقد بدأت تتبلور الكثير من المسارات السياسية في العالم العربي ففي تونس يفوز الإسلاميون وبقوة في الانتخابات وفي مصر ينتصر الإخوان بعدما تولى جناحهم السياسي (الحرية والعدالة) مهمة السياسة ، وفي المغرب تحقق الثورة الصامتة فوزا ساحقا لحزب إسلامي آخر هو حزب التنمية والعدالة، هذه الدول الثلاث في العالم العربي وهي دول لها قيمتها السياسية وهذه الأهمية تطرح السؤال الأهم : لماذا تدق طبول الربيع العربي للأحزاب الإسلامية..؟
الإجابة عن مثل هذا التساؤل مهمة لمعرفة وإدراك الحقائق فهذه الأحزاب الإسلامية جميعا كانت تتهم بالعنف وتضاعف الضغط عليها بعد أحداث سبتمبر ولكننا اليوم نراها فرس الرهان وتدق لها الطبول في مظاهر استقبال لها على بوابة البرلمانات العربية وكأنها تردد تلك المقولة الشهيرة لميكافللي أيضا " يمحو النصر آثار أكثر الأعمال فشلًا ، فيما تجهض الهزيمة أكثر الخطط تنظيماً".
اليوم تدخل الأحزاب الإسلامية السياسة ولكن ليس عبر بوابة الخلافة كما كنا نتوقع وكما كانت تلك الأحزاب تردد ولكنها اليوم تدخل بوابة السياسة عبر البرلمانات والديمقراطية والانتخابات التي كانت تقاومها فكريا وعمليا، فكل هذه الجماعات ، أضمرت عداء للديمقراطية في مراحل مهمة من حياتها السياسية، وكانت تطرح مقولات متواضعة وبسيطة سهلة النطق مستحيلة التطبيق في أن لديها الحل لكل شيء وهذا ما جعلها تتوارى عن التفكير في القضايا المعقدة في المجتمع والاقتصاد .
في تاريخ تلك الجماعات ارتباك واضح بين التطور التاريخي والحضاري المدني للبشرية، وبين ثبات العقيدة والدين كمنهج للعبادة والتوحيد .. هذان المساران التطور البشري الطبيعي واستقلالية الدين كحدث تاريخي مستمر: هما اللذان أربكا تلك الجماعات في كثير من مواقفها السياسية على وجه الخصوص ، والسبب في ذلك هو عدم القدرة على الفصل بين الثابت والمتغير في التاريخ البشري.. ولعل ذلك الخلط الكبير هو الذي جعل الكثير من تلك الأحزاب تحاول جاهدة تحليل وفهم ذلك الصراع بين "الايديولوجيا والبراغماتية".
اليوم الأحزاب الإسلامية السياسية تقبل بشكل براغماتي النزول إلى الشارع للاقتراع ثم الصعود إلى البرلمان بالصناديق وهذا نهج ديمقراطي كامل في صورته النظرية وكل ما يمكن انتظاره بعد اليوم هو إما الانقلاب على السياسة والديمقراطية، أو الانقلاب على الشارع الذي انتخبها فهي بلا شك سوف تجد نفسها أمام هذه المعضلة السياسية.
بمعنى دقيق سوف يدرك الإسلاميون أن السياسة براغماتية تعتمد على تحرّكً وتغير دائم لخطوطها الحمراء وحدودها، بينما الايديولوجيا منهج تحكمه قيم يستحيل تحريكها، ويحكمه خط لايمكن تغييره في أروقة السياسة ولذلك يكون السؤال : هل ستلجأ الأحزاب الإسلامية إلى طلب الفتوى في المعضلات السياسية ..؟
سؤال مشروع تكمن أهميته في حقيقةٍ سوف نراها خلال الأيام القادمة.
الخيار الثاني هو الانقلاب على الأتباع فاختيار مصطلح الحرية بشكل مطلق قبل العدالة في تسميات الأحزاب الإسلامية له مدلول انقلابي على الشارع الذي يوصلها إلى مقاعد البرلمانات. واختيار العدالة كمصطلح له أيضا دلالة فكرية انقلابية على أساس النهج القادم لتلك الأحزاب.
تجربة الأحزاب الإسلامية في السياسة لم تتضح بعد، والأيام القادمة كفيلة بجلائها ولكنها معرّضة للكثير من الاختبارات القاسية ولعل السبب يكمن في فكرة أن الوعي الديني لدى الشعوب ليس بالضرورة يساوي الوعي السياسي ، فالوعي الديني محدود بالعبادات والأحكام والأصول والفروع التي يمارسها كل فرد بشكل يومي ، بينما الوعي السياسي مفهوم يتجاوز الفرد نحو المجتمع والاقتصاد والعلاقات مع العالم وهذا ما لا يدركه الشارع العربي الإسلامي بشكل مباشر.
المشاركة، والتجربة السياسية للأحزاب الإسلامية تبلورتا في مصطلح يمكن أن نطلق عليه " المشاركة الناعمة" التي ركزت على القضايا الاجتماعية والخيرية وهذا النهج من المشاركة ارتبط بما يسمى الصحوة الإسلامية التي اجتاحت العالم العربي خلال العقود الأربعة الماضية.
الحقيقة التي يجب أن تدركها الأحزاب الإسلامية أنها بمشاركتها السياسية الناعمة من خلال العمل الخيري والاجتماعي هي التي ساهمت بتأجيل هذه الثورات لأنها تكفلت بردع القوة الاجتماعية في دول الثورات عن المطالبة بحقوقها السياسية تحت مسلّمات وضغط العمل الخيري الإسلامي لذلك لابد من القول إن الأحزاب الإسلامية اليوم سوف تكتشف أنها تأخرت كثيرا في فهم ما يجري حولها وهذا ما سوف يجعلها أمام خيارات الإتيان بكل ما وعدت به من حلول موعودة للمجتمع، أو الانقلاب على كل وعودها والسير وفقا لقواعد اللعبة السياسية المحلية الدولية، واكتشاف الأخطاء في نهجها السياسي، وتطوير مفاهيم وتكييف مقومات العمل السياسي، وإيجاد حلول تاريخية وحاضرة لفك معادلة الإسلام والسياسة ..
بعد كل هذه الخيارات لن يبقى سوى آلية واحدة يمكن أن يتم استخدامها من أجل استيعاب المنهج والايديولوجيا والأفكار القائمة وتكمن في تلك المقولة الشهيرة إما أن تأخذه كله أو تتركه كله..
فهل نحن قادمون نحو هذا الزمن أم سوف تفاجئنا السياسة بقدرتها على أن تحول الأيديولوجيات إلى منهجيات براغماتية مرنة وطرية؟
الإسلام السياسي وتحدى الديمقراطية !
الكاتب: رجا طلب _ الرأي الاردنية
لم تكن مفاجئة تلك النتائج للعمليات الديمقراطية التي تمت في تونس والمغرب والمرحلة الاولى من الانتخابات المصرية، والتي َتَصدَر مشهدها الحركات الاسلامية وبخاصة الاخوان المسلمين، وهو امر يطرح بجدية وبخوف ايضا كيفية ادارة هذه الدول وتحديدا في تونس ومصر وهما البلدان اللذان شهدا ثورتين «نظيفتين» بعد ان هرب رئيس الاولى تاركا حكمه وبلده، وبعد ان تنازل الثاني عن الحكم مجبرا ودخل المستشفى والسجن معا، اركز هنا على تونس ومصر وذلك بحكم ان البلدين شهدا تغييرا ثوريا غير تقليدي كان نتاجا لجهد شعبي سلمي تمكن في نهاية المطاف من اسقاط رؤساء انظمة قمعية قوية (زين العابدين، حسني مبارك)، كما ان البلدين يشتركان في ان الاسلاميين فيهما اي حزب النهضة في تونس والفائز الاول بالانتخابات وحزب الحرية والعدالة اي الاخوان المسلمين في مصر والذي استحوذ على اغلبية الاصوات في المرحلة الاولى من الانتخابات كانا محظورين ومضطهدين من قبل النظامين في البلدين، والسؤال هل لهذا التشابة في مسائل التغيير والثورة والاضطهاد اي تاثير على نتائج الانتخابات؟
اعتقد ان الاسلاميين في عموم الوطن العربي ايقنوا اخيرا ان هناك خارطة طريق واضحة ومحددة للوصول الى السلطة وهي التمسك بالخيار الديمقراطي والاحتكام للصناديق الانتخابية كبديل عن مقارعة الانظمة والعمل على تغييرها بالانقلاب او القوة، كما ايقنت هذه القوى ان المناخ السياسي العالمي الذي عظم من شان قضايا الحريات وحقوق الانسان شكل ويشكل رافعة لهذا التوجه الديمقراطي وضمانة له في كل بلد يعلن التزامه بالديمقراطية كمنهاج للوصول الى السلطة بالطرق السلمية والايمان في تبادلها سلميا ايضا، خاصة ان الاسلاميين يملكون قواعد شعبية عريضة صنعها نضال عقود طويلة ومواجهات عنيفة مع السلطات في البلدين، وهو ما عزز من شعبية هذه التنظيمات ومصداقيتها، ولا اعتقد اني ساكون مبالغا ان قلت ان نظام بن علي ونظام مبارك كانا اكبر داعم للاسلاميين في البلدين من خلال حظر تنظيم النهضة والاخوان المسلمين، فهذا الاضطهاد اعاد انتاج الاسلاميين كقوة ثورية ذات مصداقية، صحيح ان هناك قوى قومية وعلمانية في البلدين قد تعرضت للاضطهاد السياسي لكن القسوة الٌمبالغُ فيها من قبل نظام بن على في تونس ومبارك في مصر في التعامل مع الاسلام السياسي َعمق من قوة وتاثير هذين التنظيمين في المجتمع وبروزهما كمعادل موضوعي في مواجهة النظام الحاكم وكعنوان لما يسمى بالخلاص من التعسف والفساد والقمع.
لا اريد القول ان الاسلام السياسي المضطهد بالامس والذي سيحكم اليوم هو صناعة الانظمة بل اميل اكثر للقول انه نتاج غباء هذه الانظمة، لان الانظمة المشار اليها في كل الاحوال لم تكن تتقبل الديمقراطية كحالة وبالتالي كان خيار الحكم المطلق للحاكم الفرد هو البداية والنهاية لهذه الانظمة التى توهمت ان المنافع والخدمات السياسية والامنية التى تقدم لاميركا والغرب كفيلة بدعمها الى الابد في سياسية التعسف وكبت الحريات والاضطهاد، وبخاصة في مواجهة ما كان يطلق عليه «بعبع الاسلاميين».
تغيرت الدنيا وتغير العالم الان، والذين كانوا في السجون هم الان يحكمون، ويبقى السؤال هل تعلموا هم ايضا انهم شركاء مع اخرين في الحكم ام انهم ذاهبون نحو «قولبة» دولهم ومجتمعاتهم وفق رؤيتهم فقط، وهل لديهم القدرة على قبول الشراكة مع الاخر حتى لو كانت هذه الشراكة على حساب «العقيدة الدينية»، والى اي حد سيقبلون بدول علمانية يكون فيها الدين لله والوطن.
... لا شك اننا امام تجربة تاريخية مهمة ستحدد ولربما لفترة طويلة من الوقت مدى قدرة الاسلام السياسي في التعاطي مع الديمقراطية وكذلك التحديات والمشاكل الراهنة من اقتصاد وسياسة ومشكلات اجتماعية، علينا الترقب وانتظار النتائج وعدم استعجال الاحكام.


رد مع اقتباس